التشيع في السودان

  • رقم الخبر 1416
  • المصدر: مرکز الابحاث العقائدیه

المخلص الدخول الأول للتشيع إلى السودان، قديم بقدم دخول الإسلام للسودان... والدليل على قدم الوجود الشيعي بالسودان وجود اُسر شيعية الأصل غالبها من السادة الأشراف، وتأريخ وجود هذه الاُسر بالسودان يرجع لفترات بعيدة كأيام الفاطميين بمصر والدولة الإدريسية بالمغرب وهذا في القرن الثالث والرابع الهجري.


تصحيح الرائج عن تأريخ التشيع بالسودان:

فقد مررت على هذه الصفحة وأنا اتصفح أحوال المؤمنين أهل الولاية، فراعني أن المعلومات عن شيعة آل محمد بالسودان ضعيفة وناقصة مما يدلل على أن الإخوة الذين كتبوها - وفقهم الله تعالى - ليس لديهم اطلاع كامل عن التشيع وتأريخه بالسودان...

ولكوني لست من المتخصصين في هذه الدراسة، آمل أن يصحح لنا من لديه إطلاع أوسع ومعرفة تخصصية بهذا الموضوع، ما كتبه الإخوة وما سأكتبه الآن بشكل مختصر وسأُعاود بحول الله تعالى لتفصيله وإكماله لا حقاً..

إن التشيع في السودان يجب أن يُقرأ تأريخه - من قبل من يتصدى لبيانه - من عدة جوانب. أولها الدخول الأول للتشيع إلى السودان، وهذا قديم بقدم دخول الإسلام للسودان... والدليل على قدم الوجود الشيعي بالسودان وجود اُسر شيعية الأصل غالبها من السادة الأشراف، وتأريخ وجود هذه الاُسر بالسودان يرجع لفترات بعيدة كأيام الفاطميين بمصر والدولة الإدريسية بالمغرب وهذا في القرن الثالث والرابع الهجري.

ومن أمثلة هذه الأُسر: اُسرة آل الزاكي العراقي ذات الأصل الحسيني الحسني المشترك، فجدهم هو السيد إسحاق المؤتمن بن الإمام الصادق عليه السلام، وجدتهم هي السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن سلام الله عليهم، وهي السيدة نفيسة المشهورة المدفونة بمصر ذات المشهد المعروف، ومن الاُسر التي تنتمي للبيت النبوي مذهباُ ونسباً السادة الأدارسة آل الشريف الإدريسي والسادة المراغنة والسادة العركيين إلى كثير كثير..

ومن المعلوم للجميع أن الشيعة في شمال إفريقيا وخصوصاً في مصر تعرضوا لأقسى محاولات الإبادة التي حصلت للشيعة في التأريخ، فقد قامت الدولة الأيوبية أساساً على محق وإنهاء الوجود الشيعي في هذه المنطقة، وعمل المأفون صلاح الدين الأيوبي على إنهاء أي شكل لأشكال التشيع في مصر وما طالته يداه من بلاد الإسلام، بعدما كان الشيعة قد بنوا مصر وحكموها لفترة تعدت الثلاثة قرون، وأسسوا القاهرة والمسجد الجامع الأزهر، الذي سموه على السيدة الزهراء فاطمة عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها الصلاة والسلام، وكان من الأساليب التي إنتهجها صلاح الدين لإبادة التشيع، تقتيل السادة الأشراف بغير سبب غير أنهم على دين جدهم وأنهم ينتسبون للبيت النبوي الكريم نسباً، فهاجر بدينه منهم من هاجر واُستشهد منهم الكثير ونفي آخرون، هذه الظروف جعلت الكثير من الأشراف يتجهون جنوباً نحو السودان، فاستقر بهم المقام فيه ووجدوا أن أهله في حاجة ماسة لتعليم الدين أُصولاً وأحكاماً وقراءة القرآن، فعملوا جميعهم بلا إستثناء على نشر الدين وعلومه وتعليم الناس، وهذا ما يفسر كون جميع الأُسر الشريفة تمثل مراكز إشعاع ديني وأخلاقي وأنهم رجال قرآن وتدريس، والواقع يشهد بهذا ولا نحتاج مثالاً.

لكن السادة الأشراف ما كانوا يعلمون ما سيأتي عليهم في بلادهم الجديدة السودان من ضغوط ومشاكل، وما كانوا يتوقعون صلاح الدين آخراً بالسودان، إلى أن قام هذا الأخير بتشريد وقتل المثلثة في الشهادة حسب تعبير طبقات ود ضيف الله، مما إضطر السادة الأشراف إلى التقية في تعاملهم مع الناس والطلاب، بشكل لم يستطيعوا معه القول لأبنائهم أننا شيعة، وصاروا قليلاً قليلاً وتحت التقية، رجالات طرق صوفية يمارسون عباداتهم على نطاق ضيق، ويسرون رؤاهم عن عامة الناس، ويمارسون تبليغ الدين الحق من وراء حجاب التصوف، وهذا التبليغ هو الذي جعل السودانيين محبين لأهل البيت يتسمون بأسمائهم ويمدحونهم في أشعارهم ويتبركون بآثارهم، وكل مظهر يدل على وجود تشيع بالسودان إنما هو ببركة جهود أُلائك الكرام....

ويظهر جلياً عمق تجذر المفاهيم الشيعية في أوساط الصوفية بالسودان من خلال الثورة المهدية وما روجت له من مفاهيم، ولمن يريد معرفة إرتباط الثورة المهدية بمفاهيم شيعية، فعليه بمراجعة دراستنا : المفاهيم الشيعية عند محمد أحمد المهدي، وأخيراً ولأن الفرع يعود للأصل غالباً، فقد استبصر أشخاص من كل أُسرة شيعية الأصل تقريباً، وعرفوا حقيقة تأريخهم وتأريخ أجدادهم وساهموا ويساهمون سيساهمون إن شاء الله في نشر الفكر الحق والدين الصدق دين محمد وآل محمد بالسودان وبكل العالم بحول الله تعالى...

 

ظلال التشيع في السودان

بعد أن انتبهت من الغفلة وبدأ نور الحقيقة يكشف عن الواقع التفت إلى مجتمعي في السودان الذي يتميز بالبساطة والفطرية والأخلاق الدينية، فوجدت أن هنالك أشياء أخرى بدأت تظهر لي بعد استبصاري وهو أن الخلفية الثقافية التي بني عليها الشعب السوداني نمط سلوكه وطريقة تفكيره خلفية شيعية بلا أدنى شك، لاحظت ذلك في كل مفردة من مفردات الحياة العامة في الشارع السوداني بل إن معظم معتقداتهم تهتف بأن للتشيع جذورا عميقة في السودان وأذكر أن أحد الإخوة قال لي:

- إن الصوفية ثمرة التشيع أو هم فرعان لأصل واحد بل الصوفية هم الشيعة في ثوب سني فقلت له: إذا السودان بلد شيعي انحرف به التيار.

وباطلاعي على التاريخ وجدت إشارات تبين هذه الحقيقة، وأعتقد أن الدولة الفاطمية التي قامت في مصر لها الأثر في ذلك، إذ أن حوض النيل الذي يربط بين مصر والسودان كان من العوامل المساعدة لانتقال التشيع إلى السودان في عهد الدولة الفاطمية وهي دولة شيعية.. وحب أهل البيت (ع) وما يرتبط بهم من عقائد بصورة مجملة من الثوابت الفكرية المشتركة بين مصر والسودان ومقامات أهل البيت (ع) في مصر وتسيير القوافل من السودان لزيارتها شاهد على ذلك حتى قال أحد المشايخ في السودان ويدعى محمود البرعي وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيت (ع) في إحدى قصائده " مصر المؤمنة بأهل الله " ويقصد أنها مؤمنة بأهل البيت (ع).

ولا أحد ينكر عمق المحبة لأهل البيت (ع) في مصر والسودان، وأنا لا أستطيع أن أحصر كل تلك المظاهر ذات الجذور الشيعية ولكن ما وجدناه من آثار يدل على أن الشيعة انتقلوا إلى السودان يوما ما وكرسوا في نفوس الأجيال محبة أهل البيت (ع) دون أن يعلنوا عن عمق معتقدهم وربما يكون ذلك تخوفا بعد أن تذوق الشيعة الأمرين على طول التاريخ.

ومما نستظهره من كتب التاريخ أن اعتماد الدولة الفاطمية في جيشها كان على السودانيين وكان الحرس الخاص لخلفائها منهم، يقول ابن الأثير في تاريخه وهو يصف ما فعله صلاح الدين الأيوبي في أعوان الفاطميين إن مؤتمن الخلافة - كان من السودانيين - حاول أن يقضي على صلاح الدين الأيوبي قبل أن يسيطر تماما على البلاد ويهلك الحرث والنسل فعلم صلاح الدين بما دبر له فتربص بمؤتمن الخلافة واسمه جوهر حتى قتله ثم يقول ابن الأثير فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة، فحشدوا وجمعوا فزادت عدتهم على خمسين ألفا وقصدوا حرب الأجناد ".

وقع القتال " وكثر القتل في الفريقين فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين فركبهم السيف وأخذت عليهم أفواه السكك... (إلى أن يقول) فأبادهم بالسيف ولم يبق منهم إلا القليل الشريد ".

إذا لقد كان للسوادنيين حظوة في عهد الفاطميين ولم يكن ما حدث لهم إلا لأنهم تبنوا مشروع الدولة الفاطمية وهو الدعوة لأهل البيت (ع) ومقاومتهم لصلاح الدين الأيوبي المناوئ للشيعة أكبر دليل على ذلك " وقد كانت الثورة ضد صلاح الدين من قبل الجند الفاطمي وأكثرهم من السودانيين ".

ويبدو لي أن لغلظة صلاح الدين وتحامله على الشيعة دور في اختفاء المظهر الشيعي ولصلاح الدين الأيوبي الكثير من المجازر وسفك الدماء وانتهاك حرمات شيعة أهل البيت (ع) يقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة والحاكمون ص 192 عن صلاح الدين الأيوبي أما سياسته مع الأسرة المالكة " الفاطميين " فقد كانت سياسة القمع والنذالة والخسة بأبشع صورها فقد قبض على سائر من بقي من أمراء الدولة وأنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة، وحبس بقايا العلويين في مصر وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يتناسلوا، وأعاد يوم قتل الحسين (عاشوراء) عيدا كسنة بني أمية والحجاج.

الشيعي المعلن، ولا أشك كما ذكرت أن التوجه في السودان كان شيعيا ولكن بمرور الزمن وتوافد التجار العرب باتجاهاتهم المختلفة والخوف من سطوة الأيوبي كل ذلك كان له الأثر في تغيير الأجيال اللاحقة.

 

الولاء الديني والسياسي

إن قطاعا كبيرا من الشعب السوداني ينتمي إلى طوائف صوفية تقود العمل السياسي والديني والتي غالبا ما يكون زعماؤها ممن ينتسبون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والارتباط العاطفي لهذا القطاع العريض بهذه الطرق على أساس أنهم ينتسبون إلى أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا توجد طريقة صوفية في السودان يجهل منتسبوها أهل البيت (ع) بل ويكنون لهم حبا واحتراما جما وللدلالة على ذلك نشير إلى بعض ما ورد في كتب الشريف يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية كنموذج حي لما أسلفنا: -

(اللهم إنما نحمدك بجميع محامدك السنية ونسألك بذاتك وصفاتك والكتب القديمة والأديان. أن تصلي وتسلم على محمد وآله وصحبه في كل طرفة عين، وعلى صالح آبائه وأزواجه وأبنائه والإخوان، وعلى إمام الأئمة علي وسيدتنا فاطمة اللذين تخيرت منهما الذرية، وابنيهما سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الأمة الحسنان، وعلى أئمتنا علي زين العابدين ومحمد باقر العلوم الدينية وجعفر الصادق وموسى الكاظم قادة الإنس والجان وعلي الرضا ومحمد الجواد الهداة الهادية المهدية وعلي الهادي والحسن العسكري الخالص وارثي أسرار النبوة وعلوم القرآن وإمامنا المهدي صاحب البشارة الفاطمية الذي لا خير في العيش ولا في الحياة بعده لأهل الإيمان (نقلا عن المولد الكبير ص 72 الشريف يوسف الهندي). ولم يكتف المؤلف بذكر أهل البيت (ع) ضمن مؤلفاته النثرية بل ضمنهم مجموعة من قصائده نذكر قصيدة جاء فيها:

الحسنين والإمام والزهراء في القتام ***** زين العابدين تمام القادات الهمام

الكاظم للكلام والراضي بالقسام ***** الهادي للأنام والباقر للظلام

آل البيت يا غلام أصل الدين والنظام ***** في المبدأ والختام بهم نيل المرام

ويقول في أخرى: -

سفن النجاة للملا بشهادة النص الأتم ***** هم النهى هم البهى هم التقى أهل الشيم

هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم ***** هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم

الطيبون الطاهرون من سوء أرجاس اللمم

والبيت الأخير دليل على اعتقاد الشاعر بعصمة أهل البيت (ع) عن اللمم فضلا عن غيرها من الذنوب والكبائر.

وهنالك الكثير من شعراء الصوفية الذي تخصصوا في مدح آل البيت (ع) وهذا أحدهم يسمى البرعي ومعروف في السودان يقول: -

هم أهل البيت الواضح سرهم ***** زرهم بمحبة لتنال من برهم

سيدي الحسين الثائر درهم ***** وعلي زين العابدين حبرهم

جعفرنا الصادق مع موسى صدرهم ***** أستاذنا الباقر في العلم بحرهم

في البر وبحرهم لله درهم

 

بعض الأسماء المنتشرة في السودان

إن أهل البيت (ع) اختصوا بألقاب لم تكن معروفة من قبلهم وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا وتناقلها محبوهم وأتباعهم جيلا بعد جيل وصارت أسماء متداولة وهي المرتضى (علي) والزهراء وبتول (فاطمة) حسن وحسين زين العابدين (السجاد)، الباقر، الصادق، الكاظم رضا الهادي والمهدي وهذه الأسماء نجدها منتشرة في السودان بكثرة تلفت النظر. وربما يكون انتشار اسم المهدي نسبة لمحمد أحمد المهدي الذي قام بثورة ضد الأتراك وطردهم من السودان وكون حكومة إسلامية وذلك باعتبار أنه المهدي المنتظر، وأيا كان سبب انتشار الاسم يبقى جذر الاعتقاد بولاية أهل البيت (ع). وكل الأسماء المذكورة نجدها في السودان أكثر من الدول العربية الأخرى مما يدلل على عمق محبة السودانيين لأهل بيت النبوة (ع).

كما أن هنالك العديد من القبائل التي تدعي انتسابها لأهل البيت (ع) ولا يعنينا البحث عن صحة مدعاهم وإنما نورد ذلك لدلالته على صدق قولنا حول عمق معرفة ومحبة الناس لأهل البيت (ع) ومن هذه القبائل العبدلاب ويذكرون أن نسبهم ينتهي إلى الإمام محمد التقي بن علي الهادي، وقبيلة الركابية التي يرجع نسبها كما يذكرون إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم وهنالك أيضا قبيلة الجعافرة التي تنتسب إلى الإمام جعفر الصادق (ع)... وغيرها من القبائل.

 

الثقافة الشعبية

إذا أراد أحد السودانيين أن يعبر عن مدى مظلوميته وبالغ الحيف الذي وقع به يقول: (أنا مظلوم ظلم الحسن والحسين) وربما لا يدرك البعض رغم ترداده لهذه المقولة من الذي ظلم الحسن؟ ومن الذي ظلم الحسين؟ وكيف ظلما إنما هو يردد جزءا من الموروث الثقافي الشعبي في السودان، ومن ناحية أخرى لا يكاد أحد منا في صغره لم يسمع شيئا من أبويه أو جدية عن سيف علي الكرار وشجاعة حيدر الكرار وشعر المدائح السوداني يفيض بهذه المعاني.