العرب السودان و نشر الثقافة العربية والإسلامية (1)

  • رقم الخبر 1541
  • المصدر: الموسوعة السودانية (سودابيديا)

المخلص تناقش هذه الورقة دخول العرب في السودان ودورهم في نشر الثقافة العربية والإسلامية فيه.


المستخلص:

تناقش هذه الورقة دخول العرب في السودان ودورهم في نشر الثقافة العربية والإسلامية فيه، وتتكون الورقة من مقدمة تتناول مصطلح السودان عبر التاريخ والموقع الإستراتيجي لكل من مصر وبلاد النوبة. ثم تتناول الورقة بعد ذلك علاقات السودان الخارجية في فترة ما قبل الإسلام، وعلاقة المسلمين بالنوبة والبجة، والوجود القبلي العربي في تلك الديار وظهور الممالك والمشيخات الإسلامية في السودان ثم تتناول الورقة دور الملوك والسلاطين السودانيين ورجال الطرق الصوفية في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية عن طريق الخلاوي والمساجد وجلب العلماء المسلمين من الخارج.

 

مقدمة

دخول العرب إلي السودان ودورهم في نشر الاسلام

يحتل السودان موقعاً إستراتيجياً مهماً لا يقل أهمية عن موقع مصر، فهو حلقة الوصل بين الجنوب والشمال، وفي ذات الوقت يربط بلاد السودان الأوسط والغربي ببلاد الحجاز واليمن عبر البحر الأحمر، هذا الموقع جعله يتأثر بكل ما يدور في مصر من أحداث سياسية واقتصادية وثقافية في سائر العصور القديمة والوسيطة والحديثة لأنه يمثل العمق الإستراتيجي لمصر وبه مستودع ضخم للثروات المختلفة.

ولفظة السودان وردت أول ما وردت في بعض المصادر العربية  لتعني كل السود في العالم القديم، ولم يقصد بها – في البداية – أقاليم محددة في  إفريقيا أو أي بلد آخر، وأصل الكلمة من السواد ومفردها أسود وتجمع على سود، وأضاف الكتاب العرب الألف والنون لتصير (السودان) في مقابل البيض(البيضان). فالأديب الجاحظ – مثلاً يقول بأن لفظة السودان تشمل كل السود بما في ذلك بعض أهل الهند، والسند، وسرنديب، والحبشة، والنوبة، والزنج، وأن في السودان السود، والحمر ولكن ليس لديهم اسم سوى السودان، ويقول ابن خلدون بأن الحبشة،والزنج، والسودان، أسماء مترادفة على الأمم المتغيرة بالسواد، وليست هذه الأسماء لهم من أجل انتسابهم لرجل أسود.

وقد حدد المسعودي أوجه الاختلاف بين سودان الهند، وسودان  إفريقيا من ناحية الألوان ونعومة الشعر والذكاء إلى غير ذلك أما الكُتاب الإغريق فكانوا يطلقون على كل هؤلاء السود (الإثيوبيين) أي ذوي الوجوه المحرقة، كما جاء في الأساطير الإغريقية حديث عن الإثيوبيين الشرقيين – وهم بعض أهل الهند والسند – بأنهم يختلفون عن الإثيوبيين الغربيين. كما أشار المؤرخ هيرودوت بوضوح إلى أن (إثيوبيا) تضم مساحات شاسعة في  إفريقيا وآسيا والهند، بل هنالك أدلة تشير إلى أن مصر وشمال  إفريقيا وبلاد المغرب كان يقطنها السُود الذين تعرضت بلادهم إلى هجرات قوقازية من الشمال والشرق.

عليه يبدو أن هذا المصطلح كان يطلق على كل السود، وذوي البشرة الداكنة في العالم القديم، مع وجود علاقة واضحة بين مصطلح (السودان)، و (الزنج)، و (إثيوبيا)، و (الحبشة)، و(إفريقيا) مما يجعل الباحث يميل إلى الاعتقاد بأن كل هذه المسميات مترادفات تعني شيئاً واحداً

لكن في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والعشرين الميلاديين أحدث بعض المؤرخين الهواة تغييراً في المصطلح (السودان) إذ صاروا يطلقونه على بعض السود في  إفريقيا كالحسن بن الوزان ومن بعده ترمنجهام مثلاً، ولم يظهر اسم السودان بعد ذلك إلا بعد أن سيطر محمد علي باشا على البلاد وصار يطلق عليه اسم (السودان المصري).

 

علاقات السودان الخارجية في فترة ما قبل الإسلام

أ‌.بلاد النوبة ومصر:

العلاقة بين بلاد النوبة، ومصر قديمة تعود إلى فترة ما قبل الميلاد وظلت بلاد النوبة تمثل مستودعاً مهماً لكثير من السلع التي تحتاجها مصر، التي كانت تحاول دوماً فرض سيطرتها على بلاد النوبة منذ أيام المملكة المصرية القديمة، وفي المملكة المصرية الوسطى ازدادت الأطماع المصرية في بلاد النوبة وأقيمت القلاع الحصينة حتى منطقة سمنة. ربما لتأمين التجارة الصادرة، والواردة، والدفاع عن حدود مصر في الجنوب. وفي تلك الفترة ظهرت طلائع إمبراطورية كوش في كرمة (2500 – 1500 ق. م).

التي شكلت كياناً إقليمياً ذا خطر وبال هز كيان الفراعنة في مصر العليا حين توطدت العلاقات بين حكام كرمة في الجنوب والهكسوس، الذين أقاموا الأسرتين الخامسة عشر، والسادسة عشر في مصر السفلى، وما إن تخلص الفراعنة من قبضة الهكسوس في الشمال في بداية المملكة المصرية الحديثة (1580 – 1085 ق. م) حتى التفتوا نحو الجنوب فوضعوا بلاد النوبة تحت سيطرتهم، وكونوا إدارة مصرية واتبعوا سياسة أدت إلى تمصير النوبيين ولكن رغم ذلك فقد ظلت بلاد النوبة تشكل كياناً إقليمياً أصيلاً رد الصاع صاعين حين برزت إمبراطورية كوش في نبتة ومروي في الفترة من 750 ق. م إلى 350 م. وتقدم الكوشيون واحتلوا مصر وأقاموا الأسرة السودانية الخامسة والعشرين بل صاروا يشكلون خطراً على المصالح الآشورية في سوريا وفلسطين مما أدى في النهاية إلى تقهقر السودانيين جنوباً إلى مروي إثر الضغوط الأجنبية ومحاولات السيطرة على مصر.

ومن جانب آخر فإن الكوشيين في مروي ظلوا يعانون من التدخل الأجنبي في الشمال إبان حكم الفرس والإغريق والرومان في مصر، وفي ذات الوقت فقد عانت مروي كثيراً من هجمات القبائل السودانية الأخرى من الغرب والشرق، مما أدى إلى كساد التجارة الإقليمية في الشمال ودخلت البلاد في حروب داخلية وحالة من الفوضى استغلها الإثيوبيون بقيادة الملك عيزانا (350 م) وأنهوا السلطة المروية ووقعت البلاد تحت رحمة الجماعات القبلية من جانب، والنفوذ المصري في الشمال من جانب آخر مما أدى إلى تقسيم المملكة المروية إلى ثلاث ممالك تعرضت للمد المسيحي والتبشير الكنسي من مصر، وعرفت في التاريخ بالممالك المسيحية وهي نوباتيا "المريس " في الشمال والمقرة في الوسط وعلوة في الجنوب، وقد ظلت تلك الممالك السودانية على مسيحيتها متأثرة بما يدور في مصر من أحداث.

ب‌. بلاد البجة:

تمثل شرق السودان المطل على البحر الأحمر ومن ثمَّ الحجاز وجنوب الجزيرة العربية، ويشقها الطريق البري الذي يربط مصر وبلاد النوبة، بالحجاز واليمن وغيرهما عبر الموانيء السودانية، والبجة ظلوا يشكلون خطراً دائماً على بلاد النوبة، ومصر، وذلك بشن الغارات المتكررة. ويبدو أن هجرات عربية كثيرة من اليمن، وحضرموت قصدت القرن الإفريقي لأسباب اقتصادية واستقرت جماعات منهم في إريتريا وبلاد البجة وربما وصل بعضهم إلى بلاد النوبة، ويبدو أن بعض الحميريين جاؤوا إلى بلاد النوبة عن طريق إثيوبيا واستقروا هناك، فعبادة الشمس – مثلاً – انتشرت في أوساط الحميريين في اليمن وإثيوبيا، ونجد تلك الآلهة معبودة في أوساط النوبيين في منطقة كلابشة وفي مروي أيضاً.

وإلى هؤلاء الحميريين ينتسب الحداربة (الحضارمة) الذين جاؤوا من حضرموت منذ حوإلى القرن السادس الميلادي واختلطوا بالبجة الزنافج واعتنقوا الديانة النصرانية واختلطوا بالبجة، وعن طريق نظام ولاية العرش  لابن البنت أو ابن الأخت صاروا حكاماً على الزنافج.

أما البجة البليميون الذين أشارت إليهم مصادر القرن الأول الميلادي  بأنهم سكان الصحراء الشرقية من حدود مصر الجنوبية حتى أكسوم جنوباً، فقد استقر جزء منهم في بلاد النوبة منذ عهد البطالمة (332 – 30 ق. م) وصاروا يشكلون  خطراً على الرومان في مصر منذ عام 250م وذلك بشن الغارات المتكررة وعدم الالتزام بالعهود والمواثيق إلى أن حسم أمرهم في حوإلى عام 450م، وتتحدث المصادر عن خمس ممالك قديمة للبجة هي: ناقص أو نقيس، وبقلين، وجارين، وبازين، وقطعة أو قطاع، وذكر الملك الإثيوبي (عيزانا) في لوحته الشهيرة حوإلى منتصف القرن الرابع الميلادي أنه شن عليهم حرباً وادعى بأنهم تابعون لسلطانه، وفي عام 543 م طردهم الملك النوبي سلكو من منطقة كلابشة.

 

العلاقات بين المسلمين والنوبة

بعد أن حسم أمر بلاد الشام لصالح المسلمين بعد معركة اليرموك (21 هـ/ 636م) اتجه عمرو بن العاص إلى مصر وفي ذات العام سيطر المسلمون عليها بشكل كامل، وفي العام ذاته أرسل المسلمون حملة ضد النوبة لم تحقق نجاحاً يذكر وظهر لهم براعة النوبيين في القتال والرمي بالسهام فأطلقوا عليهم (رماة الحدق)، لم يصالحهم عمرو، ولكن جاء عبد الله بن سعد بن أبي السرح في عام 25هـ/ 646م وصالحهم بعد معركة ضارية على مشارف دنقلا وسمي هذا الصلح في المصادر العربية (صلح النوبة) أو اتفاقية البقط، ويبدو أن النوبيين أحسوا بمدى قوة المسلمين فطلبوا الصلح، ونُقل عن يزيد بن أبي حبيب الفقيه النوبي في مصر قوله:

 (... ليس بيننا وبين الأساود عهد ولا ميثاق إنما هي هدنة بيننا وبينهم على أن نعطيهم شيئاً من قمح وعدس ويعطونا رقيقاً...) وأورد ابن عبد الحكم نصاً قريباً من هذاونقل عن الليث بن سعد قوله: بأن الصلح كان ينص على منع الاقتتال وأن يوفر النوبة رقيقاً ويعطوا بقدر ذلك طعاماً وإذا باعوا نساءهم وأبناءهم فلا بأس من شرائهم، وقد وردت روايات أخرى وتفاصيل كثيرة، إلا أن الاتفاق في مجمله يعبر عن مدى اهتمام المسلمين بتأمين حدود مصر الجنوبية واستمرار التجارة عبر الطرق البرية والنيلية، وقد ظلت هذه الاتفاقية تحكم العلاقة بين الطرفين على مدى ستة قرون، وسمح للتجار النوبيين في مصر بمواصلة نشاطهم التجاري بين مصر وبلاد النوبة على أن يعينوا المسلمين بالرجال والخيول، وذلك حسب ما ورد في الاتفاقية التي أبرمت بين المسلمين وأهل مصر.

يبدو أن المسلمين المجاورين لبلاد النوبة بدأوا في الاستقرار في الأراضي النوبية منذ أيام الأمويين في مصر وامتلكوا تلك الأراضي بشرائها من النوبيين مما جعل  ملك النوبة يحتج على ذلك ويطالب بإلغاء البيع بحجة أن البائعين عبيده وخاضعون لسلطانه، لكن البائعين لم يقروا بالعبودية أمام حاكم أسوان فمضى البيع للمواطنين العرب  وانقسمت مملكة مريس النوبية إلى قسمين، قسم يقطنه النوبيون الأحرار، وقسم يقطنه النوبيون عبيد الملك، وقد نتج عن ذلك أن المنطقة جنوب أسوان حتى الشلال الثاني صارت تعج بالمسلمين من ملاك أراضي وتجار مع وجود جاليات عربية أخرى بدأت في الاستيطان في بلاد مريس منذ بداية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.

وبعد سيطرة العباسيين على مصر هرب أبناء مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية – وهما عبد الله وعبيد الله – إلى بلاد النوبة وبصحبتهم آلاف المسلمين وصاروا ضيوفاً على ملك النوبة الذي رفض استضافتهم ونصحهم بمغادرة بلاده، رغم أنهم – حسب رواية اليعقوبي – كانوا يريدون الإقامة بغرض استرداد عرشهم،  فاتجهوا شرقاً إلى موانئ البحر الأحمر وقُتل عبيد الله على أيدي البجة وعبر عبد الله إلى الحجاز عبر ميناء باضع وبرفقته 40 أو 50 شخصاً فقط. وهذا يعني تخلف الكثيرين منهم في بلاد البجة والنوبة الجنوبية.

وعلى أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور عبَّر وإلى مصر كعب بن موسى عن استيائه لملك النوبة من عدم توفير الحماية لتجار مصر ورد الهاربين من مصر، إضافة إلى تأخير البقط، وفي عهد الخليفة المعتصم (218 – 227هـ/ 833- 842م) طُولب ملك النوبة (زكريا بن يحنس) بدفع متأخرات البقط عن أربعة عشر عاماً  وهُدد بغزو بلاده إن لم يسدد ما عليه من ديون، ولم يكن لدى ملك النوبة من خيار سوى اللجوء إلى الدبلوماسية فأرسل ابنه جورج إلى بغداد ليفاوض مع العباسيين وأُعجب به الخليفة المعتصم ورفع عن النوبة متأخرات البقط على أن يدفعوا البقط كل ثلاث سنوات وعاد جورج محملاً بالهدايا.

يبدو أن تطبيع العلاقات مع ملك النوبة كان أمراً ضرورياً بالنظر إلى الأوضاع السيئة في مصر، وثورات القبائل العربية المستمرة منذ أيام الخليفة المأمون، إضافة إلى أن الخليفة المعتصم اتخذ قراراً بإسقاط من في ديوانه من العرب والاستعاضة عنهم بالأتراك مما أحدث استياء عربياً عاماً جراء هذه السياسة التي شملت كل الدولة الإسلامية، فقد اضطر العرب في مصر إلى أن يجعلوا من بلاد النوبة مركزاً لشن هجماتهم ضد حكام مصر أو ملاذاً لهم من قهر الأتراك في مصر.

ومن جانب آخر يبدو أن النوبيين استغلوا الوضع المتردي في مصر في أواخر عهد الإخشيديين فهاجموا واحة الخارجة في عام 951م ثم شنوا حملة أخرى على مدينة أسوان في 956م وقتلوا أعداداً من المسلمين، ثم شنوا هجوماً ثالثاً على مصر وتقدموا شمالاً حتى إدفو.

وفي عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي خرج رجل يدعى الوليد بن هشام (أبو ركوة) واستولى على أجزاء من مصر إلا أنه هزم ولجأ إلى بلاد النوبة فحمل خبره أبو المكارم هبة الله زعيم ربيعة المجاورين لأسوان إلى الحاكم بأمر الله وتم إلقاء القبض على أبي ركوة وخلع الحاكم على أبي المكارم ومُنح لقب كنز الدولة وصارت أسرته تلقب ببني الكنز وكان لهم شأن في مجال العلاقات النوبية – المصرية).

فقد أقاموا إمارة عربية في بلاد النوبة واعترف بهم الفاطميون، وحتى في عهد الأيوبيين فقد كان لهم علاقات طيبة مع ملوك النوبة، وكان النشاط التجاري بين مصر والنوبيين مستمراً بشكل جيد، إلا أن السياسة التي اتبعها صلاح الدين الأيوبي نفسه بتقريب الأتراك ومنحهم الوظائف، واقتطاع قوص وأسوان وعيذاب لأخيه ثوران شاه، ربما لأغراض دفاعية إستراتيجية لمواجهة الصليبيين، مما أدى إلى موجة غضب واضطرابات قتل على إثرها أبو الهيجاء شقيق صلاح الدين، وسار ثوران شاه على رأس جيش من المسلمين إلى بلاد النوبة في 1173م وهزم النوبيين وترك جزءاً من قواته في قصر إبريم وعاد إلى مصر، ثم أرسلت حملة أيوبية أخرى في عام 1174م ضد كنز الدولة (متوج) وتمت هزيمته.

 

الحملات العسكرية المملوكية وآثارها:

استولى المماليك الأتراك على السلطة في مصر في عام 648هـ/1250م بعد حالة من الفوضى وناصبوا العرب العداء في وقت كانت الحروب الصليبية ضد المسلمين مستعرة، وفي عام 663هـ/ 1265م أرسل بيبرس حملة استولت على سواكن بغرض تأمين التجارة وحفظ حقوق التجار، ولكن وفي عام 671هـ/ 1272م أغار داؤود ملك النوبة على ميناء عيذاب وخربه واستولى على أموال التجار القادمين من اليمن وقتل قاضي المدينة وأولاده)، وتبع ذلك هجوم صليبي على عيذاب مرة أخرى ونهبت السفن الهندية والتجارات القادمة من قوص في عام 1282م.

وكان داؤود قد شن حملة ضد مدينة أسوان وخربها وربما كان ذلك تمهيداً لهجمات صليبية ضد المسلمين، لكن كان الرد المملوكي عنيفاً ضد المقرة فهزمت جيوش داؤود على مشارف مدينة دنقلا وهرب داؤود إلى مملكة الأبواب. و قد قرر المماليك وضع نصف بلاد النوبة تحت إدارتهم على أن يدفع ملك النوبة الجزية، وأرسل المماليك بعض العمال المهرة والزراع وغيرهم إلى بلاد النوبة كما أنشئ نظاماً للبريد من قوص إلى النوبة، وأرسل قلاوون عدة بعثات إلى علوة والبجة وقبائل البازا وصاحب التاكا وصاحب قري، كما أرسل رسلاً لملك الأبواب عملا دبلوماسيا غير مسبوق للنظر في الصراع بين مملكتي المقرة وعلوة و اتضح أن ملك المقرة هو المخطئ والمعتدي، وهذا يؤكد مدى قوة المماليك وحرصهم على تأمين البلاد، فقد أرسل قلاوون حملة ضد المقرة وشارك فيها – ولأول مرة – العرب القاطنون بالقرب من المقرة كأولاد الكنز وبني هلال وأولاد أبي بكر وأولاد عمر وأولاد شريف وأولاد شيبان،  وصار قائد الحملة مرابطاً في دنقلا.

ثم بدأت بعد ذلك عمليات عسكرية ضد شمامون الملك النوبي، وتميزت فترة الملك الناصر في مصر بعمليات الكر والفر، التي مارسها ملوك النوبة في إطار رفضهم للوجود المملوكي في بلادهم والإصرار على زعزعة الدولة في مصر، إلى أن تولى عرش النوبة أول ملك نوبي مسلم عام 716هـ/ 1316م هو عبد الله برشمبو ابن أخت الملك داؤود الذي قتل بسبب الصراع حول السلطة وتولى بنو الكنز السلطة كأول ملوك عرب في بلاد النوبة وقبل المماليك ذلك على مضض نظراً لأن الرأي العام العربي والنوبي في بلاد النوبة يؤيد كنز الدولة.

ويهمنا من هذا أن التدخل المصري في بلاد النوبة حتى عام 1318م  أدى إلى تدفق عناصر عربية شاركت في الحملات العسكرية وفي النشاط التجاري مما أدى إلى استقرار قبائل عربية كثيرة، وانفتحت بلاد النوبة على مصراعيها للتجار العرب والمهنيين والمسافرين وغيرهم من مملكة الأبواب، و هنالك عناصر قبلية كثيرة هاجرت بعد قرار المعتصم والسياسة التي اتبعها المماليك ضد القبائل العربية إلى مملكة الأبواب، وكردفان، ودارفور، اضف إلى ذلك أن كثيراً من المحاربين الذين شاركوا في حملات النوبة فضلوا البقاء في بلاد النوبة)، كما تشير المصادر إلى أن كنز الدولة بن شجاع الدين نصر بن فخر الدين بن مالك استعان ببعض العناصر العربية في صراعه ضد النوبيين.

لقد سقطت المقرة على أيدي بني الكنز يعاونهم بنو جعفر وبنو عكرمة ولم يجد ذلك الحدث قبولاً لدى المماليك ودخلت المقرة في حالة من الفوضى بسبب حملات المماليك، لكن المهم هنا أن سقوط المقرة فتح المجال لمزيد من الهجرات العربية إلى بلاد النوبة في مختلف الاتجاهات، واختفى اسم المقرة وظهر في المصادر أسماء دويلات جديدة كالتكاكي والأبواب إلى غير ذلك ولذا فلربما كانت الفونج إحدى تلك الدويلات.

 

العلاقة بين البجة والمسلمين في مصر

البجة وبلادهم يختلفون عن النوبة وبلادهم، فبلاد البجة يخترقها طريق قوافل يربط مصر بموانئ البحر الأحمر ومنها إلى الحبشة والحجاز واليمن والخليج حتى بلاد الهند، كما أنهم ليسوا أصحاب حضارة كالنوبيين فهم أهل بادية رعاة إبل وأغنام، وقليلون منهم يمتهنون حراسة القوافل والعمل في الموانئ السودانية وحراسة المعدِنين في (أرض المعدن)، إلا أن بلادهم كانت غنية بالمعادن والذهب والزمرد وغيره.

وتشير كثير من المصادر إلى أنهم صِنف من الأحباش، وآخرون يقولون بأنهم صنف من السودان والمعنى واحد، وبعض البجة نصارى يعاقبة والأغلبية منهم وثنيون، يقتاتون مما ينقل إليهم من أرض الحبشة ومصر وبلاد النوبة وعاصمتهم هجر (أم هجر) وكان الفراعنة والروم في مصر يغزونهم بسبب حاجتهم للمعادن، لم يهتم عبد الله بن سعد بن أبي السرح بهم بسبب انعدام الدولة ونظام ملك عندهم، لكن لا نعتقد أن ابن أبي السرح كان يجهل أهمية بلادهم من الناحية الإستراتيجية بل يبدو أنه لم يجد مبرراً لمحاربتهم، أو عقد اتفاق معهم.

ولم يشكل البجة خطراً حقيقياً إلا في عهد الخليفة العباسي المعتصم الذي أرسل عبد الله بن الجهم في عام 212هـ/831م  لمحاربتهم، وعقد اتفاق مع زعيمهم كنون بن عبد العزيز، ودخل ابن الجهم معهم في عدة وقائع وتم توقيع اتفاق وضع بلاد البجة تحت الإدارة العباسية وصارت ملكاً للخليفة في بغداد واعتبر كنون وكل البجة عبيداً للخليفة، وأن على البجة دفع خراج سنوي قدره مائة من الإبل أو 300 دينار لبيت المال، كما ألزم الاتفاق البجة بعدم قتل أي مسلم، أو ذمي في أرض البجة، أو في بلاد النوبة، أو مصر  وألا يهدموا مساجد المسلمين في هجر، وصبحة.

وإذا دخل البجة صعيد مصر تجاراً أو مجتازين لا يدخلون المدن، والقرى، ولا يظهرون سلاحاً، كما ألزمت الاتفاقية البجة بالسماح لعمال الخليفة بدخول بلاد البجة وقبض صدقات المسلمين. هذا الاتفاق يؤكد مدى أهمية بلاد البجة بالنسبة للدولة العباسية من جانب والخطر الذي يشكله البجة على المدن  والقرى في صعيد مصر، وعلى النشاط الاقتصادي العربي في أرض المعدن حيث توجد قبائل بِلي وجهينة، كما تؤكد الاتفاقية على وجود أعداد كبيرة من المسلمين في أرض البجة.

في عهد الخليفة العباسي المتوكل نقض البجة العهد، وغاروا على صعيد مصر وقتلوا كثيراً من المسلمين في أرض المعدن بوادي العلاقي فحاربهم محمد بن عبد الله القمي عام 241هـ/854م وانهزم البجة وطلبوا الصلح فصالحهم بشرط مثول زعيمهم علي بابا أمام الخليفة العباسي، وتم ذلك وصار العرب في أرض المعدن وبلاد الصعيد يتمتعون بحماية الدولة الإسلامية، وعُين والياً على بلاد البجة من قبل الخليفة العباسي، وفي هذه الفترة وفدت جماعات من جهينة وربيعة إلى وادي العلاقي بعد أن وصلتها أنباء وجود المعادن في تربة ذلك الوادي وفي تلك الفترة تسامع الناس في مصر بوجود الذهب في وادي العلاقي.

فجهز عبد الله بن عبد الحميد العمري حملة قوامها جماعات من عرب ربيعة وجهينة، وكثير من الأرقاء وسار جنوباً إلى بلاد النوبة والبجة، وكان ذلك في عهد أحمد بن طولون في مصر، وربما كان الغرض من هذه المغامرة الشخصية الكشف عن أراض جديدة للتعدين، وقد نجح العمري  في ذلك  رغم صراعه مع معدِّنيين من عرب الشام كسعد العشيرة، وقيس عيلان، ومعهم قبيلة ربيعة وقد تمكن العمري من هزيمتهم إلا أنه قتل على يد عربي من مضر.

وبعد مقتل العمري نشب صراع آخر بين عرب جهينة وربيعة وغيرهم في أسوان حول امتلاك المعادن بوادي العلاقي (المعدن)، فتحالف فخّذ من ربيعة مع البجا وصاهروهم وانتفع الطرفان بتلك المصاهرة، وربما كان هدف ربيعة الانفراد بأرض المعدن دون سائر القبائل العربية.

يقول المسعودي: (... وصاحب المعدن في وقتنا... من ربيعة يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالجحف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون من بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنماً لهم)،  وعلى ذلك فقد بدأ واضحاً شكل الوجود العربي الإسلامي في أرض البجة وقد تتابع تدفق تلك القبائل نحو أرض المعدن من مصر في الشمال ومن بلاد النوبة في الغرب ومن جهة الشرق، عليه يمكن حصر قبائل البجة على الآتي:

أ) البشاريون في الشمال في منطقة مملكة نقيس القديمة وينقسمون إلى قسمين: بشاريون (أم علي) في الشمال وجنوبهم بشاريون (أم ناجي)، ويقال بأن (البشاريين) نسبة إلى بشّار أو بشارة  أبوه كاهلي وأمه بجاوية.

ب) الأمرْأر: على الجنوب من البشاريين وتمتد بلادهم من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي في اتجاه بورتسودان، ويبدو أن هذا الموقع هو موقع مملكة بقلين  القديمة، وعرفوا بهذا الاسم في مصادر القرن التاسع الميلادي.

ج) الهدندوة: وتقع بلادهم إلى الجنوب من الامرْأر  وهم أكثر البجة عدداً وتمتد بلادهم من سواكن إلى سنار والأرض المجاورة بما في ذلك دلتا القاش وشواطئ نهر عطبرة، وهي بلاد مملكة بازين القديمة ولغتهم التبداوية.

د) بنو عامر: تمتد بلادهم من طوكر شمالاً إلى داخل حدود إريتريا  في الجنوب، وهي بلاد مملكة جارين القديمة ولغتهم التقراي.

هـ) أما مملكة قطعة أو قطاع فتنتشر فيها حالياً قبائل الهدندوة وكانت في الأصل لقبيلة بلي الذين امتزجوا مع البجة، كما يقطنها حالياً أيضاً الحلنقة في كسلا وما حولها.

و) بالإضافة إلى هذه القبائل فهناك قبائل صغرى تقطن بلاد البجة كالأشراف والأرتيقة والملهيكتاب، والرشايدة الذين يدعون الانتساب إلى هارون الرشيد وقد استقروا في إقليم طوكر ثم ارتحلوا إلى الحدود الإريترية، وسكن بعضهم إقليم عطبرة وهؤلاء هجرتهم حديثة كانت ما بين 1846م و1910م.

ومن القبائل العربية الصغيرة التي تجاور الهدندوة، وبني عامر، الحمران وموطنهم الحإلى بالقرب من نهر ستيت، وهم رعاة إبل، ويهتمون بتربية الخيول، ويستخدمونها.

 

القبائل النوبية في الشمال:

كان النوبيون يقطنون مناطق شاسعة على طول نهر النيل حتى جنوب مقرن النيلين الأزرق والأبيض وذلك إبان فترة الممالك المسيحية الثلاث، لكن تقلصت أراضيهم وأصبحت قاصرة على المنطقة من شمال أسوان شمالاً إلى مدينة الدبة وكورتي جنوباً وهي المنطقة التي تقطنها حالياً خمس قبائل رئيسية وهي:

أ) الدناقلة: وتمتد ديارهم من الدبة حتى حدود جزيرة أرقو، وجميعهم مسلمون.

ب) السكوت والمحس: وهم يكونون مجموعة واحدة من ناحية الأصل واللغة، ويقيمون في إقليم الجنادل، وهم يدعون الانتماء إلى الخزرج، ومخطوط الشريف الطاهر في مطلع القرن السادس عشر يشير إلى أن المحس ينتسبون إلى عبد العزيز محس بن ذبيان.

ج) الفديجة: يقطنون المنطقة ما بين وادي حلفا، وكرسكو.

د) الكنوز: يقطنون الجزء الشمإلى الممتد من كرسكو إلى أسوان، ونلحظ أن الكنوز والدناقلة، يختلفون عن السكوت والمحس في أن لغتهم واحدة وتختلف عن لغة السكوت والمحس، وبالطبع فإن الكنوز مسلمون كالدناقلة أيضاً.

 

المصادر والمراجع

أولاً: المصادر:

1/ أبو الحسن البلاذري، فتوح البلدان، بيروت، 1988م.

2/  أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الفكر، بيروت، 2005م، 4 أجزاء، الجزء الأول94.

3/ ـــــــــــــــ التنبيه والإشراف، بيروت، 1993م.

4/ أبو القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة، المسالك والممالك، إعداد وتقديم خير الدين محمود قيلاوي، دمشق، 1999م..

5 ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة. المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ.

6/ الحسن بن الوزان، الزياتي، وصف  إفريقيا، ترجمة محمد حجي وآخرين، الطبعة الثانية، بيروت، 1914م

7/ عبد الرحمن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق حامد أحمد الطاهر، الطبعة الثانية، القاهرة، 1431هـ/ 2010م.

8/ عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مصر، 1384هـ/1984م، الجزء الأول.

9/ محمد النور بن ضيف الله، كتاب الطبقات  في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق يوسف فضل، جامعة الخرطوم، الطبعة الثانية، 1974م.

10/ محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، الطبعة الرابعة، بدون تاريخ، الجزء الرابع.

ثانياً: الرسائل الجامعية:

1/ إسماعيل مكي أحمد، الطريق الإثيوبي، دراسة عن الهجرات الإسلامية من القرن ال إفريقي إلى السودان الشرقي، رسالة ماجستير في التاريخ، جامعة النيلين مايو 2000م.

2/ عصام محمود عثمان البلال، الهجرات العربية لبلاد البجة، (815 – 1203م)، بحث لنيل درجة الماجستير في التاريخ ، جامعة اليرموك، الأردن، 1997م.

3/ محمد المصطفى أبو القاسم، هجرات التكارير واستيطانهم بالسودان الشرقي (تكارير القلابات)، رسالة ماجستير، جامعة الخرطوم، 1990م.

ثالثاً: الدوريات والكتب المحررة:

1/ بابكر فضل المولى حسين، مظاهر الحضارة في دولة الفونج الإسلامية، (1504م/ 1821م)، منشورات الخرطوم عاصمة الثقافة العربية، الطبعة الأولى 2004م.

2/ بشير إبراهيم بشير، الحروب الصليبية والبحر الأحمر في: الإسلام في  إفريقيا، أوراق قدمت في مؤتمر الإسلام في  إفريقيا،إبريل، 1992م.

3/ حسن علي الشايقي، سيرة عبد الله بن أبي السرح بين مصر والسودان في: الإسلام في  إفريقيا، المؤتمر الدولي في الفترة  من 6 – 7 ذو القعدة 1427هـ إلى 26 – 27 نوفمبر 2006م.

4/  مجاهد توفيق الجندي، أروقة الأزهر، المؤتمر الدولي، الإسلام في  إفريقيا، 26 – 27 نوفمبر 2006م، الكتاب الثاني عشر.

5/ محمد عبد الرحيم، محاضرة عن العروبة في السودان، الطبعة الأولى، الخرطوم، 1935م.

رابعاً " مؤلفات بالعربية:

1/ أسامة عبد الرحمن النور، دراسات في تاريخ السودان القديم، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 2006م.

2/ الشاطر بصيلي عبد الجليل، معالم تاريخ سودان وادي النيل، الطبعة الأولى، القاهرة، ديسمير 1955م.

3/ باذل دافيدسن،  إفريقيا تحت أضواء جديدة، ترجمة جمال محمد أحمد، بيروت، بدون تاريخ

4/ عبد الهادي محمد الصديق، السودان والإفريقانية، مركز الدراسات الإستراتيجية، الخرطوم الطبعة الأولى، يناير 1997م.

5/ محمد صالح ضرار،  تاريخ شرق السودان، ممالك البجة قبائلها وترايخها، القاهرة، 1992م، جزءان، الجزء الأول.

6/ محمد عوض محمد، السودان الشمالى سكانه وقبائله، الطبعة الثانية، القاهرة  1956م.

7/ مصطفى محمد مسعد، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى، القاهرة، 1960م.

8/ مكي شبيكة، مملكة الفونج الإسلامية، الخرطوم، 1964م.

8/ نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1981م.

9/ هارولد ما كمايكل، تاريخ العرب في السودان، تعريب سيد محمد علي ديدان  مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الطبعة الأولى، مارس 2012م، جزءان، الجزء الأول.

10/ يحيى محمد إبراهيم، تاريخ التعليم في السودان،، دار الجيل، بيروت، 1987م.

11/ يوسف فضل حسن، بواكير الدعوة الإسلامية في السودان، دار الوثائق.

12/ يوسف فضل حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي  1450هـ - 1821م، الطبعة الرابعة، 1422هـ/2003م.

خامساً: مؤلفات بالإنجليزية:

1. Du Bois, E. Burckhardt, The World and Africa, New York,    1980.

2. Sheikh،Anta Diop, The Origin of the Ancient Egyptians “ in:

    Jamal , Mukhtar, (Edit) General History of Africa,        UNESCO, Italy 1985, Vol. 2.                                                                      

3. Yusuf  Fadl  Hasan, The Arabs and the Sudan. Edinburgh,1967,

  

الکاتب: د. محمد المصطفي اسماعيل/ الثاني من شهر ابريل عام 2017م