انتشار الإسلام في شرق أفريقيا (تنزانيا)

  • رقم الخبر 1580
  • المصدر: تاريخ الشعوب الإسلامية الحديث في إفريقيا

المخلص ظهرت أقدم الإمارات الإسلامية علي ساحل شرقي أفريقيا، و هي إمارة لامو على الساحل الشرقي الأفريقي شمال مدينة مومباسا في نهاية القرن الأول الهجري.


الموقع و أصل الاسم

تنزانيا دولة تقع في شرق وسط أفريقيا تحدها كينيا وأوغندا من الشمال ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى الغرب وزامبيا وملاوي وموزامبيق إلى الجنوب. الحدود الشرقية للبلاد تقع على المحيط الهندي.

يشتق الاسم تنزانيا من دمج الاسمين تنجانيقا وزنجبار اللتان وحدتا في عام 1964 لتشكيل جمهورية تنجانيقا و زنجبار الاتحادية والتي تم تغيير اسمها في وقت لاحق من العام نفسه إلى جمهورية تنزانيا الاتحادية.

 تأسيس الدولة

تسكن قبائل تشانغا على سفوح سلسة جبال، تسمى كيبو و ماويزي. أما بالنسبة للعالم أجمع فهي جبال كيليمنجارو، حيث أعلى قمة في أفريقيا.

تكونت جمهورية تنزانيا من اتحاد تنجانيقا و زنجبار، على أثر المذابح التي وقعت في زنجبار في سنة 1384 هـ - 1964 م.

يقع جزء من تلك السلسلة في تنزانيا، وهو بلد يعرف بطبيعته الجميلة و حيواناته البرية و مئات من مختلف الحضارات.

يتمتع الإسلام بقاعدة واسعة في ذلك البلد الأكبر من شرق أفريقيا، وذلك منذ عصر حكم السلطنة العُمانية الذي شمل الساحل الشرقي من القارة الأفريقية.

يقال أن فرديريك إلتون كان أول رحالة أوروبي سافر إلى دار السلام عام 1893. لقد صور العاصمة التنزانية بأجوائها النظيفة و بيئتها النشطة و شواطئها الجميلة و سكانها الطيبين، و كأن كل شيء فيها رائع جدا. المدهش بالأمر هو أن اسم ذلك المكان هو دار السلام، ما يفسر للزائر الأجنبي بأنه بلد السلام.

- تأسست تلك المدينة من قبل السيد عبد المجيد وهو من أسلاف رجالات البلاط العماني الذين بلغوا تلك المنطقة. يعرف السيد عبد المجيد هناك بأنه أكثر حكام زنجبار حكمة و عقلانية.

و الحقيقة هي أن الملكية في زنجبار بلغت ذروة ازدهارها في عصره. وقد امتدت الدول التي شملها في حكمه أراض من شمال الصومال إلى جنوب أفريقيا. ليسيطر بذلك جدياً على طريق تجارة البهارات والتوابل المربح جدا.

ما زالت دار السلام تعتبر حتى اليوم القلب النابض لتنزانيا. دار السلام هي عاصمة الدولة ومركزها الإداري، ما يجعلها تجلب أعداد كبيرة من السكان المقيمين هناك. لا تختلف دار السلام عن أي مدينة أفريقية أخرى، السكان هناك ينعمون بحياة متواضعة، وقلة منهم يتمتعون بالكماليات.

وصول الإسلام

كان المسلمون على علاقة بهذه المنطقة منذ القرن الأول الهجري، بدأت بعلاقات تجارية، ثم هجرة وتأسيس إمارات إسلامية.

ظهرت أقدم الإمارات الإسلامية علي ساحل شرقي أفريقيا، و هي إمارة لامو على الساحل الشرقي الأفريقي شمال مدينة مومباسا في نهاية القرن الأول الهجري.

في مستهل القرن الرابع الهجري ظهرت إمارات ماندي، و أوزي، و شاكه قرب دلتا نهر تانا في كينيا.

هكذا وصل الإسلام إلى الساحل الجنوبي من تنجانيقا في مستهل القرن الرابع الهجري، بل امتد حتى الجنوب.

دهم الاستعمار البرتغالي الإمارات الساحلية، و شن ضدهم حرباً صليبية دمرت معظم مدن الساحل، و ازداد التنافس الاستعماري على المحيط الهندي، و برزت قوات إسلامية جديدة من عمان استطاعت القضاء على النفود البرتغالي، فهزمت البرتغاليين هزيمة ساحقة عند ممباسة في سنة 1153 هـ - 1740 م.

- بعد أن انهارت سيطرة البرتغاليين و استقر الأمر للعرب، توغلت الدعوة إلى الداخل فوصلت إلى نياسلاند (ملاوي حالياً) كما وصلت هضبة البحيرات حيث أوغندا، وتوغل الإسلام إلى داخل تنجانيقا، و ظهر في المدن الساحلية والقرى،

و نقل العُمانيون العاصمة إلى دار السلام، و برزت مراكز إسلامية بالداخل كان منها في تنجانيقا، و أوجيجي على بحيرة تنجانيقا، و تانجا التي كانت من أكبر مراكز الثقافة العربية بالبلاد.

- ظهرت قوى استعمارية جديدة تمثلت في بريطانيا و ألمانيا، و اقتسمتا دولة (آل بوسعيد) في شرقي أفريقيا، و استولت ألمانيا على تنجانيقا ، و ما كادت تنجانيقا تستقل حتى ظهرت مؤامرة ضد الإسلام، تمثلت في الأحداث الدامية التي أصابت العرب في زنجبار ، في سنة 1384 هـ -1964 م.، وراح ضحيتها 23 ألفاً من العرب والمسلمين.

المسلمون في تنزانيا

يؤكد المؤرخون أن المسلمين في تنزانيا كانوا من الأعراق الكريمة خلال العصر الذهبي لحكومة زنجبار. كان المسلمون من كبار التجار و ملاك الأراضي الأثرياء.

أما اليوم فما زال كفاحهم من أجل التغيير و تحسين مستويات حياتهم شديد الوضوح. يمكن القول أن 50% من المسلمين لا يقرءون جيداً، أو لا يقرءون نهائياً. لهذا لا يتقنون قراءة القرآن و الاستفادة منه، لهذا فإن هناك مشروع يكمن في مساعدتهم على القراءة و الكتابة للأطفال على وجه الخصوص. أضف إلى أنهم يعملون أيضا على استيعاب أطفال العائلات الفقيرة الذين لم تتسع لهم المدارس الحكومية. على اعتبار أن رسوم تلك المدارس عالية جدا. قيمتها حسب المنطقة.

- لكن غالبية المسلمين هناك من الفقراء و لا يستطيعون تغطيتها. لهذا يمكن أن ترى بوضوح أن غالبية أطفالهم لا يذهبون إلى المدارس لأنهم لا يملكون المال اللازم لذلك. يبدي بعض من هؤلاء الأطفال تقدماً كبيراً في هذا المجال. ولا شك أن نظرائهم يراقبون إنجازاتهم بإعجاب كبير. لهذا فإن التعليم الكامل منذ الطفولة يغذي المسلم المؤمن بالفضيلة. يتعلم هؤلاء الأطفال في مدرسة التزوام الواقعة في ضواحي دار السلام.

يتم إدارتها من قبل متطوعين يعملون على تعليم القرآن الكريم. يتلقى التعليم المجاني هناك أكثر من مائة وثمانون طفلاً. ورغم قلة الموارد إلا أن النتائج مشجعة جدا.

الهيئات و المؤسسات الإسلامية في تنزانيا

من أبرز الهيئات الإسلامية في تنزانيا «المجلس الإسلامي الأعلي التنزاني»، و تأسس في سنة 1387 هـ - 1967 م، و كان اسمه السابق : «المجلس الأعلي لجميع مسلمي شرقي أفريقيا»، حيث كان يضم مسلمي كينيا و تنزانيا و أوغندا، ثم اقتصر نشاطه على تنزانيا.

يشرف المجلس على إنشاء المساجد و المدارس الابتدائية، و توجد حوالي 16 مدرسة متوسطة في أنحاء تنزانيا. تقام المساجد بجهود ذاتية، غير أن معظمها يقام من الخشب و الطين يعصف بها الهواء و المطر.أعادت الحكومة فتح 86 مسجداً كانت قد أغلقتها بطريقة غير شرعية. أما عدد الدعاة في كل تنزانيا 107 لخدمة التوعية الإسلامية لأكثر من 15 مليون مسلم.

هناك أيضاً «مركز الحرمين الإسلامي» في دار السلام، أنشئ هذا المركز من منطلق علاقات المملكة العربية السعودية بالشعوب و التجمعات الإسلامية في أفريقيا في سنة 1397 هـ، و يضم مدرسة متوسطة لإعداد التلاميذ للتدريس في المدارس الإسلامية بتنزانيا، أو لإعدادهم لتلقي الدراسات الإسلامية العليا في خارج تنزانيا.

تم تنفيد مشروع جديد لمركز الحرمين الإسلامي بتنزانيا، و يضم مدرسة ثانوية ومركزاً صحياً وسكناً للمدرسين والطلاب. كما أنه يوجد العديد من الهيئات والجمعيات والمراكز الإسلامية بتنزانيا.

تُقرر  تدريس الدين في كل المراحل التعليمية بتنزانيا، و يتطلب من كل طائفة دينية أن تتكفل بالمدرسين و بالكتب و المقررات الدراسية.

يعاني المسلمون في تنزانيا العجز في المدارس والمدرسين و خصوصاً في الثقافة الدينية و التعليم المهني.

جزر زنجبار.

هناك مجموعة من الجزر التي كونت دولة إسلامية هامة في القرن التاسع عشر. تقع جزر زنجبار على الشاطئ الشرقي من أفريقيا، على مسافة ستة وسبعين كيلومترا من دار السلام ، عاصمة الدولة التنزانية.

تعرف زنجبار بجمال طبيعتها و ماضيها المجيد، و قد أطلق عليها لقب لؤلؤة شرق أفريقيا. تتألف زنجبار من جزيرتين رئيسيتين هما أونغوجا ، و جزيرة بمبا.

تشكل تلك الجزر المرجانية جزء من تاريخ طويل أثر بالسكان المحليين حتى اليوم. الصيادون والبحر هما مرادفان لزنجبار.

والحقيقة هي أن زنجبار قد اشتهرت كقوة بحرية هامة في ذلك الجزء من العالم خلال القرن الخامس عشر. يؤكد بعض المؤرخون بأن زنجبار قد ازدهرت نسبياً بسبب التجارة بالعبيد و الحيوانات و الذهب و القرنفل و الثوم.

كان الآلاف من سكان المناطق المجاورة يؤسرون و يباعون كعبيد هناك. أدى ذلك إلى استقبال زنجبار كغيرها من الموانئ الأفريقية كما هو حال كيلاوا و موباسا وتانغا لأعداد كبيرة من تجار العبيد .القادمين من أوروبا وأمريكا على وجه الخصوص.

الإسلام في زنجبار

أدى تواجد العرب والمسلمين من عمان و بلاد فارس إلى ازدهار الجزيرة و جعلها ميناءاً للتجارة بأنواع مختلفة من البضائع. كما تمتعت بعلاقات وثيقة مع الصين و الهند و أوروبا. يعتمدون في حياتهم على ما يصطادون من البحر، وعلى ما يبيعونه في الأسواق المجاورة. جذبت روائع زنجبار العديد من الرحالة المعروفين، و الذين كان من بينهم الرحالة المغربي ابن بطوطة. و قد تحدثوا جميعاً عن ميناء زنجبار المزدحم. يقال أن المسلمين الفارسيين قد جاءوا إلى هناك منذ القرن العاشر الميلادي. حتى أن بعضهم قد استقر هناك وتزوج من السكان المحليين.

يفخر المسلمون في زنجبار بهويتهم كأتباع للنبي محمد. تجد هذا بوضوح من خلال رمز النجمة والهلال التي تعثر عليها في كثير من المباني.

زنجبار اليوم غنية بالتقاليد و الثقافة، وسكانها يتمسكون بأصالة الإسلام. الإسلام ديانة عالمية قادرة على التمشي مع متطلبات العلوم و الثروات الاقتصادية. لا يمكن لعالم الماضي و مستقبله الاعتماد على الماضي و أمجاده. تقدير المسلمين لأهمية التاريخ يساعدهم على عدم ارتكاب الأخطاء السابقة. زنجبار، هي جزيرة تشهد على الأحزان والفرح التي ميزت النضال في سبيل الإسلام.

رغم ابتعاد تلك الأماكن النائية عن قلب الحضارات الحديثة، إلا أنها مفعمة بالأمل، في أن المستقبل سيعيد البريق والازدهار إلى تلك الجزيرة الأسطورية.

 

د .مدحت عبد البديع عبد الباقي