زنجبار، تاريخ إسلامي عريق

  • رقم الخبر 1368
  • المصدر: العتبة الحسينية المقدسة

المخلص إنّ شعب زنجبار خليط من العرب والإيرانيين (20 في المئة من عدد السكان) والهنود (10 في المئة)، والأفارقة (50 في المئة) و 97 في المئة من السكان مسلمون على رغم اختلاف أصولهم العرقية.


تقع جزيرة زنجبار إداريّاً ضمن إطار دولة تنزانيا، أما جغرافياً فهي تقع على الساحل الشرقي لأفريقيا، وتبلغ مساحتها حوالي 1600 كم مربّع، وعدد سكانها حوالي 300 ألف نسمة.

عرفت زنجبار عند قدماء الإغريق والرومان باسم منوثياس، وكانت لها صلات تجارية معها. وأول ذكر لزنجبار كان في كتاب أُلف باليونانية ويسمى قاموس المحيط الهندی. وفي أواخر القرن العاشر ميلادي أسس العجم الشيرازيون إمارات على ساحل أفريقيا الشرقي وأشهرها إمارات كيلوا وزنجبار وبمبا وممباسة.

لغة الناس السائدة هي اللغة السواحلية، وهي مزيج من لغات افريقيّة قديمة واللغة العربية. ويقدّر بعض علماء اللغة أن 70 0/0 من اللغة السواحلية من أصل عربي. ويشير المؤرّخون بأن عُمان عندما استعصت على بني أمية، فوّض عبدُالملك بن مروان الحَجّاجَ بن يوسف الثقفي في بسط نفوذ بني أمية على عُمان. وبعد جولات طويلة أرسل الحجاج جيشاً ليأخذوا سلطانا عمان سليمان وسعيد ابنا عبد الجلندي و أهلهما ومن تبعهما من قومهما إلى أرض الزنج ( زنجبار ).

وقد احتلها البرتغاليون من 1503 حتى 1698م، وفي عام 1528م استولت إمارة زنجبار على مومباسا، ثم دخلت في اتحاد مع البرتغال كسبت فيه اعفاءها من المكوس. وزنجبار في اللغة كلمة عربية محرّفة عن كلمة ( بُرج الزنج )، وتُجمِع الكتابات التاريخية والآثار أن العرب ـ وتحديداً العُمانيين ـ قد بسطوا سيطرتهم على الساحل الشرقي لأفريقيا منذ القرن الأول الميلادي، فقد امتدّ نشاط العرب التجاري إلى ساحل إفريقيا الشرقي حتّى الهند، وأقاموا المدن الزاهرة. وكانت الموانئ المنتشرة على طول الساحل محطّات ومرافئ للسفن العربية التي تخترق المحيط في طريقها إلى الهند، ولكن في عام 1964 حدث انقلاب إفريقي أدى إلى انضمام هذه المدينة إلى تنزنيا.

إنّ شعب زنجبار خليط من العرب والإيرانيين (20 في المئة من عدد السكان) والهنود (10 في المئة)، والأفارقة (50 في المئة) معظمهم من قبائل البانتو التي تعيش في شرق افريقيا، و 97 في المئة من السكان مسلمون على رغم اختلاف أصولهم العرقية. وأصبح من الصعوبة تحديد الأصول العربية أو الإيرانية للسكان بسبب الزواج المختلط. وتحاول زنجبار تعويض فشلها في التركيز على وجهها الإسلامي وفتح علاقات مباشرة مع الدول العربية، خصوصاً سلطنة عُمان.

 

الشيعة في زنجبار

وفي زنجبار الكثير من الخوارج، كما أن فيها عدداً غير قليل من الشيعة وهم في أصولهم من مهاجري الهند وإيران والبحرين والعراق وعمان، ولهم مسجدان كبيران وأربع حسينيات كبيرة وحوالي عشرين حسينية صغيرة وعدة مدارس. وفيها دار ضيافة ينزل فيها غرباء الشيعة مجاناً أنشأها الحاج رحمة الله تيجاني. ولهم مستوصف لمعاينة المرضى مجاناً أنشأه ناصر نور محمد، ودار توليد مجانية أنشأها داتو حماني، ولهم أوقاف كثيرة. ويعود تاريخ إقامة المآتم الحسينيّة فيها إلى عام 1850 في عهد السلطان برغش، حيث كان عنده قائد عسكري إيراني أدى له ولبلاده الكثيرَ من الخدمات، مما حمل السلطان على أن يبدأ بإقامة المآتم في زنجبار، وأقيم أول مأتم في قصر السلطان نفسه.

 

البصمات العربية والإسلامية في زنجبار

على الرغم من تزاوج الأعراق في زنجبار، فإن الملامح العربية تظهر على وجوه عديدة... فالجزيرة حديثة العهد نسبياً بانقطاعها عن الجذور العربية الخالصة، ولأجيال خلت كانت بعض العائلات العربية تحافظ على أصولها، فكان لا يتم الزواج إلا من أصول عربية حفاظاً على السلالة والنسب، ولكن الاجيال الجديدة تفلّتت من هذا التقليد ولا سيما بعد الاندماج الاجتماعي بين الأعراق في هذه الجزيرة.

وكثيرا ما نشاهد عبارات باللغة العربية فوق واجهات البيوت القديمة في الحي العربي القديم وقد علاها الغبار والإهمال. يعمل سكان زنجبار في الزراعة، وذلك في المزارع الممتدة على طول الجزيرة، إذ تدهشك أشجار جوز الهند وأشجار القرنفل بزهورها الحمراء.ويشكل صيد الأسماك مورداً مهماً للرزق، وفي قلب الجزيرة ينشط العمل التجاري.

وعلى الرغم مما تعرض له سكان زنجبار من قتل وهتك للحرمات والأعراض قبيل الاندماج مع تنجنيقا، فإننا نرى أن كثيراً من الشعائر الإسلامية ما زالت تُقام ولا سيما إقامة الصلوات وقراءة القرآن والأدعية المأثورة. فالمحلات والدكاكين تفتح أبوابها في السابعة صباحاً، ولكن ما أن يحين موعد صلاة الظهر حتى يذهب أصحابها لأداء الصلاة وتناول الغداء ثم القيلولة، بعدها تفتح أبوابها مرّة ثانية من الساعة الثالثة حتّى صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب يخرج الناس للنزهات، أو لتبادل الزيارات العائلية.

وأهل هذه الجزيرة يشدهم الحنين إلى مواطن أسلافهم في البلاد العربية وتحديداً إلى عُمان، ويشدهم الحنين إلى الإسلام وشعائره وتقاليده، فجزء منها في حدودها الدنيا، وجزء آخر اختلط بتقاليد السكان المحليين وعاداتهم، وجزء يشمله النسيان والإهمال. ويعمل المبلّغون قدر إمكاناتهم وطاقاتهم لنفث الروح الإسلامية في نفوس أهل هذه الجزيرة التي كانت يوماً ما حاضرة الإسلام في شرق أفريقيا. دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعية

 

نحو الهويّة

إلى جوار سعي زنجبار على المستوى الرسمي إلى تحقيق نوع أعلى من الاستقلال، يشهد الشارع والحياة اليومية نشاطات أكثر تعبيراً عن الهويّة. فعلى مدى الشهور الثلاثة الأولى من العام 1993 شهدت البلاد تظاهرتين ـ عقب صلاة الجمعة ـ تطالب بتطبيق أحكام الإسلام و إزالة آثار العلمانية وإغلاق نوادي الفيديو، ومحلاّت بيع الخمور التي أُحرق بعضها خلال أعمال عنف، ومنع السياحة. كما ازدادت نشاطات جماعات إسلامية، حديثة النشأة، وجماعة التبليغ والدعوة في المساجد، وكتاتيب تحفيظ القرآن، ومعاهد لتدريس علوم الفقه والتفسير وسط تعاطف شعبي، وأصبحت شرائط تلاوة القرآن الكريم سلعة وحيدة لأغلب الباعة المتجولين وأساسيّة في كل المحلات.

ويتنازع حزبان الوجودَ السياسي في الشارع، هما فرع الحزب الثوري الحاكم في الدولة الاتحادية (تشاما تشاما ممندوس) أو الـ برئاسة سالمين عامور رئيس زنجبار والنائب الثاني لرئيس الجمهورية بمقتضى الدستور، وحزب جبهة الاتحاد المدني الذي يتزعمه سيف شريف حمادي ـ رئيس وزراء سابق لزنجبار ـ وهو من سكان جزيرة ممبا ويحظى منذ تأسيسه العام الماضي بشعبية كبيرة داخل زنجبار وحتى على مستوى الدولة الاتحادية. وهو ذو توجّهات دينية ـ وإن كان رسمياً ليس حزبا دينياً ـ ويضمّ غالبية السكان من الأصل العربي والمسلمين في تنزانيا.

وأصبح شهر رمضان أحد التوقيتات التي تستغلها الغالبية المسلمة للتعبير عن انتمائها، إذ تشهد المساجد أكبر حضور، والمطاعم ومحلات الفيديو وبيع الخمور مغلقة، وعدد ساعات العمل تنخفض بمقدار ساعة، وتذيع المحطة المحلية الأناشيد والتواشيح الدينية. وهي ملامح كانت اختفت في بدايات الثورة عام 1964. وتحوّل شهر ربيع الأول من السنة الهجرية كل عام إلى مناسبة احتفالية بمولود النبي محمّد صلّى الله عليه وآله تستمر مدة الشهر بكامله. وتحولت أكبر المساجد ( الجامع الكبير والمسجد الحنفي ومسجد ماليندي ) إلى مراكز تجمّع المسلمين في صلاة الجمعة كل أسبوع.

إنّ مستقبل تنزانيا (الدولة الاتحادية) في خطر، وأصبح استمرارها رهن رغبة شعب زنجبار في المزيد من الاستقلال ومدى قدرة الحكومة المركزية على التحمّل، خصوصاً أن استمرار الاتحاد على ما هو عليه الآن أمر مستحيل بالنسبة لشعب زنجبار في ضوء تصاعد المد الوطني والمشاعر الإسلاميّة. ويرى الرأي العام هنا أن الأسباب التي أدّت إلى الوحدة قد زالت، وفي مقدمتها الحرب الباردة. وقبل تحوّله عام 1964، هو الذي فرض الوحدة بسبب مخاوف تحوّل زنجبار إلى قاعدة للاتحاد السوفياتي في المحيط الهندي.