المماليك الإسلامية القديمة في إفريقيا (4)

  • رقم الخبر 1392
  • المصدر: دعوة الحق

المخلص لقد ورثت مملكة سودانیه حضارة المملكتين اللتين تحدثنا عنهما وبلغت أوج العظمة منذ القرن الرابع عشر ولم تضمحل إلا في اقرن عشر. وحملت مشعل المدينة والإسلام خلال هذه الأحقاب كلها.


بقي أن نتحدث الآن عن ثالث مملكة سودانية نمت وترعرعت على أنقاض مملكة مالي وكان لها شأن عظيم إلى أن دالت دولتها على يد احمد المنصور الذهبي أشهر ملوك الدولة السعدية. هذه المملكة هي مملكة سغاي أو إمبراطورية«كماغو»باسم عاصمتها كما يسميها المؤرخون أحيانا.

لقد ورثت هذه المملكة حضارة المملكتين اللتين تحدثنا عنهما وبلغت أوج العظمة منذ القرن الرابع عشر ولم تضمحل إلا في اقرن عشر. وحملت مشعل المدينة والإسلام خلال هذه الأحقاب كلها.

 

فكيف نشأت هذه الدولة؟

لا يعرف على وجه التدقيق تاريخ نشوئها، والمؤرخون العرب ويوافقهم صاحب«تاريخ السودان»مجمعون على أن أصل نشأتها يرجع إلى القرن السابع الميلادي،أي يوافق تاريخ ظهور الإسلام. فقد كانت في الأصل مقاطعة صغيرة على ضفاف نهر النجر الأوسط على مسافة قريبة من مدينة كاغو. وتعاقب عليها ملوك لا يعرف بالضبط أصلهم من أسرة«دجة» يحتمل بعض المؤرخين أنهم من العرب، ويذهب آخرون أنهم من البربر.

وكل ما نعرف أن عدد الملوك الذين تربعوا على كرسي الرئاسة أربعة عشر قبل أن يعتنق الإسلام الملك«درجة كسوي». وذلك في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي.

وبقيت مملكة سغاي قائمة لا شأن لها، فكانت خاضعة لإمبراطورية غانا ثم لمملكة مالي.

وقد تقدم لنا أن كونكو موسى حين عودته من الحج علم بان نائبه الحق هذه المملكة بإمبراطوريته فزارها، وكان عليها ذا ذاك ملك يسمى «دجه اسيباي»فأخذ كونكو موسى معه اثنين من أبنائه من جملة الرهائن حتى لا تسول لأبيهما نفسه أن يتمرد في يوم من الأيام، وكان احدهما يسمى بعلى كولين. تربى في قصر مالي كما يتربى الأمراء على أعمال الفروسية والحرب. وكان يحن دائما إلى استرداد ملكه.

وانتهز فرصة وفاة الملك كونكو موسى ونشوب خلاف في قصر مالي ففر واستنفر قومه فبايعوه على الملك وأعلن استقلال بلاده عن إمبراطورية مالي. ومن ذلك الحين سمي بسنى على، كان ذلك سنة 1464.

جمع الملك الجديد أمره وأخذ يغير على الأقطار المجاورة والتي كانت خاضعة لإمبراطورية مالي ويلقحها بملكه حتى تكونت له مملكة شاسعة الأطراف في ظرف ثلاثين سنة.

ثم خلف سنى على العرش احد أعوانه المقربين واسمه محمد توري. وعرفت عائلة الملك من ذلك الوقت بعائلة سكيا. وكان محمد توري هذا من بناة الممالك الماهرين والمنظمين البارعين. فصرف همه في تنظيم الإمبراطورية الشاسعة الأطراف التي ورثها من خلفه:

قسم الإمبراطورية إلى أربع إمارات، وعدد كثير من العمالات لضبط أمورها. ورتب الوظائف والجيش والشرطة لضمان حسن تمشيها. وأصلح الجيش فجعل منه محترفين يقتصر دورهم على حماية الدولة وقسم العساكر حسبما تدعو إليه مصلحتها وجهزهم بآلة الحرب والعدة المعروفة إذ ذاك، ثم جعل منهم حاميات وزعت على أهم العملات للمحافظة على الأمن.

ومن الناحية الاقتصادية اتخذ سكيا محمد تدابير شجعت على تنشيط التجارة وازدهارها، ووحد المقاييس والموازين وضرب بيد من حديد على ضروب الغش. وقسم الضرائب حسب الدخل العادي لكل فرد. وازدهرت التجارة بالأخص مع المغرب ومصر وطرابلس. وكانت التجارة الخارجية وقفا على ثلاث مدن في المملكة هي: تونبوكتو، وكاغو، ودجينى. وكانت أوسع المدن حضارة وأكثرها تقدما كما سنرى بعد.

وقد كانت الحركة الثقافية والعلمية تواكب الحركة الاقتصادية. فكانت لا تخلو قافلة واردة من الخارج من فقهاء وعلماء يتوزعون على أهم حواضر الإمبراطورية للقيام بالتدريس، وكانت المؤلفات تجلب من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي.

واستقدم الملك سكيا محمد عدة علماء اناطبهم وظيفة التدريس، فامتلأت جامعة تنبوكتو ومدارسها التي كانت تبلغ 150 في ذلك العهد بالطلبة من جميع جهات إفريقيا. واختار الملك مستشاريه من الفقهاء،وكان لا يتأخر عن مراسلة العلماء بفاس وغيرها في كل نازلة أشكلت عليه.

وتوجه إلى الحج صحبة ثمانمائة من دائرته، فاجتمع بالعلماء ومن بينهم السيوطي.

هذه نظرة عن النظام الذي أحدثه الملك سكيا محمد. ولم تبلغ إمبراطورية بإفريقيا ما بلغته إمبراطورية سغاي في عهده، لا من ناحية اتساع الرقعة أو النظام والتقدم المادي والعمي. لقد كانت الإمبراطورية تحد في الشمال بمناجم تغازي للمحل وتضم قسما عظيما من الصحراء الغربية وساحل العاج جنوبا، بينما يحدها البحر الأطلسي من المغرب وشمال نيجريا من الشرق. وإذا أردنا أن نتكلم بالاصطلاحات العصرية فان مملكة سغاي كانت تشمل قسما كبيرا من صحراء الجزائر وموريتانيا ومالي والسنغال وغينيا و يبراليون وفولتا العليا والنيجر وشمال نيجريا.

وان ما يبعث على الإعجاب أن هذه الإمبراطورية على اتساع حدودها كانت تعيش في نظام وهدوء ورفاهية قلما كانت تتمتع بها دول في ذلك العصر.

ولقد خلف ليون الإفريقي ومحمد كوتي وكلاهما شاهد عظمة مملكة سغاي في عهد سكيا محمد صفحات تشهد بعظمة هذه الدولة وتدل على ما بلغته من درجة عالية في التقدم. وليس هنا محل تفصيل مظاهر رقي هذه المملكة الإسلامية التي تنشأ في أعماق القارة وأعطت الدليلي القوي على عبقرية بناتها،فكانت ولا تزال مفخرة إفريقيا.

لقد كانت إمبراطورية سغاي مليئة بالحواضر والقرى، فلا تكاد تفصل المدينة والأخرى مسافة بعيدة، ولكن أهم مدنها- كما تقدم- هي دجيني، وتنبوكتون وكاغو. وقد يطول ذكر نما بلغته هذه الحواضر من تقدم، وما كانت عليه نمن رقي.فيكفي أن نذكر بأنها كانت مدن لعم وثقافة زيادة على ما كان لها من نشاط تجاري ممتاز يربطها بأهم عواصم الدنيا. وقد بلغت الحياة الفكرية في هذه المدن وخاصة في كاغو وتنبوطكتو درجة يمكن أن تقارنها نسبيا بما وصلت إليه هذه الحياة في بعض عواصم أوربا اليوم.

وناهيك يتونبوكتو التي كانت توأمة لفاس ومراكش لا ينقطع التيار الفكري بينها. وقد وصفها المؤرخون وتغنى بها الشعراء وخصها الكتاب من أمثال السعدي واحمد بابا والحسن الوزان بصفحات مفيدة. وقد أنجبت هذه المدينة مآت الفقهاء والعلماء الأجلاء في كافة أنواع المعرفة التي وصل إليها الفكر البشري آنذاك.

هذه نظرة موجزة عن إمبراطورية سغاي التي ظلت في أوج العظمة أزيد من قرنين قبل أن تغير عليها يد الدهر. ورغم أن خلفاء سكيا محمد توري لم يبلغوا مقامه في الدهاء والسياسة والتبصر، فان الإمبراطورية ظلت راسية على قواعد متينة وبقي أهلها في بحبوحة من العيش إلى أن برزت الأطماع وتعرضت لغزو لا قبل لها به، فسقطت هي الأخرى ضحية التوسع والطغيان.

فكيف ثم ذلك؟ هذا ما سنقصه باختصار مبينين المسؤولية التي تحملتها الدولة السعدية وبطل وادي المخازن احمد المنصور في تقويض دعائم هذه الإمبراطورية الإسلامية لقاء ما كان يرتجيه من أسلاب ومغانم. مع أن علماء المغرب الذين استفتاهم أفتوه أول مرة بحرمان غزو هذه البلاد الإسلامية لكن الغرور ركبه وغلبت عليه الأهواء والشهوات. فكان ما كان...

 

نهاية مملكة سغاي

انتهى إلى علم احمد المنصور ما كانت عليه مملكة سغاي من غنى وكثرة الموارد، ووصل إلى سمعه أن بالبلاد معدن الذهب الخالص وان الناس يقصدونها من أنحاء المعمور طمعا في إبريزها. وبالغ المترددون على المغرب في وصف الثراء الذي كانت تنعم به تلك المملكة، فطمع المنصور في تملكها.

خرج منتصرا من وادي المخازن. ولم يخض معركة إلا وكتب له الظفر. وتمهد له المغرب طولا وعرضا. فقوي نفوذ المنصور في الداخل والخارج، وهابته الملوك وأصبحت تهاديه وتخطب وده وقد اقل صاحب الاستقصاء: «ولم تزل الوفود مترادفة بباب المنصور. والإرسال تصبح وتمسي على أعتاب تلك القصور إلى إن لم يبق احد ممن تشوف النفوس إليه».

كل هذه العوامل ملأت نفسه عجبا وكبرا، فشره إلى غزو مملكة سغاي بعدما هادن الأتراك بالمغرب الأوسط وابعد عن ثغور بلاده سيطرة البرتغال،وكان لابد للمنصور من انتحال سبب للهجوم على الإمبراطورية السودانية، فوجده في المطالبة بمناجم تغازي للمحل. وهي مناجم تقع شمال الصحراء الغربية وكانت خاضعة لنفوذ آل سكية يستغلونها لمصلحة دولتهم.

والغالب أن المنصور إنما جعل هذه المناجم ذريعة للهجوم على السودان. فلم تكن هذه المناجم شيئا يذكر حتى تستوجب تلك الحرب الضروس وما اقتضته من استعدادات هائلة. فلقد كتب ابن بطوطة عن مناجم تغازي، وقد زارها قبل:«وصلنا إلى تغازي...وهي قرية لا خير فيها. ومن عجائبها أن بيوتها ومسجدها من حجارة الملح وسقفها من جلود الجمال، ولا شجر بها. إنما هي رمل فيه معدن الملح يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نحتت ووضعت تحت الأرض..وبالملح يتصارف السودان كما يتصارف بالمذهب والفضة يقطعونه قطعا ويتبايعون به».

وأطنب ابن بطوطة في تحقير هذه القرية، فبين أن ماءها زعاق وان الذباب والقمل يكثر بهان مما يجعلنا نشك في أن جب تملكها هو الذي دفع المنصور إلى غزو سغاي ، والراجح انه إنما هجم على هذه المملكة لما كان يوثر عن غناها وما بها من معادن الذهب.

في سنة 1545 بعث السلطان احمد المنصور إلى صاحب سغاي وكان اسمه إذ ذاك سكيه إسحاق بخطاب يطالبه فيه بمعادن تغازي. فأجابه- على ما قيل- بكتاب ورد فيه ما مفاده: «حاشا أن يكون احمد المنصور الذي عرض على هذه العروض هو إمبراطور المغرب، وحاشاني أن اقبلها. فإسحاق الذي سيقبلها لم ولد بعد». وقيل كذلك أن إسحاق أمر ألفا من تواركة بنهب ناحية درعة من إعمال المغرب على سبيل التخويف ثم العودة إلى الصحراء.

على أن احمد المنصور لم يقم برد فعل عاجل. ومات إسحاق وخلفه سكيه داود.

وروى صاحب الاستقصاء قصة الغزو كاملة فذكر أن المنصور كاتب صاحب مملكة كاغو بعد أن استفتى العلماء فأفتوه بان «النظر في المعادن مطلقا إنما هو للإمام لا لغيره» فطالب المنصور سكيه إسحاق بان يدفع مثقالا من الذهب لكل حمل من الملح يدخل إلى السودان لستعين بهذا الخراج على جهاد الكفار.

ومن المفيد أن نذكر ما رواه  صاحب الاستقصاء حول استفاء المنصور للعلماء وما أجابوه به:

قال لهم المنصور «إني عزمت على منازلة أمير السودان صاحب كاغو وبعث الجيوش إليهم لتجتمع كلمة المسلمين وتتحد الرعيةـ، ولان بلاد السودان وافرة الخراج كثيرة المال ويتقوى بها جيش الإسلام ويشتد ساعد كتبته،مع أن صاحب أمرهم والمتولي لسلطنتهم اليوم معزل عن الإمارة شرعا، إذ ليس بقرشي ولا اجتمعت شروط السلطة فيه العظمى،» فلما نثل المنصور ما في كنانته وأبدى ما في خبيئته وعرض ما في عيبته سكت الحاضرون ولن يراجعوا بشيء، فقال لهم: «أسكتم استصوابا لرأيي أو ظهر لكم خلاف ما ظهر لي؟» فأجاب كلهم بلسان واحد ورأى متفق: أن ذلك رأى عن الصواب منحرف، وانه بمهامه عن الآراء السديدة ولا يخطر ببال السوقة فكيف بالملوك، وذلك لان بيننا وبين السودان مهامه تقصر فيها الخطأ، وتحار فيها القطا، وليس فيها ماء ولا كلاء يتأتى السفر فيها واعتساف شيء من طريقها مع كونها مخوفة مملوءة الجوانب ذعرا، وأيضا فان دولة المرابطين على فخامتها، ودولة الموحدين على عظمتها، ودولة المرينيين على قوتها لم تطمع همة واحد منهم لشيء من ذلك،ولا تعرضوا لما هنالك، وما ذاك إلا لما رأوا من صعوبة مسالكها وتعذر مداركها، وحسبنا أن نقتفي اثر الدول فان المتأخر لا يكون اقل من الأول».

وما انتهى العلماء من إبداء رأيهم حتى رد عليهم احمد المنصور بما جعلهم يتراجعون ويقولون:«ألهمت الصواب ولم يبق لأحد ما يقول وصدق من قال عقول الملوك ملوك العقلاء».

وهكذا تقرر مصير مملكة آل سكيه، فاخذ المنصور يجهز جيشا ضخما بما يلزمه من عتاد حربي وقضى ثلاث سنوات في الاستعداد: فجمع من القبائل ما يحتاجه من ابل وخيل وبغال، وهيأ المدافع والمهاريس والبارود والرصاص والكور، وانشأ السفن لعبر الأنهار والبراميل لحمل الماء. وعبأ اثنين وعشرين ألف جندي لغزو مملكة سوغاي، وعقد المنصور على ذلك الجيش للقائد جؤذر وسيره لفتح هذه المملكة بعد أن بعث بإنذار إلى إسحاق بن داود الذي آل إليه الأمر بعد وفاة أبيه وحدوث بعض القلائل في مملكة آل سكية. وقد رفض إسحاق الثاني الإذعان لهذا الإنذار.

عبر جيش المنصور الصحراء الفاصلة بين المغرب والسودان بعدما تجمع في واد تنسيفت متخذا طريقه من ثنية الكلاوي ثم درعة، وقطع مسافة ألفي كيلومتر في خمسين يوما حتى اشرف على مدينة كاغو عاصمة إمبراطورية سغاي.

ثم وجه القائد جؤذر خطابا إلى إسحاق يطلب منه الدخول في طاعة المنصور. ولكن إسحاق رفض هذا العرض المشين واسعد للقتال. فجمع جيشا قوامه ثمانون ألف مقاتل يشتمل على ثلاثين إلف من المشاة وأزيد من عشرين ألف فارس وكانت عدتهم القسي والرماح.

واصطف الجمعان. وبدأت المناوشات. فأعطى جؤذر بالمدافع بقصف صفوف السودانيين. ولم يكونوا يعرفون هذا النوع الجديد من السلاح. ومع ذلك استماتوا في الدفاع، فكانوا يرمون خصومهم بالرماح إلى أن اختلطوا بهم. لكن لم يلبثوا إلا قليلا حتى بدأت أمرات الهزيمة تبدو في صفوفهم، فاعمل الجيش المغربي السلاح في رقابهم وهم يستنجدون صائحين: «نحن مسلمون، ونحن إخوانكم في الدين». فلم ينته النهار سكية في شرذمة من قومه بعدان أعطى الأمر بإخلاء كاغو العاصمة. ودخلها جؤذر منتصرا فأطلق السبيل لجنوده يسلبون وينهبون. ووجه إسحاق رسلا إلى جؤذر يطلب الهدنة مقابل الدخول في طاعة المنصور ودفع مائة إلف مثقال من الذهب وترتيب خراج سنوي. واشترط أن ينسحب الجيش المغربي، ويترك أمر مملكة سغاي لآل سكية. فأجاب القائد جؤذر بان الأمر بيد المنصور وأنه سيعرض عليه الاقتراح.

ولما علم المنصور بالمخابرات الجارية غضب وجهز جيشا جديدا عقد عليه للقائد محمود بن زرقون وأعطى الأمر بعزل جوذر. فقطع هذا الجيش الصحراء في مدة يسيرة إلى أن وصل إلى السودان. وأخذ يلاحق إسحاق سكية فوقعت ثلاث معارك دامية انهزم فيها ما تبقى من جيش إسحاق. وتم احتلال حواضر مملكة سغاي وفر هذا الأخير إلى الأدغال. فعزله قومه، وما فتئ إن هلك.

وقام بعد إسحاق أخوه محمود سكية، ولكنه لقي نفس المصير على يد القائد محمود.

وكتب هذا الأخير بخبر الفتح إلى المنصور. وبعث له هدايا عظيمة من جملتها على ما روى صاحب الاستقصاء «إلف ومائتان من متخير الرقيق، والجواري والغلمان وأربعون حملا من التبر، وأربعة سروج ذهبا خالصا» وغير ذلك «حتى كان المنصورلا يعطي من الرواتب إلا النضار الصافي والدينار الوافي. كان ببابه كل يوم أربع عشرة مائة مطرقة لضرب الدينار الوافي دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلي وشبه ذلك. ولأجل ذلك لقب بالذهبي لفيضان الذهب في أيامه».

لكن مملكة سغاي- على خلاف ما ذهب إليه صاحب الاستقصاء- لم تذعن للأمر الواقع. فسرعان ما انتظمت المقاومة من جديد برئاسة نوح سكية احد أبناء داود الذي تقدم ذكره. ودامت هذه المقاومة أزيد من أربع سنوات، لم يستطع القائد محمود ولا القواد والجنود الذين بعثهم المنصور لنجدة جيشه في السودان إخمادها.

لقد كانت مقاومة شعبية تترصد لجيش الاحتلال وتهاجمه وتلحق به خسارات فادحة. حتى أصبح هذا الجيش لا يستطيع الخروج من الحواضر الثلاث: كاغو وديني وتنبكتو. وكان سكان الحواضر والأدغال متواطئين مع رجال نوح. فكان ضباط الجيش يفتكون بهم. وما تزال نكبة تنبكتو عالقة بالأذهان حيث وقع البطش بأعيان هذه المدينة وفي مقدمتهم العلماء الذين كانت تزخر بهم جامعة تنبكتو وقد نفي الكثير منهم إلى مراكش مصفدين في الحديد. وعلى رأسهم العلامة أبو العباس احمد بابا السوداني صاحب كتاب «تكميل الديباج». وكان يقول: «أنا اقل عشيرتي كتبا، وقد نهب لي ست عشرة مائة مجلد». وقد اعتقل هؤلاء العلماء بحاضرة مراكش.

ولكن تعريبهم على الصورة التي ذكرناها ووضعهم تحت الثقاف احدثا هزة عنيفة في الرأي العام المغربي. فلم ير المنصور بدا من إطلاق سراح احمد بابا والتخفيف على الباقي من رفقائه في المحنة بعدان فرض عليهم الإقامة بمراكش. «فتصدر الشيخ أبو العباس لنشر العلم واهرع الناس إليه للأخذ عنه، ولم يزل بمراكش إلى أن مات المنصور». فإذن له ابنه بالرجوع إلى بلاده، والتحق الشيخ بالسودان بعد أثنى عشر عاما قائلا قولته المشهورة«لا ردني الله إلى هذا المعاد ولا رجعني إلى هذا البلاد».

رجع إلى تنبكتو، فوجدها قاعا صفصفا، قد بارحها راؤوها، وانتثر عقد العلماء الذين كانوا مفخرتها وأصبحت نهبا لرهط من المتحكمين الدخلاء.

وكانت إمبراطورية سغاي تلفظ النفس الأخير لتلتحق بالإمبراطوريتين السابقتين:غانا ومالي. فلم تقم قائمة بعد القرن السابع عشر للممالك الإسلامية من هذا النوع على ضفاف نهر النيجر وفي عموم إفريقيا الغربية.

 

الأطماع الأوربية:

لقد اندفعت الدول الأوربية وراء غزو إفريقيا بأسرها بعد ذلك بمدة يسيرة، وتسابقت على التملك والاستغلال والاستعباد حتى كان تنافسها على المغانم يؤدي بها إلى الاصطدام. فاجتمع مؤتمر برلين في أواخر القرن التاسع عشر ليوزع القارة على الدول الأعضاء ويحدد مناطق نفوذها حتى لا يبقى نزاع بينها. تصرف هذا المؤتمر في رقعة إفريقيا وسكانها تصرفا كاملا فوزعها ووزعهم كما أراد مراعيا فقط مصالح الدول الأوربية الاستعمارية.

لكن تهافت هذه الدلو وفي مقدمتها فرنسا على احتلال إفريقيا الغربية مما نتج عن مؤتمر برلين من الإسراع في امتلاك مناطق النفوذ، لم يمنعا قيام مقاومات عنيفة دامية استمرت عشرات السنين ظهر خلالها أبطال استماتوا دفاعا عن بلادهم من أمثال عثمان دان فوديو، واحمد بامب، والحاج عمر طال، وسموري. فكبدوا المستعبدين خسائر باهظة، وأبانوا عن كفاءة ومقدرة في تشيد المماليك، لا تقلان عما امتاز به أسلافهم الأولون. ولكنهم لم يوفقوا حتى للمحافظة على حرية بلادهم أمام تقدم الصناعة الحربية الحديثة وتآمر أوربا إذ ذاك على اكتساح إفريقيا وامتلاكها واستغلالها مصادر ثروتها.

 

خاتمة

هذه نظرة سريعة عن ثلاث إمبراطوريات نشأت في جزء صغير نسبيا من إفريقيا. وكم لها من مثيلات في الأجزاء الباقية. وهي تعطينا صورة عما بلغته هذه القارة من تقدم مادي وفكري كان يتمشى في خط متواز مع نهضة العالم الإسلامي قبل أن تعرف أوربا بنهضتها بعدة قرون. كما أنها تدلنا على المجهود العظيم الذي بقي على الباحثين والمنقبين أن يبذلوه للكشف عن خبايا المدنيات التي توالت على إفريقيا.

ومن حسن الحظ أن نرى العناية متجهة للبحث والتنقيب سواء بالجامعات الأوربية أو في وسط المتنورين من أبناء هذه القارة. مما جعل احد الكتاب المعاصرين(1) يتفاءل بهذه البادرة قائلا:

«منذ أن بدأت الدراسات المنصفة عن القارة الإفريقية تبرز إلى الوجود مع انتفاضة الشعوب الإفريقية بعد الحرب العالمية الثانية من اجل حرياتها برزت معها إلى الوجود كذلك معلومات جديدة لم تكن معروفة من قبل عن «الرجل الإفريقي»..عن ترابه وفكره وعقائده وفنونه التي أبقتها جميعا بعيدا عن مجال المعرفة الإنسانية النظرة الاستعمارية العنصرية التي ظلت تعمل عشرات السنين من قبل على تثبيت فكرة «الإفريقي البدائي ليست له حضارة أو تراث أو فكر» في أذهان الناس. بل وربما في أذهان الإفريقيين أنفسهم..على أن هذه الفكرة العنصرية بدأت تتهاوى وتنهار مع الدراسات الإفريقية الحديثة ومع الاكتشافات الأثرية التي أثبتت أن الشعوب الإفريقية فيما وراء الصحراء جنوبا جرى عليها ما جرى على الإنسانية من قوانين الحياة، فقد كانت لها حضارات..وكان لها تراث فكري وفني وعقائدي ظلت إثارة واضحة المعالم رغم العزلة الرهيبة التي فرضها على إفريقيا الاستعمار والعبودية».

 

الهوامش:

(1) سعد زغلول: في الفلسفة الإفريقية- مجلة الكاتب العدد 11.ة

 

المصدر: دعوة الحق/ العدد 52.