المماليك الإسلامية القديمة في إفريقيا (3)

  • رقم الخبر 1389
  • المصدر: دعوة الحق

المخلص قد بلغت إمبراطورية مالي أوج عظمتها على عهد الملك كونكوموسي وحفيده من بعده سليمان. ولهذا وجب أن نقف بعض الوقت لمعرفة أخبار هذين الملكين العظيمين اللذين طبقت شهرتهما المشرق والمغرب لاتساع سلطانهما وعلو مقامهما في ذلك العصر.


من ذا الذي يجهل عظمة مالي الغابرة؟ ومن الذين لم يسمعوا بهذه المملكة التي بلغت شأوا لم تبلغه دولة أخرى في عصرها بالقارة الافريقية؟ لقد امتد ذكرها في المشرق والمغرب، حتى أصبحت مضرب الأمثال في الغنى والبذخ وكعبة القصاد من جميع البلاد والحواضر: من فاس وتلمسان وتونس والقاهرة ولشبونة والأندلس وفرنسا. وكانت البضائع تتدفق عليها من كل حدب وصوب. فلقد بلغ ما كان يرد عليها من الإبل من مصر وحدها 000 12 رأس في السنة، تأتي محملة بصنوف البضاعة.

زيادة على ما كان يرد عليها من المغرب عن طريق سجلماسة التي كانت مركزا هاما للمواصلات، وما كان يأتي من البلاد الأخرى. وكانت الصحراء الغربية آنذاك مطروقة لاينقطع فيها السير، بل كان السير فيها أكثر مما هو الآن، حتى أن بعض الأساتذة بجامعتي تنبكتو أو دجيني كانوا يقطعونها للاستراحة من عناء الدروس على ضفاف البحر المتوسط مثلما يفعل زملاؤهم اليوم بعدما يتخطون الصحراء على متن الجو.

فما أصل هذه الإمراطورية؟ ومن هم أهل ملوكها؟ وإلى أي درجة من العظمة والازدهار وصلت؟ هذا ما سنلخصه لكم اعتمادا على روايات المؤرخين والرحالة العرب وغيرهم، وخاصة ابن بطوطة الذي رحل بنفسه إلى مملكة مالي وتنقل في بعض جهاتها. ثم خلف صفحات ضمنها إعجابه بما شاهده من مظاهر المدنية والتقدم.

لانعرف الشيء الكثير عن أصل مالي. إنما الراجح أنها كانت في الأصل إمارة بحماية ملوك غانا كسائر المقاطعات المجاورة لهذه الإمبراطورية، وكان أمراؤها رهائن في قصر أولئك الملوك حتى لا تسول لهم نفوسهم أن ينقضوا البيعة. فلما دالت دولة غانا انتثر الجمع، واستعادت مالي حريتها، كما استعادت إمارة أخرى تسمى بمملكة سوسو استقلالها، وغيرها من الإمارات.

وقد عظم شأن سوسو وأخذ ملوكها يمدون ممتلكاتهم إلى ماجاورهم، وما لبثوا أن ألحقوا إمارة مالي في أوائل القرن الثالث عشر. وحتى لا يبقى لهذه الإمارة مطمع في التحرر أعمل ملك سوسو السيف في رقاب أمرائها، فقتل تباعا أحد عشر منهم. ولكن أحد الأمراء "سوندياتا" أفلت من نقمته فأسس مملكة مالي كما عرفها التاريخ. وعمرت هذه الدولة أزيد من أربعة قرون حتى أصابها ما أصاب غيرها من الانحلال والزوال.

كان سوندياتا الابن الثاني عشر لملك مالي، من عائلة كيتا الشهيرة.

وكان ذا إرادة من حديد، فظل ينظم المقاومة ضد ملك سوسو ويؤلب عليه عشيرته وأقرباءه حتى ظفر به بعد معارك طاحنة، فألحق سوسو وما كان يتبعها من إمارات وأخذ يزحف على الأقطار المجاورة واحدا تلو الآخر، فدخل سنة 1240 مدينة غانا وحطم ما تبقى منها، بينما جعل حاضرة ملكه في مدينة  نياني على ضفاف أحد روافد نهر النيجير. ولم تمض خمسة عشر عاما حتى كانت مملكة مالي تحد بأدرار شمالا، وساحل العاج جنوبا، والأطلس غربا، والصحراء الجزائرية شرقا. بحيث كانت تضم عددا وافرا من الأقاليم الإفريقية الحديثة. ومات سوندياتا بعد أن ترك مملكة منظمة يسودها الهدوء والنظام.

وقد بلغت إمبراطورية مالي أوج عظمتها على عهد الملك كونكوموسي وحفيده من بعده سليمان. ولهذا وجب أن نقف بعض الوقت لمعرفة أخبار هذين الملكين العظيمين اللذين طبقت شهرتهما المشرق والمغرب لاتساع سلطانهما وعلو مقامهما في ذلك العصر.

إنه كونكوموسى من سليل سوندياتا المتقدم الذكر وقد حكم خمسا وعشرين سنة، أبدى فيها حكمة ومهارة فائقتين، فوحد الشعوب المتنافرة التي كانت تتساكن تحت كنفه، وأقام العدل والنظام ونشر الرخاء وشجع العلم وربط علاقات ودية مع كافة الدول المشهورة في عصره. وما عتم أن أصبحت مالي مملكة مزدهرة يقصدها القاصي والداني، وتجري بها  حركة تجارية في منتهى النشاط.

وكان لكونكوموسى براعة نادرة في التنظيم، مما جعل إدارته وجيشه ومالية الدولة على عهده محط الإعجاب وكانت إمبراطورية تحتوي على 400 حاضرة، وكان يعنى مزيد العناية بهذه الحواضر موصيا بأن تكون كل واحدة منها "قاعدة للملك". وهكذا فإن الحواضر المالية على عهد كونكوموسى كانت تمتاز بالذوق والزخرفة فكانت المنازل حائطة بالحدائق والجنان، وكانت الطرقات نظيفة والمدن مليئة بالجوامع والمساجد. وكانت المتاجر تعرض صنوف البضاعة من كل فوج وإقليم. وكان الناس يعيشون في نعمة ظاهرة تدل عليها الأقمشة الحريرية والصوفية والقطنية التي كانوا يرتدونها والحلي والمجوهرات والألماس التي كانت تتجمل بها نساؤهم اللائي كن معروفات بالجمال والذوق وحسن المعاشرة.

كان كونكوموسى يسكن قصرا فخما يحتوي على عدة أروقة وساحات يحيط بالكل جدار. وكان القصر يشتمل على كافة صنوف الأبهة المعروفة عند الممالك العريقة في المجد. وكان كونكوموسى يتقن العربية، وله خزانة كتب نفسية، وكان يقرب العلماء ويفسح لهم مجلسه ويكرمهم.

عرف كونكوموسى في المشرق لما قام بفريضة الحج، فبقي ذكر زيارته للأماكن المقدسة عالقا بالأذهان عدة أجيال، لما أظهره من فخامة وأبهة وسخاء. لقد حج في ركبه عشرة آلاف من أبناء مالي وقيل ستون ألفا، وحمل معه الأكياس من الهدايا والتحف والذهب ومر في طريقه إلى الحجاز من والطا وتوات وصحراء الجزائر وبرقة ثم مصر. وقد أغدق على سكان البقاع المقدسة من ضروب الهدايا ما لم ينسوه أبدا. ولدى عودته صحبة بعض الفقهاء نذكر منهم الشاعر الأندلسي أبا اسحاق إبراهيم الساحلي، كما تزود بعدد وافر من الكتب وخاصة ما يتعلق منها بمذهب الإمام مالك الذي كان متضلعا فيه.

وحين اقترب كونكوموسى من حاضرة ملكه أخبره ساعي البريد بينه وبين خليفته أن هذا الأخير قد ألحق مملكة جديدة لمالي وهي مملكة سوغاي التي سيكون لها شأن وسنتحدث عنها. فزارها وبنى بعاصمتها مسجدا ثم خرج بعد أن أخذ ولدي ملكها رهينة عنده. ومر كونكوموسى في طريقه كذلك على تنبكتو التي كانت دار علم ومدنية زاهرة في ذلك العصر. وقد اختارها الساحلي دار إقامته إلى أن وافته المنية.

وكانت علاقات مالي بالمغرب على أحسن حال، فكانت التجارة مزدهرة بينهما وكانت لكونكوموسى علاقات ودية مع الدولة المغربية، فقد بعث بوفد إلى السلطان أبي الحسن المريني لتهنئته بفتح تلمسان وحمله عدة هدايا، فرحب السلطان بأعضاء الوفد، ووجههم إلى صاحبهم بالهدايا والتحف، وبعث معهم وفدا مغربيا لم يصل إلى مالي إلا بعد ممات كونكوموسى.

وفي عهد هذا الملك كانت الحركة العلمية مزدهرة فكان العلماء والفقهاء يفدون على مالي من كل أماكن العلم: فاس، القيروان، القاهرة. وكان عدد الطلبة في ازدياد، إما يتلقون العلم في تنبكتو وكاغو وغيرهما من المدن التي كانت لا تقل مجالسها عن مجلس أكبر العواصم العلمية في العالم الإسلامي إذ ذاك، وإما كانوا يرحلون إلى هذه العواصم نفسها.

لقد ترك كونكوموسى ملكا راسخا الأركان بقي يشهد بعظمته حتى قال أحد المؤرخين: أن القرن الرابع عشر في السودان ينبغي أن ينعت بقرن كونكوموسى.

وخلف كونكوموسى ابنه ثم أخوه سليمان نار، فكان لهذا الأخير الدور الأكبر في المحافظة على قوة الإمبراطورية ونفوذها. وكانت اتصالات بينه وبين ملوك المغرب. ولما مات أبو الحسن المريني أقام صلاة الغائب وتصدق. وفي عهد سليمان نار، زار الرحالة ابن بطوطة السودان وأقام بها متنقلا بين حواضرها فخلف لنا صفحات مفيدة وممتعة عن الحياة الاجتماعية وما بلغته هذه الإمبراطورية من تقدم ورقي.

وبعد وفاة سليمان سنة 1360 وقعت فتنة بين شيعة ابنه وأشياع ابن أخيه. تنازعوا على الملك وظفر به ماري دياتا. فبعث بوفد كبير إلى سلطان المغرب ومعه زرافة بقيت حديث الناس زمنا طويلا. ولمعرفة الاتصال الوثيق الذي كان بين المغرب ومالي، ينبغي أن نذكر أحد ملوك بني مرين وهو عبد الحكم لما أقصى عن العرش زار ملك مالي قبل أن يلجأ إلى مكة.

لكن منذ وسط القرن الخامس عشر بدأ الانحلال يدب إلى هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، ومع ذلك بقيت قائمة إلى الربع الثالث من القرن السابع عشر. وقعت حادثتان كان لهما أكبر الأثر في سقوط الإمبراطورية: الأولى استقلال مملكة سغاى، والثانية بدء الزحف البرتغالي على الإمبراطورية.

أما استقلال سغاى أو كاغو فقد تمت بعد قتال دام ثمانبة أعوام أقام بعدها الملك سونى على مملكته الإسلامية التي خلفت مالي، فاستولى على تنبكتو والتوارك وحاضرة دجيني.

بينما أخذت البرتغال تنتقص من أطراف المملكة فاستلحقت غامبيا وبدأت تعد العدة لاكتساح السوادين الأخرى، فأخذت إمبراطورية مالي تنحسر شيئا فشيئا تحت الضربات الموجهة إليها من كل جانب إلى أن سددت لها آ خر ضربة على يد إمبراطورية بامبارا سنة 1370.

ومن الجدير بالذكر أن إمبرلطورية مالي زارها أبو الحسن الوزاني أو ليون الإفريقي في ابتداء القرن السادس فكتب عن أحوالها في هذه الفترة التي كانت تجاهد فيها عوامل الاضمحلال.

وفي القرن السابع عشر كتب عبد الرحمان السعدي عن مالي بعد ما كانت دولتها قد دالت.

 

مملكة سغاي

بقي أن نتحدث الآن عن ثالث مملكة سودانية نمت وترعرعت على أنقاض مملكة مالي، وكان لها شأن عظيم إلى أن دالت دولتها على يد أحمد المنصور الذهبي أشهر ملوك الدولة السعدية. هذه المملكة هي مملة سغاي أو إمبراطورية كاغو باسم عاصمتها كما يسميها المؤرخون أحيانا.

 

المصدر: دعوة الحق/ العددان 50 و51.