المسلمون في مدغشقر

  • رقم الخبر 1469
  • المصدر: رسالة الإسلام

المخلص دخل الإسلام إلى مدغشقر في أوائل البعثة النبوية، عندما هاجر عدد من المسلمين الأوائل إلى الحبشة، ليستظلوا بحماية ملك الحبشة النجاشي.


رغم التاريخ المجيد والعظيم للمسلمين في مدغشقر، تلك الجزيرة التي تقبع قبالة السواحل الشرقية لقارة إفريقيا، ورغم الكفاح المشرف الذي بذله المسلمون هناك، في مقاومة الاستعمار على مر العصور، إلا إن الواقع الحالي للأقلية الإسلامية، واقع مؤلم ومرير، في ظل معاناة من اضطهاد الحكم الشيوعي البائد، وجهل وفقر وأمية تشيع وتنتشر بين صفوفهم، وفي ظل مواجهات غير متكافئة مع الحملات التنصيرية الشرسة ليرتفع نداء الاقلية المسلمة في مدغشقر أو ملاجاش، كما يطلق عليها، إلى العالم الإسلامي ومؤسساته، لتقديم يد العون والمساعدة لتلك الأقلية، لمجابهة التحديات والمشكلات التي تواجهها والمعاناة التي تقاسيها.

 

مدغشقر .. الجزيرة

مدغشقر هي المستعمرة الفرنسية السابقة، وخامس أكبر جزر العالم، وقد أطلق عليها اسم ملاجاش غداة استقلالها، وملاجاش اسم لأكبر القبائل بالجزيرة، وكانت البرتغال قد حاولت احتلالها في سنة 913هـ وقاوم المسلمون، وحالوا دون دخولهم الجزيرة، ولكنهم عاودوا الكرة مرة أخرى في السنة التالية، ودمروا معظم مدن الجزيرة، وسيطروا عليها، وتعاقب عليها الاحتلال، فحاولت بريطانيا احتلالها في مستهل القرن التاسع عشر، وضمها إلى جزر موريشيوس، ولكن تغلبت فرنسا في السباق، واحتلت مدغشقر في سنة 1285هـ – 1868م، وظل الاحتلال الفرنسي بها حتى نالت استقلالها في (1380هـ – 1960م)

وتقع جزيرة مدغشقر أو ملاجاش في المحيط الهندي في جنوب شرقي قارة أفريقيا، ولا يفصلها عن اليابس الإفريقي سوى أربعمائة كيلو متر، وهي في حوزة المنطقة المدارية، غير إن موقعها الجزري وسط المحيط الهندي عدل من أحوالها المناخية.

 

دخول الإسلام

دخل الإسلام إلى مدغشقر في أوائل البعثة النبوية، عندما هاجر عدد من المسلمين الأوائل إلى الحبشة، ليستظلوا بحماية ملك الحبشة النجاشي، كما طلب منهم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد أقر المفكر جورج أمبروف في كتابه “التابو” حول مدغشقر، بأن التأثير العربي والإسلامي في مدغشقر أقدمُ بمئات السنين من التأثير المسيحي.

إلا إن البدايةَ الفعليةَ لوصول المسلمين والعرب إلى مدغشقر، كانت في القرن الـ13 الميلادي، عندما بدأ المسلمون بزيارة تلك المناطق لغرض التبادل التجاري، وقد اشترك البحَّارة المسلمون من الخليج العربي ومن حضرموت في الهجرات وفي التجارة، وعاشوا أولاً في مستعمرات محددة شمال غرب وشمال شرق مدغشقر.

واعتبارًا من القرن التاسع الميلادي، أقام المسلمون علاقاتٍ بين المناطق الصحراوية في العالم العربي، ومن بينها سيناء وشبه الجزيرة العربية من جهة، والموانئ الملاجاشية وموانئ جزر القمر من جهة أخرى، وقد لعبت جزر القمر دورًا كبيرًا في المساعدة على تلك الهجرات.

وقد لعب المسلمون دورًا كبيرًا في مدغشقر عندما حمَوها من الغزو البرتغالي؛ حيث حاولت البرتغال احتلالَها سنة 913هـ، وقاوم المسلمون وحالوا دون دخولهم الجزيرة.

وزادت الدعوة الإسلامية ازدهارًا بجزيرة مدغشقر، عندما انتشر نفوذ مملكة آل بوسعيد العمانية في شرقي إفريقيا، وتزوج السلطان سعيد من ملكة جزيرة مدغشقر، وبسط نفوذه على الجزيرة، ولقد أسهم سكان جزر القمر في نشر الإسلام بملاجاش، فهاجر إلى الجزر العديد من القمريين.

وهكذا انتقلت الدعوة الإسلامية إلى مرحلة مزدهرة بمدغشقر، غير إن تشجيع البرتغاليين للبعثات التنصيرية، وقتالهم لأهل الجزيرة، وقربها من مستعمرتهم السابقة موزمبيق عرقل انتشار الدعوة الإسلامية، وعزل المسلمين عن العالم الإسلامي، وعندما ظهرت فرنسا كمنافس لاستعمار الجزيرة، برزت بريطانيا كمنافس آخر، غير إن ملكة الجزيرة (رانا فالونا) اتبعت سياسة عدائية نحو المنافسة الاستعمارية، واستطاعت فرنسا أن تحتل الجزيرة بعد وفاتها في سنة 1265هـ – 1868م.

وشجعت البعثات التنصيرية الكاثوليكية على العمل بمدغشقر، وفرض حصار على الجزيرة، فانقطع الاتصال بين مسلمي مدغشقر وإخوانهم، ونتج عن هذا الانقطاع عزلهم، وضعفت اللغة العربية وكانت لغة ملوك مدغشقر، كما ضعفت المعرفة بالإسلام نتيجة انعدام الدعاة ورجال الدين المثقفين، وسادت الصوفية ودخلت شوائب محلية على الإسلام الاحتلال الفرنسي في عام 1868م، استطاعت فرنسا أن تدخل مدغشقر ، ثم أعلنت فرنسا استعمارها لمدغشقر في عام 1869م، وشجَّعت البعثات التنصيرية وفرضت العزلة على المسلمين، وقد كان للمسلمين -البالغة نسبتهم ما يقرب من 25% من إجمالي السكان- دورٌ كبير في الجهاد ضدَّ الفرنسيين، فقاموا بعِدَّة ثورات ضدَّ الفرنسيين كان آخرها عام 1948م.

 

أعداد المسلمين

يصل عدد المسلمين حاليا إلى حوالي ربع سكان ملاجاش، أي قرابة ثلاثة ملايين مسلم، وإن كانت بعض المصادر الإسلامية تقدرهم بـ15%، أي يزيدون على المليون نسمة، ونسبة المسيحيين 25%، بينما عدد الوثنيين حوالي نصف سكان الجزيرة.

وينتشر الإسلام بين قبائل الساكافا أو الصقلابة كما سماها العرب، وقبائل الفلانة، والأنتيمور في جنوب شرقي الجزيرة، وهذه الجماعات من أصول عربية، ولا يزال أفراد من قبيلة الهوفا على الإسلام، وكان من هذه القبيلة ملوك مدغشقر، وتعيش هذه الجماعات قرب مدينة ماجونجا، ولقد دخلت ألفاظ عربية كثيرة في لغات مدغشقر، وذلك نتيجة الصلات العربية بهذه الجزيرة.

وسكان ملاجاش بوجه عام خليط آسيوي أفريقي، فالعناصر الآسيوية قدمت من الملايو، وإندونيسيا والعناصر الزنجية الأفريقية من زنوج البانتو، وقد اختلطوا بالعرب في جزر القمر، وعرفوا بالسلالة القمرية، ومنهم قبيلة هوفا، وإلى جانب العناصر السابقة هجرات عربية ممثلة في قبيلة الأنتيمور، وتعيش الجماعات الأفريقية على السواحل، بينما العناصر الآسيوية في الوسط والجنوب.

 

المشكلات والتحديات

يعاني المسلمون في هذه البلاد من مشكلات عديدة، وفي مقدمتها عدم معرفة أسس وأصول الدين الإسلامي بصورة كبيرة؛ حيث إن بعض أئمة المساجد في تلك البلاد لا يحفظون سورة الفاتحة، وعلى الرغم من ذلك فإنهم يتقدمون لإمامة الناس في الصلاة، على اعتبار أنهم أفضل من غيرهم، الذين لا يحفظون أيًّا من آيات القرآن الكريم، إلى جانب ابتعاد عدد كبير من أبناء القبائل عربية الأصول، عن دينهم الإسلامي واعتناقهم أديانًا أخرى بمرور الزمن، وبالتالي يتطلَّب الأمر تدخلاً من الدول العربية والإسلامية، وخاصةً من السعودية ومصر؛ على اعتبار أنهما الدولتان الأكثر تقديمًا للخدمات الدينية على المستوى العالمي.

وتوجد حاليًا محاولاتٌ من جانب الجهات الإسلامية، لإعادة الأمور إلى نصابها، إلا إن الجهود تبقَى محدودةً وفرديةً، وتتطلَّب خططًا قويةً وواضحةَ الأهداف، من منظمة المؤتمر الإسلامي والدول الإسلامية بصفة عامة، وعلى رأسها مصر والسعودية.

تسود الأمية بين مسلمي مدغشقر، وهذه حقيقة مؤلمة، فلا تقوى المدارس القرآنية الإسلامية المتواضعة، على الوقوف في وجه النشاط التعليمي التنصيري، الذي دعمته السلطات الاستعمارية، وأمدته بإمكانات مادية، ونفوذ سياسي، ومن التحديات الحركات اليسارية التي ظهرت بالساحل الشرقي لإفريقيا، وانتقل أثرها إلى الجزيرة، وكذلك الحركات العنصرية، التي بدأت تظهر في شرقي أفريقيا، وبعد أن استولى اليساريون على الحكم في ملاجاش اضطهدوا المسلمين، وحدثت مذبحة سنة 1396هـ ضد المسلمين في مدينة ماجينقا، وراح ضحيتها 2000 مسلم قمري، وهاجر العديد من المسلمين إلى جزر القمر، وكان المنصرون خلف هذه المذبحة.

ويعاني المسلمون هناك من مشكلة في التعليم؛ لعدم توافُرِ مَن يتحدث العربية والفرنسية، التي هي لغة السكان الأولى، وقد استطاعت هيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية، الحصولَ على تأسيس إذاعة إسلامية؛ حتى يتمكَّن المسلمون في مدغشقر من الاستماع إليها، وقد عبَّر 3.5 مليون مسلم يعيشون في بلد يبلغ تَعْدَاد سكانه 17 مليونًا، عن عُمْقِ فرحهم بتأسيس الإذاعة بفرح كبير؛ لأنها ستساهم في تطوير حياتهم الثقافية المساجد تنتشر السماجد في ربوع ومدن جزيرة مدغشقر، فيوجد بمدينة تناناريف مركز تابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ويوجد عدد آخر من المساجد في ميناء تاماناف، وفي مدينة ماجونجا جالية عربية كبيرة، وبها ثلاثون مسجدًا، وبها مجلس أعلى للشئون الإسلامية، ومن المدن الإسلامية ديجو، ومامنتيرانو، والمسلمون في مدغشقر في حاجة إلى تصحيح العقيدة في نفوسهم، بعد هذا الانقطاع الطويل عن العالم الإسلامي. والهيئات الإسلامية حاليًا تتمثل في هيئات إسلامية، جمعيتان منها بالعاصمة، وهناك جمعيتان في مدينة ماجينقابال، وواحدة في ماجينقا المتطلبات:

تتمثل متطلبات العمل الإسلامي في مدغشقر في:

– الاهتمام بالتعليم الإسلامي، وإنشاء معهد أو مدرسة متقدمة لتخريج الدعاة والمدرسين، وإنشاء بعض المدارس للمرحلتين المتوسطة والثانوية في مناطق تجمع المسلمين، والنهوض بالمدارس القرآنية، وتخصيص بعض المنح الدراسية لأبناء المسلمين الملاجاشيين في البلدان الإسلامية.

– توفير الكتب الإسلامية باللغة الفرنسية، لعلاج غياب الكتاب الإسلامي في المناهج التعليمية.

– مكافحة الخرافات، والحد من نفوذ الصوفية، وتنقية الزعامات الدينية المحلية من الأهواء الشخصية.

– الاهتمام بالتعليم المهني لرفع دخول المسلمين.

– الاهتمام بمناطق المسلمين في الجنوب الشرقي، فالتركيز حاليًا يذهب إلى القطاعين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي.

– تنسيق العمل بين الهيئات الإسلامية الخارجية، والتي تعمل على مساعدة الأقلية المسلمة في ملاجاش مثل رابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب المسلم، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والأزهر، وجمعية الدعوة الإسلامية الليبية.

– حسم الخلافات بين الجمعيتين الإسلاميتين في البلاد: جمعية إسلام ملاجاش، وجمعية مركز الدعوة الإسلامية في ملاجاش.

 

الکاتب: ثروت البطاوي