مظاهر الحضارة الإسلامية في الممالك الإفريقية (2)

  • رقم الخبر 1439
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص بظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي أخذت الصلات مع ساحل شرق إفريقيا طابعاً يختلف عن فترة ما قبل الإسلام؛ إذ إن العرب المسلمين سيطروا على الساحل، وبسطوا نفوذهم، وشيّدوا مدناً على طول الساحل بالرغم من عدم وجود وحدة سياسية تجمع كل هذه المدن.


ثانياً: الممالك الإسلامية في شرق إفريقيا:

ارتبطت شرق إفريقيا ارتباطاً وثيقاً ببلاد العرب، وأقدم اتصال عرفته شرق إفريقيا ببلاد العرب كان اتصال شعبي وادي الرافدين في عهد سيرجون الأكادي الذي حكم العراق في عام 1709 ق. م[1].

كما وفد السبئيون، وهم عرب جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الساحل الشرقي لإفريقيا بغرض التجارة، واختلطوا بأهل الساحل، وتصاهروا معهم، في منتصف الألف التي سبقت ميلاد المسيح عليه السلام، وبدأ الطابع العربي يظهر على الساحل[2].

وبظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي أخذت الصلات مع ساحل شرق إفريقيا طابعاً يختلف عن فترة ما قبل الإسلام؛ إذ إن العرب المسلمين سيطروا على الساحل، وبسطوا نفوذهم، وشيّدوا مدناً على طول الساحل بالرغم من عدم وجود وحدة سياسية تجمع كل هذه المدن.

وقد كان لوجودهم الأثر الواضح، فهم الذين أخذوا بأيدي السكان الأصليين في مسالك الحضارة، وأضفوا على حياتهم طابعاً ثقافياً واجتماعياً وإسلامياً، وظهر في المنطقة مجتمع جديد نتيجة لامتزاج الدماء العربية بالدم الإفريقي، وعُرف المجتمع بالمجتمع السواحلي، وتفرد بمميزاته الثقافية.

ومن أبرز مظاهر ذلك المواءمة بين الإسلام والتقاليد المحلية بما لا يتعارض مع تعاليم الإسلام، كما ازدهرت التجارة في مدن الساحل، وعمّ الرخاء، وارتفعت مستويات الحياة، وانتشر الإسلام واللغة العربية.

وشرق إفريقيا حالياً تشمل دول إثيوبيا والصومال وكينيا ويوغندا وتنزانيا ورواندا وبورندي، ونعني هنا بساحل شرق إفريقيا المطل على المحيط الهندي، وبخاصة المنطقة الممتدة من مقديشو في الشمال إلى سفالة في الجنوب، ومنطقة الساحل هي التي أوصلت الحضارة الإسلامية والروابط التجارية الثقافية إلى داخل الهضبة في شرق إفريقيا.

وقد شهدت المنطقة هجرات وتحولات سكانية، وأبرز من هاجروا إليها أهل عمان وأهل حضرموت الذين استوطنوا بعض الجزر والمناطق الساحلية في هجرات صغيرة، فطبعت المنطقة بلغتها ودينها كما اختلطوا بالسكان المحليين، ثم توالت هجرات من الإحساء والبحرين وعمان وحضرموت واليمن بشكل أوسع بهدف الاستيطان الدائم[3].

ثم كان الساحل الشرقي لإفريقيا ملاذاً للفارّين إليه من شبه الجزيرة العربية في القرون الأولى لانتشار الدعوة الإسلامية، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وذلك حينما قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «تفرقوا في الأرض؛ فإن الله سيجمعكم»، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: «ها هنا» وأشار بيده الشريفة إلى أرض الحبشة، «فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله فرجاً مما أنتم فيه»، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فكانت أول هجرة في الإسلام[4].

ثم في عصور إسلامية لاحقة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان 65 - 86 هجرية جاءت هجرات عربية فراراً من التنكيل والبطش السياسي في دولة بني أمية إلى شرق إفريقيا، ودعموا جهود تأسيس المدن الإسلامية بعد أن انضموا لمن سبقهم.

وفي الفترة من 75 – 85 هجرية كانت أبرز الهجرات السياسية المكوّنة من سليمان وسعيد أبناء عباد بن الجلندة من قبيلة الأزد العمانية، والتي كانت تحكم عمان في فترة بني أمية، وقد كانوا يؤيدون عبد الله بن الزبير في ثورته في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك بن مروان قد وجّه إليهم الحجاج بن يوسف الثقفي 75هـ / 694م، فكان ملاذهم منه ساحل إفريقيا الشرقي.

ثم كانت هجرات الزيدية من اليمن في 757م، فانتشروا في ساحل بنادر، وتوغلوا في الداخل، واتسع ملكهم حتى ضم مدينة مقديشو، وهي مدينة أسّسها العرب المسلمون[5].

وباستقرار هذه الجماعات في شرق إفريقيا ظهرت إرهاصات قيام الممالك الإسلامية في شرق إفريقية؛ إذ تحوّلت الإقامة إلى نظام اجتماعي وسياسي يدير شؤونهم الداخلية، ويحدّد العلاقات الخارجية مع من حولهم، فتطوّرت التجمعات إلى قيادة مركزية، فبدأت الممالك والسلطنات، ومنها:

 

إمارة شوا:

كانت إمارة شوا في أرض الحبشة في القرن الأول الهجري، وهو ما يُشير إلى انتشار الإسلام، وهي أقدم مملكة نشأت ببلاد الحبشة 886 - 1289م، أنشأها المهاجرون من بني مخزوم في مرتفعات الحبشة، في موقع أديس الحالية، فتكوّنت المراكز والمعاهد والجامعات والمساجد ومدارس تحفيظ القرآن، وتأسّست مدن وحضارات.

وقد عملوا بالتجارة، وأثروا ثراءً عظيماً، وحكمت حوالي أربعة قرون من الزمان، واستمرت حتى سقطت بسبب التناحر الداخلي والتنازع الخارجي مع السلطنات المجاورة،

 

إمارة لامو:

وقد نشأت ممالك وسلطنات قديمة، أبرزها إمارة لامو التي أنشأها أزد عمان بزعامة سعيد وسليمان بن عباد بن الجلندة 684م، وهي من أقدم الإمارات ظهوراً في المنطقة[6].

 

إمارة باتا:

ثم كانت إمارة باتا، وأسّس المسلمون عدة مدن ساحلية، هي مالندي - زنجبار – ممبسا – لامو- كلوة – باتا، وقد أدت الأسرة النبهانية دوراً بارزاً في تاريخ الإسلام في شرق إفريقيا بتأسيس هذه الإمارة.

 

مملكة مقديشو:

ومن الممالك كذلك مملكة مقديشو 908م التي أسّسها أفراد من قبيلة بني الحارث، وقد ساد مقديشو الرخاء، واتسع فيها العمران[7].

 

سلطنة كلوة:

كما أنشئت سلطنة كلوة 975 - 1499م، وقد أسّسها الشيرازيون بقيادة علي بن الحسن الشيرازي، وعاصمتها كلوة، وكانت مركزاً عظيماً لنشر الإسلام والثقافة الإسلامية.

وقد بسطت كلوة سيطرتها على مناجم الذهب والحديد في روديسيا الحالية، وأخضعت لنفوذها جزر بمبا وزنجبار، وامتد نفوذها إلى جزر القمر، واعترف بسلطانها من قِبل سلاطين المدن والسلطنات الممتدة من مقديشو شمالاً إلى سفالة وموزمبيق جنوباً، وهي الأعظم مقاماً ورفعة[8]، وهي مدينة ساحلية عظيمة العمارة، ومن أشهر مدن الساحل، وعمارتها متقنة، وكلها من الخشب، ويُذكر أنه كان بها ثلاثمائة وستون مسجداً.

 

ممالك الطراز الإسلامي:

هذا، وقد نشأت بعد ذلك سلطنات عُرفت باسم «ممالك الطراز الإسلامي» في منطقة القرن الإفريقي، وقد عُرفت بـ «بلاد الزيلع»، وهي البلاد المقابلة لبر اليمن على أعالي بحر القلزم والمحيط الهندي، وقد عُرفت باسم «ممالك الطراز» لأنها على جانبي البحر كالطراز له.

ومن دول الطراز التي اشتهرت سبع ممالك، وهي مملكة ايفات أو أوفات جبرت، ومملكة هدية، مملكة داراو، مملكة بالي، مملكة اربيني، مملكة شرخا، مملكة دارة.

 

ايفات جبرت:

كانت «ايفات جبرت» أكبر وأقوى هذه الممالك (ممالك الطراز)، ويُنسب إليها عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، الذي ولد في مصر في حي الأزهر بالصنادقية، ودرس فيه على يد والده وعلى مشايخ الأزهر، وهو المؤرّخ المعروف، وأشهر كتبه كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار)، وكتاب (مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)، وكانت تمثّل مركزاً للتجارة ومنارة للعلم.

وممن اشتهر من ملكوها الإمام أحمد إبراهيم قران، وتعني الأعسر، وقد ضمّ إليه معظم الدويلات الصغيرة، وضمّت جماعات من التغراي والأمهرة وقبائل الحبشة والصومال.

وأصل الجبرت من المهاجرين العرب الذين دخلوا من الجزيرة العربية إلى بلاد الحبشة في فترة الخلاف السياسي في الدولة الإسلامية، وقد نسبهم البعض إلى بني خزيمة، بينما يرى آخرون أنهم ينتمون إلى عقيل بن أبي طالب، وتذهب رواية أخرى إلى نسبتهم إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه[9]، والقول الفصل أنهم عرب ينتمون إلى القبائل القرشية.

اشتهروا بالتمسك بالدين، ومذهبهم الغالب المذهب الشافعي، وعُرفوا بالتقوى والأمانة في العبادة.

وقد انتهت الدولة باستشهاد الإمام أحمد بن إبراهيم قران في معركة مع الحبشة النصرانية بمعاونة الأوروبيين.

وينتشر الجبرت في معظم مدن إثيوبيا وقراها، وقد عمل النصارى على تشتيتهم في مناطق مختلفة وتغيير أسمائهم وفقاً للمناطق التي يستقرون فيها بدلاً من اسم الجبرت، وينتشرون الآن في كلٍّ من إريتريا والصومال والسودان الذي اختلطوا فيه ببعض القبائل كالجعليين في بعض بطونهم.

كما ينتشرون في اليمن والمملكة العربية السعودية بين مكة والمدينة، وفي منطقة وادي قديد ووادي قليص، ويوجدون في مصر والشام والعراق، وممن اشتهر منهم عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، واشتهر في العصر الحديث الشيخ عبد المجيد الجبرتي إمام الحرم النبوي الشريف وقاضي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعضو هيئة التمييز[10].

وقد تحدّث المؤرخون، كالعمري والقلقشندي، عن دول الطراز الإسلامى من حيث الموقع والجغرافيا والمساحة والقوة العسكرية.

ومما هو جدير بالذكر هنا؛ أنه بالنظر في نشأة ممالك الطراز الاسلامي، وما شهدته منطقة القرن الإفريقي بسبب الهجرات المتبادلة من جزيرة العرب وبلاد الأحباش، يبدو لنا الأثر في لغة الجعييز، وهو الاسم الذي عُرفت به اللغة الحبشية القديمة، وتنسب إلى قبيلة Geez ، فقد أصبحت هذه اللغة هي لغة التخاطب، والأجعزيات قبيلة عربية هاجرت إلى بلاد الحبشة، واستقرت في الجانب الشمالي الشرقي منها[11].

وقد تعاظم نفوذ هذه القبيلة في بلاد الحبشة، وأصبحت لغتهم لغة الدين والكتابة حتى القرن الثالث عشر الميلادي، ثم غلبت عليهم اللغة الأمهرية التي حكمت منذ ذلك الوقت، والأمهرية لغة من اللغات السامية كلغة الجعيز والتجرينية، وقد تأثرت اللغات بعضها ببعض فيما يُعرف عند علماء اللغة بالاقتراض اللغوي، كما هو معروف في اللغة السواحلية التي احتوت على كلمات عربية؛ مما يدل على تأثرها باللغة العربية، وتأثرت العربية بلغة الحبشة، وصارت الألفاظ المقترضة جزءاً من العربية، وهي ظاهرة معروفة في تطوّر اللغات.

 

أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية في الممالك الإفريقية:

مما سبق من عرض؛ يتضح لنا أنه، وبفضل الإسلام، تحوّلت المنطقة إلى قيم الحضارة الإسلامية، وكان نتاج ذلك حضارة عظيمة في شرق إفريقيا وفي غربها، وفيما عُرف بممالك الطراز الإسلامي.

ويمكن إبراز معالمها في الآتي:

 

النظم والإدارة:

لقد أدت الممالك الإسلامية التي غطت أجزاء واسعة في بلاد غربي إفريقيا وشرقي إفريقيا، كغانا ومالي وصنغي وكانم و برنو وغيرها دوراً مهماً، وأسهمت إسهاماً ايجابياً في نقل الفكر الإسلامي إلى داخل إفريقيا، ففي مجال النظم السياسية والإدارية حكم الملوك المظاهر الإسلامية في حياتهم وأنظمة بلادهم، وحمل البعض لقب الإمام ولقب البعض بلقب أمير المؤمنين، وعملوا بمبدأ الشورى الوارد في قوله تعالى: ﴿... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ... ﴾ [الشورى : 38]، من هؤلاء إسكيا محمد ملك صنغاي 1453م، وبعض مايات دولة كانم، وكان النظام السائد في كانم نظاماً ملكياً انتخابياً في كلّ الأوقات، وقد كان العلم والكفاية والعدالة أهم شروط الرئاسة عندهم[12].

كما استخدم ملوك برنو لقب خليفة، ولقب أمير المؤمنين، وكذلك الحال في الخلافة السكتية.

هذا، وقد عرفت ممالك إفريقيا نظام الوزارة منذ دخول الإسلام إليها، وقد عرف بدولة مالي باسم صندكي[13]، وكان عمل الوزراء مقصوراً على تنفيذ أوامر الخليفة، والإلمام بشؤون الإدارة والمال وأحوال الولايات.

ومن المناصب التي عرفتها ممالك إفريقيا الإسلامية الكتابة والحجابة، وقد ذكر العمري والقلقشندي أن ملك مالي يستعين بطائفة من الكتّاب الذين يلمّون إلماماً تاماً بالقراءة والكتابة[14].

كما حافظت هذه الممالك على النظام المالي الذي سار وفق النظم الإسلامية المستمدة من تعاليم القرآن الكريم، مثل الزكاة والجزية والغنيمة، وكانت تُدفع لبيت المال.

أما القضاء؛ فقد كان مستقلاً عن السلطة التنفيذية، ويطبق الشريعة الإسلامية.

وقد عملت هذه الممالك بنظام المظالم، وكان خلفاء الدولة الصكتية ينظرون المظالم بأنفسهم، كما كان في أول دولة الإسلام، كما ظهرت ولاية الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وازدهرت هي الأخرى في خلافة صوكتو للحاجة لهذا المنصب لضبط أمور الدولة في الاجتماع والاقتصاد.

 

التعليم:

شهدت الممالك الإفريقية نهضة علمية، فكانت المدن مليئة بالعلماء والفقهاء والأئمة، وكانوا يتمتعون بالاحترام، ويمنحون الرواتب السخية.

وكان الطلب مشتداً على الكتب، وقد راجت تجارة الكتب، ويذكر ابن بطوطة أنه رأى كتاب (المدهش لابن الجوزي) في إحدى مدن مالي[15].

وقد اشتهرت مدن شتى بالعلم، وبرزت المراكز الثقافية، وأهم مركز ثقافي في تنبكت في مسجد سنكري أو جامعة سنكري.

وقد انتشرت المدارس في جميع المدن، والتعليم ينصبّ على تعليم القرآن واللغة العربية، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين الحكومية والمراسلات الدولية والتجارة، وهي اللغة السائدة كما يقول توماس أرنولد: «غدت اللغة العربية هي لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة الإفريقية»[16].

هذا، وقد تركت اللغة العربية أثرها في اللغات المحلية، ويظهر ذلك جلياً في لغة الهوسا، وفي اللغة السواحلية، وفي اللغة الأمهرية، ولا يزال الحرف العربي يستخدم في هذه اللغات.

وللممالك الإسلامية في التاريخ القديم اهتمام بالتعليم، مثل مملكة مالي، صنغاي، سوكوتو، إذ كان لها دور كبير في نشر التعليم، وبدأت أولى تجارب التعليم النظامي، وعلى سبيل المثال ففي الدولة الإمامية في فوتاتورو بالسنغال بنى الشيخ عبد القادر كُن 40 مسجداً جامعاً، يضمّ كلّ مسجد حلقات علمية للصغار والكبار لدراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغوية، وأسّس المدارس القرآنية والحلقات العلمية في أنحاء البلاد، وفي عهده أسّست مدينة جولون، وأضحت مدرستها من أشهر المدارس في الدولة المتخصصة في الدراسات الأدبية واللغوية، وأنجبت علماء في اللغة والأدب[17].

 

العمارة والمدن:

ظهرت في هذا المجال مدن عدة أشهرها مالي وكومبي صالح، جني، تمبكتو، وغيرها من المدن، فتم تخطيط المدن، وانتشر فن الزخرفة في الأبواب والشبابيك والجدران، ونظام النقش والحفر، واستخدمت الفسيفساء والرخام الملوّن، وقصور ومساجد مدينة مكوة تؤكد رقي هذا الفن.

وكانت المدن التي ظهرت عبارة عن مراكز حضارية تجارية حصينة ومنيعة، تحميها القوة البرية الضاربة، وتتسع الأسوار والحدائق الغنّاء، والمباني المزينة بالإطارات والنقوش الخشبية الزاهية والرسوم المعدنية البارزة، ويحيط بالمدن في بعض الإمارات سور كبير مبني من اللبن، وخندق متسع يجري فيه الماء للدفاع عنها إذا ما تعرضت للخطر، ونموذج ذلك بعض مدن إمارات بلاد الهوسا، وكانت مدينة كلوة على الساحل الشرقي من أحسن المدن وأتقنها عمارة، وقد شهدت ازدهاراً ورخاء في القرن الثاني عشر الميلادي.

كما بنيت المساجد الكبيرة بالحجارة، كما في كيزيمكازي KIZIMKOZE جنوب جزيرة زنجبار[18].

كما كانت مملكة مالي تتحكم في مناجم الذهب في مدينة ونقارة، ولذلك فقد كانت واسعة الثراء، وعُرف ملكها بملك الذهب[19]، وهذه نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

وما أن حل القرن الحادي عشر الميلادي حتى نشأت مدن إسلامية في خريطة ساحل شرق إفريقيا، حملت السمات والطابع الاسلامي، وقضت على التأثيرات الخارجية، فكانت مقديشو وبراوة، قسماتو، بات، لامو، زنجبار، مكوة، موزمبيق، سفالة، وقد كانت المدن التي ذكرت بالجزر لطيفة الهواء معتدلة المناخ، امتازت بالموقع الحصين لوقوعها على البحر، أو قريبة من الساحل كجزيرة زنجبار وميسة وكلوة.

 

المجتمع:

أما في المجال الاجتماعي؛ فقد انصهر العرب المسلمون مع سكان هذه المناطق، ونتج من ذلك الانصهار مجتمع جديد، وثقافة جديدة، تعتمد في جوهرها على دين الإسلام، وكان نتاج ذلك ظهور طائفة من العلماء في معارف وفنون مختلفة، وأبرز هؤلاء المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي 1168هـ /1754م وغيره من العلماء، فضلاً عن بروز مجتمع حضاري تُمارس فيه نظم الحكم، وتُطبق فيه الشورى، وحسن الإدارة.

كما انتشرت اللغة العربية في مساحات واسعة من بلاد القرن الإفريقي والساحل الشرقي، ليس ذلك فحسب، بل أصبحت المدن التي ذكرت مراكز للإشعاع الحضاري والثقافي والفكري، محافظة على ذلك حتى بعد مجيء المستعمر الأوروبي، وعلى روح ومكونات الثقافة الإسلامية، ولا تزال المساجد والمدارس الإسلامية تنتشر في كل البقاع، وهو ما أسّس لقيم من الأخلاق في مجال العادات والتقاليد، وخصوصاً أن الزواج حتى يومنا هذا يتم وفقاً للنظم والتقاليد الإسلامية.

 

الاقتصاد:

وفي مجال الاقتصاد؛ اشتغل التجار بنقل المحاصيل، فازدهرت تجارة البحر، ونقلت المعادن كالعاج والذهب والمحاصيل وريش النعام، العسل، الجلود، اللؤلؤ، اللبان، الموز والصمغ، فراجت هذه البضائع في بلاد الشام والعراق، وأضحت منسي وزنجبار وكلوة، كالمدن الفينيقية التي اشتهرت في البحر الأبيض المتوسط كصيدا وصور.

وفي المجال الصناعي؛ تم استخراج النحاس والذهب والفضة والحديد، واعتمد أهل الساحل على الذهب والحديد في معاشهم، وكانت سفالة مصدراً للذهب الذي يدخل الدولة الإسلامية، حتى عُرفت (بسفالة الذهب).

وفي مجال الثروة الحيوانية؛ أدخل المسلمون تربية الماشية من إبل وأغنام، وانتشرت تجارة الجلود، وعُرفت المنطقة بتصديره.

 

الزراعة والحيوان:

ارتقت الزراعة في الممالك الإسلامية الإفريقية، ونموذج دولة مالي ذات الأرض الخصبة يوضح ذلك، فكانت تنتج القطن والقمح والذرة وهو أكثر حبوبهم، ويزرعون الأرز، ولهم حبوب تشبه الخردل، ومن الخضروات اللوبيا والقرع والباذنجان، ومن حيواناتهم الخيل، ومن الطيور الإوز والدجاج والحمام، وقد وفدت إليهم هذه الحاصلات والحيوانات من مصر.

 

ختاماً:

بفضل الإسلام تحوّلت هذه المناطق إلى قيم الحضارة الإسلامية، وكان نتاج ذلك حضارة عظيمة في شرقي القارة وغربها وفي ممالك الطراز، فكانت براوة، وهي جزيرة عربية على الساحل الشرقي لإفريقيا، مكاناً لانتشار العلوم العربية والإسلامية.

من ثم فلا بد من العناية بمناطق ساحل إفريقيا الشرقي ومنطقة القرن الإفريقي وغرب إفريقيا، والاهتمام بالدور العلمي والسياسي الذي اتسمت به في نهضتها، بما يخدم التراث والثقافة الإسلامية، ويرسّخ لحفظ جذوة الإسلام وحضارته، ويجذر لها في هذه المناطق.

 

الهوامش والإحالات:

[1] محمد حسن الزيدي: هجرة العرب المسلمين إلى شرق إفريقيا، مجلة المؤرخ العربي، العدد 23 لعام 1983م، ص 96.

[2] محمود محمد الحويري: ساحل شرق إفريقية في فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي، مطبعة القاهرة الجديد 1986م، ص 3.

[3] محمد حسين الزبيدي، مرجع سبق ذكره، ص 104.

[4] ابن هشام: السيرة النبوية، دار الكتاب العربي ببيروت - لبنان، 1989م، ص 349.

[5] محمد حسين الزبيدي، مرجع سبق ذكره، ص 7.

[6] عوض الكريم إبراهيم نور الدين: أبحاث الندوة العالمية عن التعليم الإسلامي، جامعة الملك فيصل - أنجمينا 1425هـ.

[7] العمري: ممالك الأمصار، ج 2، الشبكة العنكبوتية، ونشأة الممالك في شرق إفريقية، مرجع سبق ذكره، ص 3.

[8] محمود محمد الحويري، مرجع سبق ذكره، ص 118 – 122.

[9] بدرية يوسف عبد الرحمن: مملكة جبرت كبرى ممالك الطراز الإسلامي، ص 4.

[10] بدرية يوسف عبد الرحمن، المرجع السابق، ص 10 – 24.

[11] نشأة الممالك والدويلات الإسلامية في إفريقيا، مرجع سبق ذكره، ص 5.

[12] السر سيد أحمد العراقي: بلاد غرب إفريقيا عبر التاريخ الدور الحضاري الثقافي، الشبكة العنكبوتية - منتديات سفر التاريخ.

[13] السر سيد أحمد العراقي، مرجع سبق ذكره.

[14] السر سيد أحمد العراقي: نظام الحكم في الخلافة الصكتية، جامعة الخرطوم 1983م، ص 44.

[15] حسن إبراهيم، مرجع سبق ذكره، ص 152.

[16] حسن إبراهيم حسن، مرجع سبق ذكره، ص 153.

[17] مقال: التعليم والتنمية، افتتاحية مجلة قراءات إفريقية، العدد 12 - أبريل – يونيو 2012م، ص 2.

[18] محمود محمد الحويري: ساحل شرق إفريقيا، مرجع سبق ذكره، ص 29.

[19] إبراهيم علي طرخان: دولة مالي الإسلامية دراسات في التاريخ القومي الإفريقي، الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1973م.