الاستعمار في أفريقيا

  • رقم الخبر 1586
  • المصدر: تاريخ الشعوب الإسلامية الحديث في إفريقيا

المخلص استقرَّ الأمر للبرتغاليين في الفترة ما بين 1498م إلى 1698م، قاموا خلالها بتكثيف مخططهم، وهو الدعوة للإنجيل والمسيح، و كانت الحروب الشرسة التي قامت بين البرتغاليين وقاطني المناطق الشرقية من إفريقيا بمنزلة حروب صليبية حقيقية على غرار ما كانت من الأوربيين أنفسهم في حوض البحر المتوسط خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.


بداية الاستعمار الأوروبي لأفريقيا

- بدأت الصليبية العالمية في التحرك عقب سقوط الأندلس عام 1492م، فتوحَّدت كل القوى الصليبية بمباركة البابوية، والهدف هو تَعقب المسلمين، والقضاء على آخر معاقلهم على الساحل الإفريقي.

- ترتَّب على ذلك أن قامت الحملات الاستعمارية المتتالية في محاولة جادة لتطويق المسلمين، و ذلك بمساندة ملوك إفريقيا النصارى، و على رأسهم ملك الحبشة، فلمع نجم البرتغاليين و الأسبان من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، لكن الصبغة التي انتحاها كلٌّ من البرتغاليين والأسبان كانت صبغة صليبية صرفة، من أجل القضاء على المسلمين، وتتبع الهاربين من الأندلس.

- كان "فاسكو دي جاما" قد وصل إلى نهاية القارة الإفريقية عام 1491م، ودار حول القارة الإفريقية حتى وصل إلى الساحل الشرقي، و قد رسا بأسطوله عند مصب نهر أطلق عليه الرحمة، فوصل إلى ثغر موزمبيق في مارس عام 1498م.

-  بعد رحيل فاسكو دي جاما قَدِم فرنسيسكو ألميدا، و بدأت ظاهرة جديدة هي الاستعراض بالسلاح، من خلال الأساطيل البحرية البرتغالية في المحيط الهندي. وعلى الرغم من الترحيب الذي كان يَلقاه البرتغاليون من العرب و الأفارقة إلا أن السياسة البرتغالية المتبعة كانت تعتمد على استعراض القوَّة، والبطش في التعامل.

- لما احتل البرتغاليون جزيرة زنجبار في الساحل الشرقي الإفريقي كان الهدف الأساسي لها هو محاربة الإسلام، و إجهاض الإمارات الإسلامية في شرق إفريقيا، و هو ما اتضح جليا حينما "استطاعت البرتغال عام 1542م أن تساعد الحبشة المسيحية، وأن تمنع القوَّة التركيَّة الموجودة في سلطنة عدن الصومالية من دخول المملكة الحبشية المسيحية"

- استقرَّ الأمر للبرتغاليين في الفترة ما بين 1498م إلى 1698م، قاموا خلالها بتكثيف مخططهم، وهو الدعوة للإنجيل والمسيح، و كانت الحروب الشرسة التي قامت بين البرتغاليين وقاطني المناطق الشرقية من إفريقيا -خاصَّة المسلمين منهم- بمنزلة حروب صليبية حقيقية على غرار ما كانت من الأوربيين أنفسهم في حوض البحر المتوسط خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.

- حينما سقطت البرتغال في يد ملك إسبانيا فليب الثاني، و إعلانها تابعة لسلطان إسبانيا عام 1580م، بدأت البرتغال في فقدان مستعمراتها الإفريقية، بسبب ضعف مواردها البشرية؛ فهي دولة صغيرة محدودة المساحة والسكان، وهو ما أدَّى إلى عدم قدرتها على السيطرة التامة على هذه الإمبراطورية الساحلية الكبيرة، التي بسطت نفوذها عليها.

 

أسباب الاحتلال الأوروبي للقارة الأفريقية

- لم تكد هذه الدول تستقرُّ حتى بدأت قوًى استعمارية أخرى لا تقل خطورة عن البرتغاليين و الأسبان، فتكالبت كلٌّ من فرنسا، و ألمانيا، و إنجلترا، و بلجيكا، و هولندا، و إيطاليا، بجانب البرتغال و إسبانيا، على القارَّة الإفريقية العاجزة.

- كان من جملة الأسباب الرئيسية في احتلال الأوربيين للقارة الإفريقية ما حدث بعد هزيمة الفرنسيين على يَد بسمارك المستشار الألماني، وعَقْد معاهدة فرانكفورت عام 1871م، التي أجبرت فرنسا على التنازل عن إلزاس واللورين لألمانيا، و هو ما أهَّل ألمانيا من الناحية المعنوية وخاصَّة عند الشباب الألماني، والناحية المادَّية -والمتمثلة في زيادة الثروات الاقتصادية- في البحث عن مناطقَ جديدة لفرض السيطرة، ولزيادة قدرتها التنافسية، من أجل تحسين صناعتها، وتطوير التجارة الألمانية.

- و مع كلّ هذه المخططات الألمانية لم تكن ألمانيا على استعداد في مواجهة جديدة ضد أي قوة أوربية أخرى، خشية أن تعترضها فرنسا التي لم تثأر لهزيمتها بعد، فاتجهت ألمانيا إلى القارة الإفريقية، وكونت في غضون عام واحد أربع مستعمرات شملت كلا من تنجانيقا -تنزانيا حاليًّا- في شرق إفريقيا، والكاميرون وتوجو في الغرب، وناميبيا في جنوب غرب القارة الإفريقية.

- هذه التحركات الألمانية و ما قابلها من تحركات فرنسية استعمارية في إفريقيا، دفعت بريطانيا للخروج من عزلتها وانحيادها في التحرك في جنوب القارة، فبدأت الصراعات بين القوى الثلاث.

- بدأت التحالفات بين ألمانيا والبرتغال مذكِّرة الأخيرة ما كان لها من مجد قويٍّ يجب إحياؤه من جديد، وقد لاقت المعاهدة البريطانية البرتغالية الموثَّقة في عام 1884م معارضة قويَّة، أحدثت تقاربًا بين كُلٍّ من ألمانيا وفرنسا، فأسرعت كلُّ قوَّة من هذه القوى في السيطرة على مناطق جديدة في القارة، فتطلعت إيطاليا في السيطرة على بعض الأجزاء وخاصة في المناطق الشرقية من إفريقيا، وفكَّر ملك بلجيكا ليوبولد في السيطرة على حوض نهر الكونغو، الذي كان منطقة إستراتيجية.

- كل هذا بهدف بناء الإمبراطوريات، وتحقيق الأمجاد القومية، وسيادة الرجل الأبيض، وتطبيق النظريَّات العنصرية، كلُّ هذه الأسباب جعلت الدول الأوربية تسعى سعيًا حثيثًا للجلوس معًا للتفاهم، وهو ما كان مسوِّغًا أساسيًّا في عقد مؤتمر برلين عام 1884- 1885م.

 

تقسيم أفريقيا

- دعت بريطانيا ألمانيا إلى عقد مؤتمر دولي لشئون إفريقيا في برلين، يجمع الدول المتصارعة مع روسيا، والنمسا، والدنمارك، والسويد، وإيطاليا، وتركيا، والولايات المتحدة، واتخذ المؤتمر مجموعة من القرارات، كانت في مجملها تنص على حرية التجارة في حوض الكونغو والنيجر، وإلغاء الرقيق، وحياد إقليم الكونغو، و وضعه تحت سيطرة ملك بلجيكا.

- قرر المؤتمر حرية الملاحة، في حوضه وحوض النيجر، وأصدر المؤتمر قراراته التي وضعت اتجاهات تجزئة القارة دون حسابٍ لحقوق مواطنيه؛ فوقع شرق إفريقيا بعد التقسيم تحت الاستعمار، فكانت ممتلكات فرنسا في الشرق الإفريقي الصومال الفرنسي (جيبوتي) ومدغشقر، واحتلَّت إيطاليا الصومال الجنوبي وإريتريا، واحتلَّت بريطانيا الجزء الشمالي من الصومال المعروف حاليًّا بجمهورية أرض الصومال، وجزيرتَيْ زنجبار وتنجانيقا، وكينيا وأوغندا، كما احتلت ألمانيا تنجانيقا (إفريقيا الشرقية الألمانية)، واحتلَّت البرتغال موزمبيق.

- كانت السياسة المتبعة مع دُول شرق إفريقيا من جانب المستَعْمِر أن يتعامل معها تبعاً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، فكانت الصومال وكينيا وأوغندا من الأهداف الاستراتيجية لبريطانيا لتأمين مصر خصوصًا بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م؛ فأوغندا منبع النيل، وهو ما يجعل الوضع مستقرًّا في مصر.

-  و احتلال الصومال الشمالي يؤمن للإمبراطورية البريطانية حماية الطريق المؤدية للهند، أما موزمبيق بالنسبة للبرتغال فهي بمنزلة افتخار لحركات الكشوف الأولى للقارة الإفريقية، التي يرجع الفضل فيها للبرتغاليين أنفسهم، خصوصًا أن موزمبيق قد احتُلَّت مدَّة خمسة قرون كاملة.

- وطبقا لمؤتمر برلين لم تقسم إفريقيا بالتساوي، فلم ترض كل من ألمانيا وإيطاليا عن نصيبيهما، فبدأت ألمانيا في زيادة قدراتها الحربية والعسكرية، بإنشاء الأساطيل الألمانية البحرية في عام 1897م، مسيطرةً بذلك على بحر الشمال، ثم بَدَأ النزاع بين فرنسا وألمانيا على القضية المراكشية، فكان ممَّا لا بُدَّ منه وقوع نزاع جديد لإعادة تقسيم القارة والمستعمرات.

- ثم إن الدول الأوربية المستعمِرة كانت قد انتهجت أسلوبًا جديدًا في فلسفة الاستعمار ومفهومه، وهو استنزاف خيرات الدول، وتسيير مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون وقوعِ خسائرَ في الأموال والأنفس، خاصة بعد قيام الحركات التحررية في إفريقيا (1955م - 1965م) بالجهاد ضدَّ المستعمر.

 

أفريقيا ما بعد الاستعمار

- تتضمن أفريقيا اليوم 54 دولة مستقلة وذات سيادة، ومعظم هذه الدول لا تزال على الحدود الموضوعة منذ فترة الاحتلال.

- تعاني الدول الأفريقية كثيرًا منذ فترة الاستعمار من عدم الاستقرار والفساد والعنف والتسلط.

- تعتبر الغالبية العظمى من الدول الأفريقية جمهوريات تعمل وفقا لشكل معين من أشكال النظام الرئاسي للحكم.

- بالرغم من ذلك فقد تمكنت قلة منهم من الحفاظ على أنظمة الحكم التي تدعمها الديموقراطية، إلا أن كثير منها تدور في رحى سلسلة من الانقلابات، محدثة ديكتاتورية عسكرية.

- وهناك عدد من قادة أفريقيا ما بعد الاستعمار، كانوا من القادة العسكريين، ولذا فقد حصلوا على تعليم ضعيف، ويجهلون مسائل الحكم.

- ومع ذلك، فإن قدراً كبيراً من عدم الاستقرار، جاء بشكل أساسي نتيجة لتهميش المجموعات العرقية الأخرى، والكسب غير المشروع في ظل هذه القيادات. ويلجأ العديد من الزعماء إلى الصراعات العرقية التي تفاقمت، أو نشأت خلال فترات الحكم الاستعماري، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية في العديد من البلدان ،كان يُنظر إلى الجيش باعتباره الفئة الوحيدة التي يمكن أن تعمل بشكل فعال في الحفاظ على النظام، وقد حكمت العديد من الدول في أفريقيا خلال فترة السبعينات وأوائل الثمانينات.

 

د .مدحت عبد البديع عبد الباقي