استطلاع مودّة آل البيت (ع) في مصر

  • رقم الخبر 1548
  • المصدر: رسالة الثقلین

المخلص لقد أحب مسلمو مصر آل البيت(عليهم السلام) بقلوبهم وأرواحهم منذ قرون مضت سبقت العهد الفاطمي، إذ يعود هذا الحب والود تجاه أهل البيت إلى صدر الاسلام وفتح الجيش الاسلامي لمصر.


لقد أحب مسلمو مصر آل البيت(عليهم السلام) بقلوبهم وأرواحهم منذ قرون مضت سبقت العهد الفاطمي، إذ يعود هذا الحب والود تجاه أهل البيت إلى صدر الاسلام وفتح الجيش الاسلامي لمصر، الذي ضمّ في صفوفه عدداً من انصار الامام علي(عليه السلام)الذين كانوا يجاهرون بالولاء له(عليه السلام) ويدعون الناس إليه وإلى حبه وتوليه دون ان يمنعهم مانع، ومنهم أبو ذر الغفاري والمقداد بن الاسود الكندي وابو ايوب الانصاري[1].

ويؤكد مؤلف تاريخ الشيعة: لا بدع لو نقول إن التشيع دخل مصر في اليوم الذي دخل فيه الاسلام[2]. وقد عدّ البعض تعيين الامام علي(عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر والياً على مصر دليلاً على حب ابناء مصر له ولاله، غير ان الشواهد التاريخية تقول ان موالاة الامام علي(عليه السلام) وحبه في قلوب مسلمي مصر سبق فترة خلافته(عليه السلام).

ومن دلائل انتشار التشيع لعلي(عليه السلام) في مصر قبل ان يتسلم الخلافة ما أورده المقريزي في خطط مصر: «وبُعث قيس بن سعد الانصاري على مصر فدخلها مستهل ربيع الاول سنة سبع وثلاثين، ومصر يومئذ من جيش علي(عليه السلام)»[3].

ويقول ابن الاثير في حوادث سنة 36 هـ بعد ان يثبت خطبة مبعوث الامام علي(عليه السلام)إلى مصر التي يدعو فيها إلى مبايعته(عليه السلام): «فقام الناس فبايعوه واستقامت مصر، وبعث عليها عماله....»[4].

ولقد ادى تعيين محمد بن أبي بكر وقيس بن سعد على مصر المعروف عنهما حبهما لاهل البيت(عليهم السلام) دوراً في تعريف أهلها على فضائل أهل البيت(عليهم السلام) أو زيادة النفوذ المعنوي للتشيع في تلك الحاضرة الاسلامية.

بعد استلام عمرو بن العاص امارة هذا المصر وهو المعروف بخبثه وعدائه لال البيت(عليهم السلام)، بدأ نشاطاً واسعاً في تغيير عقائد الناس ازاء أهل البيت(عليهم السلام) فقتل وسجن ونفى الكثير من ابناء تلك المنطقة في سبيل تحقيق أغراضه، إلاّ أن الموالين للامام علي(عليه السلام) كانوا من الكثرة بحيث لم يستطع كل ذلك العداء أن ينهي هذه العلاقة التي تأصلت بين الامة في مصر وأهل البيت(عليهم السلام). ويشير المقريزي إلى هذا المعنى حينما يؤرخ لاوضاع مصر عندما استشهد الامام علي(عليه السلام) حيث يؤكد انه لما استقر الامر لمعاوية كانت مصر جندها وأهل شوكتها عثمانية، وكثير من أهلها علوية[5].

وقد مَرَّ العهد الاُموي على الشيعة والموالين لال البيت(عليهم السلام) وهم في أعسر الظروف وأكثرها مرارة، وعملت السلطة الاُموية على سب الامام علي(عليه السلام) ونشر هذه الظاهرة فيما عاش محبوه في عزلة وانكماش، ولم يكن باستطاعتهم في هذه الظروف الجهر بحبهم لال بيت الرسول(صلى الله عليه وآله)، إلاّ أنهم حافظوا على ولائهم لهم في قلوبهم، وكانوا اوفياء في مواصلة نهجهم.

استمر هذا الوضع في العهد العباسي أيضاً، بالرغم من أن العباسيين استولوا على السلطة تحت شعار الثأر للامام الحسين(عليه السلام)، لكنهم لم يدخروا جهداً بعد استلامهم للخلافة في ظلم العلويين، مما ادّى إلى بروز النهضة العلوية ضد السلطة العباسية. وكان علي بن محمد بن عبد اللّه من احفاد الامام الحسن المجتبى(عليه السلام)أول علوي دخل مصر في تلك الفترة مُبايعاً من قبل الناس، وبذل جهوداً في سبيل إحياء التشيّع في مصر، بيد أن الفشل كان من نصيبه في مواجهة الجور العباسي. وبشكل عام استطاعت الانتفاضات العلوية في مصر أن تعزز شوكة أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ومواقفهم وترفع عنهم حصار العزلة، إلاّ أنها لم تستطع أن تجعل من الوضع الشيعي هناك مماثلاً لما كان في عهد خلافة الامام علي(عليه السلام).

وكان لظهور الفاطميين في مصر بداية ثانية لزيادة حب آل البيت(عليهم السلام) هناك، ويمثل الفاطميون إحدى الفرق الاسماعيلية الخاصة، وقد أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب لاعتقادهم بأنهم من ذرية فاطمة الزهراء(عليها السلام). فبعد وفاة الامام جعفر الصادق(عليه السلام) توزع أتباعه على ست فرق، منها الاسماعيلية التي اعتقدت بأن الامام بعد الصادق(عليه السلام) ولده الاكبر إسماعيل، وأنكرت وفاته في حياة والده سنة 145هـ ، وقالت بأنه المهدي القائم الذي سيظهر لانقاذ أمته[6].

ويعتبر عبيداللّه المهدي الذي انتسب إلى محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق(عليه السلام) اول خليفة فاطمي استولى على الاسكندرية سنة 301 هـ ، وكشف عن نواياه في فتح مصر، وشكل عام 308 هـ السلسلة الفاطمية في تونس، ثم وسع نطاق حكمه إلى مصر. وقد عدّ الفاطميون أنفسهم من الشيعة الموالين لاهل البيت(عليهم السلام)وكانت تحدوهم رغبة في أن يطلق عليهم لقب الامام بدلاً عن الخليفة ليبرهنوا على ميولهم الشيعية.

يقول عضو المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية في مصر عبد الحليم الجندي في كتابه «الامام جعفر الصادق(عليه السلام)» عن الفاطميين وارتباطهم بالامام الصادق(عليه السلام): «الامام الصادق هو الامام الوحيد في التاريخ الاسلامي، والعالم الوحيد في التاريخ العالمي، الذي قامت على اُسس مبادئه الدينية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية دول عظمى. ومصر تذكر منها أكبر دولة عرفها التاريخ فيها من عهد الفراعنة ـ الدولة الفاطمية ـ التي امتد سلطانها من المحيط الاطلسي إلى برزخ السويس. ولولا هزيمة جيوشها أمام الاتراك لخفقت أعلامها على جبال الهملايا في وسط آسيا»[7].

ويقول العلامة دهخدا حول اول خليفة فاطمي: «عبيد اللّه بن محمد الفاطمي العلوي من ابناء الامام جعفر الصادق(عليه السلام)، ويعتبر امام ومؤسس دولة العلويين في المغرب وجد الفاطميين في مصر، وفي نسبه اختلاف، سكن في سليمة بسورية ونشر الكثير من أصحابه في المغرب ليبشروا بظهور الامام المهدي ويدعون الناس إليه»[8].

وكان الامير المعزّ لدين اللّه أول خليفة فاطمي يفلح في احتلال مصر بقيادة جوهر، بينما لم يستطع الفاطميون قبله بسط هيمنتهم على كل مصر، وقد فتحت مصر سنة 358 هـ ، وبنى المعز لدين اللّه القاهرة التي اتخذت بعد تشييدها عاصمة لمصر، واهتم كثيراً بنشر المذهب الشيعي في مصر، وارتفعت من المآذن أثناء فترة حكمه أصوات المؤذنين الشيعة، وطبق الفقه الشيعي على صعيد الارث والطلاق وصلاة الجمعة والمعاملات، وانتشر في عهده المديح لال البيت(عليهم السلام). ويعد تأسيس الجامع الازهر من أهم إنجازات تلك الفترة، بهدف تدريس الفقه الشيعي فيه، واُطلق عليه اسم الازهر تيمناً باسم فاطمة الزهراء(عليها السلام).

ويؤكد مؤلف تاريخ الشيعة أن المعزّ لدين اللّه اسس هذه المدرسة الكبيرة، وأوقف جوهر لها الكثير من الموقوفات، وقد وسَّع بنفسه والخلفاء الفاطميون هذه الموقوفات، ولم تبذل كل هذه الجهود إلاّ لتدريس فقه آل محمد(صلى الله عليه وآله) والمذهب الشيعي[9].

وأمر المعز لدين اللّه ـ على قول جلال الدين السيوطي ـ بعد بنائه القاهرة ومساعدته للفقراء فيها، بذكر مناقب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وأهل البيت(عليهم السلام)، ودعا الخطباء إلى تناول فضائل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام).

وانصرف حاكم فاطمي آخر هو الحاكم بأمر اللّه أكثر من سلفه إلى نشر التشيّع، وأسس في عصره معهداً لتدريس الفقه واللغة باسم دار الحكمة، ليتطور سريعاً ويصبح أعظم مكتبة في ذلك العصر.

وبالرغم من أن الفاطميين بذلوا اهتماماً واسعاً في نشر المذهب الشيعي، إلاّ أنهم في الوقت نفسه كانوا يحترمون أصحاب المذاهب الاُخرى; بحيث أصبح الجامع الازهر مركزاً للسجال الفكري بين العلماء المسلمين من شتى المذاهب، بل بينهم وبين علماء النصارى ايضاً.

ويقدم صاحب كتاب تاريخ الخلفاء الفاطميين «سيف آزاد» شرحاً واسعاً حول مراكز العلم الخاصة بالفاطميين، ويقول: «لم يكن الجامع الازهر مركزاً للدعوة الفاطمية وحسب، بل كان يجتمع فيه علماء الشافعية والحنفية وسواهم... ولم يبدِ الفاطميون أي تعصب في العلم والحكمة، بل كانوا يتسمون بالانفتاح على علماء الشيعة والسنة معاً»[10].

«وقد دعا الحاكم باللّه الفاطمي في عصره اثنين من علماء المذهب المالكي لتدريس الفقه»[11].

وشاع في العهد الفاطمي الاحتفاء بالمناسبات الخاصة بأهل البيت(عليهم السلام)، وأقبل الناس على زيارة المراقد المقدسة والتوسل بالائمة(عليهم السلام)، وتخليد يوم عاشوراء في ذكرى استشهاد الامام الحسين(عليه السلام). ومن العوامل التي ادت إلى زيادة حب آل البيت في المجتمع المصري وجود ثلاثة مقامات مشرَّفة، وهي: مقام رأس الحسين(عليه السلام) ومرقد السيدة زينب(عليها السلام) ومرقد السيدة نفيسة، وهي اليوم مزارات مقدسة لعشاق آل محمد(صلى الله عليه وآله) في مصر.

ولعل مشهد رأس الحسين(عليه السلام) من أهم المزارات الاسلامية في مصر، إذ يعتقد المسلمون المصريون بأنه موضع دفن رأس الامام الحسين(عليه السلام)، وكان يشهد أيام الفاطميين ولا سيما في يوم عاشوراء مراسم العزاء والمراثي وتقديم الاضاحي إعراباً عن تكريمهم واحترامهم للامام الحسين(عليه السلام). ورغم أن هذه الشعائر قد علاها غبار النسيان بعد العهد الفاطمي، غير أن الخطباء وأئمة الجمعة، وخصوصاً في الازهر الشريف يتطرقون في يوم عاشوراء إلى واقعة كربلاء وشهدائها.

كما أن مصر تحتفل ولثلاثة أيام في ذكرى مولد الامام الحسين(عليه السلام)، تشارك في الاحتفال مختلف الفرق تنشد فيه الاشعار والمدائح.

ويعتقد بعض المؤرخين ان الرأس الشريف للامام الحسين(عليه السلام) كان مدفوناً في القدس ثم جيء به فيما بعد إلى القاهرة*.[12]

على هذا الصعيد يقول المقريزي: «... وقد مَلَكَ [الافضل بن أمير الجيوش ]القدس، فدخل عسقلان، وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن علي، فأخرجه وعطره وحمله في سفط إلى أجلّ دار بها، وعمّر المشهد، فلما تكامل حمل الافضل الرأس الشريف على صدره وسعى به ماشياً إلى أن أحلّه في مقرّه... وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان ووصوله اليها في يوم الاحد ثامن جمادى الاخرة سنة ثمان واربعين وخمسمائة... ويذكر ان هذا الرأس الشريف لما اُخرج من المشهد بعسقلان وجد دمه لم يجف وله ريح كريح المسك»[13].

ويذكر ابن بطوطة في الرحلة (21): «ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي(عليهما السلام)، وعليه رباط ضخم عجيب البناء حلقات أبوابه وصفائحها من الفضة، وهو في الواقع بناء يستحق الاجلال والتعظيم». وعن زيارته للقدس يقول: «... وبها المشهد الشهير، حيث كان رأس الحسين بن علي(عليه السلام)، قبل ان ينقل إلى القاهرة، وهو مسجد عظيم سامي العلو...».

وتجد على جدران مسجد رأس الحسين(عليه السلام) آيات وأحاديث كثيرة في مدح أهل البيت(عليهم السلام)، منها: «أحب أهل بيتي إليّ الحسن والحسين»، و(قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى)[14]. وهذا دليل على عمق محبة أهل مصر لال محمد(صلى الله عليه وآله).

ومن المزارات المعروفة في القاهرة مزار السيدة زينب(عليها السلام)، حيث يعتقد بعض المؤرخين أنها(عليها السلام) أقامت في مصر وتوفيت فيها ودفنت في القاهرة، بينما يرى بعض المؤرخين أنها توفيت ودفنت في الشام، فيما ذكر آخرون أن مزارها في المدينة.

والمشهور ان زينب(عليها السلام) شغلت لمدة منصب المستشارة الخاصة لحاكم مصر في عصرها، وأطلق عليها لقب «صاحبة الشورى»، وانصرفت إلى تشكيل حلقات الدرس وتعليم القرآن الكريم خاصة بالنساء.

وينتمي أهل مصر إلى المذهب الشافعي، ويصلّي بعضهم كما يصلي الشيعة مُسبل اليدين، وبعد أن تنتهي الصلاة يتصافحون مع بعضهم مع ترديد عبارة «تقبّل اللّه».

و «كان أبوها حاكماً على المدينة لخمس سنوات من قبل الخليفة العباسي المنصور، ثم اُودع السجن وحجزت جميع أمواله، فرحلت السيدة نفيسة مع زوجها اسحاق ابن الامام الصادق(عليه السلام) إلى مصر، وتوفيت في شهر رمضان 208هـ . ق، وكانت ذات كرامات كثيرة ودعوة مستجابة، وقد عاصرت الامام الشافعي وصلَّت عليه بعد مماته.

ولما توفيت، أراد اسحاق نقل جثمانها إلى المدينة، فاجتمع الناس باكين في بيتها وطلبوا من زوجها ان يبقيها في مصر، فدفنها في بيتها»[15].

بشأن المجتمع المصري المعاصر، يتعين علينا ان نقول انه مجتمع ملتزم بإسلامه كهوية تاريخية وثقافية وحيدة ينتمي إليها، ولا يأبى الجهر بهذه الهوية وهذا الانتماء. وتلتزم أغلب النساء في القاهرة بالحجاب الاسلامي، ويسمع في ميادينها وشوارعها ومحالها التجارية صوت القرآن الكريم، لم لا وهي مدينة الالف مئذنة، ومدينة المساجد التاريخية الكبيرة، ومدينة صلاة الجمعة والجماعة؟ ولا تجد في مصر التعصب المذهبي ضد الشيعة كالذي نراه عند بعض الفرق الشديدة العداء لاهل البيت(عليهم السلام)، بل ان حب آل البيت(عليهم السلام) وموالاتهم هي السمة المشتركة التي تجمع بين المسلمين في مصر، وقد عالج معظم الكتاب المصريين أحداث صدر الاسلام وخاصة خلافة النبي(صلى الله عليه وآله) معالجة منصفة على مدى التاريخ.

ولعل كتاب الامام علي(عليه السلام) الذي الّفه الكاتب المصري عبد الفتاح عبد المقصود في عدة مجلدات خير دليل على ذلك. والّف الكثير من الكتّاب المصريين حول علم الامام السادس للشيعة جعفر الصادق(عليه السلام) وفقهه.

يقول عبد الحليم الجندي في وصف الامام الصادق(عليه السلام) في كتابه المسمى بهذا الاسم، ما يلي: «والفقه الشيعي واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الاسلام. وإليه لجأ الشارع المصري في هذا القرن لاجراء إصلاحات ذات بال في نظم الاسرة المصرية. والامام جعفر الصادق يقف شامخاً في قمة أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. هو في الفقه إمام. وحياته للمسلمين امام. والمسلمون اليوم يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصيلة للنهضة; مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة»[16].

وسوى القاهرة، توجد في الكثير من المناطق المصرية الاخرى آثارٌ عن حب آل البيت(عليهم السلام)، ففي منطقة الصعيد ولا سيما في قنا وأسوان هناك جماعة منسوبة إلى الامام جعفر الصادق(عليه السلام) تسمى الجعافرة، يبلغ عدد نفوسها في كل مصر نحو مليونَي نسمة، يحملون أفكاراً مقاربة للشيعة ويتعايشون باُخوة مع جماعة أهل السنة.

وتوجد في المدن المصرية الاُخرى فرق صوفية توالي الامام علي(عليه السلام) وتحب أهل البيت(عليهم السلام) ويذكر كتاب الجغرافية التاريخية والبشرية للشيعة في العالم الاسلامي عدة مناطق في مصر باعتبارها قواعد لمحبي آل البيت(عليهم السلام) «وقرية أرمنت في مصر كان أهلها من الشيعة كما يذكر ذلك كتاب الطالع السعيد، ثم تضاءل التشيع فيها.

كما يشير الكتاب إلى انتشار التشيّع في مدينة أسوان، ثم انزوائه عنها، وذكر المقدسي في القرن الرابع عشر بأن سكان أعلى قصبة الفسطاط وصندقا هم من الشيعة.

ان وجود هذا الولاء والحب عند المصريين، والدور الذي لعبه البهرة والصوفية والجعافرة وغيرهم من الموالين لاهل البيت(عليهم السلام) من جهة، والانفتاح الفكري لدى بعض علماء مصر أمثال الشيخ محمود شلتوت والعلامة محمد الغزالي من جهة اُخرى، وفّر الارضية المناسبة لقيام نشاط في مصر يهدف إلى التقريب بين المذاهب الاسلامية. وكان للاتصالات التي جرت بين العلماء الشيعة والسنة في السبعينات، والنشاط الواسع للمرجع الشيعي آنذاك آية اللّه العظمى البروجردي في هذا الاتجاه دورٌ كبيرٌ في تأسيس دار التقريب بمصر.

وكخطوة عملية لاستثمار هذه الاتصالات بما يصب في صالح الامة الاسلامية، أرسل(رحمه الله) العلامة محمد تقي القمي إلى مصر، وحمّله رسالة إلى شيخ الازهر يومذاك الشيخ مجيد سليم، وأجاب الشيخ سليم بدوره على هذه الرسالة، وفُتح باب المراسلات والزيارات بين هذين المركزين المهمين السني والشيعي. وحققت هذه الاتصالات فيما حققته، زيارة أحد علماء مصر وهو الشيخ حسن الباقوري إلى ايران، ونشر كتاب العلامة الحلي المختصر النافع وتفسير الشيخ الطوسي مجمع البيان في مصر، وإقامة جامعة الازهر مجالس العزاء على أبي عبد اللّه الحسين(عليه السلام). ولم يمر وقت طويل حتى اُلحق موضوع تدريس فقه المذاهب الاسلامية في جامعة الازهر في المادة الثالثة من النظام الداخلي لدار التقريب.

المنعطف التاريخي المهم الاخر الذي قارب بين أفكار العلماء السنة والشيعة هي الفتوى التي أصدرها رئيس الازهر الشيخ محمود شلتوت حول جواز التعبد بالمذهب الشيعي، حيث افتى ـ باعتباره أكبر مرجع رسمي لاهل السنة ـ وبكل صراحة أن اتباع المذهب الشيعي الاثني عشري متساوون مع سائر اتباع المذاهب الاسلامية، ويمكن لاهل السنة والجماعة إذا شاؤوا اتّباع فتاوى علماء الشيعة الجعفرية.

إن الحب الذي يكنه أهل مصر لاهل البيت(عليهم السلام) الذي يعود تاريخه إلى صدر الاسلام، لازال ينبض حياً، ولا زالت حية هناك ذكرى فترة خلافة الامام علي(عليه السلام)، والمشاهد الشريفة والمراقد المقدسة للعقيلة زينب(عليها السلام)، ورأس الحسين(عليه السلام)، والسيدة نفيسة ومالك الاشتر، التي تزيد أهل ذلك المصر حباً وتعلقاً بآل محمد(صلى الله عليه وآله).

ورغم الجهود الحثيثة التي بذلت بعد انتصار الثورة الاسلامية من قبل اعداء الوحدة أمثال الوهابيين وذوي العقول المتغربة عن دينها واسلامها لاطفاء جذوة هذا الحب في قلوب المسلمين المصريين، حيث ألِّفت الكتب الكثيرة والقيت الخطب الرنانة في هذا الاتجاه، إلاّ ان الوجدان الشيعي في ضمير الشعب المصري لا يزال حياً يقظاً، والولاء لال رسول اللّه هو حلقة الاتصال بين الشيعي والسني على ارض الكنانة، وهو العامل المشترك في التقارب بين الشعبين الايراني والمصري.

وكلمة اخيرة نقولها ان اهل البيت رفعوا كلمة اللّه وأمّنوا مجد الامة وعظمتها على طول تاريخهم الجهادي والتضحوي وحبهم في هذا العصر يمثل المحور الذي يجتمع حوله المسلمون متحدين تحت راية «لا إله إلاّ اللّه» لاعادة المجد والعظمة والتغلب على الشرك والكفر العالمي باذن اللّه تعالى.

 

محسن باك آئين

رسالة الثقلین خرداد 1374 - العدد 13