الشيعة في موريتانيا

  • رقم الخبر 1506
  • المصدر: مرکز الابحاث العقائدیه

المخلص قد لا يزيد الذين اظهروا اليوم أنهم شيعة في موريتانيا على الألاف لكنهم في تزايد مستمر. إن هذه الطبقة عانت من ذو فترة الكثير من الاضطهاد: نحن لسنا أقلية، بل نحن الأكثرية المغلوبة على أمرها من تكالب عليها قوة الكفر و الضلال و التي يجب أن تعود إلى حظيرة الشيعة.


الواقع الجغرافي

موريتانيا أو الجمهورية الإسلامية الموريتانية، دولة تقع في غرب أفريقيا على شاطئ المحيط الأطلسي، يحدها من الشمال كل من المغرب والجزائر، والسنغال من الجنوب، ومالي من الشرق والجنوب. تبلغ مساحتها 1,030.700 كم2، اما عدد السكان فيها فهو 3,069,000 ملايين نسمة حسب احصاء عام (2005).

تتكون التركيبة السكانية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية (3.029.600 نسمة) من فئتين:

1– السكان الأصليين، و هم عنصرين: الزنوج الأفارقة السود (14 % من السكان)، و الصنهاجة من البرابرة(37 % من السكان)

2 – المهاجرين العرب (49 % من السكان)، وصلوا البلاد على ثلاث مراحل في القرن الثاني عشر، القرن الخامس عشر و في القرن التاسع عشر ميلادية.

العربية هي اللغة الرسمية حسب الدستور الموريتاني, رغم أن اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة في الدوائر الحكومية.

 

الواقع الديمغرافي الديني

الإسلام هو الديانة السائدة في الجمهورية الاسلامية الموريتانية، فاهلها مسلمون 100% وعلى المذهب السني الاشعري امانسبة الشيعة فيها فهي 1,5% أي ما يناهز (50) الفا من تعداد السكان سنة 2011.

 

موريتانيا والاسلام والتشيع

دخل الإسلام أرض موريتانيا في القرن الثالث الهجري على يد يحيى بن إبراهيم أحد زعماء صنهاجة البربرية عائد من الحج، و برفقة رجل اسمه عبد الله بن ياسين و الذي أنشأ رباطا على الساحل الأطلسي قرب العاصمة الحالية نواكشوط، لتدريس العلم, فلما بلغ تلامذته الألف أمرهم بالجهاد، فخضعت لهم الصحراء الغربية و أوداغوسط و غانا، فهم يعرفون بالمرابطين.

و سرعان ما قتل زعيمهم أبو بكر بن عامر، فخلفه يوسف بن تاشفين الذي وجه زحفهم إلى المغرب شمالا و أسس مدينة (مراكش) و جعلها عاصمته، ثم احتل الأندلس التي كانت فيها دولة لبني أمية منهارة.

بعد ذلك دمر الموحدون دولة المرابطين و لم يهتموا بمناطق الصحراء و جنوبها(مؤسس دولة الموحدون هو محمد بن توميرت الذي زعم انه المهدي عجل الله فرجه، و تبعه الناس).

و هكذا ظلت موريتانيا بمعزل عن العالم الإسلامي باستثناء فترة قصيرة سيطر فيها الخوارج، حتى القرن الخامس عشر، عندما بدأت أفواج بني حسان تتدفق من الشمال الشرقي للبلاد.

بني حسان فروع من قبائل بني معقل الزينبيين الذين قدموا مع بني هلال من الجزيرة العربية إلى مصر إبان الحكم الفاطمي(909-1171م)، و تحت إهانة لهم العباسيين لما كان هؤلاء العباسيون يلحقونه بأهل البيت و شيعتهم.

الزينبيون: نسبة لعلي الزينبي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، و أمه السبطية زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). فظن بنو معقل و بنو هلال أنهم سوف يجدون العافية في مصر لأن الفاطميين على الأقل شيعة مثلهم (من طائفة الإسماعيلية).

تعاقد معهم إذن السلطان الفاطمي الذي ضاق بوجودهم، على أن يحموا له حدود الدولة الجنوبية (أي السودان حاليا) مقابل خراج. فظل الأمر كذلك لفترة من الزمن حتى ثار الوالي الفاطمي بافريقية – أي تونس - على الحكم الفاطمي و تحالف مع بغداد ثم زحف بجيوشه لهدف احتلال مصر.

عندها قرر السلطان الفاطمي التخلص من الجميع، فخدع قبائل الزينبيين زاعما أن الخراج الذي كان يدفع لهم من معادن الذهب في افريقية وأن الوالي المعني قد استولى عليها ، و انه يهديهم تلك المعادن. زحف الزينبيون باتجاه افريقية فدمروا كل شيء (وصف المؤرخ ابن خلدون المشهد فشبهه بالجراد الذي يمر على الحقل)، و لم يجدوا ذهبا! فكان مصيرهم أن تفرقوا: جزء منهم بقي في السودان، و قليل في مصر، و بنو هلال عموما في ليبيا و تونس، ثم تقدمت فروع من قبائل بني معقل إلى الجزائر و المغرب، و منهم بني حسان الذين دخلوا شمال موريتانيا و مالي.

فرضت بنو حسان التي دخلت موريتانيا في القرن الخامس عشر سيطرتها على البلد، و أسست 5 إمارات مازالت ثلاثة منها قائمة معنويا. و من القوانين التي فرضوا على السكان المحليون: التحدث بالعربية، فتح مدارس لتعليم القرآن، توفير آبار لماء الشرب، مساعدة ابن السبيل...الخ. هنا انشغل العرب بنو حسان بإدارة الحروب و أوكلوا التعلم و الشؤون الدينية إلى الطبقة الثانية و التي كان دخلها قبائل من أصل عربي قادمون من الأندلس هربا أمام الزحف الصليبي، معظمهم من بني أمية، قد عرفوا بعداوتهم للشيعة.

و بالمناسبة نذكر بان جل الدول الإسلامية التي قامت في إفريقيا كانت شيعية: دولة الادارسة، دولة الفاطميين، دولة الموحدين، دولة الحفصيين، دولة العلويين...معظم شعوب هذه الدول شيعة في حياتهم اليومية و معتقداتهم و أخلاقهم و تعلقهم بأهل البيت، الحكومات هي التي تظهر مذاهب سنية أو غيرها للتقرب من قوة مهيمنة، لا أزيد.

كان الاتصال بالشرق الإسلامي شبه معدوما إلا في مواسم الحج. و كان من بين الحجاج القلائل جدا فقهاء جعلوا، ربما عن غير قصد، الفقه الموريتاني يتحول شيئا فشيئا إلى الفقه المالكي. آخر أولائك الذين أبدعوا في الفقه، جاء بالوهابية (نهاية القرن التاسع عشر م)، ففتح جدلا كبيرا في الأوساط الفقهية، مع تزامن ظهور مدارس صوفية يتزعمها أشياخ من الأدارسة (إدريس من آل الحسن المجتبي عليه السلام،أول من أسس دولة شيعية في المغرب 788م) قادمون من المغرب بعد أن طردهم العلو يون.

استعان محدث الوهابية لإعلاء صيته بالاستعمار الفرنسي الذي كان يفشل في دخول البلد أمام مقاومة بني حسان الشرسة (طالت المقاومة قرن ونصف من الزمن حتى سنة 1930م).

عندما سيطرت فرنسا على البلد تغيرت الأوضاع ،فقد قلبت المجتمع رأس على عقب، بحيث أصبح بنو حسان في الدرجة الثانية، ونشأت أجيال جديدة من الفقهاء حلفاء للاستعمار ثم أتباع للحكومة التي نصبتها فرنسا لما اشتد الأمر بها في الجزائر و خافت من ثورة بني حسان في موريتانيا.

و يظل الحال في البلد اليوم أن دستور الدولة لا يشير إلى أي مذهب، و بعض القوانين تسند إلى مشهور مالك، مع أن الواقع مختلف: فأشهر فقهاء البلد تلامذة للفقيه الوهابي، بينما المفتي الرسمي (و هو على فراش الموت من ذو فترة) مالكي محافظ.

ثم دخلت على الساحة و ذلك من ذو أربعين سنة حركة الإخوان المسلمين و هي كما هي.غير أن السواد الأعظم يسيطر عليه الشعوذة بأساليبهم السحرية المستوردة من إفريقيا الوثنية و هم يبتعدون عن الدين أكثر من أن يمارسوه.

هنا ثلاث مدارس صوفية: القدرية (عبد القادر الجيلاني)، التيجانية (سيد احمد التيجني) و الشاذلية، كلها من أصل شيعي.

أما بنو حسان فهم بمعزل عن ذلك لأن الدولة لا تشاركهم الرأي في الشؤون الدينية و هم نادرا ما يصلوا في المساجد بدعوى أنها ليست مبنية على حق و أن أئمتها مبطلون. و يستدل بنو حسان على ذلك بالكراهية و العداوة المعلنة من طرف تلك الطبقة للنبي و آل بيته، فهم مثلا: لا يسمون بأسماء مثل محمد، و علي، و فاطمة، و الحسن، والحسين، و حمزة و جعفر إلا عبيدهم!

في سنة 1979 جاءت الثورة الإسلامية في إيران لتظهر النوايا الحقيقية لكل فريق: بينما كان يحتفل بنو حسان بالحدث و يطلقون على أولادهم اسم الخميني (قد) و محلاتهم طهران و قم ...إلخ، بدأت حملة رسمية تقلل من أهمية الثورة و تروج (لصراع تاريخي بين الفرس و العرب).

ثم شن صدام الحرب بالوكالة عن أعداء الإسلام، فوقفت الحكومة الموريتانية بجانبه و ساهمت بالثروة السمكية الوطنية في الحرب، و كان القوميون من ناصريين و بعثيين وكذلك الوهابيون، يزغردون لانتصارات العراق المجيد! هذا كله في ظل تغطية إعلامية كبيرة. و ظل بنو حسان الذين يبدون بآرائهم يتعرضون للشتم و التخوين. حتى جاءت حرب تموز 2006 على لبنان، قلب أولائك المخونون برداتهم و أعلنوا أن الإسلام هو المنتصر و قاموا بتنظيم مسيرات مؤيدة لحزب الله و كانوا يشتمونه بالأمس!.

و سبق لي أنُ أعلنتٌ قبل ذلك بشهور عبر وسائل الإعلام أنني من شيعة أهل البيت. فقام بعضهم بحملات في المساجد للحيلولة دون تكرار الحادثة، بدون جدوى يذكر لأن الأمر شاع في أوساط بني حسان حيث بدأ البعض منهم يشعر أنهم رغم كل شيء مازالوا شيعة.

نشأت الاتصالات بيننا و بدأنا بتثقيف أنفسنا. إلا أننا حين طالبنا بالترخيص لجمعية ثقافية علمية سميناها (الطاهرين) نسبة لأهل البيت عليهم السلام، رفضت السلطات الترخيص لها حتى غيرنا اسمها.

قد لا يزيد الذين اظهروا اليوم أنهم شيعة في موريتانيا على الألاف لكنهم في تزايد مستمر. إن هذه الطبقة عانت من ذو فترة الكثير من الاضطهاد: نحن لسنا أقلية، بل نحن الأكثرية المغلوبة على أمرها من تكالب عليها قوة الكفر و الضلال و التي يجب أن تعود إلى حظيرة الشيعة. لا شك أن أمرنا معطل في الحد الأدنى بسبب ضعف الوسائل المادية، فالطبقة الأخرى تتحكم في الاقتصاد و الإدارة، و تتحالف مع الغرب الذي يوفر لها الدعم المادي السخي من عند بلدان الخليج تحت ذريعة نشر الدين و مكافحة التشيع و تزايد نفوذ ايران!

و متى كان الفريقان يهمهم نشر الدين؟ نحن في فترة نحتاج إلى عون الله العلي القدير و مساعدة إخوتنا لأجل إنشاء أماكن خاصة بالشيعة للاتصال أي مساجد، و كذلك فتح معهد للتدريس مع التواصل الدائم و المحاضرات بالإضافة إلى تكوين اطر في الحوزة العلمية.

 

بكار بن بكار بن محمد