السنغال اسلامها عريق ونشاط لتعزيزه رغم الصعوبات(1)

  • رقم الخبر 1605
  • المصدر: شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر

المخلص فی السنغال تراث إسلامي عريق، فمعظم المؤلفات كانت تكتب باللغة العربية أو بالحروف العربية، حيث كانت اللغات المحلية تكتب بالحروف العربية وما زال بعضها حتى الآن يكتب بها..


لدولة السنغال- تاريخاً وحاضراً- دور ذو أهمية بالنسبة لأفريقيا عامة ولغربها بشكل خاص، ولهذا السبب كانت عاصمةً لغربي أفريقيا أيام الفرنسيين.. وتاريخها الإسلامي حافل بالمجاهدين الذين وقفوا في وجه المستعمرين والمبشّرين، قبل أن يتمكن هؤلاء بمكرهم وإمكاناتهم من السيطرة عليها فترة من الزمن.. ونسبة المثقفين بالثقافة الإسلامية والعربية في السنغال أعلى منها في أي دولة من دول أفريقيا، كما أن سكانها- ومعظمهم مسلمون- متمسكون بدينهم ويعتزون به. وهناك تراث إسلامي عريق فيها، فمعظم المؤلفات كانت تكتب باللغة العربية أو بالحروف العربية، حيث كانت اللغات المحلية تكتب بالحروف العربية وما زال بعضها حتى الآن يكتب بها..

ورغم أن السنغال تشهد نهضة إسلامية على يد علمائها ومثقفيها وبعض طرقها الصوفية وجمعياتها، إلاّ أنها موضوعة في دائرة الاستهداف الشديد من الغزو الثقافي الغربي، والإرساليات التبشيرية التنصيرية، وذلك ما أدّى حتى الآن إلى تقليص نسبة المسلمين فيها، وهذا نذير لكي يستنفر كل المعنيين بالشأن الإسلامي جهودهم، ويضعوا إمكاناتهم لمساعدة إخوانهم في السنغال وأفريقيا عامة لمواجهة هذا الخطر المستفحل.

فإلى السنغال كان توجه (نور الإسلام) هذه المرة، بعد أن جالت على عدد من دول غربي أفريقيا سابقاً، آملة أن تعطى صورة عن تاريخ هذا البلد مع الإسلام، وعن حاضر شعبه وواقعه الثقافي والاجتماعي والإنساني.

 

السنغال.. طرافة التسمية

أطلق الفرنسيون اسم السنغال على الدولة المعروفة بهذا الاسم، كما سمّوا عاصمتها دكار باسمها هذا انطلاقاً من حادثة لها طابع الطرافة والمصادفة.. حدث ذلك عند أول هبوط للجنود الفرنسيين على شواطئ دكار – التي لم تكن سوى شبه جزيرة تستعمل كمرفأ للصيد – حيث التقوا هناك ببعض الصيادين، ولما حاولوا سؤالهم عن اسم المنطقة مشيرين بأيديهم مصادفة إلى الجهة التي توجد فيها القوارب، ومن ثم لعدم معرفة كلا الطرفين بلغة بعضهما، اعتقد الصيادون أن الجنود الفرنسيين يسألونهم عن أصحاب القوارب فأجابوهم بكلمة (سنوغال) وتعني بلغتهم (الولوف) (قواربنا) فسمى الفرنسيون من وقتها المنطقة بالسنغال معتقدين بأن اسمها كذلك.. وحين سألوهم عن الناحية المتواجدين فيها مشيرين إلى جهة شجرة تمر هندي كانت على الشاطئ، أجاب الصيادون معتقدين بأنهم يسألون عن نوع الشجرة، بأن اسمها دخار، وهكذا أصبح اسم المدينة التي أقيمت في تلك الناحية بالنسبة للفرنسيين (دكار).

 

الموضع الجغرافي

تقع السنغال في أقصى الغرب من القارة الأفريقية. يحدها المحيط الأطلسي غرباً، والجمهورية الإسلامية الموريتانية شمالاً، وجمهوريتا غينيا وكوناكري وغينيا بيساو جنوباً، وجمهورية مالي شرقاً.. ونظراً لأن السنغال تطل على المحيط الأطلسي فإنها تشكّل نافذة لأفريقيا الغربية نحو القارة الأميركية، ومركزاً متميزاً للنشاطات البحرية في القارة الأفريقية.. وتبلغ مساحة السنغال حوالي 000و200 كلم2. وتمتد من الشرق إلى الغرب بطول 888و888 كلم، ومن الشمال إلى الجنوب بعرض 450 كلم.

 

أهم المدن

أهم مدنها بعد العاصمة دكار، في الجنوب زيغنشور، وفي الشرق كاولاخ، كولدا وتامبا كولدا، وفي الشمال سانت لويس ودوغا، وفي الوسط مباكي وطوبا وفي ضواحي دكار مدينة تياس، مبوروريفسك. ومما يجدر ذكره أن مدينة دكار التي تعد أضخم ميناء بحري في غرب أفريقيا، أصبحت عاصمة السنغال بعد الاستقلال، حيث كانت العاصمة قبل ذلك على زمن المستعمر الفرنسي هي مدينة سانت لويس. ودكار في الاصل مدينة خططها الفرنسيون وجعلوها عاصمة أفريقيا الفرنسية ومقر حاكمها العسكري، وتحول قصره بعد الاستقلال إلى القصر الرئاسي.

 

المناخ

مناخ السنغال معتدل إجمالاً حيث تبلغ درجة الحرارة صيفاً 35ْ في الساحل، وفي البر 45ْ وفي الخريف 20ْ.

ولا يوجد سوى فصلين في السنة، الصيف وهو فصل الامطار والخريف وهو فصل الجفاف.

وقد عانت السنغال من موسم جفاف طويل وقاس امتد منذ عام 1975 وحتى سنوات عديدة بعدها، انعدم خلالها المطر تقريباً بشكل أضعف الزراعة، ومع الجفاف أتت موجات الجراد التي قضت على الزراعة إلى أن تمكنت الدولة من مكافحته.

 

الوضع الاقتصادي

أ- الزراعة وصيد السمك:

يعتمد السنغاليون بشكل كبير على زراعة الفستق كمادة قابلة للتصدير، وإن كان انتاجه قد تراجع كثيراً بعد الاستقلال، كما تنتشر في البلاد بعض المزروعات المخصصة للاستهلاك المحلي مثل الذرة والأرز وهما المادتان اللتان تشكلان الأساس الغذائي للمواطن، بالإضافة إلى وجود زراعات أخرى كأشجار الفاكهة وخاصة المانغو.

إلى جانب الزراعة، فإن شواطئ السنغال غنية بالأسماك التي تمتاز بالجودة، ويتم صيدها من خلال شركات محلية صغيرة، حيث تبيع انتاجها في السوق المحلية وأسواق البلدان المجاورة، كما من خلال شركات أجنبية كبيرة تمتلك بواخر الصيد ومصانع تعليب السمك الذي تصدّره إلى الخارج.

ب الثروات الطبيعية:

أمّا الثروات الطبيعية الموجودة في السنغال، فإلى جانب الغابات المنتشرة في المناطق الشرقية والجنوبية، هناك الفوسفات الموجود في منطقة تايبا، ومناجم الذهب التي تم من خلالها استخراج كميات صغيرة منه. وبعد محاولات تنقيب عن النفط أمكن اكتشافه بكميات تستخرج للاستهلاك المحلي فقط.

ج- الصناعة:

تشهد الصناعة البسيطة نشاطاً ملحوظاً في السنغال، وهي تهدف إلى تصنيع جملة من المواد التي تحتاجها السوق المحلية، ومن ذلك صناعة السكر القائمة في منطقة سان لويس، صناعة الاسمنت التي تؤمن الاكتفاء الذاتي للبلد، صناعة الورق للسوق المحلية وللتصدير، وتقوم في نواح عدة من البلاد مصانع الاسفنج والبلاستيك والصابون وزيت الفستق والأقمشة والتعليب وغير ذلك.

د- السياحة

كانت ناشطة حتى ما قبل عشر سنوات لكنها تراجعت بعد ذلك. والسنغال بلد مجهّز بأماكن سياحية عديدة وفنادق فخمة ومطارات خاصة بالسياح.

ومع هذا كله فإن اقتصاد السنغال ما زال يعتمد على المساعدات الخارجية، خاصة من الدول العربية وفرنسا وأميركا واليابان، وذلك ناتج عن ضعف الامكانات الذاتية، كما أن السنغال تعدّ من دول الجفاف المقرر مساعدتها من قبل الأسرة الدولية، ويسود في السنغال النظام الاقتصادي الحر ولذلك يسمح بتملّك الأجانب، كما توجد فيها مجموعة من البنوك الأجنبية. أما عملتها فهي الفرنك الأفريقي المكفول من فرنسا، وقد أصبحت قيمته تعادل 1/50 من الفرنك الفرنسي بعدما شهد الفرنك الأفريقي هبوطاً حاداً في الآونة الأخيرة.

 

الاستقلال.. ونظام الحكم

بعد مضي أكثر من قرن على استعمار السنغال من قبل الفرنسيين، اضطرت فرنسا إلى منحها الاستقلال بالإضافة إلى عدة دول أفريقية مجاورة لها، وكان ذلك في أوائل سنة 1960م، على عهد الجنرال ديغول، وبعد فترة من الحكم الذاتي المرتبط بالدولة الفرنسية استمرت أربع سنوات. وقد تولى رئاسة الجمهورية للمرة الأولى الرئيس ليوبولد سنغور وهو مسيحي من أصل مسلم – أخته ما زالت مسلمة وهي تتولى رئاسة جمعية الحجاج – وقد كان قبل ذلك نائباً في البرلمان الاتحادي الفرنسي ممثلاً للقطر السنغالي.

استمرت رئاسة سنغور مدة عشرين عاماً وانتهت في سنة 1980، حيث تولى بعد ذلك رئيس الحكومة عبدو ضيوف سدة الرئاسة وما زال كذلك حتى اليوم بعد تجديد انتخابه. ونظام الحكم الحالي في السنغال، جمهوري ديمقراطي قائم على تعدد الأحزاب، والرئيس ينتخب من الشعب والنواب. وللسنغال علاقات وثيقة مع فرنسا والدول العربية وهي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الأفريقية ومجموعة الدول الفرنكوفونية.

أمّا من حيث علاقة الحكم بالدين، فبالرغم من أن معظم السكان مسلمون فإن الطابع العلماني للحكم هو السائد، ومع ذلك فإن الحكومة ترعى النشاط الديني مانحة الشعب حرية كاملة في ممارسة الشعائر الدينية، كما ترعى وتحافظ على المؤسسات الدينية.

 

السكان

يبلغ عدد سكان السنغال حوالي ثمانية ملايين نسمة 85% منهم حالياً مسلمون حسب التقارير الرسمية، بعد أن كانت نسبتهم في حدود سنة 1969 ما يقارب الـ 96%، وهذا عائد مع الأسف إلى نشاطات المبشرين التنصيرية. أما باقي السكان فهم مسيحيون أو وثنيون إحيائيون. وكسائر البلدان الأفريقية فإن التركيبة السكانية في السنغال قائمة على أساس التعدد القبلي واللغوي، فهناك 15 قبيلة لكل منها لغتها الخاصة، يأتي في طليعتها من حيث العدد والأهمية قبيلة (الولوف) يليها قبيلة (الفولاني) المنتشرة أيضاً في نيجيريا وغينيا وموريتانيا وسيراليون، ثم قبيلة (السيرير) وهي قبيلة مسيحية بمعظمها، ثم قبائل (مادينغا) (وساراخولي) (وبمبارا).

 

حياتهم

حياة معظم السنغاليين ريفية الطابع تعتمد على الزراعة وصيد السمك، ونسبة الفقر هي الغالبة في البلد، والثراء محصور بأفراد وهو حديث العهد حيث تشكلت طبقة غنية بسبب التجارة مؤخراً دعمتها الدولة. وتراجع الزراعة أدى إلى هجرة واسعة من الريف إلى المدينة وهذه بدورها أدت إلى نسبة عالية من البطالة.

والشعب بطبيعته مسالم وكريم للغاية، إيمانه فطري ومضياف.

كما يمتلك السنغالي روح التسامح، ففي أعنف الخصومات إذا تلفَّظ أحد الخصمين بكلمة (بالما) وتعني سامحني، تنتهي الخصومة فوراً.

يهتم المسلمون بالاحتفال بأعياد الفطر والأضحى وكذلك بإقامة حفلات المولد النبوي الشريف التي تحيي حتى الصباح وتتخللها قصائد الشعر العربي في مدح النبي  صلى الله عليه وآله  وبعض الأناشيد الدينية الخاصة والمواعظ، ولا تجد قرية أو حياً مسلماً في السنغال لا يقيم المولد سنوياً.. أما المسيحيون فأهم أعيادهم الفصح وتقام الاحتفالات الخاصة به في مدينة (مبور) التي تبعد 80 كلم عن العاصمة. أمّا مناسبتا ميلاد المسيح (ع) ورأس السنة الميلادية فيحتفل بهما المسلمون والمسيحيون على حد سواه.

من تقاليد السنغاليين الاحتفال بالأعراس وولادة الأطفال، ففي ولادة الأطفال يقيمون وليمة العقيقة ويدعون إليها أعداداً كبيرة من الناس، حتى الفقير يستدين لاقامة العقيقة، لأن عدم اقامتها تعتبر مذلة.

من تقاليدهم التضحية في عيد الأضحى المبارك، فذبح الخراف واجب على جميع السنغاليين حسب عرفهم.

الأعراس كذلك يولونها أهمية، وإن كان عند البعض يأتي العرس عقب ولادة الولد الأول. والمهر لا يغالون به، ويسجل الزواج في دوائر البلدية الرسمية، إذ لا يوجد محاكم شرعية كون الحكومة علمانية.

ومن تقاليدهم الاهتمام الشديد برعاية شجرة الباوباب الضخمة جوفاء الجذع حتى جعلوها رمزاً للدولة وأدخلوها في خاتمهم الرسمي، وهم يمنعون قطعها، وعند قدامى السنغاليين أساطير ظريفة حول علاقة الجن بشجر الباوباب.

 

تاريخ السنغال مع الإسلام

إن تاريخ دخول الإسلام إلى السنغال أمر لم يتفق عليه المؤرخون، ذلك لأن بعضهم يرجعه الى حركة المرابطين مع عبد الله بن ياسين في القرن الحادي عشر الميلادي، بينما يرجعه البعض الآخر إلى فضل التجار المسلمين الذين وصلوا إلى المنطقة من أجل التجارة فتأثر الناس بدعوتهم مماحملهم على اعتناق الدين الإسلامي، وأما الرأي الثالث – وهو الأرجح في نظرنا – فهو أن كل هذه العوامل ساهمت في ترسيخ جذور الإسلام في هذه البلاد، ولكنّ هناك عاملاً أساسياً نسيه الناس وهو أن الإسلام هاجر في صدور الرعيل الأول من الصحابة (رض) تحت إمرة جعفر ابن أبي طالب (رض) إلى أفريقيا – الحبشة – قبل أن يهاجر في الصدور إلى المدينة المنورة، ويقول المؤرخ الكبير عبد الله الطيب السوداني: إن احتكاك الأفارقة بالإسلام كان في ذلك الوقت المبكر لّما هاجر صحابة الرسول  صلى الله عليه وآله  إلى الحبشة التي كانت في ذلك الوقت أوسع من تلك الدولة القائمة اليوم..

ويمضي المؤرخ قائلاً إن سكان ضفة نهر السنغال (التكرور) هاجروا من حوض النيل وأثيوبيا فاستقروا على ضفة النهر ومعهم عقيدتهم الإسلامية.. وعلماء السلالات يحرصون على التأكيد بأن – أندياجان أندياي – مؤسس امبراطورية (جولوف) في السنغال ينتمي إلى أبي الدرداء الصحابي. وخلاصة القول هي أن دخول الإسلام إلى السنغال حدث في وقت مبكر جداً، وكانت له جذور راسخة في البلاد قبل مجيء المستعمرين الفرنسيين، الذين وجدوا عند كل ملك وثني سكرتيراً يكتب ويقرأ بالعربية مما جعل المستعمر الفرنسي مضطراً للوهلة الأولى إلى استعمال العربية في مراسلاته مع السكان الأصليين.

وفي القرن الثامن عشر كوّن المجاهد الكبير جيرنو سليمان بال نظاماً جديداً مستوحى من الإسلام في (فوتو تورو) التي كان يطبق فيها ما أمكن من الشريعة الإسلامية، واستمر الأمر كذلك في عهد الشيخ الإمام عبد القادر كن إلى أن جاءت عاصفة الاستعمار الغاشمة لاجهاض هذه التجربة المباركة. وكذلك في منطقة (دكار) نفسها كانت توجد حركة إسلامية بزعامة شهيدها أحمد باجا خوباه في مطلع القرن التاسع عشر، وهذا ما يفسر دور المسلمين الرائد في المقاومة ضد الاستعمار وفي انتشار الإسلام في البلاد انتشاراً كبيراً.

 

فترة الاستعمار الفرنسي

دخل المستعمرون الفرنسيون السنغال سنة 1835 وقد استهلّوا نشاطهم كغيرهم من الأوروبيين بالنخاسة، حيث كان هؤلاء يرسون مراكبهم المحمّلة بالبضائع على شواطئ البلاد، ولما يتم افراغها يملأونها بطوابير من البشر يساقون عنوة ليباعوا في العالم الجديد. وقد استمرت هذه الحركة البشعة طوال ثلاثة قرون.. ولكي يتمكّن الفرنسيون من تنفيذ برامجهم التذويبية، فرضوا لغتهم في الإدارة والمدارس وسعوا إلى تثبيت نمط خاص من الحياة الاجتماعية يكون امتداداً لنسق الحياة في أوروبا النصرانية، ولكن ذلك لم يحدث على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي إلا مزيداً من التخلف، حيث كان همّ الفرنسيين فقط فتح أسواق جديدة لمنتجاتهم واستيراد المواد الخام مجاناً.. وقد انتهجت فرنسا مسلكين في محاربتها للإسلام في السنغال:

1- كانت تقاومه علناً بالسلاح وتزعم أن جلّ مساوئ أفريقيا من الإسلام وأنها ما جاءت إلاّ لانقاذها منه وادخالها في طور الحضارة.

2- وفي المرحلة الثانية عمد المستعمر إلى النفاق، حيث زعم أنه لا يعادي الإسلام وإنما يحمي كل المعتقدات ويحترمها، وكان في الحقيقة لا يتجاسر على مناصبة الإسلام العداء علانية لالتفاف السكان حوله، وفي الوقت نفسه كان يعمد إلى تشويه معتقدات المسلمين والتشويش عليهم في أمور دينهم وقلب الحقائق التاريخية. ومن ذلك إشاعة فكرة (الإسلام الأسود) التي توفّر من يروّج لها بشكل واسع مؤخراً، والتي تدعو إلى إسلام خاص يتناسب حسب زعمهم مع عادات وتقاليد الناس في أفريقيا.

غير أن من أخطر ما فعله المستعمر على هذا الصعيد هو محاربة اللغة العربية التي كانت وما زالت منتشرة بشكل واسع بين جميع الأوساط في السنغال، والتي يتعلمها الصغار في المدارس القرآنية والكبار في مراحل ومستويات التعليم المختلفة، كشيء من التراث الخاص للسنغاليين، وقد نجح المستعمر على هذا الصعيد في فترات سابقة غير أن مقاومة السنغاليين أبقت للغة العربية كثيراً من قوة استمرارها والحرص عليها.

 

صفحات من جهاد السنغاليين

لم يقف السنغاليون وخاصة علماءهم مكتوفي الأيدي إزاء الهجمة الاستعمارية الفرنسية، بل نظموا في البداية مقاومة مسلحة للحيلولة دون سقوط البلاد في أيدي المستعمرين. فحمل السلاح كل من الحاج عمر الفوتي – 1864 – ومايا جاخو -1867- ومحمد أمين درامي – 1887 – وغيرهم. واستشهد أغلب زعماء الإسلام والآلاف من المجاهدين معهم في ساحة الجهاد.. وبعد فشل المقاومة المسلحة وتشريد قادتها، تبلور أسلوب جديد من النضال وذلك باعتناق العديد من الوجهاء والأعيان الإسلام كردّ فعل وطني على الغزو الغربي التنصيري وفي رفض بعض زعماء المسلمين التعاون مع المستعمر، ويعدُّ الشيخ أحمد بامبا – 1852 – مؤسس حركة المريدية الصوفية زعيم هذا الاتجاه. وقد ساعد هذا النوع من المقاومة وردة الفعل على نمو انتشار الإسلام في السنغال.

 

الطرق الصوفية

ظاهرة انتشار الطرق الصوفية في السنغال كما هو حال سائر البلدان الأفريقية تستدعي الاهتمام والمتابعة.

فالإسلام في السنغال مالكيّ المذهب. وصوفي المنهج، فالطرق الصوفية تكاد تهيمن على مراكز القوى الإسلامية في البلاد، ومن أهم تلك الطرق:

أ الطريقة التيجانية:

التي تنتسب إلى الشيخ أبي العباس أحمد التيجاني، الذي ولد في (عين ماضي) بالجزائر وتوفي بمدينة (فاس) بالمغرب، حيث أصبح ضريحه مزاراً لجماعات غفيرة من الناس. والتيجانية في السنغال تنقسم إلى زعامات ولها مراكز عديدة منها:

مركز (تيواون) على بعد 90 كلم من العاصمة في اقليم (تياس) وعلى رأسه في الوقت الحالي الشيخ الفاضل عبد العزيز سي.

مركز (حلوار) في العاصمة (دكار) وعلى رأسه في الوقت الحالي الشيخ منتقى تال أحد أحفاد الشيخ عمر الفوتي.

مركز (نياسينية) بـ (كاولاخ) وعلى رأسه في الوقت الحالي الشيخ عبد الله نياس، ولديه حوزة دينية كبيرة لتخريج العلماء.

مركز (غناس) في مدينة (غوناس) وتعني دار الهجرة وعلى راسه في الوقت الحالي الشيخ أحمد تيجان باه.

مركز في مدينة (پير) ( Pire) يتولى قيادته حالياً شخص دبلوماسي ومستشار لرئيس الجمهورية اسمه مصطفى سيس.

وكذلك توجد في مناطق أخرى أقليات أخرى لها زعاماتها المستقلة مثل مراكز (تشانابا) على بعد 100 كلم من دكار، (لوغا) أتباع الشيخ عباس سال، (أندارو) أتباع الشيخ ماجور سيسي، هؤلاء كلهم كانوا مقدمين في السابق، ولعل التيجانية تمثل 60% من سكان البلاد.

ب- الطريقة المريدية:

يشكل عدد أتباعها 20% من السكان وهي مشتقة من مريد الله، ولقد أنشأها الشيخ السنغالي أحمد باه أمباكي، ومركزها القيادي في (طوبى) اقليم (جوربل) وهي مدينة يعتبرونها مقدسة وتبعد عن العاصمة 200 كلم، فيها ضريح مؤسس الطريقة ومسجد من أكبر مساجد أفريقيا يحج إليه الأتباع يوم 20 صفر من كل عام في ذكرى عودة المؤسس من المنفى أيام الفرنسيين. والمريدية أسرع الطرق الصوفية نمواً في البلاد من حيث عدد المنتسبين والوزن الاقتصادي، فجلّهم من كبار رجال أعمال البلاد والتجار، وعلى رأسها في الوقت الحالي الشيخ صالح أمباكي.

ج الطريقة القادرية:

وهي أقدم الطرق في السنغال ولكنها تضاءلت عند بروز التيجانية، ولقد أسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني العراقي، وعلى رأسها في الوقت الحالي الشيخ بوكنتاه، في قرية (أندياسان) قرب (تياس).

د اللاهينية:

وهم لا يعتبرون أنفسهم كأصحاب طريقة، بل هم يدّعون النبوة لإمامهم المهدي (لاي ماجونه) ولابنه عيسى روح الله لاي، وهم يدّعون أن مهديهم هو النبي محمد  صلى الله عليه وآله  نفسه على شكل نبي أسود يتكلم بلهجة السود، وعددهم قليل جداً، وعلى رأسها في الوقت الحالي الشيخ مام لاي، في منطقة (كامبيرين).

وتتمتع مراكز الطرق الصوفية بأحترام شديد لدى أتباعها، وتحيي فيها حفلات المولد النبوي على مدار السنة، إنما الحفلة الكبرى التي ترعاها الزعامة الأولى للتيجان والحكومة السنغالية فهي تقام في مدينة تيواون في يوم 12 ربيع الأول من كل عام، ويشترك فيها مئات الآلاف من الناس.

وبجانب هذه الطرق الصوفية توجد اليوم في الساحة السنغالية جمعيات إسلامية، إلاّ أن معظمها أسماء بلا مسميات أو مجرد قوانين أساسية وأوراق رسمية مع ختم يحمله مؤسسها وعضوها الوحيد ليعطى أهمية لمطالبه الخاصة، بدأت هذه الجمعيات تظهر على الساحة السنغالية مع بروز الرعيل الأول من المثقفين بالثقافة العربية الإسلامية، إلاّ أنها ما عدا بعضها لم تكن جمعيات جادة، خاصة وأن نفوذ الاستعمار والزعامات الدينية التقليدية في ذروتها.

جهاد يوسف