انتشار الإسلام في السودان

  • رقم الخبر 1568
  • المصدر: تاريخ الشعوب الإسلامية الحديث في إفريقيا

المخلص كان أهل السودان منذ القدم يعتنقون الوثنية، كما وصلت إليهم ديانة الفراعنة من مصر، و في عام 545م دخلت النصرانية إليهم فاعتنقها أهل النوبة، و سارت جنوباً حتى قبل التقاء النيل الأبيض بالأزرق.


جغرافية السودان

السودان كلمة أطلقها العرب على كل البلاد الواقعة جنوب مصر و جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا التي يسكنها السود، حيث نسبوا المنطقة إلى سكانها.

بناءً على هذا يدخل ضمن هذه الأرجاء كل المناطق التي تقع جنوبي الصحراء الأفريقية الكبرى، و التي تمتد بين البحر الأحمر شرقاً و المحيط الأطلسي غرباً، أي من أثيوبيا و السودان العربي شرقاً إلى مالي و السنغال غرباً.

اطلق المصريون كلمة السودان على جزء محدود، و هو السودان العربي، أو سودان وادي النيل الذي يقع جنوب مصر.

أما جمهورية السودان الحالية فتقع في الشمال الشرق من القارة، يحدها مصر من الشمال، و من الغرب ليبيا و تشاد و جمهورية افريقيا الوسطى، و من الشرق أثيوبيا و اريتريا و البحر الاحمر، و من الجنوب دولة جنوب السودان.

تضم جمهورية السودان ممالك تاريخية كانت قائمة، هي: من الغرب إلى الشرق، مملكة دارفور، كردفان، ثم الممالك التي قامت في حوض النيل، ثم القبائل الزنجية إلى الجنوب منها.

 

انتشار الإسلام في السودان

كان أهل السودان منذ القدم يعتنقون الوثنية، كما وصلت إليهم ديانة الفراعنة من مصر، و في عام 545م دخلت النصرانية إليهم فاعتنقها أهل النوبة، و سارت جنوباً حتى قبل التقاء النيل الأبيض بالأزرق.

أما الشمال فقد تكون به دولتان نصرانيتان، هما: مقرة في منطقة النوبة و عاصمتها دنقلة، و دولة علوة في منطقة النيل الازرق و عاصمتها سوبا. اما الشرق و الغرب فقد ظل اهله على الوثنية.

 

نتحدث في الصفحات التالية عن انتشار الإسلام في السودان:

اولاً: انتشار الإسلام في دولتا مقرة و علوة في النوبة

تكونت في هذه البقاع في القرن السادس الميلادي مملكتان مسيحيتان هما: دولة مقرة: في الشمال فيما كان يعرف بالنوبة السفلى و الوسطى، و عاصمتها مدينة دنقلة

دولة علوة: في الجنوب في النوبة العليا، و عاصمتها مدينة سوبا جنوب شرق الخرطوم.

عندما تول عبدالله بن ابي السرح مصر عام 31 هـ/652م، غزا بلاد النوبة، و حاصر عاصمتها حتى طلب ملكها «قليدروث» الصلح، فعقد معهم معاهدة «البقط» و وافقوا على شروطها.

في عام 1316م ارسل الملك المملوكي الناصر محمد بن قلاوون حملة عسكرية إلى بلاد النوبة، و دخلوا العاصمة دنقلة، ففر ملكها المسيحي، فأعلن المماليك عزله و ولوا محله ملكاً نوبياً مسلماً يدعى عبدالله برشمبو، و هكذا تربع على عرش مقرة المسيحية أول ملك مسلم.

أما مملكة علوة فقد بدأ عدد المسلمين فيها يزداد عن طريق هجرتهم من الشمال، و دخول عناصر من سكان البلاد في الإسلام حتى عم الإسلام المنطقة.

كان صدام علوة مع مصر قليلاً، لأن مقرة كانت تقع بين الدولتين، كذلك لم تكن الهجرات إليها بنفس الكثرة التي اتجهت إلى دولة مقرة في الشمال، و هذا هيأ لدولة علوة أن تعيش أكثر من جارتها، و أن تحافظ على وحدتها بالرغم من كثرة العرب و المسلمين فيها.

أخيراً زحف إليها الفونج و العبدلات فخربوا عاصمتها «سوبا» و استولوا على المملكة و مدوا سلطانهم إلى الشمال، فأخضعوا القبائل التي كانت قد حلت محل دولة مقرة، و أقاموا مكان الدولتين مملكة إسلامية عام 1505م. و ابتنوا مدينة سنار لتكون عاصمة لهذا الدولة، ألا و هي دولة الفونج أو دولة سنار.

 

ثانياً: انتشار الإسلام في مملكة البجة

تقع مملكة البجة شرق السودان، و قد عاش سكانها زمناً طويلاً قبل ظهور الإسلام قرب ميناء «عيذاب» على ساحل البحر الأحمر.

يرجع نسب شعوب البجة إلى الشعوب السامية التي هاجرت من الجزيرة العربية. بدأ العرب يختلطون بالسكان كعاداتهم و يتزاوجون منهم.

في عام 725م قام البجة بغارة على صعيد مصر، و يبدو ان المسلمين بقيادة عبيد الله بن الحبحاب السلولي ردوا بقوة حتى اضطروهم إلى مصالحتهم.

لم يكن اعتناق قبائل البجة للإسلام إثر فتح معلوم أو تاريخ مُعين، كما هو الحال في إسلام بعض القبائل الأخرى، بل كان إسلامهم نتيجة للهجرات العربية، ثم الاختلاط الطويل بين البجة و العرب المسلمين.

أول قبيلة اعتنقت الإسلام من البجة هي قبيلة الحدارب التي اندمجت في البشاريين، و اختلطت أيضاً بعرب  هوازن، و من الخليط البجاوي العربي ظهرت قبائل كبيرة دخلت كلها الإسلام و هي: العبابدة، البشاريون، الأمرار، الحلانقة و بنو عامر. بقي أهل بجة من غير ما تضمهم حكومة إسلامية إلى أن جاء الحكم المصري في القرن 19.

 

ثالثاً: دولة الفونج الإسلامية

كان قيام مملكة الفونج الإسلامية ثمرة تحالف بين الفونج بقيادة زعيمهم «عمارة دنقس»، و «العبدلاب» بقيادة زعيمهم عبدالله جماع عام 1504م.

تشير المصادر إلي أن عبدالله جماع زعيم العبدلاب قام بالدور الأكبر في هذا الحلف وعمل علي تجميع كل القبائل العربية والقوي الإسلامية في المنطقة، وعلي رأسها الفونج، لتحقيق أهدافه وغاياته النبيلة في الانتصار للإسلام والمسلمين، وكان معروفاً بسداد الرأي، وقوة الشكيمة، وكان ظهوره في مسرح الأحداث في السودان في مستهل القرن السادس عشر الميلادي، نقطة تحول بارزة في تاريخ السودان.

أما الفونج فقد كان دورهم الرئيسي في قيام المملكة هو الاشتراك بقوة عسكرية غالبة، أدت إلي سقوط دولة علوة وتخريب عاصمتها سوبا.

إن قيام دولة الفونج كان مـن الأحداث ذات الشأن في تاريخ السودان و إفريقيا، و لم يكن مثل هذا الحدث أمراً هيناً كما يتصور البعض، و قد ترتبت عليه نتائج هامة علي الصعيدين المحلي والعالمي، وقيامها كان إعلاناً رسميا لانتشار الدين الإسلامي والسيطرة العربية في السودان.

لقد بدأ بقيام دولة الفونج الاتصال الرسمي بين السودان والبلاد العربية و الإسلامية، و هذا يعتبر تحولاً هاماً ومنعطفاً خطيراً ستكون له آثاره المستمرة علي مدي الأيام، و كان انتصاراً لحركة الجهاد الإسلامي في إفريقيا، و عم الفرح و السرور معظم البلاد الإسلامية لأنها كانت بلسماً لجراح المسلمين الذين أصابهم الحزن والأسي لسقوط دولة الأندلس علي يد المسيحيين عام 1492م في وقت قريب من قيام دولة الفونج.

 

رابعاً: انتشار الإسلام في مملكة دارفور

إقليم دارفور في السودان، تقدر مساحته بخمس مساحة السودان وتبلغ 510 الف كيلومتر، وتحد الإقليم ثلاث دول: من الشمال الغربي ليبيا، و من الغرب تشاد، و من الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى، فضلاً عن متاخمته لبعض الولايات السودانية.

 يرجع سبب تسمية دارفور بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة الفور، و دارفور تعني موطن الفور وهي إحدى أكبر قبائل الإقليم.

في عام 1454م تولى سليمان المعروف باسم «سولونج» أي العربي، كان أول سلالة السلاطين العرب الذين تولوا الحكم بدارفور، و بدأت به الدولة الإسلامية هناك.

نجح سليمان سولونج في نشر الإسلام في تلك المنطقة، و وحد القبائل، و اسس أسرة حاكمة بسطت نفوذها على دارفور و كردفان، و سار خلفائه على نهجه، فأسست المساجد و المدارس، و نشطت التجارة.

كانت دارفور مملكة إسلامية مستقلة حكمها عدد من السلاطين كان آخرهم وأشهرهم علي دينار. كان الإقليم يُحكم في ظل حكومة فيدرالية، يحكم فيها زعماء القبائل مناطقهم حتى سقوط هذا النظام خلال الحكم العثماني. قاوم أهل دارفور الحكم التركي الذي دام 10 سنوات.

قامت خلال هذه الفترة عدة ثورات من أشهرها ثورة هارون التي قضى عليها جوردون باشا عام 1877م.

عند قيام الثورة المهدية سارع الأمراء لمبايعة المهدي و مناصرته حتى نالت دارفور استقلالها بعد نجاح الثورة المهدية. لم يدم استقلال الإقليم طويلاً حيث سقط مجدداً تحت حكم المهدية عام 1884م.،  الذي وجد مقاومة عنيفة حتى سقطت المهدية عام 1898م، فعاد السلطان علي دينار ليحكم دارفور.

عند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد سلطان دارفور الدولة العثمانية التي كانت تمثل مركز الخلافة الإسلامية؛

 الأمر الذي أغضب حاكم عام السودان، وأشعل العداء بين السلطنة والسلطة المركزية، والذي كانت نتيجته الإطاحة بسلطنة دارفور وضمها للسودان عام 1917م.

 

خامساً: إمارة كردفان

تنسب هذه المنطقة إلى جبال كردفان التي تقع غرب النيل.

يذكر المؤرخ توماس أرنولد أن تجار كردفان ينحدرون من العرب الذين شقوا طريقهم إليها عقب سقوط الخلافة الفاطمية في مصر عام 1171م. إلا أن تاريخ الإسلام في هذه الإمارة لم يتضح إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، بظهور الحكم المصري إبتداء من عام 1821، و كان الحكم المصري يأخذ الإسلام معه في أي مكان يذهب إليه في أفريقيا، و يعمل على نشره بين الأفارقة لينقلهم من ظلال الوثنية إلى ضوء الوحدانية.

في عام 1881 ظهرت دعوة المهدي بهذه المنطقة، و لم يستطع الحاكم الانجليزي ان يقهره، ثم تقدم المهدي إلى الخرطوم و استولى عليها عام 1885، و بقي يحكمها أربع سنوات، حيث هُزم عام 1889ن و حل محله الحكم الثنائي المصري- الإنجليزي في السودان، و بقي حتى استقلالها.

 

کاتب: د. مدحت عبد البديع عبد الباقي