إفريقية تاريخياً (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 1475
  • المصدر: الموسوعه العربیه

المخلص تقتصر المعلومات المتوافرة عن تاريخ إفريقية في العصور القديمة على المناطق التي تشكل هلالاً رقيقاً يمتد من سواحل الأطلسي غرباً إلى ساحل الزنج شرقاً، وقاعدته مصر.


عصور ما قبل التاريخ

تعدّ إفريقية المهد الأول للإنسان والحضارة الإنسانية. ففي جنوبي القارة وشرقيها، وفي تشاد عثر على هياكل عظمية لكائنات أطلق عليها اسم «أوسترالوبيتك» Australopitheque، أشهرها إنسان الزنج الذي عثر عليه في منطقة «الدوفاي» شمالي تنزانية ويعود تاريخه إلى 1.700.000 عام حين بدأت العصور الحجرية، واستمرت في بعض أجزاء إفريقية حتى وقت قريب، كما تم العثور على بقايا عظام بشرية ترجع إلى نحو ثلاثة ملايين سنة وأكثر.  وفي الألف الثاني ق.م بدأ استخدام المعادن في حوض البحر المتوسط مؤذناً بنهاية العصور الحجرية، غير أن صناعة المعادن لم تنتشر في إفريقية جنوب الصحراء الكبرى إلا في السنوات الأولى للميلاد.

واستمرت بعض القبائل مثل البوشمن والهوتنتوت في استخدام الأدوات الحجرية حتى القرن الثامن عشر. ومع أن المواقع الأثرية المميزة قليلة العدد في شمالي إفريقية والصحراء الكبرى وإثيوبية (الحبشة)، وكينية، وتنزانية، وزامبية، وجمهورية جنوب إفريقية فهي تشهد على أن إفريقية عرفت ثقافات موغلة في القدم؛ إذ ظهرت ثقافة الدوفاي في العصر الحجري القديم (الباليوليتي)، ووجدت آثارها وبقايا صانعيها في عدد من مناطق إفريقية.

ونشأت الثقافة الآشولية ـ الأبفيلية في العصر الحجري القديم الأدنى، كما عثر على بقايا صانعيها ومخلفاتها في جميع أنحاء إفريقية تقريباً، بيد أنها فقدت سيطرتها في العصر الانتقالي من العصر الحجري القديم الأدنى إلى العصر الحجري القديم الأوسط، وظهرت أنماط ثقافية متعددة ومختلفة تعايشت في الزمان والمكان نفسيهما. كما بدأ التمايز في الأنماط الثقافية بين شمالي إفريقية وجنوب الصحراء الكبرى.

ففي حين شهدت الأخيرة عودة تدريجية إلى ثقافة العصر السابق، وظهرت فيها أنماط ثقافية جديدة هي الستلنبوشية Stellembosch والفاورسميثية Fawresmith، عرفت مناطق شمالي إفريقية ثقافة جديدة على النمط اللفلوازي ـ الموستيري تمتاز بظهور السكاكين والمقاحف المصنوعة من رقائق حجرية مشذبة. وأصبح هذا التمايز بين شمال الصحراء وجنوبها أشد وضوحاً في العصر الحجري القديم الأوسط حين شهدت إفريقية ظهور الرماح المستدقة الطرف التي زودت بعد ذلك بقبضات لتغدو أسلحة وأدوات أكثر فاعلية.

وقد عثر في المناطق الحراجية في غربي إفريقية على أكثر أدوات العصر الحجري القديم تقدماً في القارة وهي رؤوس سهام طويلة وسكاكين. وأصبح للخشب ومنتجاته أهمية في اقتصاديات هذه المناطق، يدل على ذلك أعداد الأزاميل والمظافر والفؤوس التي عثر عليها. وفي حين عرفت مناطق شمالي إفريقية ثقافات العصر الحجري القديم الأعلى النصلية منذ بداياته، فإن معظم أنحاء القارة لم تتأثر بها إلا في مرحلة لاحقة من هذا العصر، عرفت بعض مناطق إفريقية الشمالية ثقافات العصر الحجري الحديث أو النيوليتي كالفيّوم في مصر (الألف الخامس ق.م) ووادي النيل قبل السلالة المصرية الأولى بنحو 1000عام، وانتشرت هذه الثقافات في غربي إفريقية وجنوبي غربيها بعد عام 2500ق.م مع جفاف المناخ الصحراوي، كما تدل على ذلك ثقافة التماثيل النوكية، ثم انتقلت إلى شرقي إفريقية في حين لم تعرف معظم أنحاء القارة جنوب الصحراء الكبرى العصر النيوليتي الحقيقي.

 

العصور القديمة (نحو 3200 ق.م ـ 640م)

تقتصر المعلومات المتوافرة عن تاريخ إفريقية في العصور القديمة على المناطق التي تشكل هلالاً رقيقاً يمتد من سواحل الأطلسي غرباً إلى ساحل الزنج شرقاً، وقاعدته مصر.

مصر: أسهمت أرض وادي النيل الخصبة في نشوء أقدم المجتمعات الزراعية وأغناها في إفريقية. وقد تطورت هذه المجتمعات لتؤلف بمرور الزمن دولاً صغيرة، أصبحت بعض مدنها مراكز حكومية وتجارية. وفي نحو سنة 3400ق.م توحدت هذه الدول في مملكتين متنافستين هما مملكة مصر العليا (الصعيد) ومملكة مصر السفلى (الدلتا). وفي نحو سنة 3200ق.م نجح نعرمر ـ مينا حاكم مصر العليا في توحيد المملكتين في مملكة واحدة دامت قرابة ثلاثة آلاف سنة، وحكمت مصر فيها 30 أسرة ملكية. ونجح فراعنة مصر في بناء حضارة إفريقية عظيمة تعدُّ اليوم من أقدم حضارات العالم في التاريخ وأعظمها. وفي عام 525 ق.م، غزا الفرس الأخمينيون وادي النيل، وجعلوا من مصر ولاية (ساترابية) من ولايات الامبراطورية الفارسية. ومنذئذٍ فقدت مصر استقلالها، وأخذ زمام الأمور فيها ينتقل من سيد أجنبي إلى آخر حتى الفتح الإسلامي لها (20هـ/ 640م) وتعاقب على حكمها في تلك المدة كل من الإغريق (البطالمة) (332- 30 ق.م) والرومان (30ق.م - 395م) والبيزنطيين (395- 640م).

مملكة كوش: أطلق الإغريق اسم «كوش» على بلاد النوبة. وكانت كوش منذ البداية قاعدة لمصر تستغل ثرواتها، ومركزاً تجارياً متقدماً لها مع السودان الأوسط وبلاد البونط  (الصومال وإريترية). وفي النصف الأول من القرن العاشر ق.م، استقلت كوش عن مصر، واستغلت انقسام الامبراطورية الحديثة في مصر وضعفها لتستولي عليها، وتؤسس فيها أسرة حاكمة هي الأسرة 25. انتهى حكم كوش لمصر باستيلاء الآشوريين عليها سنة 664ق.م، وفي عام 500ق.م، نقل ملوك كوش عاصمتهم من «نباته» إلى «مروة»، عند ملتقى النيل بنهر عطبرة، وأقاموا فيها حتى نهاية القرن الثالث للميلاد. وفي هذه الحقبة شهدت مملكة مروة تطوراً مستقلاً، وامتازت بطابعها الإفريقي، وازدهار صناعة الحديد فيها، وصلاتها مع الحبشة. وفي نحو سنة 350 ق.م، استولت مملكة أكسوم على كوش، ونهبتها ودمرتها.

 

إفريقية الشمالية:

لم تدخل إفريقية الشمالية، مابين ليبية وساحل الأطلسي، دائرة التاريخ إلا في الألف الأول ق.م على أثر وصول الكنعانيين (الفينيقيين) إلى ساحل تونس. ويبدو أن ظهور السكان المحليين الأمازيغ أو الطميحو Temehu الليبيين، كما يسميهم المصريون القدماء والإغريق، قد بدأ في مدى أربعة آلاف سنة سبقت وصول الكنعانيين إلى المنطقة، وكانوا قبائل زراعية رعوية متمردة بطبيعتها على كل اتحاد ونفوذ أجنبي. وعندما وصل الكنعانيون إلى الساحل الشمالي، كانت هذه القبائل ماتزال تعيش في العصر الحجري الحديث أو العصر الحجري المعدني أو النحاسي. وكان هناك بعض الممالك المحلية أهمها مملكة نوميدية شرقي الجزائر، ومملكة موريتانية Mauretanie مابين وادي نهر المُلوية وساحل الأطلسي المغربي.

وبدءاً من أواخر الألف الثاني ق.م، بدأ الاستيطان والعمران المدني في إفريقية الشمالية مع قيام مملكة صور الكنعانية بتأسيس محطتين تجاريتين، واحدة على ساحل المغرب (ليكسوس = تشيمش اليوم)، والثانية على ساحل تونس (أوتيكا Utique). وفي نحو عام 814 ق.م تأسست «قرت حَدْشت» وهي قرطاج (قرطاجة) في شمالي تونس وامتد نفوذها حتى أواسطها (814- 146ق.م)، كما أقامت الأوليغارشية التجارية وكالات تجارية مابين قرطاجة وغربي المغرب. ومنها انتشرت الحضارة البونية بين أمازيغ المغرب. وعبرت تجارة الكنعانيين الصحراء من غرامنت (فزّان) إلى النيجر.

وربما وصلت المراكب الكنعانية إلى السنغال (رحلة هانون ـ حنون ـ الشهيرة 500ق.م)، وأقام الإغريق والرومان بعض المدن والمستعمرات في برقة وفي شمالي إفريقية. وبعد أن دمر الرومان قرطاجة عام 146ق.م تخلصوا من الأمراء الأمازيغ (ماسنيسا أمير نوميدية)، وأسسوا مقاطعة إفريقية (تونس وليبية). وفي المدة بين 74 ق.م و40م بسطوا سيطرتهم تدريجياً على المناطق الساحلية من إفريقية الشمالية بأكملها، وأصبحت برقة ومصر، ومملكتا نوميدية وموريتانية ولايات داخل الامبراطورية الرومانية. لكن انتشار المسيحية بمذاهبها المختلفة أدى إلى عودة حالة الفوضى والتفكك إلى ولايات شمالي إفريقية.

وفي عام 429م، نزل الفاندال القادمون من إسبانية بقيادة جيسيرك في مراكش من دون مقاومة. وفي عام 439م أصبحوا سادة قرطاجة. وإن استطاع البيزنطيون استعادة شمالي إفريقية (534م)، فإن نفوذهم فيه بقي ضعيفاً. فقد اضطروا إلى التخلي عن موريتانية لملوك محليين، وظلت اتحادات القبائل الكبرى المحلية (مصمودة، وصنهاجة، وزناته) تسيطر على جميع المناطق الداخلية. وأخذت ولاية إفريقية تنفصل تدريجياً عن بيزنطة وتنظم أمورها بوسائلها الخاصة. في حين احتفظت بيزنطة بمصر حتى الفتح العربي لها.

 

إفريقية الشرقية:

في القرن الخامس ق.م، أسس عرب اليمن مملكة أكسوم في الحبشة. ونقلوا إليها لغتهم وحضارتهم، واختلطوا وعرب حضرموت بالسكان المحليين في هضبة الحبشة وفي ساحل القرن الإفريقي، فنشأت أقوام عربية ـ زنجية أصيلة هي الأحباش أو الإثيوبيون، والغالا Gala والصوماليون. وكان لمملكة أكسوم علاقات تجارية مع إفريقية الوسطى ومصر عن طريق ميناء عدولي Adoulis في خليج زيلع على البحر الأحمر.

ويعتقد أن المصريين القدماء عرفوا ساحل إفريقية الشرقي في عهد الفرعون نخاو (نحو 600ق.م). وكان لمملكتي اليمن وحضرموت علاقات تجارية مستمرة مع ساحلي إفريقية الشرقية والقرن الإفريقي منذ الألف الأول ق.م، كما كان للفرس والإغريق علاقات تجارية مع هذين الساحلين منذ بدايات العصر الميلادي.

أما تاريخ بقية أنحاء إفريقية جنوب الصحراء الكبرى في القرون السابقة للميلاد واللاحقة له فما يزال يكتنفه الغموض لندرة المعلومات حولها. فحضارة مصر وبلاد النوبة، أخذت تسير في طريق الانحطاط، ولم تعد قادرة على التفاعل الحضاري على المستوى الإفريقي على الرغم من إسهامها في حركة هجرة الشعوب الإفريقية إلى داخل القارة. ولم يتم بعد فك رموز كتابة مملكة مروة في عهدها المتأخر. في حين اكتفى الكنعانيون والإغريق والرومان وعرب الجزيرة العربية بالسيطرة على حوضي البحر المتوسط والبحر الأحمر الإفريقيين والبلاد المتاخمة لهما.

 

العصور الوسطى

إفريقية الشمالية والفتح العربي الإسلامي: في عام 20هـ/ 640م، فتح عمرو بن العاص مصر، وقضى على الحكم البيزنطي فيها. وفي عام 21هـ/ 642م وصلت القوات العربية إلى الجندل الأول، وفتح عمرو برقة، وأرسل حملات استكشافية إلى الجنوب، وصلت إلى فزان وطرابلس. وفي سنة 50هـ/ 670م، أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان. وفي سنة 85هـ/ 705م، أصبح موسى بن نصير حاكم إفريقية (تونس وشرقي الجزائر)، وفي سنة 91هـ/ 710م، انتهى العرب من فتح شمالي إفريقية بأكمله، وأصبح المغرب الأوسط والمغرب الأقصى جزءاً من ولاية إفريقية. كان الفتح العربي الإسلامي منعطفاً مهماً في تاريخ إفريقية؛ فانتشر الإسلام بسرعة وبدأ انتشار اللغة العربية بين شعوب المنطقة، وغدت إفريقية الشمالية جزءاً من الدولة العربية الإسلامية.

وكان لانتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد (132هـ/ 750م) نتائج مهمة في إفريقية، فبدأ الانحلال يدب في الأقاليم الغربية، وظهرت النزعة الاستقلالية بين القبائل المحلية في المغرب، فقامت دول مستقلة انفصلت تدريجياً عن السلطة المركزية الإسلامية. ففي المغرب الأقصى قامت دولة الأدارسة[ر] (172- 314هـ/ 788- 926م) وعاصمتها فاس. وفي الجزائر أسس الرستميون الخوارج دولة لهم في تاهرت (160- 296هـ/ 776- 908م) واستقل الأغالبة [ر] بما تحت أيديهم في تونس (184- 296هـ/ 800- 908م) مع بقائهم على تبعيتهم للخلافة العباسية اسمياً.

كما استقل الطولونيون [ر] في حكم مصر (254- 292هـ/ 868- 905م) ومدوا نفوذهم إلى بلاد الشام. وكذلك فعل خلفاؤهم الإخشيديون [ر] (323- 358هـ/ 935- 969م). ومنذ عهد الإخشيديين استقلت مصر عن الخلافة الإسلامية في بغداد. وفي سنة 297هـ/ 909م، سيطر الفاطميون على إفريقية وأنهوا حكم الأغالبة، وبسطوا نفوذهم على سجلماسة وجنوبي المغرب، بعد أن قضوا على المملكة الرستمية في الجزائر، واستولوا على الأجزاء الشمالية من المغرب، ثم امتد حكمهم إلى مصر وجنوبي الشام ومن ضمنها دمشق (358هـ/ 969م)، ونقلوا عاصمة ملكهم إلى القاهرة (362هـ/ 973م). وأسسوا دولة حكمت مصر أكثر من قرنين (358- 567هـ/ 969- 1171م) وتركوا لأنصارهم من صنهاجة حكم المغرب، ثم فقدوا نفوذهم فيه نهائياً منذ عام 436هـ/ 1045م.

أنهى صلاح الدين الخلافة الفاطمية في مصر، وأقام فيها الدولة الأيوبية (569- 648هـ/ 1171- 1250م) تحت السيادة الاسمية لخليفة بغداد، وضم سورية واليمن إلى دولته، واعترفت به بغداد، وقضى على مملكة القدس الصليبية (581هـ/ 1187م). وبعد مقتل طوران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، بدأ عهد المماليك في مصر (648- 923هـ/ 1250- 1517م).

وفي الوقت الذي كانت فيه الأسر الحاكمة تتوالى على مصر الواحدة بعد الأخرى، كانت بلاد المغرب الأدنى تغوص في الفوضى نتيجة غزو قبائل بني هلال لها، وقد نجح المرابطون من قبائل صنهاجة (447- 542هـ/ 1055- 1147م) في توحيد المغرب الأقصى بجمعهم شماليه وجنوبيه في دولة واحدة. وفي عام 542هـ/ 1147م، بدأ حكم الموحدين في المغرب وبسطوا سيطرتهم على دولة بني حمّاد في الجزائر (546هـ/ 1151م)، والدولة الزيرية في إفريقية (555هـ/ 1160م)، وبذلك احتوت دولة الموحدين المغرب العربي كله، وحكمته أكثر من نصف قرن (555- 625هـ/ 1160- 1228م)، وقامت على أنقاض دولتهم ثلاث دويلات مستقلة هي الدولة الحفصية في تونس (625- 981هـ/ 1228- 1573م)، ودولة بني عبد الواد الزيانية التي استمر حكمها في تلمسان من 632 إلى 957هـ/ 1235- 1550م والدولة المرينية في المغرب (646- 831هـ/ 1248- 1427م)، ثم خلفتها الدولة الوطاسية (831- 956هـ/ 1427- 1549م).

 

إفريقية جنوب الصحراء:

تاريخ إفريقية جنوب الصحراء الكبرى، ولاسيما تاريخ شرقي إفريقية وغربيها في العصور الوسطى، هو تاريخ انتشار الإسلام وازدهار الثقافة العربية الإسلامية فيها. وقد دخلها الإسلام عن طريق البحر (شرقي إفريقية) والبرّ (غربي إفريقية).

 

آـ إفريقية الغربية:

وهي منطقة السهوب الفسيحة الواقعة بين المناطق الصحراوية أو شبه الصحراوية في الشمال والحافة الغابية في الجنوب، والممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى سودان وادي النيل شرقاً، وقد أطلق عليها العرب اسم «بلاد السودان»، و«إقليم السودان».

 

كان اتصال المغرب بإفريقية الغربية عن طريق الصحراء قد سهل منذ القدم قيام علاقات تجارية بين الجانبين فرضتها حاجة بلاد السودان الماسة والمستمرة إلى ملح الطعام من مناجم جنوبي المغرب الأقصى، وكان التجار المغاربة يبادلونه، إضافة إلى سلع ومنتجات أخرى، بالذهب والرقيق والعاج وريش النعام والجلود، وقامت نتيجة لذلك مدن تجارية مهمة على حافتي الصحراء تنظم القوافل التجارية، وتصرّف منتجات بلاد السودان والمغرب. وكانت كذلك نافذة إفريقية المغربية على عالم البحر المتوسط، تجري عن طريقها المبادلات التجارية بينهما. وقامت شبكة من الطرق التجارية خلال الصحراء تصل شمالي إفريقية بغربيها.

ـ مملكة غانة:

 يبدو أن مؤسسي هذه المملكة (في القرن الثالث أو الرابع ق.م) كانوا من الأمازيغ المغاربة الذين أقاموا وسط شعب ماندي في المنطقة العشبية المحاذية لحافة الصحراء الجنوبية، وأصهروا إليه واختلطوا به. ولكن منذ أواخر القرن الأول للهجرة/ الثامن للميلاد استولت على السلطة في غانة أسرة زنجية من السوننكي بزعامة «كايا ماجان سيسه». وفي أوج عظمتها (بداية القرن العاشر م)، غدت غانة امبراطورية تمتد من أعالي النيجر (تومبكتو) شرقاً، إلى أواسط نهر السنغال (مملكة تكرور) غرباً، ومن أواسط الصحراء الغربية شمالاً حتى نهري السنغال والباولة Baoulé جنوباً.

وفي القرن السابع للميلاد، أي بعد وصول العرب إلى المغرب، أصبحت غانة تعرف «ببلاد الذهب». ولا تعود ثروتها وعظمتها لكونها غنية بالذهب فحسب، بل لكونها مركزاً تجارياً للسودان الغربي، تبادل فيه السلع الإفريقية، ولاسيما الذهب، بملح الصحراء والسلع المغربية الأخرى التي كان يحملها التجار المغاربة، سادة طرق التجارة الصحراوية الغربية.

ـ انتشار الإسلام ومؤثراته:

بعد قدوم العرب المسلمين إلى المغرب، وانتشار الإسلام فيه، نمت الصلات القديمة قوية وتضاعفت بين المغرب وبلاد السودان، ومكّنت الإبل التي أدخلها العرب إلى المغرب قبائل الأمازيغ المغاربة من تعزيز سيادتهم في الصحراء. وبدأ المغرب الإسلامي يوثر في بلاد السودان على جميع المستويات، فالعلاقات بين الجانبين لم تعد هجرات واتصالات تجارية موسمية، أو مجرد احتكاك بين قبائل المغرب والمراكز الأمامية للشعوب الزنجية بهدف التجارة فحسب، بل اتخذت أيضاً طابع هجرات تتوغل نحو الجنوب في حركات مستمرة ملحة بقصد الإقامة الدائمة. وأصهرت تلك القبائل إلى أهل البلاد واختلطت بهم، فأثرت فيهم وتأثرت بهم وامتزجت الدماء العربية والأمازيغية بدماء الزنوج. واعتنق أهل البلاد الإسلام وتعلموا اللغة العربية، وتثقفوا بثقافتها. ونشأت طبقة جديدة عرف أفرادها بالمولدين. ولايعرف بالضبط تاريخ بداية انتشار الإسلام في بلاد السودان.

لكن يبدو أن ذلك بدأ في القرن الثالث للهجرة، بعد إسلام قبائل الأمازيغ الملثمين (لمتونة، وجدَّالة، ومسوفة) واختلاطها بالعرب وتحالفها وتوجهها للجهاد ونشر الإسلام في السودان الغربي، ولا سيما بعد أن انتزعت القبائل المتحالفة من مملكة غانة مدينة أودغشت، بوابة بلاد السودان الجنوبية، ومفتاح الطرق المؤدية إلى المنطقة وجعلتها عاصمتها.

ـ الممالك والامبراطوريات الإسلامية:

استعادت غانة سنة 306هـ/ 918م مدينة أودغشت من الملثمين. غير أن الإسلام كان قد تسرب إلى الامبراطورية. فالبكري حين زارها عام 460هـ/ 1067م وجد في عاصمتها حياً للمسلمين فيه اثنا عشر مسجداً وعدداً من الفقهاء وأهل العلم، وأشار إلى أن معظم وزراء ملك غانة كانوا من المسلمين.

نشر المرابطون الإسلام في مملكة التكرور في السنغال قبل أن ينطلقوا من السودان الغربي لنشر دعوتهم بين قبائل الصحراء، ويستولوا على السلطة في المغرب بأكمله (475هـ/ 1082م). وغدت امبراطورية غانة تابعة لهم بعد أن سيطروا على عاصمتها في عام 469هـ/ 1076م. ومع أن غانة استعادت استقلالها عام 479هـ/ 1086م، فإنها لم تسترد كامل امبراطوريتها وسابق قوتها، إذ استقلت عنها ممالك أنباره، وغَلَم Galam، والسوسو Sosso في كانياغا Kaniaga، واقتصرت سلطتها على أقاليم أوكار وباسيكونو.

وفقدت أهميتها التجارية بعد اضطراب أحوال الطرق التجارية الغربية المؤدية إلى السودان الغربي، وبعد أن أسلمت الأسرة الحاكمة فيها أسهمت غانة مع غيرها من الممالك الزنجية المسلمة في نشر الإسلام في بلاد السودان كلها. وآلت التركة التي خلفتها غانة إلى إحدى أسر الماندي في وادي النيجر الأعلى، وهي أسرة كييتا Keita التي أسلمت في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي عهد زعيمها سُنْدياتا (1235- 1255م)، ظهرت مملكة مالي [ر].

وفي عهد خلفائه توسعت هذه المملكة، وأصبحت امبراطورية تمتد من السنغال غرباً حتى بحيرة تشاد شرقاً، وتسيطر على معظم بلاد السودان، وأهم مناجم الذهب فيها. ووصلت أوج مجدها وشهرتها في عهد منسى موسى (1312- 1335م) الذي أدى فريضة الحج (1324م)، في موكب مهيب (كما كان يفعل أجداده) أثار دهشة من شاهدوه في مصر والحجاز بكثرة عدد أفراده وكميات الذهب التي يحملها وبذخِ سيده. وفي طريق عودته إلى بلاده اصطحب معه عدداً من العلماء والفقهاء من مكة والمدينة ومصر ليقوموا بنشر  الإسلام على أصوله في امبراطوريته. وكان له الفضل في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية في بلاد السودان. وأبدى اهتماماً خاصاً بالفن المعماري الإسلامي الأصيل. وأقام علاقات تجارية وثقافية ودبلوماسية مع مصر والمغرب. وارتقت مالي إلى مصاف دول العالم الكبرى، وذاع صيتها في أوربة فظهرت على خريطة رسمت لإفريقية في أوربة في عام 1375م.

أخذت سلطة مالي تضعف تدريجياً منذ بداية القرن الخامس عشر، فاستقلت عنها مملكة صنغي (صنغاي) Sounghai في غاوه وفي عهد صوني علي (1464- 1492م) تحولت مالي إلى ولايات تابعة إلى صنغي. وفي عهد خليفته اسكي محمد (1493- 1528م)، مجدد تعاليم الإسلام في منطقة النيجر، أصبحت امبراطورية صنغي أضخم من سابقتها مالي، وإن لم يكن لها الامتداد نفسه في الغرب، في حين وصلت إلى قرب مراكش شمالاً وشملت معظم أراضي مملكة بورنو شرقاً، وقد نالت قوتها وثراؤها إعجاب المسلمين في دول إسلامية أخرى، وأدهشهم حسن تنظيمها الإداري والاقتصادي وتنظيم جيشها وقوته، لكن النزاع على العرش بين خلفاء هؤلاء الملوك العظام أضعف الامبراطورية، فكانت نهايتها على يد جيوش سلطان مراكش أحمد المنصور في عام 1590م.

نفذ الإسلام إلى منطقة بحيرة تشاد منذ القرن الحادي عشر للميلاد، وقامت هناك مملكتان إسلاميتان هما كانم وبورنو، وهما تشبهان من عدة وجوه ممالك السودان الغربي. ويعزى قيام مملكة كانم شمال شرق بحيرة تشاد إلى قبائل الزغاوة التي بدأت بالوفود إلى المنطقة منذ بداية القرن التاسع. وفي عام 1050م اعتنق ملك «أومي» الإسلام، واستدعى إلى المملكة عدداً من علماء المسلمين وفقهائهم. وفي بداية القرن الثالث عشر، أصبح نفوذها يمتد من وداي Ouadai شرقاً حتى بلاد الحوصّة Haoussa غرباً، وإلى حدود مصر وطرابلس شمالاً.

وسيطرت على درب الأربعين الذي يصل شرقي بلاد السودان بمصر؛ فاتسعت تجارتها، ورسخت الحركة العلمية فيها، توطدت صلاتها الثقافية بمصر والمغرب وغربي إفريقية. ولكن في نهاية القرن الرابع عشر، ثارت قبائل البِلالَةَ، من سكان البلاد الأصليين، واحتلت عاصمة المملكة، فهاجرت الأسرة الحاكمة إلى جنوب غرب البحيرة، وأسست مملكة بورنو التي بلغت أوج قوتها في مطلع القرن السادس عشر في عهد إدريس علومة، بعد أن ضمت إليها كانم. واستعادت مجدها، وذاع صيتها في العالمين الإسلامي والأوربي، وظهرت على الخرائط البرتغالية المعاصرة، وأسهمت في نشر الإسلام في منطقة بحيرة تشاد كلها.

وبدءاً من القرن العاشر نشأت إمارات الحوصّة في منطقة شمال غرب نيجيرية الراهنة. وفي القرن الرابع عشر، بدأ الإسلام يتدفق إليها، وفي أواخر القرن الخامس عشر بدأت كانو وكاتسينا تبرزان في ميدان الثقافة الإسلامية. وقد رعت هذه الممالك والامبراطوريات العلم والعلماء والفقهاء المسلمين، وأسهمت في نشوء عدد من مراكز الدراسات الإسلامية في غاو، وتمبكتو، وجني، وولاتة وغيرها، وأصبحت مراكز للإشعاع العلمي ونشر الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، يفد إليها طلاب العلم من بلاد السودان كلها، ولها صلاتها مع علماء مثيلاتها في مصر وتونس والمغرب وفقهائها.

وكان الإسلام والحضارة الإسلامية من أهم العوامل التي أسهمت في نمو هذه الممالك والامبراطوريات وازدهارها، فقد وجدت أسرها الحاكمة في الإسلام نظاماً للحكم ومنهجاً للحياة يضمنان لها ولاء الشعوب والقبائل الخاضعة لها، ويوفران مناخ الأمن والاستقرار اللازمين لازدهارها. وقد ساعدها في ذلك ظهور طبقة متعلمة مثقفة تضم بعض العلماء، أسهمت في تنظيم إدارة امبراطورية مركزية وتجارتها على أكمل وجه، فكانت جزءاً من العالم الإسلامي آنذاك، معترفاً بها منه، من دون أن تفقد شخصيتها السودانية المميزة.

ـ ممالك غينية:

أثَّر قيام الممالك في بلاد السودان في الزنوج الذين يعيشون إلى الجنوب منها ضمن نطاق الغابات المداري الكبير في غربي إفريقية الذي أطلق عليه اسم «غينية». ففي المدة مابين القرنين الحادي عشر والثالث عشر بدأ زنوج غينية في إقامة ممالك لهم على نمط  ممالك السودان بفضل تسرب جماعات بشرية من بلاد السودان إلى نطاق الغابات. ويرجع معظم شعوب الإمارات والممالك التي ظهرت في هذا النطاق مثل «الأكان» و«اليوروبا» أصلاً إلى شمال نطاق الغابات الحقيقي، أو عند أطرافه الشمالية. وتسربت المؤثرات الحضارية إلى مناطق غينية الشرقية من السودان الشرقي، ولاسيما من وادي النيل، وإلى مناطق غينية الغربية عن طريق السودان الغربي. أما أهم تلك الإمارات والممالك فهي إمارات الأكان (بوند، وباندا) في منطقة غانة اليوم، وممالك اليوروبا (أويو وبنين، ونوبة Noupe)، في منطقة جنوبي نيجيرية اليوم. وقد بقيت بمعزل عن المؤثرات الإسلامية.

 

الکاتب: صباح كعدان

المصدر: الموسوعه العربیه/ المجلد الثانی/ ص854