الحراك الإسلامي والكنسي في دولة الكونغو الديمقراطية (1)

  • رقم الخبر 1489
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص ترسّخ الإسلام في (الكونغو) قديماً، ومنذ عام 1830م أخذ في الانتشار بفضل التجار العرب الذين قدموا إلى (الكونغو) بغرض التجارة، فدخلها من الكاميرون والجابون وبلاد السودان، وأسلمت أعداد كبيرة من الناس.


تُعَدّ (الكونغو) عملاق منطقة إفريقيا الوسطى من ناحية المساحة والإمكانيات الطبيعية، وتتميز بموقعها الاستراتيجي في قلب القارة، وتشكّل محوراً للانطلاق لبقية دول المنطقة، لذلك سعت الدول الغربية لفرض سيطرتها على الأوضاع فيها، واعتبارها قاعدة للانطلاق نحو المناطق الأخرى، وكذلك للحدّ من انتشار الإسلام واللغة العربية فيها، وقطع التواصل مع العالم الإسلامي والدول العربية، وللسيطرة كذلك على مواردها  (1).

وقد اهتمّت أوروبا والكنيسة بمنطقة (الكونغو) قديماً، وذلك لموقعها المميز في قلب القارة الإفريقية ومواردها الضخمة، وصل إليها البرتغاليون عام 1482م، وهم أول مَن نزلوا على مصبّ نهر الكونغو، وأقاموا علاقات دبلوماسية مع (مملكة الكونغو)، وتمّت زيارات منها إلى البرتغال والفاتيكان مقرّ رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، ولذلك اتخذت مملكة الكونغو (الكاثوليكية) ديانة رسمية لها، ونصّبت عدداً كبيراً من مواطنيها كهنة كاثوليك.

وكذلك أرسل ملك بلجيكا ليوبولد الثاني منذ العام 1875م بعثات لاكتشاف مناطق حوض الكونغو، وأنشأت بلجيكا محطات علمية وتجارية وتبشيرية، لفرض سيطرتها على تلك المناطق وما حولها، لأهميتها الاقتصادية، وقد عمل الاستعمار البلجيكي على تنصير الرجل الإفريقي، وتحويله شيئاً فشيئاً إلى رجل بلجيكي في تفكيره وسلوكه الاجتماعي ومعتقداته.

ونالت (الكونغو) استقلالها في 30 يونيو 1960م، وكانت تُسمّى (زائير) بين عامي 1971م و 1997م، ثم أصبحت تُعرف باسم (الكونغو)، وتُدعى أحياناً باسم (الكونغو كينشاسا) نسبةً إلى عاصمتها؛ لتمييزها عن (جمهورية الكونغو) التي تُسمّى أحياناً (الكونغو برازافيل) (2).

ولا تزال (الكونغو) حتى اليوم هدفاً لعملية التنصير وجهود الكنيسة، من خلال أساليب ووسائل متعددة، وهذا ما يهدف الباحث إلى كشفه وبيان خطره، لعلّ ذلك يدعو إلى مؤازرة المسلمين لإخوانهم في ذلك البلد.

 

الاستعمار رائد التنصير في الكونغو:

ترسّخ الإسلام في (الكونغو) قديماً، ومنذ عام 1830م أخذ في الانتشار بفضل التجار العرب الذين قدموا إلى (الكونغو) بغرض التجارة، فدخلها من الكاميرون والجابون وبلاد السودان، وأسلمت أعداد كبيرة من الناس، خصوصاً في المناطق التي تقع شرق الكونغو (جوما - مانيماما)، وتمّ إنشاء المساجد، وترسَّخ النظام الإسلامي في حياة السكان، حتى مجال القضاء، فأصبحت هناك محاكم للمسلمين وأخرى لغير المسلمين.

وحتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر أصبح جزء كبير من (الكونغو) يدين بالإسلام، ويُدار وفق نظام الخلافة الإسلامية، وكان الخليفة في ذلك الوقت هو الشيخ عبد الرحمن الشهير باسم (تيبوتيبو)، ويشهد لذلك أنه عندما وفد ممثل بلجيكيا (ليفنجستون) ووجد المسلمين حينها أكثر نظاماً، طلب التفاوض معهم؛ حتى يدخل (الكونغو) من خلال الجزء الأكثر نظاماً واستقراراً وأمناً (3).

عمل الاحتلال على محاربة الإسلام والتمكين للمسيحية، والتي تأتي في المرتبة الثانية من حيث الدخول للكونغو بعد الإسلام، ولكنها سرعان ما انتشرت بفضل دعمها بالإمكانيات من قِبَل الكنيسة والدول الغربية، وبخاصة بلجيكيا و (الفاتيكان)، والتي تمّ توظيفها في بناء الكنائس والمدارس والمستشفيات والمراكز الثقافية والأندية والجامعات، وغيرها من المؤسسات التي تمّ طبعها بالطابع النصراني.

استفادت الكنيسة من سياسات الاحتلال البلجيكي والقوانين والإجراءات التي وضعها لمحاربة الإسلام والمسلمين، وخدمة الكنيسة، والمواطنين الغربيين الأجانب الذين يعملون في المشروعات التنموية في (الكونغو)، وبخاصة إنتاج المعادن، كما أنّ الحرب الطويلة التي مرّت بها البلاد والفقر والأمراض وضعف الوعي لدى المسلمين الكونغوليين ساهم في تقوية شوكة الوجود الكنسي بالكونغو، وكانت البعثات التبشيرية التنصيرية التي وصلت للبلاد جزءاً من قوى الاستعمار إلى حدٍّ كبير، مثلها في ذلك مثل المكتشفين والتجار والجنود الغربيين (4).

وقد استطاع الاستعمار البلجيكي الذي كان أهمّ أهدافه نشر المسيحية في القارة الإفريقية أن يغرس روح الكراهية المفرطة نحو الإسلام والمسلمين في (الكونغو)، خصوصاً في منطقة (كاسونجو)، حيث تعرّض المسلمون للاضطهاد والتعذيب والسجن والنفي والقتل، وأكبر شاهد على ذلك إبادة الاستعمار في 2/4/1893م لما يقارب خمسة وأربعين ألف مسلم (5).

 

الكونغو وخريطة المشروع التنصيري لإفريقيا:

يعدّ الكرسي البابوي (الكونغو) رأس الحربة للتنصير في القارة الإفريقية؛ لذلك اهتمّ بها من خلال الزيارات والمؤتمرات التي عُقدت بشأن تنصيرها، وما يؤكد ذلك زيارة البابا يوحنا الثاني في العام 1980م لها، وافتتاحه لبعض المشروعات التنصيرية، والملاحظ أنّ الوفود البابوية لم تنقطع عن زيارة (الكونغو الديمقراطية)، كما عُقدت العديد من المؤتمرات وورش العمل الداخلية والخارجية (6)، والتي بحثت جميعها سبل تطوير العمل التنصيري، والحدّ من المدّ الإسلامي الذي يشكّل حجر عثرة أمامه، وذلك بمساعدة عناصر من مبعوثي الفاتيكان، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرهما من الواجهات الكنسية العالمية.    

يمثّل المسلمون في (الكونغو) ما بين 10 - 15% من عدد السكان، أي حوالي 9 ملايين مسلم، ويلاحظ أنّ معتنقي الإسلام أكثر من عدد الذين ولدوا مسلمين، ومع ذلك تشير معظم الإحصائيات إلى أنّ عدد المسلمين في (الكونغو) تناقص إلى أقلّ من النصف، فبعد أن كان عددهم 20 مليون نسمة عقب الاستقلال في مطلع الستينيات من القرن الماضي؛ تناقص الآن إلى قرابة 9,6 ملايين مسلم!

وذلك يعود إلى الآتي (7):

1 - السياسات الاستعمارية التي ربطت التعليم الأكاديمي بالتنصّر: فقد حرم ملك بلجيكيا المسلمين وأبناءهم من التعليم إلا إذا تنصّر الأبوان، ولا تزال آثار هذا الحرمان باقية حتى اليوم؛ فانتشار الجهل في أوساط المسلمين الكونغوليين (80% أميون) أثّر سلباً في أوضاعهم الاجتماعية، ومشاركتهم في القطاع الحكومي، ومعاناتهم كسب لقمة عيش كريمة؛ حيث إنّ (90% عاطلون).

2 - فرض الحرب والقتال: خصوصاً في المناطق التي يتمركز فيها المسلمون، وكان نتيجة ذلك أن مات وتشرّد الكثيرون، وتفكّك كثير من أسر المسلمين، كما استغلت الكنيسة ظروف الحرب لإجبار المسلمين على ترك الإسلام.

كما قامت حركة التنصير في (الكونغو) بالهيمنة على كلّ البنى التحتية والأنشطة في البلاد (السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتربوية)، وذلك من خلال الآتي (8):

1 – سياسياً.. السيطرة على اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتوظيفها لمحاربة المسلمين: حيث لم يتمّ الاعتراف بالإسلام بوصفه ديانة في (الكونغو) إلا بعد زمن طويل، وذلك بعد الاستقلال عام 1972م، بواسطة المرسوم الدستوري رقم 194/ 72؛ من قِبَل الرئيس (موبوتو سيسي سيكو).

2 – تربوياً.. بربط التعليم بالكنيسة: وتوظيف مناهجه لفرض عقيدتهم وأفكارهم، وحرمان المسلمين منه، والتضييق على تعليمهم الخاص.

3 – إعلامياً.. الهيمنة على الإعلام ووسائله: فهناك أكثر من 150 قناة تلفزيونية وإذاعية للحركات التنصيرية، وليس للمسلمين أية وسيلة إسلامية لنشر دعوتهم.

4 - فتح الباب للمنظمات الطوعية التنصيرية، وبخاصة منظمات الإغاثة الغربية المنتشرة وسط المجموعات المسلمة: وذلك للمساهمة في تنصير المسلمين، ونشر المفهومات المخالفة للإسلام بينهم.

5 - الحدّ من نشاط التجار المسلمين: فركزت الكنيسة في الدخول في النشاطات التجارية والزراعية، وأنشأت لها مشروعات حول محطات الإرساليات لتدريب المنصِّرين، والاستفادة من الجدد منهم في الوقوف ضد التجار المسلمين، ويؤكد ذلك تصريح منظمة (كاريتاس) الكنسية في (الكونغو)؛ بأنها تمد المزارعين المستهدفين بالتنصير بالبذور والأسمدة للتغلب على البطالة، وتساعد المنصِّرين على فتح مشروعات، مثل المخابز وورش العمل وغيرها.

ونلاحظ اعتماد الكنائس، وبخاصة الكاثوليكية، في نشرها للنصرانية في (الكونغو)، على العديد من الخدمات التي تقدّمها في مجالات الصحة والتعليم والإغاثة، وإنشاء المراكز التنصيرية؛ حيث تمتلك الآلاف من المدارس والمستشفيات وعشرات الجامعات وكليات اللاهوت، إضافة إلى المراكز الصحية وملاجئ العجزة والمعوقين، ومعسكرات مرض الجذام، كما لها منظمات للشباب وتدريبهم، ودور للمرأة، ومعاهد فنية، ومعسكرات ومراكز تدريب متخصّصة في مجالات عديدة (9).

أدّت هذه الجهود التنصيرية إلى اعتناق قرابة 75% من الكونغوليين النصرانية، واستفاد المشروع التنصيري من معاناة المسلمين الفقر الشديد والجهل والمرض والتهميش السياسي والاقتصادي، وذلك بمساعدة الحكومات الكونغولية المتعاقبة، وأسهم ذلك في ارتداد ملايين المسلمين للحصول على التعليم والدعم المالي الذي تقدّمه الآلاف من المنظمات التنصيرية المنتشرة في (الكونغو) (10).

 

المؤسسات التنصيرية.. استراتيجياتها وأساليبها:

نشطت المؤسسات التنصيرية في (الكونغو) نشاطاً واسعاً في بداية عملها، خصوصاً في أواسط القبائل الوثنية، منذ أواخر القرن قبل الماضي، وبعدها أخذت تتقدّم شيئاً فشيئاً إلى مناطق المسلمين، واتبعت عدة استراتيجيات، واستخدمت وسائل وأساليب مختلفة.

من هذه الأساليب ما يأتي (11):

- استغلال التعليم في عملية التنصير، وتشجيع الاطلاع على المجلات الخليعة، ومشاهدة وسماع الإذاعات المسموعة والمرئية، والمراسلة بين الجنسين، والموسيقى والغناء والرقص، وربط الشعائر الدينية المسيحية بها لجذب الإنسان الإفريقي.

- توفير مكتبات تنصيرية ضخمة في شتّى المدن والقرى، ومطابع كثيرة، وقامت منظمة (كورديد) الهولندية بطباعة الأناجيل والكتب التنصيرية باللغات واللهجات المحلية لتوزيعها على المسلمين في مناطق النزاعات.

- إنشاء ملحقات اللاهوت، لتخريج أساقفة ومعلّمين لتدريس الدين المسيحي، وتحفيز المنصِّرين بالابتعاث.

ومن الوسائل والأساليب كذلك (12):

- دعم النشاط المحلّي للمسيحيين في البلاد.

- الاهتمام بالخدمات الصحية، وتقديم العلاج والأدوية للمرضى.

- بناء الكنائس في المناطق التي لم تعرف النصرانية، ومن سياستهم في ذلك أنه كلما قام المسلمون بتشييد مسجد أسرعوا ببناء كنيسة أو أية مؤسسة كنسية في الأرض المجاورة لهذا المسجد.

- استغلال بعض منظمات الأمم المتحدة المتخصّصة في تنصير مسلمي الكونغو، مثل منظمة AAB التي لها العديد من المكاتب في مدن الكونغو المهمّة، مثل: (كسنجاني، وكيفو، ولومومباشي)، ذات الأغلبية المسلمة.

- تقديم الدعم والمساعدات للفقراء؛ ومن ذلك ما تقوم به منظمة (مجد يسوع)، ومنظمة (الإخوة الكومبونيون)، التي رصدت مئات الإعانات لكفالة الأيتام وتمويل نفقات تعليم أغلب الأطفال في المدارس؛ لإغرائهم بالارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية (13)، مستغلين عجز كثير من الأسر المسلمة عن دفع المصروفات الدراسية التي تتراوح ما بين (20 – 50) دولاراً، فيضطرون إلى ترك الدراسة (14).

- تقديم المعونات والإغاثات مستغلين أجواء الصراعات والحروب، ومن ذلك تقديم المعونات الطبية والغذائية لنحو ثلاثين ألف مهاجر شردتهم الحروب، وغالبيتهم من المسلمين، ما دفع أعداداً منهم للتنصّر.

- نشر الخرافات، والوعود، والادعاءات، للترغيب في المسيحية.

إضافة إلى اتباع ما تقدّم اتبعوا الأسلوب المباشر والدعوة العلنية متى كان ذلك ممكناً، في قاعة خاصة أو في حديقة، وفي شكل أحاديث مباشرة أو حوارات أو ندوات أو مناقشات، لمجموعات صغيرة، ودراسات إنجيلية في الكنائس والبيوت وأماكن العمل، وهذا الأسلوب المباشر يفضله المنصّرون؛ إلا أنه يحتاج إلى حكمة وحنكة منهم، خصوصاً في المجتمع الكونغولي الذي تتعدد فيه القوميات والديانات.

أما أسلوب المحاضرات والمناظرات العامّة؛ فتعتمد عليه الكنائس غير الكاثوليكية، وبخاصة البروتستانتية، والبروتستانتية المستحدثة التي انشقت عنها وبدأت تنتشر في البلاد، وكذلك الكيمبانجية (15).

يلاحظ مما تقدم أنّ التنصير في الكونغو اتبع استراتيجيات عديدة، منها ما يتصل بالكوادر والنّخب والقيادات، ومنها ما يركز على المؤسسات، وعلى رأسها مؤسسات الدولة، إضافة إلى التنمية والخدمات، ومن الاستراتيجيات التي انتهجتها بعض المنظمات التنصيرية استراتيجية (من بيت إلى بيت)، والتي تعمل على توصيل الكتيبات التي تدعو للنصرانية إلى جميع بقاع البلاد (16).

كذاك إشعال الحروب في مناطق تركّز المسلمين، مثل: مناطق كيفو، ومنطقة سيكك، ومنطقة ماسيس التي تضمّ عدداً من المنشآت الإسلامية الكبيرة، وبخاصة المساجد الأربعة التي شيدتها (منظمة الدعوة الإسلامية) في 2011م، إلا أنه نتيجة لعدم الاستقرار والأمان حدث هرب المسلمون إلى رواندا والحدود المجاورة، فهُجرت المساجد، ودمّر بعضها نتيجة أعمال العنف والقتال، ففي رمضان الأخير صعب على المسلمين أداء شعائرهم الإسلامية، وبخاصة إقامة صلواتهم الخمس (17).

كما استخدم التنصير العديد من الوسائل والخطط بعيدة المدى؛ حيث لجأ إلى تنويع الكتاب والخطاب المقدّم للمسلمين الكونغوليين، من خلال مادة تراعي الجوانب النفسية لهم وعدم استفزازهم، وتنبيه الذين تدرّبوا على العمل وسط المسلمين على عدم تقديم عقيدة الثالوث الأعلى، مع إعداد مراكز التدريب المهيأة لاستقبال المنصَّرين من المسلمين، من خلال كنيسة غير معلن عنها خالية من الصور المسيحية، وكلّ ذلك عبر كوادر مدربة عملت في مناطق المسلمين، ولها خبرة ومعرفة بالتاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية والقرآن الكريم (18).

 

الكنيسة والتعليم في الكونغو:

قامت الكنيسة في مجال التعليم في (الكونغو) منذ فترة الاستعمار بتبنّي الأطفال الصغار من الجنسين ذكوراً وإناثاً لسنوات طويلة، وأغلب هؤلاء الأطفال ممن تمّ شراؤهم من تجار الرقيق، وأنشأت المدارس الحديثة، ووضعت إدارتها في أيدي الإرساليات التنصيرية التي كانت تهتم بتهيئة التلاميذ وتنصيرهم، إلا أنّ الأغلبية الساحقة من المسلمين تقاطع هذا النوع من التعليم منذ استقلال (الكونغو).

كما استخدمت السلطات في (الكونغو) التعليم أداة للضغط على المسلمين لإجبارهم على ترك دينهم والتنصّر، ووسيلة للحدّ من انتشار الإسلام، وخصوصاً في المناطق الوثنية، عن طريق (19) منع أبناء المسلمين وبناتهم من دخول المدارس أو الجامعات إلا إذا ارتدوا عن الإسلام وغيّروا أسماءهم، وكذلك قامت ببناء المدارس والكنائس وربطتها بالخدمات الأخرى، كالمستشفيات، وتقديم الغذاء، وكفالة الطلاب، وبخاصة المشردون، لتشجيعهم وتشجيع أسرهم على ترك الإسلام، مما يؤثر في عقل المواطن الكونغولي البسيط ونفسيته، وذلك باعتبار أنّ هنالك جهة تهتم به أكثر من غيرها، وهي المؤسسة التنصيرية وليس الإسلام والمسلمين.

ونتيجة لهذه السياسات نجد أنّ أعداداً كبيرة من الشباب المسلم غير متعلمة، حتى إنه من ضمن 500 دارس جامعي في الجامعات الكبرى في (كينشاسا) لا يوجد سوى 100 دارس مسلم (20).

كما استُغل التعليم في محاربة الإسلام والمسلمين من خلال المناهج التعليمية، فمثلاًـ: تمّ من خلالها تضخيم المشاركة المحدودة من بعض المسلمين في تجارة الرقيق، وتعمّد إغفال جرائم الأوروبيين الفظيعة في ذلك؛ بهدف زراعة الحقد والكراهية في نفوس الأفارقة ضد الإسلام والمسلمين.

في المقابل؛ لم يحظ المسلمون في الكونغو بأي معاهد دينية إسلامية، وذلك بحجة أنهم أقلية، كما أنّ أوضاعهم متأخرة، وقد حالت الحكومات المتعاقبة في الكونغو دون تطوير التعليم الإسلامي بحجة أنه لا يساهم في ترقية ثقافة المواطنين أو تنمية البلاد (21)!

 

الإحالات والهوامش:

(1) تحدي الكونغو.. دراسة حالة من حالات الضغوط في دولة مستقلة، دار الملتقى للطباعة والنشر، بيروت / لبنان، ص 32.

(2) محمود السيد: إفريقيا والأطماع الغربية، الناشر مؤسسة شباب الجامعة.

(3) نور الدين عوض الكريم إبراهيم: أساليب المنصّرين في الصدّ عن الإسلام في إفريقيا وطرق مواجهتها، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1423هـ، ص 118.

(4) تقرير وضع الإسلام والمسلمين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إعداد الشيخ عبد الله بالكثار وآخرين، معهد مبارك قسم الله للبحوث والتدريب، منظمة الدعوة الإسلامية، الخرطوم 2011م، غير منشور.

(5) أكّد ذلك محافظ الكونغو لاحقاً السيد بيكر في العام 1922م، حيث تمّ العثور على مقابر جماعية لحوالي 6000 ألف مسلم من الذين قُتلوا في منطقة (كيروندوا)، انظر: التنصير والتغلغل الاستعماري في إفريقيا، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة إفريقيا العالمية، ص 190.

(6) توفيق وهبة: الإسلام في مواجهة أعدائه، مجلة المجتمع، العدد 48، 2/5/1980م، ص (424، 445)، أهم المؤتمرات الكنسية التي تُعقد بصورة منظمة: مؤتمر المفكرين الكاثوليك في (كينشاسا)، وخلاله يتمّ وضع السياسات والخطط للعمل التنصيري في البلاد، كذلك هنالك مؤتمرات للأساقفة.

(7) مقال: التنصير في غرب إفريقيا.. العمل بعيداً عن ضجيج الإعلام، همة برس، خاص بموقع المسلم، 7/7/1430هـ.

(8) تقرير: وضع الإسلام والمسلمين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مرجع سابق. جريدة الشعب: 2/10/2012م مقابلة مع الشيخ فامبا علي حميدي مفتي الكونغو الديمقراطية.

(9) مقابلة أجريت مع مجموعة من طلاب الكونغو الديمقراطية، 25/7/2012م، بالسودان - الخرطوم. ومقابلة مع الشيخ موديلو واماليما - أمين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في الكونغو الديمقراطية -.

(10) مقابلة مع قسيس كونغولي اهتدى للإسلام، المرصد، مركز مبارك قسم الله الخرطوم، ع 6، مايو 2011م.

(11) لقاء مع الشيخ جمال لومومبا رمضان - رئيس المجلس الأعلى بالكونغو -، شبكة الإسلام اليوم، 1/10/2012م.

(12) أساليب المنصرين في الصد عن الإسلام في إفريقيا، مرجع سابق، ص 201.

(13) تصريحات الشيخ موديلو واماليما - الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية الكونغو الديمقراطية -، موقع المسلم اليوم.

(14) الشيخ جمال لومومبا رمضان، مرجع سابق.

(15) (كميبانجو) رجل ادّعى النبوة، وأنه أرسل إلى شعب أسود لينقذه - وذلك حسب اعتقاده -، وكان يفعل بعض الخرافات والدجل وبعض الأمور الخارقة للعادة، فعدّه الناس في الكونغو نبياً، فنشأ هذا الدين، وله انتشار كبير حالياً في الكونغو الديمقراطية.

(16) كرم سلبي: الإذاعات التنصيرية، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة 1991م، ص 45.

(17) حركة إم 23 (m23) - استناداً إلى ذكرى 23 مارس -، حيث قررت حكومة الكونغو دمج المتمردين في شرق الكونغو في الجيش، ولم يتم ذلك، مما دفعهم إلى حمل السلاح والتمرد.

(18) الإذاعات التنصيرية، مرجع سابق، ص 45.

(19) الطيب زين العابدين محمد: الأوضاع التعليمية للأقليات المسلمة في إفريقيا، دراسات إفريقية، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة إفريقيا العالمية، العدد 26، ديسمبر 2001م.

(20) تقرير عن وضع الإسلام والمسلمين في الكونغو الديمقراطية، مرجع سابق.

(21) جريدة الشعب، مقابلة مع الشيخ فامبا علي حميدي - مفتي الكونغو الديمقراطية -، مرجع سابق.

 

 

الکاتب: د. جمال عبد الرحمن يس/ أستاذ مساعد بكلية العلوم السياسية- جامعة إفريقيا العالمية.