عوامل و مراحل انتشار الإسلام في أفريقيا

  • رقم الخبر 1567
  • المصدر: تاريخ الشعوب الإسلامية الحديث في إفريقيا

المخلص قبل أن نخوض في العلاقات الوثيقة بين الإسلام وشرق القارة السمراء، نغوص معًا في أعماق التاريخ لنبدأ القصة من أولها و لنكشف الستار عن الأحداث التي مهدت لهذه العلاقات الوطيدة التي جاء الإسلام ليثَبِتها ويوطدها، لا ليبتدئها أو ينشئها.


السكان والاديان فی قارة أفريقيا

يطلق على قارة أفريقيا «القارة المسلمة»، و ذلك لأن نسبة المسلمين تشكل حوالي 60 بالمئة من عدد السكان في القارة، يتركزون في عدة أقاليم

في الشمال يشكلون حوالي  95بالمئة من السكان.

في غرب القارة يشكل المسلمين 75 بالمئة من عدد السكان.

في شرق القارة يشكل المسلمين 75بالمئة من السكان.

في وسط أفريقيا يشكلون  25بالمئة من عدد السكان حيث تنتشر بينهم الوثنية

اما في جنوب القارة فتبلغ نسبة المسلمين 25بالمئة من عدد السكان.

يأتي الدين الإسلامي الحنيف في المرتبة الأولى بين السكان في أفريقيا، و يليه في المرتبة الثانية الديانة المسيحية حيث يدين بها حوالي 35 بالمئة من عدد السكان، يتركزون في وسط وجنوب القارة.

أما باقي السكان فيمارسون طقوساً وثنية تغلب عليها عبادة الأرواح وقوى الطبيعة،وبعضهم يقدسون أشخاصا لهم مكانة، كالكهنة ومنهم من يقدس الحيوانات.

يشكل هؤلاء الوثنيين حوالي 5 بالمئة من عدد السكان ويقطنون المناطق  الاستوائية وحوض الكونغو.

 

انتشار الإسلام في أفريقيا

من بين البقاع التي نعمت بنور الإسلام في وقت مبكر، تلك الأرض الممتدة على الساحل الشرقي للقارة الإفريقية والأراضي القريبة منها كذلك، و التي تضم اليوم مجموعة من الدول هي إريتريا و إثيوبيا و الصومال و كينيا و تنزانيا و أوغندا و جيبوتي و موزمبيق و مدغشقر و ملاوي و زامبيا و زيمبابوي وبوروندي ورواندا وجزر القمر وموريشيوس وسيشيل، وقد كان يطلق على الأراضي الساحلية منها أرض الزنج.

قبل أن نخوض في العلاقات الوثيقة بين الإسلام وشرق القارة السمراء، نغوص معًا في أعماق التاريخ لنبدأ القصة من أولها و لنكشف الستار عن الأحداث التي مهدت لهذه العلاقات الوطيدة التي جاء الإسلام ليثَبِتها ويوطدها، لا ليبتدئها أو ينشئها.

كانت التجارة بين عرب شبه الجزيرة العربية وشعوب شرق إفريقيا ما زالت مستمرَّة حين جاء الإسلام، فلمَّا اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين أذن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث يوجد بها النجاشي، ولقد وصفه الرسول بأنه لا يُظلم عنده أحد، ومن ثَمَّ كان اختيار الحبشة كمكان لهجرة المسلمين ابتداءً، وكان الاستقبال الحافل والحفاوة البالغة التي تمَّ بها استقبال المسلمين كَفِيلَة باستمرارهم، وتَكَرَّرت هجرتهم مرَّة أخرى بِفَوْج أكبر من الفوج الأول، فبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلًا وتسعَ عشرةَ امرأة، وقد حاولت قريش الإيقاع بين المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وبين النجاشي ومَن معه من النصارى، ولكن قوَّة الحُجَّة عند المسلمين وحُسْن تصرفهم حالَ دون هذه الوقيعة، وازداد تمسُّك النجاشي بهم وحمايته لهم.

كان للعَلاقات الودِّيَّة بين الرسول صلى الله عليه و سلم والنجاشي، والمعاملة الطيبة التي لقيَها المسلمون المهاجرون إلى الحبشة أكبر الأثر في توثيق العَلاقات بين نصارى الحبشة وبين الإسلام، إلاَّ أن هذه الهجرات الإسلامية الأولية في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم لم تترك أثرًا في حياة البلاد، وإن كانت قد تركت أثرًا في نفوس الأحباش، وأطلعتهم على الينبوع الرُّوحي الجديد المتفجِّر بالقوَّة والحياة، ووطَّدت الصلات بين الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم وبين الأحباش.

 

عوامل انتشار الإسلام في أفريقيا

هناك عوامل هامة ساعدت على انتشار الإسلام في أفريقيا، أهمها:

1- تفوق المسلمين الفكري و الخُلقي: دفع المسلمين هذا التفوق الفكري و الخلقي غلى أن يكونوا قدوة يُحتذى بها من ناحية الثقافة و الأخلاق، فأصبح اعتناق الإسلام مفخرة، كما أصبح يعني الالتزام بالنظافة و الصدق و الأمانة، و غير ذلك من الصفات الحسنة التي يُحتم الإسلام على اتباعه التحلي بها.

2- موقف الإسلام من التمييز العنصري: عندما اصطنع القساوسة و المسيحية التمييز العنصري، لجأ كثير من الأفارقة إلى الإسلام هروباً من التفرقة بين البشر، فالإسلام لا يعرف عنصرية و لا يفرق بين البشر، و يجعل الناس سواءً كأسنان المشط كما قال المصطفى صلى الله عليه و سلم، و لا يُميز الواحد منهم عن الآخر إلا عمله و تقواه.

3- الإسلام فكراً محلياً و ثقافة قومية: من الأسباب التي يسرت انتشار الإسلام في أفريقيا، ذلك هو أن هذا الدين سرعان ما أصبح فكراً محلياً و ثقافة قومية، فلم يصبح كسواه من الأديان التي عاشت قروناً و هي غريبة عن البلدان التي اقتحمتها. إذ أن المواطنين سرعان ما أصبحوا قادة الفكر في بلدانهم و اصحاب الدعوة بها.

4- انحدار الحياة الروحية في الكنائس: مما ساعد على انتشار الإسلام، عندما بدأت الحياة الروحية في معظم الكنائس قد انحدرت إلى أقصى درجات الانحطاط، و انتشر الفساد الأخلاقي كالرشوة و الزنا، و غيرها من الرذائل بين قساوسة الكنيسة، بل ان كثيراً من المسيحيين الأفارقة وقعوا فيما وقع فيه رجال الكنيسة من أخطاء.

5- انتشار اللادينية عند دخول الإسلام: إن الذي لا يعتنق ديناً، يمكن جذبه نحو الأديان الأخرى بسهولة، و هكذا دخل الإسلام هذا القطاع من إفريقيا في وقت مبكر لم يكن بها أي دين ينازعه، بل كانت هناك الوثنية، و من هناك كانت دعوة الداعي المسلم سريعة  الأثر و النتائج.

6- صورة الداعي المسلم و نشاطه: كان للداعي المسلم بعض السمات تجذب الناس إليه، ملابس فضفاضة نظيفة، و أخلاق نبيلة سامية، و شخصية مؤثرة جذابة، و كرم و إيثار، يباشر عمله من خلال تجارة يزاولها، أو أحياناً يتفرغ للدعوة و التعليم. فإن كان تاجراً كان الصدق مبدأه و الأمانة دستوره، و إن كان معلماً جمع حوله مجموعة من الأطفال و الشبان، سرعان ما يظهر امتيازهم عن رفاقهم ممن لا يتبعونه، و هذا يجذب له نفراً جديداً كل يوم.

 

مراحل انتشار الإسلام

المرحلة الأولى: يرتبط بداية دخول الإسلام في أفريقيا ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الفتوحات الإسلامية في مصر و شمال أفريقيا و الأندلس.

تبدأ المرحلة الأولى من انتشار الإسلام في عام 641م وعند فتح مصر على  أيدي المسلمين.

تنتهي تلك المرحلة في عام 1050م بانسياب الإسلام و تسربه إلى أن وصل مرتفعات الفوتاجالون «بلاد التكرور»، ففي عهد معاوية اتجه عقبة بن نافع و أسس مدينة القيروان، و وصلت الموجة الأولى للمسلمين إلى مراكش، وفي سنة 711م وصلت الموجة الثانية إلى المحيط و الأندلس.

ظل الإسلام مرتكزاً على المدن لأن المسلمين لم يكونوا بكثرة حتى يتغلغلوا في الريف، ولم يمس البادية وذلك لقلة المسلمين العرب، ولوجود الخلاف بين البربر و العرب و تعريب شمال إفريقيا الذي لم يكتمل إلا في القرن العاشر و الحادي عشر.

لقد هاجرت قبائل بني هلال و بني سليم إلى شمال أفريقيا وكانت أعدادها هائلة وكما يقول ابن خلدون أنها خربت المدن و الزرع و أنهت كل حضارة موجودة، كما نتج عنها هجرة بعض قبائل البربر غرباً وجنوباً ، وأدت هذه الهجرة إلى امتصاص بعض قبائل البربر مما نتج عنه انتشار الإسلام في كل بادية شمال أفريقيا. أي أن هذه الهجرة الجماعية أدت إلى أن يترك الإسلام المدن ويتسرب بهدوء للريف وما وراء الصحراء

أما تسرب الإسلام إلى غرب إفريقيا فقد بدأ منذ القرن السابع، بعد دخوله مصر، و كانت التجارة الصحراوية في أيدي التجار المسلمين، و يمكن القول أنه منذ ذلك الوقت بدأ الدين الإسلامي يتسرب عبر الصحراء في بلاد السودان ( حسب المفهوم الجغرافي )، و تتحدث المصادر العربية عن مسلمين في غرب إفريقيا و اعتناق الملوك الإسلام.

أول هذه المراجع كتاب أبي عبيد الله البكري (المسالك و الممال، ويتضح من قوله أن وجود الإسلام قد سبق اعتناق الملوك له في القرن الحادي عشر بمدة طويلة وقال أنه رغم أن ملوك غانا لم

يكونوا من المسلمين فإن وزراء الملك و كتابه من المسلمين، ووصف عاصمة مملكة غانا أنها مدينتان أحداهما للمسلمين  وأخرى جامعة وأن بها 12مسجداً.

لقد لعبت القبائل البربرية الدور الأول في نشر الإسلام بعد اعتناقهم له وبعد أن استقرت الحياة الإسلامية في شمال إفريقيا و بدأت العلاقات التجارية عبر الصحراء مع شعوب جنوب الصحراء، فحمل التجار المسلمون (عرباً و بربراً) دينهم في رحلاتهم التجارية إلى ربوع أواسط غرب إفريقيا قادمين من الشمال على ظهور جمالهم.

من خلال تلك الرحلات بدأ الإسلام يأخذ طريقه وكانت الصحراء بمثابة البحر الذي تخللته طرق القوافل التجارية، وعن طريق هذه الطرق نقل العرب و البربر دينهم وتجارتهم إلى غرب إفريقيا، ولم يكونوا رواد استعمار أو مستعمرين بل كانوا هداة و دعاة.

 

 المرحلة الثانية: التي انتشر عن طريقها الإسلام هي قبائل الصحراء، و يرجع ذلك إلى فترة قبل القرن الحادي عشر، فالرأي الراجح أن قبائل الطوارق قد أسلمت في حوالي القرن العاشر الميلادي.

أيضاً كانت على أيدي قبائل المرابطين من صنهاجة، أكبر قبائل البربر، و لصنهاجة دولتان بالمغرب، هما: دولة بني زيري بن مناد الصنهاجي بإفريقيا، و هذه ورثوها عن الفاطميين، و دولة الملثمين بالغرب الأوسط و الأقصي و هي التي تعنينا.

 قام المرابطون أو الملثمون بنشر الإسلام بين البربر أولاً، و القطب الروحي لحركتهم هو الشيخ عبد الله بن ياسين الجزولي الذي توفي عام 451 هـ-1059م، ثم اتجهوا جنوباً إلى بلاد السودان حيث كانت مملكة غانا، و فتحوا العديد من المدن.

 

المرحلة الثالثة: على أيدي ملوك مملكة مالي الإسلامية، فقد كان الماندجو (أكبر قبائل مالي)، أكثر تحمساً للإسلام و الدعوة له، و من أشهر ملوكهم الملك منسي موسى (1307-1332م) والذي استطاعت قواته ان تضم عدداً من المدن المجاورة.

 

المرحلة الرابعة: كان انتشار الإسلام في غربي أفريقيا في العصر الحديث عند نهاية القرن 18 و بداية القرن 19 في أرض الهوسا (نيجيريا) على يد قبائل الفلاني، التي اشتد حماسها لنشر الإسلام.

 

وسائل انتشار الإسلام

- أجمع المؤرخون أن الإسلام انتشر في أفريقيا بالوسائل السلمية، صحيح أنه كان في بداية العصر الإسلامي الاول حركات فتح و توسع و جهاد من المسلمين غلى القارة الأفريقية، لكن الانتشار

الفعلي للإسلام كان بالوسائل السلمية، و أهم هذه الوسائل:

أولاً: الفتح الإسلامي: لا شك ان الفتوحات الإسلامية في افريقيا كان لها أثر كبير في انتشار الإسلام، صحيح أن الفاتحين المسلمين لم يجبروا أحداً على الدخول في الإسلام، لكنهم أزالوا العقبات التي كانت تحول دون وصول الإسلام للشعوب، فعندما وصل الإسلام للشعوب الأفريقية و قارنت بينه و بين معتقداتها، اعتنقته رغبة و قناعة تامة، و أصبحوا دعاة غلى دينهم الجديد.

ثانياً: الطرق الصوفية: كان للطرق الصوفية أثر واضح في انتشار الإسلام، و منها: الطريقة الشاذلية، أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي في القرن 13 الميلادين و دخلت السودان عام 1445م، و عملت على نشر الإسلام هناك.  القادرية، تأسست في القرن 12 الميلادي في بغداد، ثم انتقلت هذه الفرقة وسط افريقيا ثم غلى الشمال الأفريقي. التيجانية، أنشاها أبو العباس التيجاني عام 1782م في مدينة فاس بالمغرب، و أطلق على أتباعه لقب «الأحباب»، و اخذ الأحباب ينشرون دعوتهم في الصحراء الكبرى.

السنوسية، أنشأها الفقيه الجزائري سيد محمد السنوسي عام 1842م.، في منطقة الجبل الاخضر في ليبيا، و انتشرت السنوسية في شمال افريقيا مله، و امتدت زواياها من مصر إلى مراكش.

ثالثاً: الدعاة و المعلمون: كان الداعي المسلم يتعقب الجندي الفاتح، يدعو الناس إلى الإسلام، فلقد حرص الخلفاء المسلمون على اختيار طائفة من الفقهاء ليعلموا البربر فرائض الإسلام و يفسروا آياته.

رابعاً: التجارة: إذا دخل تاجر مسلم قرية وثنية فإنه سرعان ما يلفت انتباه الناس بكثرة وضوئه، و انتظامه بالصلاة في أوقات معينة بنظام تام و خشوع لافت، هذا فضلاً عن الأخلاق الحميدة التي يتمتع بها، مما يستميل القلوب إليه و يفرض احترامه و ثقة الناس به، فيقبلون على اعتناق معتقداته و أفكاره.

خامساً: الهجرات القبلية: لعبت تحركات القبائل و هجرتها دوراً عظيماً في نشر الإسلام في أفريقيا، و كانت اغلبها شعوب بدوية غير مستقرة، تنتقل من أوطانها انتقالاً فصلياً، او تهجر هذه الأوطان لأسباب اقتصادية. كان لهجرات البربر أثر عظيم في نشر الإسلام في غرب أفريقيا.

 

د.مدحت عبد البديع عبد الباقي