الإسلام والتشيع في تونس، لمحة تاريخية

  • رقم الخبر 1519
  • المصدر: مرکز الابحاث العقائدیه

المخلص تقع البلاد التونسية في أقصى شمال القارة الإفريقية، إلا أنها كانت معروفة في العصور القديمة، والتي تلتها من العصور الوسطى باسم إفريقية ولقبها بعض الجغرافيين ببوابة البحر البيض المتوسط، ولأجل موقعها الهام والاستراتيجي كانت دائما عرضة للغزو الاحتلال.


تقع البلاد التونسية في أقصى شمال القارة الإفريقية، إلا أنها كانت معروفة في العصور القديمة، والتي تلتها من العصور الوسطى باسم إفريقية (وهي كامل البلاد التونسية مع الجزء الغربي لليبيا، وبعض مناطق شرق ووسط الجزائر)، ولقبها بعض الجغرافيين ببوابة البحر البيض المتوسط، ولأجل موقعها الهام والاستراتيجي كانت دائما عرضة للغزو الاحتلال.

يغلب على سكان إفريقية قبل الفتح الإسلامي عرقهم البربري، مع أقلية لا تكاد تذكر منحدرة من أصول الأمم التي كانت مهيمنة على تلك المناطق، والتي تأقلمت وسط التجمعات السكانية، وانصهرت في بيئة مناطقها، واختلطت معها حتى صارت جزء منها.يعتبر البربر من الأمم المستعصية والعنيدة، وقد كان تاريخهم الطويل حافلا بمقاومة الغزاة الذين حلوا بأرضهم، فلا الفينيقيون ، ولا الرومان، ولا البيزنطيون، ولا الإسبان، ولا النورمنديون، تمكنوا من إخضاعهم والسيطرة عليهم، فكانت مستعمراتهم تعتريها بين الفينة والأخرى إنتفاضة هنا وثورة هناك، بحيث لم يهنأ مستعمر في تلك الربوع.أما الدين الغالب على البربر فهو المسيحية بإجماع أكثر المؤرخين، مع قلة من عبدة الأوثان واليهود.

في حدود سنة 27 هجرية/647 ميلادية، بدأ الفتح العربي للشمال الإفريقي، أو بالأحرى الغزو العربي، لأنني لم أجد فيه حسب ما توصلت إليه من بحث، ما يشير إلى طابعه الإسلامي، وكانت أول الغزوات هي غزوة عبد الله بن أبي سرح، وقصة هذا الرجل معروفة ومثبتة في كتب السيرة التاريخ، فقد أسلم قبل فتح مكة، ثم ما لبث أن ارتد، وفرّ إلى مشركي مكة(1) يقول زيني دحلان الشافعي: أسلم ثم ارتد، ولحق بمكة وصار يتكلم بكلام قبيح في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأهدر دمه، وعلم الرجل بذلك(وقد يكون الذي أعلمه هو نفسه الذي أخفاه ومنع عنه الطلب) فلما كان يوم الفتح لجأ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاع، فقال: يا أخي استأمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قبل أن يضرب عنقي، فغيبّه عثمان.. حتى هدأ الناس واطمأنوا، ثم أتى به إليه صلى الله عليه وآله وسلم، وصار يقول عثمان: يا رسول الله أمنته فبايعه.والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض عنه مرارا، ثم قال: نعم فبسط يده فبايعه، فلما خرج عثمان وعبد الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله أعرضت عنه مرارا، ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.(2)

تلك حقيقة (الفاتح) الذي أمده عثمان بن عفان بجيش فيه بسر بن أرطأة، ذلك الرجل الوحش الذي استباح مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام، قتل فيها من قتل من الصحابة وذراريهم، وانتهكت فيه المحارم، من اغتصاب العذارى والنساء المحصنات، ونهب الممتلكات، ولما ولي أمر المسلمين معاوية بن أبي سفيان، ولى معاوية بن حديج (الذي قتل محمد بن أبي بكر ثم وضع جثته ومازال بها رمق في جوف حمار وأحرقه)على مصر، فبعث سنة 50 هجرية عقبة بن نافع إلى إفريقية، فوجه عقبة بسر بن أرطأة إلى قلعة من القيروان، فاقتحمها وقتل وسبى وخرب معالمها، وقتل معظم سكانها، ونهب أموالهم وأخذ أطفالهم وبناتهم.(3)

أسس عقبة مدينة القيروان وجعلها منطلقا لحملاته، سنة 50 هجرية / 670 ميلادية، ثم ما لبث أن عزل معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع سنة 55 هجرية، وعين مكانه مولاه أبو المهاجر دينار أحد مواليه المخلصين للأسرة الأموية.

ثم رجع عقبة مرة أخرى إلى افريقية، بمرسوم من يزيد بن معاوية لعنهما الله وذلك سنة 62 هجرية.كانت كل الدلائل تشير إلى أن البربر سوف لن يتقبلوا بسهولة الفتح الجديد، للمسلمات التي تكونت لديهم عن المستعمرين السابقين، ولتجربة دامت قرون عديدة تقول، إن الذي يأتي إلى قوم ليخضعهم بالسيف، لا يمكنه أن يأتي بخير أبدا، لأن القوة مهما بلغت من العتو والطغيان، ما هي إلا أداة إخضاع، وليست أداة إقناع.

ومن تلك السلبيات التي ترسخت في محصلة البربر، جاء وقوفهم في وجه الغزو العربي والمسمى بالفتح الإسلامي، وتعاملوا معه على أساس أنه غزو واستعمار، خصوصا بعد ما لمسوا من تصرفات الفاتحين، قرائن وإثباتات تثير الريبة، وتدفع إلى الشك في حسن نواياهم وسلامة مقاصدهم، منها أعمال السلب والنهب للممتلكات، وسبي البربريات الجميلات، لإرسالهن إلى مصر، ومنها إلى مقر الدولة الأموية بالشام، والإهانات التي تعرض لها زعماءهم رغم دخولهم الدين الإسلامي كما هو الشأن بالنسبة للملك كسيلة البربري، تقول القصة:  إن عقبة أتي يوما بذود من الغنم، فأمر بذبحها للعسكر، وأمر كسيلة أن يسلخ منها مع السلاخين، فقال كسيلة: أصلح الله الأمير، هؤلاء فتياني وعبيدي يكفوني المئونة.

فقال عقبة: لا، فقام كسيلة مغضبا.فكان كلما دحس مسح بلحيته، فكان العرب يمرون عليه ويقولون: "يا بربري ما تصنع؟"فيقول: هذا جيد للشعر." حتى مر شيخ من العرب فقال لهم:  كلا إن البربري يتوعدكم." فقال أبو المهاجر لعقبة: "بئس ما صنعت، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألف جبابرة العرب، وأنت تأتي إلى رجل جبار في قومه في دار عزه، قريب العهد بالشرك فتهينه." فتهاون عقبة بكلام أبي المهاجر(4)، ولم يحسب له حسابا، إلى أن وجد كسيلة فرصة فهرب بمن معه من البربر، ثم بدأ في استنفار البربر وتجميع حشودهم انتظارا للفرصة المواتية .

كانت معارضة البربر شديدة للفاتحين الجدد، بعد أن رأوا بأم أعينهم ما قاموا به، فحاربوا عقبة في عدة وقائع، لعل أهمها تلك التي أدت إلى مقتله بتهودة(الجزائر)، مع مجموعة كبيرة من جنده وقادته، في طريق عودته من المغرب، على يد ملك البربر" كسيلة" سنة 64 هجرية/683.

يقول المؤرخ ابن خلدون:  إن البربر ارتدوا على الإسلام خلال سبعين سنة، اثنتي عشر مرة.(5)ويمكن القول، إن عقلية الفاتحين لم تكن تتميز بالتقوى، ولا كانوا في زحفهم يغلبون عامل الدعوة إلى الإسلام ، على عامل القوة والسيف، ولا كانوا يتقيدون بالمبادئ الإسلامية، التي جاءت لتحرير الإنسان من هيمنة أخيه الإنسان، لذلك لم تحصل من خلال هؤلاء الغزاة الفاتحين لدى البربر الصورة المشرقة الصحيحة عن الإسلام المحمدي الأصيل، وإذا نظرنا سريعا إلى عقلية الخلفاء الأمويين في تلك الفترة من الزمن، تأكد لدينا تطابق الأمير والمأمور، في الغاية من التوسع في الأراضي والشعوب، وإصابة الغنائم وجمع الأموال، وحيازة السبايا، فالدولة الأموية لم تكن خافية على العارفين بأساسات الطغاة، ولا كانت تجاوزاتها بحق العرب المسلمين المعارضين لسياساتها، والموالي الذين أخضعوا إلى سلطانها بقوة الحديد والنار، لتمر دون أن تنجلي حقيقة تلك الدولة، وغاياتها التي ليس لها رابط يصلها بالدين الإسلامي، ولا علاقة تلجئها إلى إتباع الحق والعدل.

لذلك فان ردة البربر المتكررة، التي تحدث عنها ابن خلدون، لم تكن ردة بمعناها الحقيقي، لأن البربر لم يتعرفوا على الدين من وجهته الصحيحة، ولا اطلعوا على تعاليمه بعيدا عن المؤثرات التي أفرزت رفضهم له، لذلك فمن المنطقي والمعقول أن يكون موقفهم من الاسلام موافقا لموقفهم من الغزاة، وحالهم في مواجهة من تسموا بالفاتحين كحال المدافع عن نفسه وعرضه وماله من المجرمين وقطاع الطرق، اذا لايمكن تصديق مقالة دخول البربر في الاسلام بعد ما لاقوه من عنف وقسوة من جيوش بني أمية، والادعاء مردود على ابن خلدون، ومكابرة منه في حق البربر، فمتى دخل هؤلاء الى الدين الحنيف، حتى يمكن القول بأنهم قبلوه ودخلوا فيه ثم رفضوه؟

لأن كل الذين جاؤوا إلى تونس والجزائر والمغرب كانوا عسكريين، ولم يكونوا علماء أو فقهاء، حتى يغلبوا الدعوة والإقناع على السيف والإرهاب، ومن هذا المحصل تكون دعوى ردة البربر عن الإسلام، والتي أطلقها ابن خلدون بعيدة عن الواقع، لأن البربر في مواجهتهم للغزاة القادمين عليهم من بعيد، لم يجدوا أمامهم دعاة يفهمونهم حقيقة الإسلام وقيمه السمحة فيعتنقوه، حتى نجزم بأنهم ارتدوا عنه، وإنما وجدوا في مواجهتهم عساكر ليس لها هم سوى الغنائم والسبايا، خدمة للخليفة الذي ينتظر بعد كل حشد يرسله ذلك الفيء القادم عليه من بعيد، وبلوغا لغايات أنفسهم المادية من الغزو.

ولا أدل على ما قلناه من أن أساليب القمع التي اعتمدها الأمويون في القضاء على الثورات، وإخماد تأججها بين فئات الأمة المسحوقة في المشرق الاسلامي، ما وقع للإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام رغم أنه أشهر من نار على علم، سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته في الدنيا والاخرة، وسيد شباب أهل الجنة، من تعد وظلم بلغ إلى حد استباحة دمه المحرم في الشهر الحرام، وقتل أهل بيته عليهم السلام، وخلص أصحابه ممن شاركه في نهضته، دون أن يتركوا له خيارا آخر غير الشهادة، يحفظ شخصه ومقامه في الأمة، وما وقع لمدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من أحداث مفزعة عرفت بوقعة الحرة الشهيرة، عندما انتفض أهلها، وخلعوا بيعة يزيد الفاسق، بعد واقعة كربلاء، وقد قمعت بشدة، وبطش بأهلها الذين لم يكونوا غير بقية أهل البيت و الصحابة وابنائهم، وقد استبيحت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام، وقتل من قتل فيها، واغتصبت الفتيات والنساء، انتقاما من خلعهم بيعة يزيد.

وما وقع للكعبة الشريفة، من رجم بالمنجنيق وهدم لأركانها، وتعد على حرمتها، بدعوى إخماد ثورة ابن الزبير، إلا أدلة على أن الذين نصبوا أنفسهم حكاما على الأمة الإسلامية لا يملكون من الإسلام سوى اسمه ومن معانيه سوى رسمه، ولو لم تكن الأمة مغلوبة على أمرها، لما قبلت أن يقع فيها ذلك الظلم والجور والشر المستطير، أما الأيادي التي نفذت تلك الجرائم البشعة، فهي نفسها تقريبا الأيدي التي غزت إفريقية، وفعلت فيها الأفاعيل.

إن الثورات التي قامت في عدد من مناطق المشرق الإسلامي، والمتاخمة لعاصمة الدولة الأموية، كالمدينة المنورة والكوفة وخراسان، جاءت كلها بسبب الانتهاكات المتكررة على الإسلام كشريعة طالتها أيدي هؤلاء الحكام بالتحريف والتعطيل، وعلى المسلمين بشتى أعمال التعدي على أشخاصهم وحقوقهم، وقد رفعت كل تلك الثورات شعارا حسينيا واحدا، ينادي للرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، استغله العباسيون في آخر لحظة ليركبوا سدة الحكم بدلا عن الأمويين، وكان لهم ما أرادوا، لكنهم سرعان ما أعادوا سياسة قمع آل الرسول صلى الله عليه وآله وشيعتهم ، حيث سجل عليهم التاريخ فضائع لا تقل وزرا عما فعله بنو أمية. جاء حسان بن النعمان الغساني، قائدا موفدا من طرف عبد الملك بن مروان الأموي، سنة 78 هجرية، فأخضع افريقية، ودخل قرطاج مرتين 695 و698 ميلادية، بعد مقاومة شديدة من ملكة بربرية تدعى الكاهنة للجيوش الغازية، والتي لم يستسلم البربر إلا بموتها سنة 702 م.

وجاء موسى بن نصير- والذي حامت حوله شكوك في تشيعه لأهل البيت عليهم السلام أدت إلى عزله فيما بعد من طرف سليمان بن عبد الملك- ليخلف حسان بن النعمان على رأس الفتح سنة 82 هجرية، ويواصل المسيرة التي قام بها عقبة إلى المغرب، فأخضع كل المناطق بتلك الجهات، ثم أركب جيشه السفن، وفتح اسبانيا بواسطة أحد قادته المسمى طارق بن زياد البربري سنة 711 م، ولم تتوقف جيوش الفتح إلا على مشارف مدينة بواتيي Poitiers سنة 732م.

لقد قال ابن خلدون كلمته الشهيرة: التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق. وهو مع ذلك قد غض الطرف عن التحقيق في الادعاء الذي أطلقه من ارتداد البربر عن الدين الإسلامي، ولم يكن صائبا في رأيه.

ونحن إن سلمنا بصحة الاصطلاح الذي أطلقه ابن خلدون، فهل نسلم بأن ما وقع في الماضي قد نقل إلينا على حقيقته بدون زيادة ولا نقصان؟

وبالرجوع إلى ما كتبه العلامة التونسي, أعني ابن خلدون عن عدد من الأحداث التاريخية المهمة في المجال الإسلامي نراه ينقل خبرا مكذوبا عن الإمام علي عليه السلام، لا نرتضي صدوره عن مؤرخ و مفكر كبير مثله، كتب:  ولقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الجمل وصفين فقال‏: ‏"‏والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة .‏"‏ يشير إلى الفريقين، نقله الطبري وغيره‏.فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم ولا قدح في شيء من ذلك، فهم من علمت وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات، وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة.(6)

فأي نظر هذا؟ وأي تحقيق ظهر للقارئ من هذا النقل؟ وأي عقيدة صحيحة يمكن أن يبنيها مسلم عاقل عبر هذا الخلط الذي لا نرى له قدم صدق أبدا.إذ كيف يعقل أن يجتمع القاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، والباغي والمبغي عليه، والخارج عن طاعة إمام زمانه والمحارب له من الداخل فيها والمدافع عنها؟ وان صح هذا فلا أعتقد أن المقصود به الجنة التي وعد بها ربنا عباده المتقون، فقد تكون شيئا شبيها لا نعرفه.

ألم يلتفت ابن خلدون إلى أن في تاريخ الطبري المعضلة، مئات من الروايات التي حدث بها سيف بن عمر التميمي، هي من مختلقات سيف المذهبية، ومع ذلك لم تشفع له تلك الروايات في تحسين صورته، فعد من الضعفاء والكذابين والوضاعين، وشهر به رجال الجرح والتعديل حتى لم يعد هناك شك في سقوط شخصه وبطلان رواياته، ومع ذلك غض الطرف عنه وترك له المجال ليدس سمومه في تاريخنا ويخرف أحداثه.

ألا يتعارض ذلك مع ما ابتدع من غريب أحديث عن النبي صلى الله عليه وآله بشأن الفتنة، وما جاء من أن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الراكب، وإذا التقى مسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، وما إلى ذلك من مختلقات معارضة لكتاب الله تعالى وسنة ببيه الأكرم صلى الله عليه وآله الصحيحة، والتي لم تفتعل إلا لتثبيط المسلمين وصرفهم عن نصرة الحق الذي هو إلى جانب الإمام علي عليه السلام.في محنته وهو يدافع عن حياض الدين وبيضته.

قد نعذر العامة لركوبهم دابة التناقض، ونلتمس لهم سببا في عدم التمييز، ولكننا لا يمكن أبدا أن نعذر مؤرخين كبيرين كالطبري وابن خلدون، لأن الأول كانت جنايته كبيرة في حق التاريخ الإسلامي، والثاني مشى في ركابه دون نظر ولا تحقيق، كما زعم أن للتاريخ نظر وتحقيق.

 

فهل كتب تاريخنا الإسلامي ودونت أحداثه كما تستحق؟

أنا لا أعتقد ذلك، خاصة إذا ما تأملنا واقعنا اليوم، رغم وجود كل وسائل الكتابة والتصوير والتسجيل، فان أكثر الأحداث بقيت بلا دقة في نقل وقائعها، فما بالك بالعصور الغابرة الفاقدة لوسائل الحفظ والتدوين التي يمتلكها العصر الحديث، وبقي التاريخ على حاله يكتب كتابة طغيان وظلم، وبقي المؤرخون عنصرا من عناصر الضعف الذي أصاب الأمة، يداري الحقيقة ويتستر على الجرائم الكبرى في حق الأمم والشعوب، لا هم لكتابه سوى إرضاء السلطان، وتجنب ردة فعله واتقاء عقوبته.

لذلك نجزم بأن التاريخ الإسلامي كتب كتابة سلطوية بالدرجة الأولى، كتمت أنفاس جميع الحركات الثورية والتصحيحية للأمة، وتجاهلت أهدافها جميعا، وأنكى من ذلك، حاولت إعطاء القارئ انطباعا سيئا عنها، كما هو شأن ابن العربي المالكي في كاتبه العواصم والقواصم الذي لم يستح من القول بأن الحسين عليه السلام قد قتل بشرع جدّه.(7)

كما لم يغب النفس المذهبي عن تلك الكتابة بما تبين لنا من محاولات طمس الأحاديث الصحيحة، التي ثبت ورودها عن النبي صلى الله عليه وآله، لأنها تتعارض وعقيدة المؤرخ المذهبية في مسالة الحكومة الإسلامية، كما هو شأن حديث الغدير، الذي لم يعتمده البخاري في جامع أحديثه، مع أنه كان يحفظ من الصحيح مائة ألف حديث، ورأى فيه ابن خلدون تأويلا فاسدا، على مقتضى المذهب لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، ويجزم على أن أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه.(8)

فهل غابت عن ابن خلدون حقيقة حادثة الغدير وحديثه، حتى يجزم بفسادهما رواية ومعنى؟ وهو الذي أشار إليه مسلم، ونقله أغلب حفاظ العامة، أم إن دأب هؤلاء هو نقل المكذوب ورد الصحيح؟

لم يتمكن البربر من التعرف على الإسلام من خلال الغزاة الأوائل، وانتهى القرن الأول وسكان افريقية، بين كر وفر مع عسكر بني أمية، فعقلية الغزاة قادة وجنودا لم يسعفهم للوقوف على حقيقة ما يشتمل عليه الدين الخاتم، ومن هنا جاءت مقاومتهم العنيفة للوافدين الجدد.

ومع مطلع القرن الثاني بدأ البربر يتعرفون على الإسلام، ليس من خلال الغزاة والفاتحين، بل عبر العلماء والصالحين الذين بدءوا يتوافدون على افريقية، لنشر الإسلام الحقيقي بين سكانها، لأن وعاء الخير لا يحمله إلا الأخيار ووعاء الشر لا يتأبطه إلا الأشرار، وصدق من قال: كل إناء بما فيه يرشح.ولا التفات إلى ما قيل ويقال، من أن الإسلام قد انتشر في الربوع، وبين الناس بالسيف والفتوحات، لما أسلفنا الذكر من عدم استقامة تلك الدعوى.

الإسلام دين علم وعمل لا ينتقل إلا عبر أدواته، وهي الحكمة والموعظة الحسنة، وهذا ما تميز به أئمة أهل البيت عليهم السلام، عندما كان اهتمامهم متجها إلى نشر الدين الحنيف، بتلك الطريقة المقنعة للعقول والأفئدة، بل لقد كانوا يلزمون شيعتهم بانتهاج مسلك الدعوة بالعمل والتطبيق، لا بالعلم والكلام فقط، وأشهر مقالاتهم: كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم. وكونوا دعاة لنا بأفعالكم ولا تكونوا دعاة بأقوالكم.

وهذا الأسلوب الذي انتهجه أئمة أهل البيت عليهم السلام، هو المخالف لما هو معمول به في عصورهم، من الدعوة إلى الإسلام عن طريق السيف والقوة والكلام، الذي سرعان ما يتناقض مع ما يصدر عن أتباعهم من أفعال مخالفة للدين وأهله.

 

محنة الشيعة في تونس

البداية كانت من تصدع الوحدة الصنهاجية بخروج حماد على ابن أخيه باديس، وتأسيسه لإمارة مستقلة بأشير، معلنا الطاعة لبني العباس والخروج على طاعة الفاطميين، ثم أمر بقتل كل من كان يذهب مذهبهم، وزحف على باجة التي كانت موطنا لهم فاستولى عليها وأباد جموعهم سنة 405 هجرية(9) خلص وجه صنهاجة بافريقية، وفي تلك الفترة، كانت هناك أيد خفية تدبر مؤامرة، لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلا في الفظاعة والقسوة، لكن الثابت أن التي وقفت وراء ذلك إمرأة باديس الصنهاجي، الذي قتل في ظرف غامض سنة 407 هجرية، ليخلو الكرسي إليها بالوصاية على ابنها المعز الصنهاجي، الذي كان عمره آنذاك سبع سنوات وشهرين على حد قول ابن عذارى.

قال ابن عذارى: تربى معز بن باديس الصنهاجي في حجر وزير أبي الحسن بن أبي الرجال، وكانت إفريقية كلها والقيروان على مذهب الشيعة، وعلى خلاف السنة والجماعة، فحرض ابن أبي الرجال المعز بن باديس وأدبه على مذهب مالك وأهل السنة والجماعة، والشيعة لا يعلمون ذلك، ولا أهل القيروان، فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى في زينته وجنوده وهو غلام، فلما كبا به فرسه قال عند ذلك: "أبو بكر وعمر"(مستجيرا بهما) فسمعته الشيعة التي كانت في عسكره فبادروا إليه ليقتلوه، فجاءه عبيده ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل القيروان ، ووضع السيف في الشيعة، فقتل منهم ما يزيد عن ثلاثة آلاف نفس، فسمي ذلك الموضع ببركة الدم إلى الآن.(10)

وفي إعتقادي أن التماس الأعذار للمجزرة التي ارتكبت، سياسة درج عليها الطغاة لتبرير تجاوزاتهم، لكن الملفت هنا هو عدم استقامة العذر لصغر سن المعز عند وقوع الحادثة فعمره لا يتجاوز الثماني سنوات، وان كبا به فرسه ونفترض أنه قال ما قال، فان المحيطين به هم خاصته وأهل بلاطه وخدمه ومواليه، فكيف يمكن لمقالته أن تصل إلى أبعد من ذلك؟ وعليه فان للحقيقة وجه آخر، تعمد من تعمد تغييبه، حتى لا تفوح منه رائحة المؤامرة على المسلمين ، فيعاب على مقترفي تلك الجرائم، وتصنف أعمالهم ضمن الجرائم السياسية التي لم تراع يوما حرمة لدين، ولا أقامت وزنا لمتدين.

على ان ابن عذارى نقل ان ابن ابي الرجال قد ربى المعز الصنهاجي على مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي بويع وعمره لا يتجاوز الثماني سنوات، وهو في تلك السن غير راشد ولا واع بمصلحة نفسه قبل مصلحة غيره، فلماذا التلفيق، والضحك على الناس؟

ويضيف ابن عذارى:

كان بمدينة القيروان قوم بحومة تعرف بدرب المعلى، يتسترون بمذهب الشيعة، انصرفت العامة إليهم من فورهم فقتلوا منهم خلقا رجالا ونساء ، وانبسطت أيدي العامة على الشيعة، وانتهبت دورهم وأموالهم، وتفاقم الأمر، وانتهى إلى البلدان(تونس- المهدية- باجة- وغيرها )فيالله ويا للاسلام..فقتل منهم خلق كثير، وقتل من لم يعرف مذهبه بالشبهة لهم، ولجأ من بقي بالمهدية منهم إلى المسجد الجامع، فقتلوا به عن آخرهم رجالا ونساء... واجتمع(وحوصر) بدار محمد بن عبد الرحمان نحو ألف وخمسمائة رجل من الشيعة، فإذا خرج أحد منهم لشراء قوته قتل، حتى قتل أكثرهم.(11)فيا لله ويا للاسلام.

ويضيف ابن عذارى: في سنة 409 هجرية خرجت طائفة من الشيعة، نحو مائتي فارس بعيالهم وأطفالهم يريدون المهدية، للركوب منها إلى صقلية(فرارا من القتل)، وبعثت معهم خيل تشيعهم، فلما وصلوا إلى قرية كامل وباتوا بها، تنافر أهل المنازل عليهم فقتلوهم، وفضحوا بعض شواب النساء، ومن كان لها منهن جمال ثم قتلوهن.(12)فيا لله ويا للاسلام..هكذا بلغ الدين بأهله، تحلل فيه الدماء المحرمة غيلة وغدرا، لأن حسب الظاهر ليس لهؤلاء القتلة مروءة ولا علم ولا كرم ولاشجاعة على المواجهة مباشرة، ولا أعتقد أن فيهم رجلا واحد أو إنسانا ما زال يحتفظ بشئ من إنسانيته ليقول لهؤلاء الغوغاء اتقوا الله، وخافوه على آخرتكم إن لم تخافوه في دنياكم.

ويظهر تناقض في كلام ابن عذارى عند نقله لتلك الأحداث، فمن ناحية يذكر أن المذهب الغالب على افريقية هو المذهب الشيعي، ويدعم ذلك بقوله إن مذاهب السنة كانت متروكة نحو 140 سنة أي حوالي أربعة أجيال، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقتل الشيعة بذلك الشكل المفاجئ والعام؟ اللهم إلا إذا كانت هناك مؤامرة أحبكت خيوطها، أفلحت في تصوير الشيعة على أنهم أخطر من الكفار، وأكثر انحرافا من الشيطان نفسه، ويؤد ذلك تصريح ابن عذارى، دون أن يلتفت إلى غلطته بقوله بعد أن حكى عن المذابح: فسر المسلمون بما رأوه فيهم، وذلك لما ظهرت الكتب التي وجدت في ديار المسالمة، كان فيها من الكفر، والتعطيل للشريعة، وإباحة المحارم الشيء الكثير.(13)

لكن المؤرخين لم يقدموا لنا دليلا واحدا يمكن من خلاله تبرير استباحة دماء الشيعة، ولم ينقلوا سوى الكذب والتلفيق، كما هو الشأن بالنسبة لكاتبة حياة محرز بن خلف التي قالت: وما إن اعتلى عبيد الله الحكم (297 هجرية) في القيروان حتى اظهر تشيعه...فسب أصحاب الرسول وأزواجه، وحكم بكفرهم وارتدادهم بعد وفاة الرسول (ص) ولم يستثن منهم إلا عليا (رض) وبعض من ناصروه.(14) وقد افرط ابن عذارى المراكشي في عدائه للإسماعيلية إلى درجة انه لم ينقل عنهم خصلة واحدة مرضية عنده، فحمل عليهم وأجهد نفسه في تشويههم والتشفي منهم، وتقول عليهم بما لم يجده الباحث عبد العزيز المجدوب عندما رجع إلى ما كتبه القاضي النعمان الاسماعيلي في رسالة افتتاح الدعوة، فنفى عنهم ذلك بقوله: لم يورد القاضي شيئا من ذلك.(15)

وتضيف الكاتبة: ولم يكتف الفاطميون بذلك بل سنوا تعاليم مخالفة لطقوس السنة وفرضوا على الناس اتخاذها كطقوس دينية، فقد فرض على المؤذنين أن يزيدوا في الآذان" حي على خير العمل" وحرموا صلاة التراويح ودعاء القنوت لأنه من ابتكار عمر بن الخطاب، وقد اظهر بعض الناس ممن تشرقوا معاصي خطيرة منها أنهم أحلوا أكل لحم الخنزير.(16)

ويظهر من خلال كلام الكاتبة، أن المرأة ليس لها اطلاع على أمهات الكتب الروائية، ولا المصادر الإسلامية المهمة، واعتقد جازما أنها من الباحثات اللواتي أخذن الدين بالوراثة، وتكلمت من خلفية الانتساب الطائفي، وليس البحث العلمي الجاد، للوقوف على الحقيقة فقط، لذلك فان قارئ كتيبها الصغير عن محرز بن خلف، لا يجد فيه القيمة العلمية للتأليف فضلا عن تحاملها على الشيعة، تحاملا مليئا بالكره والضغينة.ولو رجعت الكاتبة إلى مصادرها، لوجدت أن " حي على خير العمل في الأذان كانت على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ترفع في كل وقت صلاة، جزء ثابتا وأصلا من أصول الآذان والإقامة، وقد كان بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصدح بها من مرتفع المسجد النبوي، ولم يمنع ويلغي ثالث الحيعلات( حي على خير العمل) إلا الخليفة الثاني عمر، الذي كان له رأي في منعه تمثل في تقاعس المسلمين عن الجهاد، وركونهم إلى الصلاة فريضة ونافلة نهارية وليلية، باعتبارها خير العمل، كما قال وصفها الله تعالى، وأخبر عنها النبي(ص)فأمر بعدم النداء بها، لئلا يتكل الناس على الصلاة فقط، ويتركوا الجهاد.

أما التراويح فلم يصلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة أبدا، وإنما تتبع إليه رجال يصلون بصلاته كما ذكر ذلك البخاري ومسلم، فلم يخرج إليهم في الليلة الثانية، ولما أبطأ عليهم، حصبوا الباب ونادوه بأصوات عالية ليخرج إليهم، فخرج مغضبا وقال لهم:  ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة.(17) وقد اقر عمر نفسه بأن إقامتها جماعة بدعة استحسنها هو.أما دعاء القنوت فان الشيعة ملتزمون به على عكس المالكية الذين أسقطوه من الصلوات كلها سوى صلاة الصبح.

أما المعاصي الخطيرة التي ذكرتها الكاتبة- ولا أعتقد صحتها- وهي وان صح صدورها عن بعض الناس فهي لا تتعدى كونها أفعال تلزم مرتكبيها وتشوه مقترفيها فقط، ولا تسيء إلا لأصحابها، والدين والمجتمع برآء منها لعدم ظهور أدلة تفيد تورط المذهب الشيعي الاسماعيلي في تشريعها أو الحث عليها، وهي في نظري أكاذيب وقع تلفيقها للتشنيع على الشيعة الإسماعيلية واستحلال دمائهم.

كما أن سلسلة آفاق إسلامية في كتابها السادس الصادر في الشهر الأول من سنة 1994، والمتحدث عن شخصية محرز بن خلف تحت عنوان رائد التسامح ومقاومة التطرف بمشاركة 14 أستاذا جامعيا، لم يكن يحتوي بحثا مهما وقيما، فضلا عن أن النية التي دعت إلى تأليفه كانت مبيتة ومعروفة لدى المثقفين في تونس في ذلك الوقت. لم أعثر على مصدر واحد تحدث عن جريمة تلك الحقبة من الزمن، من دون ميل واضح لمرتكبي جريمة إبادة الشيعة بتونس، الأمر الذي جعل التعرف على حقيقة ودوافع منفذي تلك الجريمة، ومحركي العامة على الشيعة بتلك الصورة البشعة التي لا تجوز حتى على الكفار والمشركين ، أمرا صعبا. ويمكن القول أن خيوط الجريمة بدأت عندما أعلن الأمير حماد بن زيري الصنهاجي من قلعته بسجلماسة الثورة على الشيعة، ودون سابق إنذار ولا توقع منه، لأنه كان عاملا للفاطميين بالجزائر، فقتلهم وأظهر التسنن ورضى عن الصحابة، ونبذ طاعة العبيديين جملة، وزحف على باجة، وكان بها أعداد من الشيعة، فدخلها بالسيف ودس، إلى أهل تونس الثورة على المشارقة(الشيعة) والرافضة(18)

ثم ظهرت بعده أسماء حرضت العامة على قتل الشيعة، وعلى رأسها أم المعز الصنهاجي التي دفعتها أسباب مجهولة، إلى التخطيط لتلك الجريمة بمعية الوزير ابن أبي الرجال، وعدد من الفقهاء المالكية الذين قدموا من الأندلس، أما محرز بن خلف بن زرين بن يربوع بن حنظلة بن إسماعيل بن عبد الرحمان بن أبي بكر، فقد قيل إنه من مواليد تونس، وقد ولد سنة 340هجرية /917م وقتل سنة 413 هجرية /1022 م، أما نسبته إلى الخليفة الأول، ففي ذلك شك وريبة، وليس هناك مصدر يثبت ذلك الانتساب.(19)

هؤلاء الفقهاء، أصدروا فتاوى تحرض على قتل الشيعة، بدعوى أنهم أسوأ من المشركين، كما صرح بذلك الصفدي، قبل واقعة الإبادة بمائة وعشر من السنين أي في سنة 297 هجرية، قائلا: جهاد هؤلاء- يعني الشيعة- أفضل من جهاد المشركين.(20)

وقد قاد محرز بن خلف من جهته، في عهد باديس الصنهاجي، حملة إبادة للشيعة في تونس، ثم تلتها حملة أخرى في القيروان والمهدية، بعد اعتلاء المعز بن باديس سدة الحكم إثر مقتل أبيه، وهو لم يتجاوز الثماني سنوات، وانتشر القتل وعم النهب دور الشيعة، فلم يسلم منهم أحد تقريبا، يقول عبد العزيز المجدوب في كتابه الصراع المذهبي متحدثا عن تلك الأحداث:  حيث أنزل المالكية بالشيعة الويلات، وامتحنوهم شر امتحان، وفتكوا بهم أينما وجدوهم، وكانت مجازر رهيبة عرفت لدى المؤرخين بمحنة المشارقة(21) وكمجازاة لمحرز بن خلف على صنيعه ذلك اصدر المعز بن باديس الصنهاجي سنة 410 هجرية (ولم يتجاوز العاشرة من عمره)ظهيرا يوجب رعاية محرز بن خلف وأقاربه وجميع من ينتسب إليه.لذلك سمي بسلطان المدينة (22)، وقد كانت له الكلمة الفصل فيها قبل المجزرة وبعدها.

ثم تلا تلك المجازر مجزرة أخرى تتبعت بقايا الشيعة سنة435 هجرية وما كان ذلك ليتم دون تحريض وتذكية ومباركة من السلطة الحاكمة، وعلى ذلك الأساس يقول ابن خلكان: إن المعز جمع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك وحسم مادة الخلاف في المذاهب إلى يومنا هذا، فتأمل.

وإذا كان جمع المسلمين على مذهب ما، بتلك الطريقة البشعة من التقتيل، وعلى ذلك النحو من الإبادة فبئس الجمع، وبئس الأسلوب في إقرار مذهب، وتأليف الناس عليه بسفك الدماء التي حرم الله، وما اختلاف الشيعة عن بقية المذاهب إلا في عدد من المسائل التي لا تستوجب استباحة دمائهم.

وبعد هذا هل يمكن ان يقبل عاقل نسبة المالكية في ذلك الزمن الى الاعتدال والوسطية والتسامح؟

لم يقف محرز بن خلف عند تقتيل الشيعة في المجزرة الأولى التي وقعت سنة 407 هجرية، بل تعداها إلى إدخال اليهود إلى مدينة تونس، ومنحهم مساكن الشيعة ودورهم ، لأن اليهود قبل الواقعة كانوا يقيمون في منطقة "الملاسين" الخاصة بهم، والواقعة في المدخل الجنوب شرقي المدينة، ومن أجل إيهام الناس بصحة الإجراء، أفهمهم محرز بن خلف، أن اليهود يمثلون أهل الذمة، الذين أوصى الإسلام بحسن معاملتهم، والسماح لهم بالعيش الكريم في ظل المجتمع الإسلامي.وقد قابل اليهود صنيع محرز بن خلف فعظموا الرجل، وأجلوه في حياته وبعد وفاته، وبقوا حريصين على تعهد مقامه، وإنارة الفانوس فوق مقامه(23)

وبذلك ظهر أن حقوق الشيعة عند هؤلاء، هي أقل من اليهود، ومن ذلك الإجراء تفتضح نوايا هؤلاء المجرمين، الذين ألبسوا سمات الصدق ومظاهر التقوى تصنعا وتزلفا للظلمة، بحيث بقوا على مر التاريخ دمى تحركها دعايات الظالمين، ووقود فتن يصب على وحدة الأمة وتماسكها، فيفت في عزمها، ويفرقها ويبقيها في حالة من الضعف والهوان.

وصلت أخبار المذابح، وعمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشيعة في تونس، إلى المستنصر بالله الفاطمي في مصر، من الفارين بأرواحهم بأعجوبة من تلك المجازر، فغضب غضبا شديدا، وأعلن الحداد واستشار وزيره أبو محمد اليازوردي، في ما يمكن عمله، فأشار إليه بالتقرب إلى القبائل العربية من بني سليم وبني هلال الذين كانوا يتخذون من صعيد مصر شرقي النيل موطنا لهم، فأرسل وزيره إليهم ليقلدهم عمالة افريقية ويهبها لهم، وحمل الوزير معه عطاء كثيرا لأمرائهم، ووصل عامتهم ببعير ومال لكل واحد منهم، فانطلقوا سنة 444 هجرية وكان عددهم يناهز 400 ألف نسمة، فدخلوا افريقية وانتقموا من قتلة المسلمين الشيعة أشد الانتقام، وقتل المعز الصنهاجي وسقط ملكه بين أيدي القبائل العربية الغازية.(24)

أخيرا يمكن القول: إن التشيع في الشمال الإفريقي عموما، وفي تونس خصوصا، جاء في بدايته عبر أفراد يكتمون عقيدتهم، خوف الاعتقال والقتل من طرف أولياء وعملاء نبي أمية وبني العباس، فلم ينتقل منهم إلى سكان البلاد إلا في حالات نادرة، وبقي غير ظاهر إلى أن قام الأدارسة في المغرب الأقصى ، والفاطميون بتونس. كما لم ينج من المذابح التي وقعت لهم في الفترتين 406 و435 هجرية إلا الفارون من المقتلة، والظاهر أنه لم ينج منهم إلا القليل، ممن وقع بين أيد مازالت فيها الرحمة فأخفوهم عن أعين الطلب.

"بئر مشارقة" مدينة صغيرة تحمل إسما اقترن بالمحنة التي تعرض لها الشيعة، في ذلك المكان كان هنالك بئر غارت مياهه، فاستعمله القتلة ليرموا فيه جثث الشيعة، ولئن ذهبت معالم البئر وآثار الجريمة فيه، إلا أن اسمه حملته تلك المدينة، ليكون شاهدا تاريخيا يشير إلى حقيقة التطرف ومن هم المتطرفون، ومعالم الجريمة ومن هم المجرمون؟

بقيت إلى يوم الناس هذا، بعض العلامات الدالة تاريخيا على أن التشيع كان موجودا في عدد من الجهات في تونس، منها لبس السواد للنساء في مناطقة الجريد بالجنوب الغربي، ومدينة حامة قابس بالجنوب الشرقي، وقد سميت نفطة بالكوفة الصغرى، وبقيت بعض العادات التي تستشعر منها النفس الشيعي وهي بقايا من مراسم عاشوراء منها عدم الطبخ في ذلك اليوم، واقتران محمد وعلي في تسمية الأبناء وفي الدعاء:  بقيت مقالة"حاضر لك محمد وعلي"، تقال عند تعثر أحد، أو عند ولادة عسيرة، وفي بعض مناطق الجنوب التونسي، جرت عادة أن لا يدخل العروس إلى بيتها، إلا من إسمه محمد أو علي صلى الله عليهما وآلهما، إلى يوم الناس هذا.وبقيت كذلك بعض الجذور الدموية للشيعة رغم أنف القتلة والمجرمين، وهي التي سبقت إلى التشيع في هذا العصر، مجذوبة بالعدل الإلهي في هداية أوليائه .

إن الفرق الإسلامية مهما تعددت وتباينت في بعض الأصول والفروع فإنها كلها متفقة على أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والحياة، وان رسله عليهم السلام هم واسطته بينه وبين عباده، وان أفضلهم خاتمهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، وان القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبي بواسطة الروح القدس جبريل عليه السلام، وهي ثلاث أسس اعتقادية كافية لتحقق حرمة معتنقيها، وعدم جواز قتله أو أذيته.

وبقطع النظر عما كانت تحتويه العقيدة الإسماعيلية من مخالفات للدين الإسلامي، فذلك لا يدعو إلى استعمال أسلوب، القتل الجماعي والإبادة العامة لمعتنقي ذلك المذهب، رجالا ونساء كبارا وصغارا، والاعتداء على ممتلكاتهم وأعراضهم، تحت أي مبرر و عنوان.

كما اشك في نسبة هذا الانحراف الفظيع في العقيدة المنسوب إلى الشيعة الاسماعيلية، ولو كان ذلك صحيحا لما أمكنهم أن يجدوا آذانا صاغية لدعوتهم، بعد بسط الإسلام لعقيدته وفكره في تلك الربوع، لذلك أقول إن انحراف الإسماعيلية لم يكن في غير الإمامة، وكل ما قيل عنهم ليس سوى تشنيع وتلفيق من أعداء كثر.

وبقي المسجد الجامع في مدينة المهدية، والسقيفة المسماة بالسقيفة الكحلة، والقصر الفاطمي (لا تزال الحفريات جارية عليه) والتحصينات التي أقامها الفاطميون على البحر، والتي لا زالت آثارها إلى اليوم تقاوم البحر والزمن والتطرف، ودليل إثبات على أن افريقية كانت الخاسر الأكبر من جراء انتقال الفاطميين إلى مصر، ولو بقيت دولتهم في تونس لبنوا أعظم حضارة في تاريخ البلاد التونسية.

وبقيت شخصية محرز بن خلف، محاطة بالغموض خافية على الناس الذين اتخذوه مزارا، وهم لا يعلمون عنه حقيقة شيئا يذكر سوى جريمته النكراء، التي لا يمكنها أن تصدر عن مؤمن يخاف الله تعالى، وعوض أن ينسب الرجل إلى الإجرام وقتل الأبرياء، أسبغ عليه هالة من القداسة، ولقب في عصرنا هذا رائدا للتسامح ومقاومة التطرف، من طرف أناس لا يعرفون للتسامح معنى، ولا يمتلكون آليات التمييز بين التطرف والاعتدال، وقد عرفوا جميعا بخدمة السلطة، وإتباع اثر الحكام لينالوا منهم عطية أو جزاء أو حضوة، فلعنة الله على الظالمين منذ أن وجدوا على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، واللعن الدائم على أتباعهم وأنصارهم، والساكت عنهم بلا سبب.

 

المراجع:  

1- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص9

2- السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان ج2ص262/263

3- فتوح البلدان للبلاذري ص 225

4- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص29

5- المقدمة لابن خلدون

6- المقدمة لابن خلدون الفصل التاسع والعشرون.

7- المقدمة الفصل التاسع والعشرون

8- المقدمة-الفصل السابع والعشرون.

9- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص 273/274

10- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص268

11- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص269

12- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي ج1ص269

13- كتيب محرز بن خلف لرشيدة الصمادحي ص15

14- كتيب محرز بن خلف لرشيدة الصمادحي ص16

15- الصراع المذهبي في افريقية ص 185 الهامش

16- (صحيح)مسلم باب الترغيب في قيام شهر رمضان ح1301- سنن الترمذي كتاب الصلاة ح412

17- كتاب العبر لابن خلدون ج6ص17

18- كتيب محرز بن خلف لرشيدة الصمادحي

19- كتاب الصراع المذهبي لعبد العزيز المجدوب ص 187

20- كتاب الصراع المذهبي لعبد العزيز المجدو