الطريقة التيجانية ودورها في نشر الثقافة العربية الإسلامية في نيجيريا

  • رقم الخبر 1423
  • المصدر: مجلة حوليات التراث

المخلص لعل السر في سرعة انتشار الطريقة التيجانية في نيجيريا يكمن في أن كثيرا من شيوخها، راسخون في العلوم العربية والإسلامية، ومتفرغون للدعوة الإسلامية في مساجدهم ومدارسهم في ربوع نيجيريا، فنما الشباب والشابات على حب الإسلام والطريقة التيجانية في نيجيريا طواعية.


الملخص:

لقد صحب التصوف وطرقه مسيرة الدعوة الإسلامية منذ بزوغه إلى اليوم، ولم تمنع هذه الطرق بشتى أورادها وأذكارها الإسلام من الازدهار والانتشار في أنحاء أفريقيا، وإنما أضافت إلى جمال الإسلام وبهجته في كثير من مناحيه. وقد أسلم عدد غفير من النصارى والوثنيين بواسطة الطرق الصوفية. وأهم هذه الطرق التي نالت قبولا وإقبالا لدى الشعب النيجيري الطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني رحمه الله. لقد انقاد أتباع هذه الطريقة لشروطها المعروفة في دعوة الناس إليها بالخلق النبيل، والعطاء المستمر بينهم، وبالتالي، غدت الطريقة التيجانية تزداد بين الناس انتشارا في المدن والقرى، واعتناقا كل يوم من الرجال والنساء، حتى من ذوي الثقافات العالية، والطبقات العليا. ولعل السر في سرعة انتشارها في نيجيريا يكمن في أن كثيرا من شيوخها، راسخون في العلوم العربية والإسلامية، ومتفرغون للدعوة الإسلامية في مساجدهم ومدارسهم في ربوع نيجيريا، فنما الشباب والشابات على حب الإسلام والطريقة التيجانية في نيجيريا طواعية.

 

الكلمات الدالة:

التصوف، التيجانية، الثقافة العربية، الأدب النيجيري، الإسلام.

 

النص:

كان نشاط الطرق الصوفية لنشر الإسلام من العوامل الهامة على انتشار الإسلام في أنحاء مختلفة بأفريقيا، فهم كغيرهم من الدعاة والتجار والمعلمين. وقد كانت دعوتهم تعتمد على الإرشاد، وحب الجار، والتسامح، وكل وسائل الترغيب في نشر الدين وابتغاء مرضاة الله وحسن الثواب، وذلك بتأسيس المساجد، وفتح المدارس والزوايا والمصاهرة مع أهالي البلاد التي يترددون إليها أو يستوطنونها(1).

وقد انتشرت الطرق الصوفية في أنحاء غرب أفريقيا على أيدي المشائخ الصوفيين، وأكبر هذه الطرق التي كان لها انتشار في ربوع نيجيريا ثلاث، وهي الطريقة القادرية والتجانية والسنوسية.

 

1 - الصوفية والصوفيون:

الصوفية مذهب يدعو إلى تصفية النفس وتزكيتها والتقرب إلى الله بالنوافل بعد اكتمال الفرائض للحصول على محبة الله(2). وأما الصوفيون فهم العباد والنساك المعروفون بلزوم الأذكار والأوراد، والإعراض عن زهرات الدنيا وزخارفها، والزهد في ملذاتها وشهواتها. ولقد كانت الطريقة عند الصوفيين رابطة روحية تتخذ التعبد والتنسك وسيلة لإصلاح النفس والمجتمع، وتقوم بالرياضة التي تسمو بها النفس إلى درجة الاتصال الروحي بالملإ الأعلى، فيصير كل ماعدا الله باطلا حقيرا في أعينهم(3). وإذا كان للصوفية بعض السلبيات في البلاد الأخرى فإن لها إيجابيات في غرب أفريقيا بشكل عام، وفي نيجيريا بشكل خاص، قبل الاستعمار البريطاني وطيلة أيامه فيها.

ولهؤلاء الصوفيين جهود ملموسة في نشر الإسلام، ونفوذ كبير في المجتمع النيجيري، ولولا الطريقة الصوفية لما استطاع عبد الله بن ياسين أن يؤسس دولة المرابطين، ولما تسنى للشيخ عثمان بن فوديو الفلاني أن يجدد قوة الإسلام في نيجيريا.

 

2 - الطريقة الصوفية والدوافع إليها لدى الشعب النيجيري:

الطريقة الصوفية عبارة عن رابطة روحية تضم أفرادا وجماعات من الناس تحت قيادة واحدة يسمعون لهذه القيادة، ويطيعون لها في المنشط والمكره(4). وكان أغلب مسلمي نيجيريا يلتزمون طريقة من الطرق الصوفية كالقادرية والتجانية والسنوسية، وكان من أسباب تمسك التجانيين بأوراد هذه الطرق وأذكارها ما يأتي:

أولا: اعتقادهم أن لها تأثيرا كبيرا في استجابة دعواتهم أو أن الولي الذى انتسبوا إليه إنما حصل على درجة الولاية من تلك الأذكار.

ثانيا: فطرة التدين في نفوس الكثيرين منهم، فلم تطب نفوسهم بالاقتصار على الفرائض دون إضافة النوافل الخيرية إليها باعتبار أن الفرائض رؤوس الأموال، والنوافل هي الأرباح التي تؤخذ منها لتكميل الفرائض إذا انتقضت.

ثالثا: كان العلماء يتشددون في ضرورة الأخذ بالتجويد لقراءة القرآن، فيهرب العوام من تلاوته إلى الالتزام بالأوراد التي يحصل لهم فيها الأجر والثواب دون تلاوة القرآن التي يأثمون منها إذا لم يجودوا القرآن كما يجب(5).

هذه النقاط الأساسية هي التي تدفع كثيرا من مسلمي نيجيريا إلى الأخذ بطريقة من الطرق الصوفية المنتشرة في البلاد.

 

3 - انتشار الطريقة التجانية في نيجيريا:

تقول الرواية إن أعظم الداعية الذي نشر هذه الرابطة الروحية في غرب أفريقيا هو الحاج عمر الفوتي، ويقال إنه أخذ الطريقة التجانية من الشيخ علي حرازم، صاحب جواهر المعاني، والتلميذ الأكبر لمؤسس الطريقة(6) وهو أول من نشر هذه الطريقة في بلاد السنغال(7). ولم يعرف بالضبط متى تغلغلت التجانية إلى نيجيريا، وإن كانت الروايات تذهب إلى أيام الدولة العثمانية بصكتو، يقول الدكتور علي أبو بكر في هذا الصدد: "ولكن الطريقة التجانية أيضا قد شاء لها القدر أن تظهر في البلاد في عهد الشيخ عثمان نفسه، وذلك على يد الشيخ الحاج عمر الفوتي الذى مر بالديار الحوسوية في طريقه راجعا من الحج، فنزل ضيفا على الشيخ عثمان، وتذهب الروايات إلى أن الضيف قد عرض على مضيفه الطريقة التجانية، وحاول أن يكسبه لها ولكنه لم ينجح، وعندئذ عقد العزم على الرحيل فغادر البلاد متوجها صوب بلاده الواقعة في منطقة مرتفعات فوتا جالون"(8).

وقد زوج السلطان محمد بلو ابنته بينما يعود الشيخ عمر الفوتي إلى بلاده. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الطريقة تنتشر في نيجيريا، ولكن الانتشار لم يتسع اتساعا ملموسا إلا بعد الحرب العالمية الأولى. وبالتحديد، انتشرت هذه الطريقة في عام 1933م حين أنشأ ألفا هاشم، والشريف العلوي زاوية لها في مدينة كنو بشمال نيجيريا.

وفي هذه الفترة بالذات، أرسل الشيخ إبراهيم إنياس الكولخي من بلاده بالسنغال جوابا إلى الحسن طن تاتا، أغنى رجل في مدينة كنو، وله نفوذ كبير في الدوائر التجارية، ولم يلبث أن انضم إلى الطريقة أمير كنو، الحاج عبد الله بايرو في سنة 1937 عند ما حج والتقى هناك مع الشيخ إبراهيم إنياس كما انضم إليها أمير كثنا، وأرغنغ، وعدة قضاة ورجال علم(9).

ومما زاد في انتشار الطريقة في نيجيريا كثرة زيارة شيوخها الكبار من الخارج، ففي عام 1949م زار نيجيريا الحفيد الرابع للشيخ أحمد التجاني، السيد بن عمر التجاني، فنالت الطريقة من الشهرة والانتشار ما لا يتصور. وقد لقي الزائر الحفاوة البالغة لدى المسلمين عموما والتجانيين خصوصا.

ومن الشيوخ الزائرين الشيخ محمد حفيد التجاني الملقب بشريف زنغنا، والشيخ عبد الوهاب المعروف بالشريف أجدود وغيرهما من شيوخ الطريقة الوافدين إلى نيجيريا في طريقهم إلى الحرمين أو المتجولين في أفريقيا لنشر الطريقة.

ولقد جدد بعض من المتقدمين في الطريقة إذنهم فيها من هؤلاء الشيوخ الزائرين، وأصبحوا تلاميذ ومريدين لهم بل قاموا مساعدين في نشر الطريقة بكل الوسائل. وبذلك انضم إلى الطريقة التجانية خلق كثير من الأمراء والعلماء والتجار وغيرهم(10). وعلى العموم، فإن هذه الطريقة، انتشرت في نيجيريا بفضل مشائخها الوافدين من خارج الوطن، وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم الكولخي السنغالي الذي لعب دورا هاما في انتشارها، ونالت من الشهرة على يديه ما لا مزيد عليه.

وقد قبل التجانيون النيجيريون دعوته بكل إخلاص، وصدقوه تصديقا جازما. بل هو أكثر المشائخ اتباعا في غرب أفريقيا يزورونه كل عام، ويحجون معه في موكب واحد، ويستقدمونه لبلادهم في مختلف المناسبات. ولعل تائية سيد حمل بن محمد الملقب بالحاج كولخ تمثل مئات القصائد التي قالها العلماء النيجيريون الصوفيون في مدح الشيخ إبراهيم إنياس الكولخي يقول(11):

دروا أنني قد خضت بحر المحبة ⁂        لذا الشيخ ذي النورين دنيا وأخرة

هو شيخ إبراهيم إنياس كولخي    ⁂        بن الحاج عبد الله مولود طيبة

محبة هذا الشيخ عين العبادة       ⁂        بعيد إقام الفرض فاختم بسنة

فما لي شغل بالعلوم العميقة       ⁂        ولا أعرف الإعراب فالحب خدمتي

فلا تسألوني عن علوم وحكمة    ⁂        فعلمي حب الشيخ برهام قدوتي

كفى حبه عن كل شيء طلبته      ⁂        من الله يأتيني سريعا كلمحة

فمدحي لهذا الشيخ لو كنت قادرا          ⁂        لأكتبه بالتبر لا بمدادتي

أيا لائمي أكثر من اللوم إنني       ⁂        على حب هذا الشيخ روح عبادتي

فالناظر إلى هذه المقطوعة يرى صورة الحب العذري الذي يكنه المادح لممدوحه، وليس هذا الشاعر بدعا في هذه الصفات للشيخ إبراهيم الكولخي، وإنما هي عادة علماء نيجيريا، فما من صوفي له إلمام بالشعر العربي إلا ويدلي بدلوه في الميدان.

 

4 - دور الصوفية في نشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية في نيجيريا:

ولقد صحب التصوف وطرقه مسيرة الدعوة الإسلامية منذ القرن الثالث الهجري، وهو من القرون الأولى التي عاش فيها السلف الصالح، ولم تمنع هذه الطرق الإسلام من الازدهار بل كان رجال الطرق من زعماء الحضارة والمدنية، وقواد الركب، ومؤسسي الدول، وإن كان الأمر مدا في ناحية، وجزرا في ناحية أخرى، فتلك الأيام يداولها الله بين الناس من أيام النبي، والصحابة، والتابعين، وأخبارهم مذكورة ومشهورة في بطون كتب التاريخ(12).

ومن لاحظ بدقة فإنه يؤمن أن حركات التصوف الإسلامي لها فضل لا ينكرها أحد منصف فضل الصوفية الأبرار في نشر الإسلام في مختلف الأقطار، كما لا ينكر أحد فضلهم في إصلاح الأخلاق، وإثراء الفكر الإسلامي بالحكمة والمعرفة، ومجاهدة النفس والهوى والشيطان. فقد لحق بركب الصوفية عدد من الأعلام لا حصر لهم عبر القرون ولا يمكن إسقاطهم من حساب علماء الإسلام. وهناك الكثير من الأعلام المحدثين الذين تربوا تحت كنف الصوفية(13).

ومن أكبر العلماء الذين اتخذوا التصوف الإسلامي مهنة للدعوة الإسلامية في غرب أفريقيا الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي، فكثيرا ما يتردد إلى البلدان الإسلامية وغير الإسلامية لنشر الإسلام من ناحية، والطريقة التجانية من ناحية أخرى.

وإليك قصيدة قالها الشيخ إبراهيم نفسه أثناء رحلاته من مسقط رأسه بكولخ إلى باريس وبلجيكا، والقاهرة، ولندن، وبيروت، وكراشي، والهند بغية نشر الدين الإسلامي في أوساط المسيحيين وغيرهم يقول(14):

فغادرت أوطاني وأهلي وأسرتي ⁂        أجوب الفلا لم أشك قط كلالا

بكولخ طورا أو بيوف ومرة         ⁂        بباريس دار الفاسقين كسالا

ببلجيك يوم ثم يوما تجولا         ⁂        بقاهرة أبغي هناك جمالا

لعبد المليك القرم قد جئت موهنا          ⁂        وما لندنا أبغي فهبها خيالا

ببيروت أنحو الصين بالشرق خادما         ⁂        رسول إله العرش وهو تعالا

كراشي بها خلفت أهل مودتي     ⁂        هم نصروا دين النبي فعالا

قد اعتصموا بالحبل حبل محمد   ⁂        كبارا وأطفالا نسا ورجالا

بدار علوم الدين أدركت نزهتي    ⁂        فقد شيدت مجدا يفوق مقالا

بلاهور بالهند القديم عمارة         ⁂        مسيري إلى المولى وجل جلالا

علوت البحار الزاخرات وإنني     ⁂        علوت القرى والمدن بله الجبالا

أروم رضى الباري لنصرة دينه     ⁂        وأبرز للجيل الجديد مثالا

ضعيف عليل شائب متحمس      ⁂        لينصر دينا لا يريد قتالا

فلا شك أن من أهداف الطرق الصوفية - بغض النظر عن طريقة ينتسب إليها العالم - فإنها تدعو إلى الإسلام، وطلب العلم، ومعرفة الله عن طريق الدعاة الغيورين، والمنشورات الإسلامية، وكل الوسائل الممكنة.

 

5 - سمات الشيوخ التجانيين الكبار:

لنيجيريا في الطرق الصوفية أعلام بلغوا في الثقافة العربية الإسلامية مبلغ النضوج العلمي، والفكر الأدبي، وتأثروا بهما في المجتمع النيجيري تأثيرا قويا بعلمهم وأدبهم وورعهم، وأبرز سمات هؤلاء المتصوفة في كفاحهم الإسلامي في النقاط الآتية:

 

1 - النضوج العلمي:

يتسم النبوغ العلمي عند كثير من شيوخ الطرق الصوفية في نيجيريا إذ أن أغلب الذين يفتتحون المعاهد العلمية في بيوتهم منذ قرون خلت فجلهم، إن لم يكن كلهم، ينتمون إلى إحدى الطرق الصوفية الثلاث "القادرية والتجانية والسنوسية" فهؤلاء المشائخ هم أكثر الناس إقبالا لطلب العلم على اختلاف علومهم ومشاربهم وأكثرهم أتباعا ونفوذا في المجتمع، وهم يدرسون عشاق العلم بصرف النظر عن جنسياتهم وألوانهم وطبقاتهم بدون مقابل.

وطريقة الدراسة فيها عبارة عن الابتداء بالكتب الدينية السهلة ثم قراءة بعض كتب اللغة ثم بعض كتب النحو ثم الحساب ثم التفسير ثم الصرف والبلاغة ثم التاريخ والمنطق والعروض. وقد يدرس الطالب جميع هذه الفنون عند أستاذ واحد إن كان متفننا، وقد يعدد أساتذته إذا شاء أو ينتقل من معهد إلى آخر(15).

وفي مقدمة هؤلاء الشيوخ المتفننين الشيخ أحمد التجاني بن عثمان الكنوي، والشيخ طاهر عثمان بوثي، والشيخ عبد القادر الغسوي، والشيخ يوسف عبد الله اللكوجي كلهم تجانيون نيجيريون.

 

2 - الإنتاج الأدبي:

مما لا يختلف فيه اثنان أن الفضل في الإنتاج الأدبي في التأليف في مجالات الفنون العربية والإسلامية يعود إلى الصوفيين، فقد كتبوا في الفقه والأدب واللغة والعروض والتصوف كتبا تدل على مقدراتهم العلمية، ومواهبهم الفنية، ومنهم من ألف ما يزيد على مائتي كتاب كالشيخ عبد الله بن فوديو الفلاني(16)، وأخيه عثمان المجدد والمجاهد الأكبر بغرب أفريقيا، والسلطان محمد بلو الجد الأعلى للشهيد أحمد بلو رئيس وزراء نيجيريا سابقا. وإذا جمعت مؤلفات هؤلاء الثلاثة فقط دون غيرهم تزيد على ثلاثمائة كتاب تقريبا، وكلهم صوفيون وإن كانوا على الطريقة القادرية. وأما الذين امتازوا عن غيرهم في مجال التأليف من التجانيين فأمثال الشيخ أبو بكر عتيق الكثناوي الذي كتب حوالى خمسين كتابا تدور موضوعاتها في الدراسات الإسلامية واللغة العربية والتصوف. يقول محمد الأمين عمر في كتاب نال به مؤلفه درجة الماجستير من كلية الآداب والدراسات الإسلامية، جامعة بايرو - كنو، عن الشيخ أبي بكر عتيق: "كان لثقافة الشيخ العظيمة والاطلاع الواسع والاتصال بعلماء عصره الأثر الكبير في حياته العلمية فألف كتبا كثيرة في علوم مختلفة تناول فيها في الغالب الأمور الدينية واللغة العربية والتصوف بلغت مصنفاته في العلوم المختلفة حوالى خمسين كتابا"(17).

ومنهم الشيخ يوسف عبد الله اللكوجي التجاني الذي ألف ما يزيد على سبعين كتابا تشمل موضوعاتها على الأدب العربي النيجيري من أدب، وعلم الأخلاق، وتصوف ما بين منثور ومنظوم. ولعل من الأنسب أن نقيد هنا ما قاله الدكتور موسى عبد السلام مصطفى أبيكن أحد طلابه البارزين قائلا: "تعتبر مؤلفات الشيخ يوسف عبد الله من أكبر إنتاجات علماء نيجيريا اليوم غزارة، وأكثرها مناسبة بالبيئة التي يعيش فيها بل أشد حاجة للناشئين لأنها تشمل موضوعاتها على النقاط الآتية: الأدب الإسلامي، والمديح النبوي، وعلم الأخلاق والأدعية إضافة إلى الخطب المنبرية، والمقالات الأدبية الملقاة في الحلقات الدينية والثقافية. ومهما يكن من أمر فقد كتب الشيخ ما لا يقل عن ستين كتابا ما بين منثور ومنظوم"(18). وهنالك شيوخ آخرون بلغوا في التأليف الذروة العليا وكان ولا يزال هدفهم الأقصى الخدمة الإنسانية بشكل عام، وانتشار الطريقة الصوفية بشكل خاص.

 

3 - الدعوة الإسلامية:

إن من إحدى الطرق التي بها انتشر الإسلام في أفريقية الغربية عامة، وفي نيجيريا خاصة التنقل بالدعوة من قرية إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر. وقد تجشم العلماء النيجيريون على عاتقهم أعباء الدعوة الإسلامية لأنهم يرونها من باب الوجوب عليهم فيترك بعضهم بلده إلى بلد آخر على أساس نصرة الدين الإسلامي وانتشاره.

ويمكن تقسيم الدعاة في نيجيريا إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الذين يعقدون مجالس وعظهم في مساجدهم ويلقونه على جماعتهم كل يوم جمعة بعد صلاة الصبح حتى الإسفار أو ليلة كل جمعة بعد صلاة العشاء.

القسم الثاني: الذين يخصصون لوعظهم يوما معينا أو ليلة ومعينة في الساحات العامة يحضرها الرجال والنساء ويقضون الساعات.

القسم الثالث: الذين يتطوعون بوعظهم ويتنقلون له من بلد إلى آخر، ويعقدون له مجالس هامة يجاهدون به الكفار والوثنيين، ويذكرون المؤمنين. ولقد كان لهؤلاء فضل في دخول الناس إلى دين الله أفواجا وأفذاذا. وأشهر من عرف منهم في بلاد يوربا الشيخ سعد النفاوي الإلوري، وقد كان يتغلغل في المدن والقرى بوعظه حتى دخل نحو مائة ألف كافر في الإسلام في بلاد يوربا والداهومي(19). واشتهر بما كان يكرره من الكلام الذي بمعناه "كيف يفلح من لم يتعلم ولم يسأل العلماء". ورواية أخرى تقول إن الذين أسلموا على يديه بلغوا نصف مليون، ولم يترك بلدا هاما في بلاد يوربا إلا دخله ووعظ أهله(20).

وقد دعاه بعض الناس بالمهدي ولكنه أنكر عليهم فقال إنه واعظ فقط وليس بالمهدي المنتظر، وأخيرا رضي بقبول درجة أمير الواعظين التي خلعها عليه أمير إلورن المسمى بشعيب لآثار وعظه وإرشاده ليس فقط في مدينة إلورن، ولكن في جميع البلدان بنيجيريا والأقطار المجاورة، استأثر الله به عام 1935(21).

هذا، وقد اخترع الوعاظ أسلوب الوعظ بالأشعار العجمية في نغمات يتذوقها أبناء البلاد، ويتأثرون بها ولا ينسونها أبدا ويسمونها "واكا"(22) في لغتي هوسا ويوربا. فقد اعتادها بعضهم حتى صارت له ملكة يقتدر بها على تفسير كل آية من القرآن(23).

وأكبر أهداف هؤلاء العلماء الدعاة تنحصر في القرارات التي أرسلوها إلى الحكومة الفيدرالية وجمهور الشعب النيجيري، فهي كالتالي: العمل بالتشريع الإسلامي، الاعتراف بالتاريخ وبالأعياد الإسلامية... وهذه النقاط من القرارات التي أصدرها مجلس العلماء ويطالب الحكومة بتحقيقها(24).

 

4 - الحفلات الإسلامية في بلاد يوربا.

إن من أسباب انتشار الإسلام في بلاد يوربا ما ابتدعه العلماء من نظام الحفلات لبعض شعائر الإسلام تعظيما لها، وتنشيطا للمسلمين عليها وترغيبا للكافرين في الإسلام، ويقوم بعض تلك الحفلات في المساجد كحفلة تولية الإمامة، واعتناق كافر شهير للإسلام، وبعضها في المدارس كحفلة ختم القرآن أو ختم كتاب كبير أو التخرج النهائي من المدرسة، وبعض الحفلات تقام في المنازل كحفلة عقدة النكاح واستقبال العائد من الحج. لقد صارت هذه الحفلات في بلاد يوربا أداة من أدوات الدعوة إلى الله، ومجلسا من مجالس الوعظ والإرشاد، فلا غرو في أن كل اجتماع للمسلمين فرصة تتيح للواعظ أن يخاطب الجمهور بما يناسب الموقف والواقع من حكم الله ورسوله.

 

5 - عدة الصوفية ومنهجهم:

لقد انتشر الإسلام في غرب أفريقيا على يد الدعاة والمعلمين الذين وهبوا أنفسهم لنشر هذا الدين بين سكان القارة، وهؤلاء الدعاة لا يمثلون فئة مرسلة من قبل هيئة إسلامية أو حكومة مركزية بل كانوا يقومون بهذا العمل بدافع الواجب الديني، ورغبة منهم في كسب رضى المولى جل وعلا، لذا لم تكن هناك هيئة تشرف على نشاطهم، وكانوا يجوبون بلاد أفريقيا من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب(25).

زادهم الإيمان، ورفيقهم القرآن، وعونهم الصبر الجميل على مكابدة المخاطر، وهدفهم الأقصى نشر كلمة التوحيد بين تلك الأمم التي تعيش على الفطرة والصفاء. ولم يكن الدعاة يمثلون فئة معينة بل كان منهم التاجر يتخذ من التجارة وسيلة لكسب العيش الحلال ثم يقوم بأداء رسالته، وباعتباره تاجرا يستطيع الاتصال بجميع طبقات الشعب بحكم مهنته وعن طريق هذا الاتصال يستطيع أن يدعو من يتوسم فيه قبول الدين الإسلامي منه.

للطريقة التجانية دور هام في نشر الثقافة العربية الإسلامية في نيجيريا، ولها أعلام في كل ولاية من ولايات نيجيريا بأسرها، يحملون راياتها بالدفاع عنها بأقلامهم السيالة حينا، وفي مجالس مواعظهم الفعالة أحيانا أخرى، فانتشر بذلك العلم والإسلام والطريقة التجانية إلى البقاع المعمورة في نيجيريا كلها. ولا أدل على ذلك من موقف الشيخ آدم عبد الله الإلوري من هذا الأمر حين قال: "لقد عرفنا الإسلام في هذه البلاد - نيجيريا - على أيدي رجال صوفيين، وتعلمنا العربية والثقافة الإسلامية من مشائخ صوفيين، وتربينا تربية دينية من آباء صوفيين، فلا نطيب نفسا، ولا نقر عينا أن نكافئ حقوقهم علينا بالعقوق والعصيان"(26).

 

الهوامش:

1 - صالح موسى إبراهيم: المرشد في التاريخ الإسلامي، مطابع شركة الحكمة، كنو 1987، ج4، ص 47.

2 - مقالة قدمها الشيخ آدم عبد الله الإلورى في الندوة الصوفية بمناسبة عيد الأربعين عاما من تأسيس مركز التعليم العربي الإسلامي بعنوان: دور التصوف والصوفية، عام 1990، ص 7.

3 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، منشورات مركز التعليم العربي الإسلامي بأغيغي، ط2، لاغوس 1978، ص 41 - 2.

4 - آدم عبد الله الإلوري: توجيه الدعوة والدعاة في نيجيريا وغرب أفريقيا، مطبعة الأمانة، القاهرة 1979م.

5 - المرجع نفسه، ص 79 - 80.

6 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا، ص 44.

7 - نفسه.

8 - علي أبو بكر: الثقافة العربية في نيجيريا من 1750 إلى 1960، مؤسسة عبد الحفيظ البساط، ط1، بيروت 1972، ص 200.

9 - المرجع نفسه، ص 201.

10 - شيخ عثمان كبر: الشعر الصوفي في نيجيريا، دار النهار، القاهرة، ص 103 - 104.

11 - الحاج كولخ: تحفة المجذوب في مدح المحبوب، ص 1 - 6.

12 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا، ص 122 - 123.

13 - آدم عبد الله الإلوري: تاريخ الدعوة إلى الله بين الأمس واليوم، مكتبة وهبة، ط3، القاهرة 1988، ص 199 - 200.

14 - إبراهيم بن عبد الله الكولخي السنغالي: نزهة الأسماع والأفكار في مديح الأمين، الجزء الأول، قام بطبعه الحاج محمد بن الحاج عبد الرحمن، ص 220 - 221.

15 - علي أبو بكر: الثقافة العربية في نيجيريا، ص 157.

16 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، ص 64.

17 - محمد الأمين عمر: الشيخ أبو بكر عتيق وديوانه هدية الأحباب والخلان، مطابع الزهراء، القاهرة، ص 26.

18 - د. موسى عبد السلام مصطفى أبيكن: الشيخ عبد الله يوسف اللكوجي ومساهمته في الأدب العربي النيجيري، ص 8.

19 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا، ص 141 - 142.

20 - آدم عبد الله الإلوري: لمحات البلور في مشاهير علماء إلورن، مكتبة الآداب، القاهرة، ص 45.

21 - نفسه.

22 - شعر واكا، فن يحتل في المجتمع الإلوري مكانة مرموقة لصلته بالإسلام الذي هو دين أهل إلورن ولارتباطه بحياتهم أيما ارتباط، فهو بلا أدنى شك أقرب إلى الشعب، وأكثر تعبيرا عن حياتهم من أي فن شعبي آخر. لمزيد من المعلومات انظر، د. مشهود محمود محمد جمبا: واكا إلورن، ط1، ص (ك).

23 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام في نيجيريا، ص 142.

24 - موسى سليمان: الحضارة الإسلامية في نيجيريا، ط1، 2000، ص 9.

25 - فضل كلود الدكو: الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم من 600 - 1000 هـ، منشورات الكلية الإسلامية، ط1، 1998، ص 137.

26 - آدم عبد الله الإلوري: الإسلام اليوم وغدا في نيجيريا، مكتبة وهبة، القاهرة 1985، ص 120.

الإحالة إلى المقال:

 

الکاتب: د. موسى عبد السلام أبيكن/ جامعة ولاية كوغي أينبا، نيجيريا

المصدر: مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014.