إفريقية تاريخياً (الجزء الثانی)

  • رقم الخبر 1476
  • المصدر: الموسوعه العربیه

المخلص في بداية القرن الخامس عشر، كان ملك الكونغو يبسط نفوذه على ممالك نغويا Ngoya، وكاكونغو، حتى داخل الغابون المعروفة اليوم، على بعد 600كم من مصب نهر الكونغو، وعلى مملكة نغولا جنوب نهر كوانزا. كذلك قامت في الشرق عدة ممالك في منطقة ...


ب ـ إفريقية الوسطى والجنوبية:

أدى زحف شعوب البانتو باتجاه الجنوب إلى نشوء عدة ممالك هناك. ففي الغرب نشأت مملكة الكونغو[ر] في المنطقة العشبية المدارية الجنوبية. وفي بداية القرن الخامس عشر، كان ملك الكونغو يبسط نفوذه على ممالك نغويا Ngoya، وكاكونغو، حتى داخل الغابون المعروفة اليوم، على بعد 600كم من مصب نهر الكونغو، وعلى مملكة نغولا جنوب نهر كوانزا. كذلك قامت في الشرق عدة ممالك في منطقة مابين البحيرات مثل مملكة بيغو Bigo. وفي الجنوب تأسست مملكة مونوموتابا، التي أصبحت في القرن التاسع عشر تسيطر على ماعرف فيما بعد بردويسية الجنوبية ثم بزمبابوي اليوم، ومايتاخمها من موزامبيق المعروفة اليوم.

ـ مملكة الحبشة:

بقيت الحبشة على الوثنية حتى عام 335م حين تنصر ملكها إزاناس Ezanas، وقام بتوسيع مملكته باتجاه الشمال على حساب قبائل البجة القادمة من الشمال، واستولى على مملكة مروة.

وفي المدة بين 525 و572م، بسطت الحبشة سلطانها على اليمن، لكن الفتح العربي لمصر وقيام المسلمين بتهديم ميناء عدولي (أدوليس) على البحر الأحمر أديا إلى حرمان الحبشة من مصدر ثروتها الرئيسي، وعزلها عن العالمين الهندي والبيزنطي وحوض البحر المتوسط. كما تعرضت لمتاعب داخلية وأخطار خارجية جسيمة. ولما تمكنت من التغلب على مصاعبها الداخلية بتأسيس الأسرة السليمانية (1270) وأخذت تخرج من عزلتها، وجدت نفسها في مواجهة المدّ الإسلامي المحيط بها. واتسم القرنان الرابع عشر والخامس عشر بالصراع مع المسلمين في شرقي إفريقية.

 

جـ ـ سودان وادي النيل وشرقي إفريقية:

تعود العلاقات بين مصر وسودان وادي النيل والساحل الإفريقي الشرقي من جهة، وبين هذا الساحل وشبه الجزيرة العربية من جهة ثانية إلى أقدم العصور. وبعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية نمت هذه العلاقات وتوثقت، فمنذ القرن السابع، بدأت الهجرات العربية تحمل الإسلام والثقافة العربية إلى سودان وادي النيل من شرقي ساحل البحر الأحمر عن طريق هجرات من جزيرة العرب إلى السودان الأوسط، ومن شمالي وادي النيل. وبعد أن وقفت الممالك المسيحية في النوبة مثل ممالك نباته ومقرة وعلوة في وجه الفتح العربي للسودان، أخذ الإسلام يتسرب سلمياً إلى هذه الممالك بوساطة التجار والهجرات العربية عن طريق وادي النيل.

وفي بداية القرن الرابع عشر بسط العرب سلطانهم على مملكة مقرة، وفي مستهل القرن السادس عشر قضوا على مملكة علوة، وتوغلوا حتى حدود الحبشة (أواخر القرن الخامس عشر) ونشروا الإسلام والثقافة العربية حيثما حلوا.

ونجح تيار الهجرات العربية المنحدر من البحر الأحمر وشرق السودان بنشر ثقافته العربية بين قبائل البجة المحلية في الإقليم الساحلي بين سواكن وعيذاب (من القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر للميلاد) وفي القرن الخامس عشر، وصل فريق من هذا التيار إلى منطقة عطبرة والنيل وأقام فيها مدة. ومن جهة أخرى أسهمت الطريق البحرية في نقل نفوذ الإسلام من شبه الجزيرة العربية إلى الساحل الإفريقي الشرقي، فالعلاقات التي كانت قائمة بين الجانبين منذ القرن الخامس قبل الميلاد لم تنقطع بعد ظهور الإسلام.

ويعود أول اتصال بين الإسلام والحبشة إلى عام 615م (هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة). أما أول احتكاك بين الدولة الإسلامية وساحل إفريقية الشرقي فتم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حين سيطر العرب على جزيرة دَهْلَك عام20هـ/ 641م بالقرب من مصوّع، واستمرت سيادتهم حتى عصر المأمون. وفي مستهل القرن التاسع أدت عودة العلاقات بين الحبشة واليمن، ثم مع مصر إلى اتساع التجارة وازدهارها بين الحبشة وبلاد العرب، فكثر الوافدون من التجار والوسطاء المسلمين إلى شرقي إفريقية.

وشهد هذا القرن نمو المدن الساحلية بالوافدين من المسلمين. وظهرت جاليات إسلامية قوية في دهلك وسواكن وباضع وزيلع وبربرة. وفي المدة بين القرن العاشر ومنتصف القرن الثالث عشر توطد النفوذ الإسلامي في السهل الساحلي، وظهرت مدن إسلامية على طول الساحل الإفريقي الشمالي. ومنها نفذ الإسلام إلى المناطق الداخلية عن طريق التجارة. ثم تحولت المراكز التجارية التي انتشرت فيها إلى إمارات إسلامية، فنشأت إمارة شوا التي وطدت الإسلام في جنوبي شرقي الحبشة، وقامت إمارات عدل (عدولي) ومورة وهوبت وجداية وهدية وفطجار وأوفات ودارة وبالي وأرابيني وشرحا، كما تسرب الإسلام إلى ممالك سدامة (سيدامو) جنوبي الحبشة وإلى مرتفعات شرق شوا.

وامتدت هذه الإمارات حتى هرر، وبلاد أروسي جنوباً حتى البحيرات، مطوقة الحبشة من الجنوب والشرق. وفي مستهل القرن السادس الهجري/الثالث عشر الميلادي، نفذ الإسلام إلى هضبة الحبشة نفسها على الساحل الإفريقي الشرقي الجنوبي الممتد من ساحل الصومال جنوباً حتى زنجبار، وقامت مراكز ومدن إسلامية مماثلة.

كان للعرب دورهم في تجارة المحيط الهندي منذ القدم، فقد عرفوا أسرار هذا المحيط قبل الإغريق والرومان بزمن طويل، ووصلوا إلى شواطئ الهند. وكشفوا بحر الزنج والشاطئ الإفريقي الشرقي من رأس «غوردافوي» شمالاً حتى زنجبار جنوباً. وكثر ارتحالهم إلى هذا الشاطئ لمبادلة منتجات آسيا بذهب إفريقية وصمغها وعاجها.

ومنذ القرن الثاني للميلاد بدأ العرب بالاستقرار هناك وأنشؤوا مدناً على طول هذا الساحل. وبعد ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية وانتشاره فيها بدأت طوائف من المسلمين بالهجرة إلى هذا الساحل، وجاءت أول هجرة عربية من هذا النوع من بلاد الشام، فاقتحمت ميناء ويوني الحصين، وأخضعت السكان المحليين (695م).

وفي القرن الثامن للميلاد، أسس الخوارج العمانيون من قبيلة الأزد مدينة لامو شمال ممباسة، وقام فريق من الشيعة الزيدية بتأسيس شنجايا (بورت دانفر  Portes d’Enfer اليوم) على نهر لوالابا، وفي بداية القرن العاشر، خرج سبعة إخوة من الإحساء، ونزلوا على ساحل الصومال، وأسسوا مدن مقديشو، وبراوة، ومركة عند منتهى نهر ويبي، وقرفاوة وغيرها. وفي القرن الحادي عشر، أسست جماعة من شيراز مدينة كلوة. ولم يأت منتصف القرن الثالث عشر حتى كانت المدن الإسلامية قد انتشرت على طول الساحل الإفريقي الشرقي من سواكن شمالاً حتى موزامبيق جنوباً. وفي عام 1302 تزوج سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني صاحب عُمان أميرة سواحلية هي ابنة إسحاق حاكم باتة Pate، وورث الملك، ونقل بلاطه من عمان إلى شرقي إفريقية، حيث أسس حكم الأسرة النبهانية في باتة.

اشتهرت المدن الإسلامية في المقام الأول بالتجارة، فكانت مراكز لحياة إسلامية فاعلة، وأماكن انطلاق تتجمع فيها المؤثرات الإسلامية لتنتقل إلى ماوراءها. ومن هذا التاريخ أخذت بالنمو، ووضحت شخصيتها الإسلامية وبدأت تتحول إلى سلطنات إسلامية ذات نظم وراثية في الحكم (باتة وكلوة ومقديشو). وبرز بعضها وسيطر على سلطنات أخرى، وكان هذا حال السلطنات الثلاث سالفة الذكر.

 

العصور الحديثة

كان لفتح العرب شمالي إفريقية وما تبعه من انتشار الإسلام فيه وقيام الحكم الإسلامي في الأندلس عدة نتائج أهمها دخول هذا الجزء من إفريقية في صميم التاريخ الإنساني، وتحول البحر المتوسط إلى بحيرة شبه عربية تلتقي فيها شعوب القارات الثلاث آسيا وإفريقية وأوربة ومؤثراتها الثقافية والحضارية، ومنطقة للتبادل التجاري بينها. كما أصبحت معظم طرق تجارة الشرق الأقصى والهند البرية والبحرية بأيدي العرب المسلمين الذين احتكروا وتجار المدن الإيطالية الجنوبية التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وحققوا أرباحاً طائلة. وإن عرف العرب والإغريق والرومان سواحل إفريقية الشمالية والشرقية منذ العصور القديمة، فإن العلاقات المباشرة بين أوربة وإفريقية في العصور الوسطى اقتصرت على ساحل إفريقية الشمالي.

 

الكشف الأوربي للقارة:

مرَّ الكشف الأوربي للقارة بمرحلتين رئيسيتين. امتدت الأولى حتى أواخر القرن الثامن عشر، وفيها قام رحالة من غرب أوربة بكشف سواحل القارة الغربية والجنوبية الشرقية حتى سفالة. وبدأت هذه المرحلة باحتلال البرتغاليين مدينة سبتة المغربية (1415). ومع إشراف القرن الخامس عشر على نهايته تمكن البرتغاليون من كشف الساحل الإفريقي الغربي كله، وداروا حول إفريقية (1497)، ووصلوا إلى ثغر موزمبيق، ودخلوا الإمارات العربية على الساحل الشرقي الجنوبي منها (1498)، ووصلوا بإرشاد البحارة العرب من مثل ابن ماجد إلى قاليقوط على شواطئ الهند الغربية (1499).

وفي عام 1500 وصل هؤلاء إلى مدغسكر. واقتصر ماتبقى من هذه المرحلة على جمع بعض المعلومات من داخل القارة. وامتدت المرحلة الثانية من أواخر القرن الثامن عشر حتى مطلع القرن العشرين وانقسمت إلى حقبتين. امتدت الأولى حتى عام 1880 وفيها قام رحالة غرب أوربة بالتوغل داخل القارة، وكشف أنهارها الرئيسية وأحواضها، وجمعوا المعلومات عن شعوب المناطق التي زاروها وثرواتها، وامتدت الحقبة الثانية حتى عام 1902، وفيها رافق الكشف استعمار القارة بأكملها تقريباً وتقاسمها بين دول أوربة الغربية.

 

استعمار القارة:

مرَّ استعمار القارة بمرحلتين رئيسيتين أيضاً. امتدت الأولى حتى عام 1880، والثانية حتى السبعينات من القرن العشرين.

 

آ ـ مرحلة استعمار الساحل والجزر

وفيها اقتصر الاستعمار الأوربي على سواحل القارة وبعض الجزر القريبة منها لجهل الأوربيين ما بداخل القارة، ومايقف خلف السواحل من عوائق طبيعية، واهتمامهم بالدرجة الأولى بالوصول إلى الشرق واحتكار تجارته، كما كان للمقاومة الإفريقية العنيفة، وكثرة الأمراض الفتاكة أثرهما في كبح جماح الاستعمار في هذه المرحلة..

بدأ الاستعمار بإقامة وكالات تجارية ومستقرات أوربية على السواحل، واستغلال موارد إفريقية الطبيعية كالتوابل والذهب والعاج والصمغ، وتجارة الرقيق في حدود ضيقة، ولكن مع كشف العالم الجديد وثرواته،  واستغلال الأوربيين لها، فرضت مشكلة نقص اليد العاملة نفسها، ووجد الأوربيون الحل في إفريقية جنوب الصحراء، فاحتلت تجارة الرقيق منذ ذلك الحين المرتبة الأولى بين اهتمامات الأوربيين في القارة.

وغدا الساحل الأطلسي، بين الرأس الأخضر (السنغال) ولواندة (أنغولة) مخزناً للرقيق الأسود الذي كان يصدر إلى مزارع العالم الجديد. وعلى مدى القرون الثلاثة التي مارس الأوربيون فيها تجارة الرقيق الأسود (حتى عام 1880) ترسخ في أذهانهم مفهوم إفريقية «البدائية والمتوحشة»، وتجاهلوا مسؤوليتهم الكبيرة عن تخلف إفريقية الاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد قضى تحول طرق التجارة بين إفريقية وأوربة من سواحل القارة الشمالية إلى سواحلها الأطلسية على الازدهار الاقتصادي الذي شهدته بلاد السودان بدءاً من القرن الحادي عشر ومارافقه من نهضة سياسية وثقافية. واستنزفت تجارة الرقيق موارد إفريقية البشرية.

وقضت على كثير من الممالك الزنجية الساحلية في غربي إفريقية ووسطها (بنين والكونغو) وحرمت إفريقية من خيرة شبابها ومعظم قواها المنتجة اللازمة لحركة التقدم فيها. وأدى انتزاع احتكار التجارة مع الشرق من يد العرب والمسلمين إلى إضعاف الدول الإسلامية وانحطاطها وغلبة الفوضى في شمالي إفريقية، وقضاء البرتغاليين على إمارات الطراز الإسلامي في المدن الإسلامية الساحلية، وامبراطورية مونو ماتابا في شرقي إفريقية إضافة إلى نهب أوربة الغربية موارد إفريقية الطبيعية.

 

ب ـ احتلال القارة وتقسيمها:

تقسم هذه المرحلة إلى حقبتين: الأولى حقبة التوغل داخل القارة وبداية التكالب الاستعماري عليها (1769 - 1880) والثانية حقبة السيطرة السياسية على القارة وتقسيمها (1880 - 1970).

اتسمت المرحلة الأولى بكشف أحواض الأنهار الرئيسة في القارة (الكونغو والنيجر والزامبيزي والسنغال ومنابع النيل) والصحراء الكبرى، وطواف عدد كبير من الرحالة الأوربيين الغربيين في معظم مناطق إفريقية الغربية ووسطها وجنوبيها وشرقيها وجزيرة مدغسكر، وجمع المعلومات عن البلاد وأحوال السكان وتعرّف الكثير من أسرار القارة وخباياها.

ورافق هذا كله بدايات الغزو الاستعماري للقارة واحتلالها واستيطان بعض أجزائها، ومن ذلك مثلاً حملة نابليون على مصر (1798- 1801)، والتنافس بين إنكلترة وفرنسة على شمالي إفريقية بفرض نفوذهما غير المباشر على دول المنطقة عن طريق تقديم المساعدات العسكرية والفنية والإسهام في تحديثها (مصر في عهد محمد علي) أو بالسيطرة المباشرة (احتلال فرنسة للجزائر سنة 1830 واحتلال إنكلترة جنوب إفريقية بدءاً من عام 1815). واتسمت الحقبة الثانية بقيام محاولات الدول الأوربية الغربية فرض سيطرتها السياسية على إفريقية كلها وتقاسمها فيما بينها وحكمها مدة تزيد قليلاً على ثلاثة أرباع القرن.

 

جـ ـ الأوضاع السياسية في إفريقية حتى الاحتلال الأوربي:

ـ المغرب العربي:

بدأ الصراع بين الأوربيين والدولة العثمانية من أجل السيطرة على شمالي إفريقية منذ مطلع القرن السادس عشر، وانتهى الأمر إلى احتلال البرتغال وإسبانية بعض المدن الساحلية في المغرب والجزائر وتونس، في حين فرضت الدولة العثمانية سلطانها على الجزائر (1516)، ومصر (1517)، وطرابلس الغرب (1551)، وتونس (1574).

وقد عاشت هذه البلدان في القرنين السابع عشر والثامن عشر حالة من الفوضى بسبب ضعف نفوذ ممثلي الدولة العثمانية من باشوات وبايات ودايات على مجاهدي البحر. غير أن الباي حسين في تونس نجح في تأسيس الأسرة الحسينية عام 1705 التي استمرت في الحكم حتى خمسينات القرن العشرين، في حين حافظ المغرب الأقصى على استقلاله، وتوالى على الحكم فيه بعد الموحدين الأشراف السعديون (1549- 1670)، ثم الأشراف العلويون (1670م) وهم أصل الأسرة العلوية، التي ماتزال في السلطة إلى اليوم.

ومنذ عهد محمد علي باشا (1805- 1849) أخذت مصر تستقل تدريجياً عن الدولة العثمانية مع بقائها تابعة لها اسمياً.

وفي القرن التاسع عشر أدت محاولات الإصلاح والتحديث التي شهدتها مختلف دول المغرب العربي إلى تغلغل النفوذ الأوربي فيها، أولاً ثم إلى بسط السيادة الأوربية عليها.

وفي سودان وادي النيل قامت مملكة الفونج في سنار، ومملكة دارفور (مطلع القرن السادس عشر). ودخلت الأولى في صراع مستمر مع الحبشة التي كانت في الربع الأخير من القرن الثامن عشر تعيش عهد انحطاط بسبب ضعف سلطة ملوكها وتنافس كبار الإقطاعيين على السلطة والحروب الأهلية فيها، وفي عامي 1820- 1821 أخضع محمد علي السودان للسيادة العثمانية، وتولى الحكم فيه إدارة تركية مصرية، وفي المدة بين 1881 و1899 شهد السودان قيام الحركة المهدية[ر].

ـ إفريقية الغربية:

أدى القضاء على امبراطورية صنغي عام 1591، ونضوب مناجم الذهب في إفريقية والعثور على معدنه في العالم الجديد، وتحول طرق التجارة نحو السواحل الأطلسية إلى انحطاط الأوضاع السياسية فيها، واستمر هذا الانحطاط حتى نهاية القرن الثامن عشر، فقد سيطر المولدون «الأرما» (سليلو المغاربة من زوجات محليات) على تومبكتو وغاو وما حولهما. وتأسست عدة ممالك صنغية صغيرة في أعالي النيجر. وأقام البمبارا مملكتين حول سيغو Segou وتزايدت باستمرار ضغوط قبائل الطوارق في الشمال، والموريتانيين في الغرب، والفولانيين في ماسينة، وحلت الحروب المستمرة محل الازدهار الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي شهده السودان الأوسط في المرحلة السابقة وسارت مراكز الدراسات الإسلامية إلى ذبول.

في حين عاشت ممالك الحوصّة في الشرق عهد رخاء وازدهار. واعتنق الفولانيون الإسلام، وألفوا دولاً ثيوقراطية (حكومات رجال الدين) في فوتاتورو (السنغال)، وبوندو، وفوتاجالون (غينية). وتوسعوا باتجاه الشرق. وانتصر الحسّانيون في موريتانية على قبائل الأمازيغ. وفي ساحل غينية، أدت تجارة الرقيق إلى قيام اتحاد الأشانتي (غانة اليوم)، ومملكة أبومي أو الداهومي (في جنوبي جمهورية بنين اليوم).

وفي القرن التاسع عشر، تأثرت بلاد السودان باليقظة الإسلامية والحركات السلفية الإصلاحية التي شهدها المشرق العربي وشمالي إفريقية، فشهد السودان الغربي قيام مؤسسات مماثلة كانت وراء يقظته السياسية والثقافية الإسلامية الجديدة، وقيام عدد من الامبراطوريات الإسلامية الزنجية الإفريقية هي امبراطورية الفولاني (1804- 1903) بقيادة الشيخ عثمان بن فودي، وامبراطورية التوكولور (1854- 1893) بزعامة الحاج عمر تال، ومملكة ماسينة (1818- 1862) بقيادة الشيخ أحمدو، وامبراطورية الماندي في أعالي النيجر (1870- 1893) بزعامة ساموري توري.

ـ إفريقية الشرقية:

نجحت الإمارات المسلمة الساحلية، ولاسيما كلوة وممباسة بالتحالف مع سلطان مسقط[ر]، في طرد البرتغاليين من ساحل الزنج إلى الشمال من رأس دلغادو. وغدا عرب عمان سادة هذه المنطقة منذ عام 1698م، واعترفت البرتغال بسيادة إمام مسقط عليها بموجب معاهدة 1752.

وفي عام 1830، نقل إمام مسقط سعيد بن سلطان حاضرته إلى زنجبار ليُحكم سلطانه على مدن الساحل التجارية مالندي وممباسة وكلوة. وكان لتحرر الإمارات الإسلامية من الكابوس البرتغالي أثر عميق في استعادة الحركة الإسلامية نشاطها.

وبدأ الإسلام بالتوغل فعلياً نحو الداخل، ونشط الدعاة في نشر الإسلام في موزمبيق وسفالة، ونفذوا إلى منطقة نياسالاند (ملاوي اليوم)، وهضبة البحيرات ومملكة بوغندة (أوغندة) وكينية وطنغنيقة حتى حدود الكونغو، وأقيمت المساجد في كل مدينة وقرية. وأحرز الإسلام تقدماً مماثلاً في مناطق شمال مقديشو. كما تسرب سلمياً إلى قلب الحبشة طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان للاتصال المستمر بين هذه الإمارات والعالم الإسلامي أثره الكبير في انتشار الثقافة العربية الإسلامية. كما كان توحيد مسقط وزنجبار على يد سلطان مسقط في أوائل القرن التاسع عشر بداية مرحلة مزدهرة من تاريخ الإسلام في شرقي إفريقية.

د ـ استعمار إفريقية وتقسيمها:

شهدت دول أوربة الغربية تحولات مهمة بين عامي 1870 و1880 أدت إلى ظهور النزعة الامبريالية والتقدم الصناعي والحاجة  إلى مصادر جديدة للمواد الأولية، وأسواق لتصريف فائض الإنتاج الصناعي، واستثمار فائض رؤوس الأموال فيها، والرغبة في تأسيس امبراطوريات ضخمة تسعى إلى الارتقاء إلى مصاف الدول العظمى مثل ألمانية وإيطالية أو الحفاظ على هذه المكانة مثل إنكلترة وفرنسة، مع العمل الدؤوب من أجل الوقوف في وجه المد الإسلامي ونشر المسيحية في إفريقية.

فمنذ أواخر القرن الثامن عشر، اقتصر التنافس في إفريقية على إنكلترة وفرنسة، وبعد ظهور الامبرياليات الأوربية، تحول هذا التنافس الثنائي إلى تنافس دولي شاركت فيه ألمانية وإيطالية والبرتغال وإسبانية وبلجيكة التي كشف ملكها النقاب عن أطماعه في تأسيس امبراطورية شخصية في الكونغو، وتدخلت إنكلترة والبرتغال لمعارضة مشاريعه، في حين احتجت كل من فرنسة وألمانية وبلجيكة، والولايات المتحدة على هذا التدخل، وأصبحت المسألة الإفريقية مسألة دولية، وغدا السباق على احتلال القارة واضحاً.

ووافقت الدول المعنية بهذه المسألة على دعوة المستشار الألماني بسمارك لعقد مؤتمر في برلين لبحث قضية الكونغو والمشكلات المتعلقة بها. واتفق المشاركون في مؤتمر برلين (تشرين الثاني 1884 - شباط 1885) على القواعد والأسس التي سيتم بموجبها تقسيم القارة مستقبلاً، وأهمها حق الدول الأوربية التي تملك مناطق ساحلية بحرية إفريقية في التوسع في الداخل شريطة ألا يتعارض ذلك مع مصالح الدول الأخرى، وإعلام الدول الأخرى بذلك، وعدم إعلان أي دولة أوربية حمايتها على منطقة ما من دون دعم ذلك باحتلال فعلي أو ممارسة فعلية لسلطتها عليها. وكان هذا بداية سباق مسعور بين الدول الأوربية الغربية لاستعمار إفريقية في المدة بين 1885 و1902، سارعت معه أدوات الاستعمار، من شركات تجارية وبعثات تبشيرية أو عسكرية إلى إثبات ملكية بلادها لأجزاء من مختلف أقاليم القارة.

وفي أقل من عشرين عاماً تغيرت الخريطة السياسية للقارة تماماً، ففي حين لم يكن يخضع للسيطرة الاستعمارية حتى عام 1885 أكثر من 10% من مساحة القارة لم يبق في عام 1902 إلا أجزاء بسيطة منها لا تزيد على 8% من المساحة الكلية تتمتع باستقلالها هي ليبيرية والحبشة والمغرب الأقصى الذي لم يلبث أن خضع أيضاً للاستعمار الفرنسي عام 1912.

وقد طرأت بعض التعديلات الطفيفة على هذه الخريطة إثر هزيمة ألمانية في الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية وتقاسم ممتلكاتها سنة 1919 بين فرنسة وإنكلترة وبلجيكة وجمهورية جنوب إفريقية. وقد بقيت هذه الخريطة على حالها حتى عام 1951 تاريخ استقلال ليبية واحتكرت ست دول أوربية فقط السيطرة على معظم أجزاء القارة هي: إنكلترة وفرنسة وبلجيكة والبرتغال وإسبانية وإيطالية.

هـ ـ أنظمة الحكم الاستعمارية:

على الرغم من تباين أنظمة الحكم الاستعمارية عقائدياً ونظرياً مثل سياسة الاستيعاب أو الإدماج assimilation الفرنسية، وسياسة الحكم غير المباشر التي تبناها الإنكليز وغيرهم، فإن تلك الأنظمة كانت متشابهة جداً في الجوهر، وتقوم على الأسس التالية: احترام العادات والتقاليد المحلية، وتحويل الزعماء والسلاطين الأفارقة إلى مجرد أدوات في خدمة الإدارة الاستعمارية والفصل بين المجتمع الأوربي والمجتمع الإفريقي، وخضوع السكان المحليين لنظام قضائي خاص، وعدم تمثيل «الأتباع» من السكان المحليين في المجالس النيابية في الوطن الأم.

ووضع إدارة المستعمرات في يد إدارات خاصة مثل وزارات المستعمرات وحكام المستعمرات والإداريين المحليين المتخصصين الذين أصبحوا ملوك الأدغال، والاهتمام بتطوير اقتصاد المستعمرات على نحو يخدم مصالح الدولة المستعمرة (اقتصاد اكتفائي وحماية جمركية وخطط تنمية تستجيب لحاجات الدول الاستعمارية من المواد الأولية اللازمة لصناعتها..) ونظام تعليمي لتزويد الإدارة الاستعمارية بما تحتاج إليه من مساعدين محليين يكونون همزة الوصل بينها وبين الإفريقيين.

 

الکاتب: صباح كعدان

المصدر: الموسوعه العربیه/ المجلد الثانی/ ص854.