السنغال اسلامها عريق ونشاط لتعزيزه رغم الصعوبات(3)

  • رقم الخبر 1610
  • المصدر: شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر

المخلص خلال اسبوعين قضيتهما في دكار في اطار التعرّف على أوضاع مسلمي السنغال بشكل عام، والجالية اللبنانية بشكل خاص، حاولت الاتصال بالعديد من الفعّاليات والمراكز الإسلامية.


مشاهدات ولقاءات في دكار ومحيطه

خلال اسبوعين قضيتهما في دكار في اطار التعرّف على أوضاع مسلمي السنغال بشكل عام، والجالية اللبنانية بشكل خاص، حاولت الاتصال بالعديد من الفعّاليات والمراكز الإسلامية، وكذلك زيارة ما أمكن من المعالم والأماكن الثقافية والتجارية والتاريخية، وها أنذا أنقل صورة موجزة عن ذلك..

يجدر أن أذكر أولاً ترددي لحضور الصلاة في مسجد الإمام علي (ع) التابع للمؤسسة الإسلامية الاجتماعية، بإمامة الشيخ الزين، مشيراً بشكل خاص إلى صلاة الجمعة التي يحضرها حوالي 400 شخص من اللبنانيين والسنغاليين، ويلقي أثناءها الشيخ خطبة الجمعة التي يتفاعل معها المصلّون.. ثم حضوري عدداً من جلسات الدروس المسائية في قاعة الاستقبال في المؤسسة، حيث يتناول خلالها الشيخ الزين وحسب برنامج محدّد مواضيع فقهية وقرآنية، وكذلك حضور بعض السهرات الدورية في منازل بعض الإخوة اللبنانيين، مثل سهرة الحاج صبحي حويلي، التي يعطي فيها الشيخ الزين أيضاً دروساً فقهية ويشرح بعض المفاهيم الإسلامية، كما يرد على أسئلة الحضور الذين يبلغون عادة حوالي 70 شخصاً.

قمت أكثر من مرّة بتجوال في أنحاء دكار وشوارعها حيث يمكن ملاحظة مناطق للميسورين ذات أبنية جيدة، ومناطق للفقراء تبدو عليها حالة البؤس.. وزرت في الأثناء الأسواق حيث يكثر التجار اللبنانيون، وقد التقيت بعضهم أمثال السيد أحمد سليمان والسيد إسماعيل يوسف والحاج عاطف وزنة، والحاج رضا درويش، والسيد علي حب الله وهو من أركان الجالية ولديه اهتمام بالمشاريع الخيرية، والسيد محمود عطية وهو مدير قندق وقد دار الحديث معهم حول أوضاع الجالية التي فقدت كثيراً من مكانتها الاقتصادية السابقة، وحول ضرورة مساعدة الأعمال التبليغية السليمة.

ومما لفت نظري أثناء التجوال الأبنية الضخمة لمجمّع الملك فهد للمؤتمرات التي بنيت خصّيصاً لاستضافة مؤتمر منظمة الدول الإسلامية العام الفائت، وقد كلّفت مبلغاً ضخماً بلغ 130 مليون دولار – قمت أيضاً بزيارة إلى دار السفارة اللبنانية حيث استقبلني السفير ناجي أبو عاصي بكل ترحاب، وهو شخص ممدوح من قبل أبناء الجالية لكفاءته وخدماته، ثم لبّيت دعوته لحضور حفل استقبال في السفارة كانت مناسبة لألتقي أثناءها العديد من رجالات الجالية وبعض المسؤولين السنغاليين.

زرت إمام مسجد (الحاج إبراهيم درويش) الشيخ إبراهيم تشام وهو عالم نشيط على مذهب أهل البيت (ع) يحضر صلاة الجمعة بإمامته ما بين 2000 إلى 3000 شخص من الشيعة والسنّة على السواء، وقد أبدى ارتياحه لهذه الظاهرة. كما جرى الحديث مه حول العمل الإسلامي في السنغال وعن دور الإرساليات التبشيرية، فذكر أنه على الرغم من الأكثرية الساحقة للمسلمين في السنغال، فإن الأقلية المسيحية تتبوّأ المكانة الأهم في حياة البلاد السياسية والعسكرية وفي الوظائف العليا وفي التعليم بشكل خاص، وهذا ما عمل من أجله المستعمر الفرنسي، وبيّن أن مداس الإرساليات تنتشر في البلاد، بينما يمثّل أبناء المسيحيين فيها أقل من 30%، أما المسلمون فيغترّون بإرسال أولادهم إلى هذه المدارس التي تعمل على تنصيرهم بشكل أو بآخر.

والحكومة تساهم في هذا حيث تقدّم 80% من الدعم المخصّص للمدارس الحرّة إلى المدارس المسيحية. ونبّه الشيخ إلى الخطر الاستراتيجي لهذه المدارس، كما وجّه لومه للجمعيات الإسلامية التي قال عنها إنها وإن كانت تعمل فإنها ليست بالمستوى المطلوب لا في حقل التعليم ولا في مجال التبليغ العام.

كما قمت بزيارة إلى أحد كبار علماء السنغال ورئيس رابطة علماء المغرب والسنغال فضيلة الشيخ إبراهيم جوب وهو في الوقت عينه مساعد الشيخ إبراهيم نياس أحد زعماء الطريقة التيجانية، ومسؤول مركز الطريقة في دكار وهو على صلة طيبة بالشيخ الزين، وقد استقبلنا بكل ترحاب ودار معه حديث طويل حول الطرق الصوفية ودورها في تثبيت دعائم الإسلام في السنغال وأفريقيا عامة، وكيف أنها تشيع حب آل البيت (ع) بين الناس كما أمر القرآن الكريم والرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله ، وأشار إلى ضرورة إزالة كثير من الشوائب التي ألحقها بعض الجهلة في حياة الطرق الصوفية. وقد استفدنا منه معلومات جمة حول هذه الطرق كوّنت مادة الفقرة المثبتة في هذا الاستطلاع عن هذا الموضوع، وقد طلب منا في النهاية أن نبقى على اتصال مبدياً تقديره لمجلة نور الإسلام.

أمّا الزيارة التي كان لها أهمية عاطفية خاصة، فهي التي قمت بها بصحبة الشيخ الزين وبعض الأخوة إلى خليفة التيجان سماحة العلاّمة الشيخ عبد العزيز سي في المركز الرئيسي للطريقة التيجانية في مدينة (تيواون) – 90 كلم عن دكار – والشيخ سي هو عالم جليل ضرير ومقعد، يبلغ من العمر 89 سنة، ومع ذلك فهو موضع احترام كل فئات الشعب السنغالي وله عطف خاص على اللبنانيين، وهو ذو أخلاق عالية وقد استقبلنا رغم عجزه ومرضه وأبى إلاّ أن يرتجل بعض الأبيات الشعرية ترحيباً بنا، كما أبرز محبته للشيخ وللبنانيين ولمجلة نور الإسلام.

زرت في العاصمة أيضاً جملة من المساجد والمدارس الإسلامية، منها مسجد الإمام الصادق (ع) الذي يشرف على إنشائه الشيخ أحمد سي في منطقة (يمبل) في ضواحي دكار، وكذلك مدرسة الإمام الباقر (ع) الإسلامية الملحقة بمنزل الشيخ أحمد ويدرس فيها حوالي 50 تلميذاً العلوم الإسلامية واللغة العربية.

وكذلك زرت بصحبة الشيخ (سي) والشيخ عبد المنعم الزين مدرسة سبطي الزهراء (ع) الإسلامية في منطقة پكين (Pikine) التي يدرس فيها سبعون تلميذاً باشراف الشيخ مختار غي، وفي هذه المنطقة أيضاً عدد من المدارس الإسلامية الصغيرة التي أقيمت برعاية المؤسسة الإسلامية الاجتماعية، ويديرها مساعدو الشيخ الزين خاصة الشيخ أحمد سي، وهي تضم حوالي 600 تلميذ وتلميذة، وقد قمت بجولة عليها حيث استقبلني معلّموها وتلامذتها بحرارة وعرضت معهم سبل مساعدة هذه المدارس خاصة في الأمور الأساسية.. ومن هذه المدارس: مدرسة أبي السبطين (ع) ومدرسة الإمام زين العابدين (ع)، ومدرسة أبي الفضل، وأخيراً دار القرآن ومدرسة سيدي شباب أهل الجنة، وهي كما يلاحظ مدارس قد أسموها بأسماء أئمة أهل البيت (ع) تيمنّاً ومحبة لهم.

 

زيارة جزيرة غوري

قرب دكار مكان ما زال يشهد على المآسي والجرائم البشعة التي مارسها الاستعمار الأوروبي بحق الشعوب الأفريقية.. إنه جزيرة (غوري) التي تبعد حوالي أربعة كيلومترات عن دكار في المحيط الأطلسي، وكانت هذه الجزيرة في مختلف عهود الاستعمار الاوروبي – البرتغالي، الهولندي ومن ثم الفرنسي – مكاناً لتجميع (العبيد) الذين كانوا يساقون بالقوة من مناطقهم، أو يجمعهم تجار الرقيق تمهيداً لشحنهم إلى أميركا واستخدامهم هناك.

قصدنا هذه الجزيرة – بصحبة بعض الإخوة اللبنانيين والسنغاليين – عصر يوم سبت فبدت لنا قلاعها ومبانيها التاريخية من بعيد، ونقترب منها فنرى منازلها الحسنة التي خلّفها الفرنسيون. وكان لا بد أولاً من زيارة (بيت العبيد) هذا البيت الذي كان عبارة عن سجن مؤقت للأرقاء المعدّين للتسفير إلى مكان لا يعرفونه ولا يعرفون مصيرهم فيه.. البيت مقسّم إلى غرف شبيهة بالزنازين، فيه أقسام للنساء، وأقسام للرجال، وأخرى للأطفال، وهناك زنزانتان (للعصاة)أو المعاندين.

ويوجد في البيت غرفة كبيرة مخصّصة لوزن العبيد، فالذين كان يقل وزنهم عن 60 كلغ كانت تقدّم لهم أطعمة تساعد في زيادة وزنهم حتى يتمكّنوا من البقاء في الرحلة الطويلة عبر البحار، ومع ذلك فإن من بين عشرات الملايين من الذين أجبروا ظلماً على السفر بهذه الطريقة ملايين عدة ماتوا في رحلة العذاب نتيجة المرض المستعصي أو العناد! وكانت ترمى جثث هؤلاء في البحر.

وكانت لنا زيارة خاطفة أيضاً للمتحف التاريخي في الجزيرة حيث صور لزعماء المستعمرين، وصور كبار السياسيين السنغاليين والأفريقيين، وصور الزعماء المسلمين الذين قاوموا الاستعمار الأوروبي، كما توجد فيه أحجار تاريخية وأنواع من الأسلحة القديمة ولوحات فنية مرسومة.. وتستوقفنا إحداها وقد كتب عليها جملة مثيرة للأسى وهي (أخي الكريم زر غوري تبكِ بكاء الفاقدين).

 

رحلة إلى جنوب السنغال

كانت فرصة طيبة لنا أن فضيلة الشيخ عبد المنعم الزين، كان بصدد زيارة بعض مدن وقرى جنوب السنغال، حيث اعتاد على القيام بمثل هذه الزيارات لتفقّد ومتابعة أعمال إخوانه وتلامذته المتواجدين في تلك المناطق، وأيضاً أبناء الجالية والأهالي الذين عرفهم وعرفوه، ومن ثم لزيارة أصدقائه من رؤساء الطرق الصوفية، الذين أقام معهم علاقات صداقة وطيدة.. وتلافت رغبتنا في زيارة هذه المناطق لاستطلاع أحوال أهلها مع رغبة الشيخ الذي دعانا لصحبته في هذه الجولة، بعدما كان اتصل بالمعنيين في تلك المناطق وأخيرهم بقدومنا جميعاً.

وهكذا انطلقنا صباح يوم اثنين مع بعض الإخوة اللبنانيين في جولة واسعة ابتدأت محطاتها وما تضمنته من مشاهدات ولقاءات حميمة من المدن والقرى القريبة من العاصمة، وتوالت حتى امتدت إلى أقاصي المدن والقرى في جنوب السنغال وشرقها. وهي جولة وإن كان صادفنا فيها بعض متاعب السفر، إلاّ أنها كانت جمّة الفائدة بالنسبة لنا حيث أمكننا التعرّف والاطّلاع على أوضاع شعب طيب عريق بإسلامه، متلهف له، مع أنه بحاجة ماسّة إلى من يمد إليه يد المساعدة في مواجهة ثالوث الفقر والتبشير المضاد ونقص المعرفة والثقافة الدينية..

بعد مغادرتنا دكار على الطريق الساحلي باتجاه الجنوب، ومع بدء الحركة الصباحية المعتادة للمزارعين والساعين إلى أعمالهم ورزقهم، وصلنا بعد قليل إلى العاصمة الأولى للسنغال ما قبل الاستعمار (روفيسك) (Rufisque) وهي مدينة صغيرة غادرها ما كان لها من عز ودور سابقين، بعد ذلك مررنا بمنتجع سياحي على البحر في قرية (بارني) يملكه لبنانيون، وبعد مضي ساعة وثلث كنا نقطع مدينة (مْبور) (Mbour) الساحلية وهي مدينة متوسطة الحجم، لنصل بعد ذلك إلى مدينة (فاتِك) (Fatik) ومنها نتجه شرقاً إلى مدينة (كاولاخ) الواقعة على بعد 192 كلم جنوب شرق دكار، وستكون هذه المدينة محطتنا الأولى حيث أمضينا فيها بقية النهار كما بتنا ليلتنا الأولى في ضيافة الجالية اللبنانية التي يوجد نحو ألف شخص منها في هذه المدينة.

وقد استضافنا الأخوان الكريمان حسن عز الدين والحاج أمين عز الدين.. وكان من المفترض أيضاً زيارة الشيخ إبراهيم نياس وهو عالم كبير من زعماء الطريقة التيجانية ومسؤولها في منطقة كاولاخ، إلاّ أن الزيارة لم تتم بسبب خطأ في ترتيب المواعيد، وكنا سابقاً قد قابلنا مطوّلاًَ مساعده رئيس رابطة علماء السنغال الشيخ إبراهيم جوب.. وفي المساء نُظّمت سهرة في النادي الحسيني بكاولاخ حضرها العديد من أبناء الجالية وبعض الإخوة السنغاليين، وقد ألقى فضيلة الشيخ الزين محاضرة لاقت الاستحسان من قبلهم.

صباح الثلاثاء غادرنا كاولاخ قاصدين منطقة كولدا في الجنوب، حيث سرنا في طريق يقطع حقول الفستق وبساتين الأشجار المثمرة التي يغلب عليها شجر المانغو، لنصل إلى مدينة (كفرين) (Kaprine) ومنها انعطفنا شرقاً باتجاه بلدة (كونجلند) (Konglened) حيث مررنا بعدها بمنطقة من الغابات الكثيفة، وبعد مسير أكثر من ساعة وصلنا مدينة (تامبا كوندا)( Tampa Counda) الواقعة في جنوب شرقي السنغال على بعد 276 كلم من كاولاخ، وهي عاصمة مقاطعة واسعة تحاذي دولتي مالي من الشرق وغينيا من الجنوب، وبعد استراحة في هذه المدينة الواسعة نسبياً قمنا بزيارة حاكمها السيد سالو راماكا الذي استقبلنا بترحاب وود شديدين، ودار الحديث معه حول أهمية المنطقة زراعياً كونها تحاذي نهر غامبيا الذي تغذي مياهه المنطقة من جهة، وحول الحياة الإسلامية فيها وما تشهده من نمو وفعالية رغم الصعوبات من جهة ثانية.

بعد مغادرتنا لتامبا كوندا ومرورنا على نهر غامبيا مررنا بمحاذاة مدينة (دار الهجرة) (Medinagonas) وقد رغبنا في زيارة هذه المدينة الفريدة من نوعها في وضعها الإسلامي، لولا إنا علمنا من الشيخ الزين أن مسؤولها وصديقه فيها الشيخ أحمد سعيدوبا غائب عن المدينة. والشيخ أحمد هو ابن مؤسس المدينة ومن زعماء الطريقة التيجانية في السنغال.. ونظراً لميزة هذه المدينة ننقل للقراء الكرام صورة عنها كما عرفها الشيخ الزين عن كثب.. فلقد تأسست هذه المدينة على يد الشيخ سعيدو با منذ حوالي 60 سنة، لتكون شبه دولة إسلامية قائمة بذاتها، ومجتمعها يحل مشاكله بنفسه من خلال بعض القوانين والنظم الإسلامية المعتمدة، وكل سكانها ملتزمون دينياً، فالنساء لا يختلطن بالرجال في مجالات الحياة كافة، وهن يرتدين الحجاب الشرعي الكامل.

نظام الزكاة مفروض على الجميع حيث توزع الأموال على الفقراء وعلى الخدمات العامة من طرقات ومستشفيات برعاية رئيسهم الشيخ، المدارس تدرّس إلزاماً باللغة العربية بل هناك محاربة للغات والمدارس الأجنبية الأخرى.. في المدينة مسجد كبير ذو زخرفة جميلة وقد بنوه من أموال العشر، ولم يقبلوا بشأنه مساهمات من الخارج سوى مبلغ رمزي من الشيخ الزين كرمز للتعاطف. ومن ميزاتهم الجمع بين الفرضين في الصلاة ولبس الثياب البيضاء خاصة في الصلاة، وهي عادة سائدة لدى معظم المسلمين السنغاليين.. ومما يحكى عنهم أن الرئيس السابق سنغور زارهم وعرض عليهم الخدمات التي يريدونها، فرفضوا قبول أي شيء سوى أنهم عرضوا عليه التوبة والعودة إلى الإسلام كونه كان مسلماً في الأصل.

 

زيارة كولد

ونسير باتجاه الجنوب الغربي حوالي أربع ساعات لنبلغ مدينة (كولدا) (Kolda) الواقعة على بعد 230 كلم عن تامبا كوندا، بعد أن مررنا على مدينة صغيرة تدعى فلنجورا (Velingora).. وكولدا عاصمة المقاطعة المحاذية لغينيا بيساو، وكانت محطتنا الثانية في هذه الجولة، حيث قضينا فيها يوماً وليلة حافلَين باللقاءات.. فعند وصولنا الساعة الثانية بعد الظهر إلى مدخل المدينة فوجئنا باستقبال حافل أُعدّ لنا، وقد شارك فيه جمع من الأهالي وأبناء الجالية اللبنانية بالإضافة إلى حاكم الولاية، وقد غمرنا الجميع بعاطفة أخوية صادقة، ثم توجهنا مباشرة مع عدد كبير من المستقبلين لتناول طعام الغداء على مائدة المغترب اللبناني السيد أحمد فرج، وهو من وجهاء الجالية هناك، وقد تحدّث لنا عن أوضاع الجالية اللبنانية ومشاركتها في تنمية البلاد..

بعد ذلك انتقلنا لزيارة مدرسة الإمام المهدي (عج) الإسلامية، وهي بناء من عدة غرف بإدارة أحد تلامذة الشيخ عبد المنعم الزين النشطين. الشيخ موسى دجلو، وتضم 100 تلميذ من سن 10 إلى سن 16 يتلقّون فيها العلوم القرآنية والإسلامية بالإضافة إلى اللغة العربية والعلوم الأخرى.. وقد أعدّ الشيخ موسى لنا احتفالاً حضره جمع كبير من الأهالي والأعيان، أنشد خلاله التلامذة، وألقى الشيخ الزين والشيخ موسى كلمتين توجيهيتين. بعد الاحتفال قمنا بزيارة مجاملة لحاكم الولاية في مقر الحاكمية وكان مغتبطا لزيارتنا، ومن هناك ذهبنا إلى إحدى دور السينما حيث كان أكثر من 300 شخص يتقدمهم القائمقام ومساعده بانتظار محاضرة لفضيلة الشيخ الزين تناولت مواضيع إيمانية ومجريات العمل الإسلامي في السنغال، ولقيت المحاضرة استحسان الحضور.

وقد تحدّث إلينا الشيخ موسى عن حركة التعاطف التي يبديها عامة الناس مع تعاليم ونهج أئمة أهل البيت (ع)، وعن تعاونه وأخوانه مع بقية علماء المسلمين، وعن رابطة العلماء التي أسسها معهم في كولدا، كما أشار الدور القلة منهم التي تملك المال في محاولتها لبث الفرقة وإعاقة التعاون، وإلى دور حركة التنصير النشطة التي تقوم بها الإرساليات التبشيرية، والتي يجب التنبه لها أكثر ومواجهتها بما تتطلب من إمكانات وجهود..

في اليوم التالي غادرنا مدينة كولدا قاصدين ونحن في طريقنا إلى مدينة (زيغنشور) قرية أديوفا (Adioupha)، وهي قرية مسيحية في الأصل عدد سكانها 600 شخص، غير أنه بهمّة أحد المبلّغين النشطين – وهو الشيخ (نوح مان) الذي زارها قبل شهر فقط من مجيئنا والتقى ببعض سكانها وتحدّث إليهم وأسمعهم شريط كاسيت يتعلق بمحاضرة عن بعض أخلاقيات ومنهج آل البيت النبوي الشريف – تأثروا به وتحوّلت جرّاء ذلك ثلاثون عائلة إلى الإسلام حتى الآن. وقد فتح الشيخ نوح لهم مدرسة إسلامية لتعليم أولادهم من غرفتين يديرها أحد مساعديه وهو الشيخ توري، وقد زرنا المدرسة للتشجيع وإبداء الدعم المعنوي.

وفي طريقنا إلى مدينة زيغنشور أيضاً مررنا بقرية (كولان) وهي تبعد عنها 70 كلم لجهة كولدا، وعدد سكانها 2500 نسمة كلهم على مذهب أهل البيت (ع)، فزرنا مباشرة مسجداً قيد الإنشاء باسم الرسول  صلى الله عليه وآله  وقد تبرع بكلفة بنائه اللبناني السيد غازي يحيى، وبقرب المسجد تقوم مدرسةالإمام الصادق (ع) التي يديرها الشيخ يحيى مالي، وكان تلامذتها قد أعدوا احتفالاً لاستقبالنا تلوا فيه القصائد الترحيبية.. وفي الأثناء وبسبب حرمان القرية من الماء الذي يأتي به الأهالي من مكان بعيد، تبرّع الشيخ الزين بكلفة حفر بئر ماء للمسجد وللقرية معاً، وجرى في الحال بحضور أهالي القرية تدشين العمل بالحفر، وقد عبّر هؤلاء عن شكرهم وفرحهم بهذه المبادرة الطيبة.

محطتنا الأخيرة في جنوب السنغال ببرنامجها الأطول والأشمل، كانت في مدينة (زيغنشور) الواقعة على بعد 200 كلم من كولدا، وهي مدينة ساحلية تعدّ ثاني مدن السنغال سكاناً، وتقع بالقرب من الحدود المشتركة مع دولة غينيا.. بداية وبعد الوصول لبّينا فيها دعوة السيد غازي يحيى لتناول الغداء، وهو من الوجوه اللبنانية المقيمة في تلك المدينة، والتي لا تتأخر عن فعل الخير، ثم قمنا بزيارة مدرسة السيدة زينب (ع) والمسجد الملحق بها، حيث أقامت إدارة المدرسة التي تحتضن 160 تلميذاً احتفالا ًبقدومنا حضره إلى جانب التلامذة بلباسهم الأبيض نحو 500 شخص من الأهالي، وقد ألقيت فيه كلمات ترحيبية وأناشيد من قبل التلامذة. وهذا الشيء نفسه قد حدث لنا عندما زرنا أيضاًمدرسة خديجة الكبرى (ع) في جانب آخر من المدينة، حيث كان بانتظارنا حشد كبير من الأهالي مع أبنائهم التلامذة والمعلمين وإدارة المدرسة.

وفي المساء لبّينا دعوة إلى العشاء في منزل المغترب اللبناني السيد نادر داغر بحضور سبعين شخصاً من أبناء الجالية، وبعد العشاء كانت سهرة وكلمة للشيخ الزين. في اليوم الثاني قمنا بزيارة إلى مركز جمعية أهل البيت (ع) حيث استقبلنا مسؤول الجمعية الشيخ موسى كمارا وهو من مساعدي الشيخ نوح مان، وقد تحدّث لنا عما يقوم به المركز من إحياء للمناسبات الإسلامية وخاصة في شهر رمضان المبارك وأيام وليالي عاشوراء، كما عن دروس الفقه والعقيدة التي تعطى للنساء والرجال.

أما زيارتنا الأبرز في هذه المدينة فكانت لمدرسة الرسول الاعظم  صلى الله عليه وآله  التي أسسها ويشرف عليها الشيخ نوح مان.. وهي مدرسة كبيرة تعتبر حوزة علمية إسلامية وتدرّس اللغة العربية ومختلف العلوم الإسلامية، إلى جانب العلوم الأخرى، وتعمل المدرسة على إعداد مبلّغين يساهمون في التوعية الإسلامية في مناطقهم، ويلحق بالمدرسة قطعة أرض كبيرة تنوي الجمعية إنشاء معهد زراعي عليها.. وقد أقامت إدارة المدرسة أيضاً احتفالاً كبيراً احتفاءً بقدومنا تحدّث فيه الشيخ نوح والشيخ الزين إلى جانب أناشيد الطلاب وقد حضره حوالي ألف شخص.

ولدى سؤالي الشيخ الزين فيما بعد عن ظاهرة هذه الاحتفالات التكريمية واندفاع الناس العاطفي لحضورها، أجاب بأن الناس هنا طيبون جداً، وهم يشعرون بواجب تقديم الشكر وردّ الجميل لمن يقدّم لهم أدنى مساعدة، سيما إذا كانت في إطار العلم أو النواحي الحياتية، وبهذا أرادوا أن يعبرّوا عفوياً عن امتنانهم للمساعدات المتواضعة التي نقدمها للمدارس وبعض المجالات الإنمائية الأخرى، ومن ثم فهم يكنّون احتراماً وتقديراً كبيراً لأهل العلم والدين ويندفعون لسماع الكلمة الطيبة منهم.

ومن اللقاءات التي أجريناها في هذه المدينة، لقاء مع خطيب بارع يعرف عدة لغات محلية وأجنبية يدعى الشيخ عثمان، وهو مالكيّ المذهب يدير مدرسة قرآنية، وقد ذكر لنا بعد حديث عن التاريخ الإسلامي والمذاهب المتعددة، أن والده كان عالماً وقد أخبره حين وفاته أنه كان على مذهب علي (ع) ولكنه وقتها لم يكن يدري ما كان يعنيه أبوه الذي كان إذا دخل شهر محرّم لا يرى ضاحكاً، بل كانت الدموع تفيض من عينيه حزناً على ما أصاب أهل البيت (ع) من مآسٍ في كربلاء، ونكراناً لما يفعله البعض من الفرح والاحتفال بقدوم عاشوراء وذلك لجهلهم التام بمجريات التاريخ الإسلامي، ومما قاله الشيخ عثمان إنه سيسير على ما كان عليه أبوه من اهتمام وتأثّر بخط أهل البيت (ع) ونهجهم، لأنه نهج الإسلام الواضح. كما لبّينا أخيراً دعوة لحضور احتفال تكريمي أقامته لنا جمعية أهل البيت (ع) النسائية، بحضور عدد كثيف من النساء المسلمات اللواتي تميزن بحسن الحجاب..

 

مع الشيخ نوح مان

وكان لا بدّ في نهاية المطاف ونحن في زيغنشور أن نتعرّف على الرجل الذي أسهم بنشاطه وجهوده وإخلاصه في مختلف وجوه النهضة الإيمانية والعلمية والتبليغية القائمة في هذه المدينة وفي منطقتها أيضاً، وهو الشيخ نوح مان الذي تحدّث إلينا في مقابلة عن دراسته ونشاطاته وعما يصادفه في حركته من صعوبات قائلاً:

ولدت عام 1956 في قرية كولان، وتربيت في عائلة متديّنة، والداي كانا مسلمين على المذهب المالكي، وقريتي كانت في البداية كلها وثنية، ولكن والدي تمكن بمفرده من تحويلها إلى الإسلام، وهو علّمني القرآن وأصول الدين والصلاة، بدأت دراسة علومي الإسلامية الأولى واللغة العربية – وكان عمري 18 سنة - في دولة غامبيا.

ثم تابعتها بعد ذلك في مدينة تيواوان السنغالية، ثم عدت إلى موطني الأصلي في جنوب السنغال حيث طلبت من والدي السماح لي بالسفر إلى أي بلد لطلب العلم، فاخترت الذهاب إلى لبنان، وهناك دخلت معهد الدراسات الإسلامية الذي أنشأه الإمام الصدر في صور حيث تابعت تحصيل العلوم الدينية على مذهب أهل البيت (ع)، وبقيت في المعهد سبع سنوات عدت بعدها إلى السنغال، وقابلت فضيلة الشيخ عبد المنعم الزين وأبديت له رغبتي في متابعة الدراسة في العراق أو إيران، إلاّ أن الشيخ طلب مني البقاء في السنغال لتعليم الناس وإفادتهم من علمي، وهكذا عدت إلى جنوب السنغال لأبدأ العمل انطلاقاً من زيغنشور وجوارها حيث أنشأنا بمساعدة الشيخ الزين والمؤمنين مدرسة الرسول الأعظم  صلى الله عليه وآله  وذلك عام 1983.

ومنها بدأت عملي في التبليغ وتعليم الناس العقائد وأحكام الدين، كما انتقلت بالعمل إلى قرية كولان- مسقط رأسي- حيث أنشأت مدرسة بمعاونة بعض أهل الخير ومساعدة والدي، الذي باع بقرة كان يملكها في سبيل إنشاء المدرسة. ومن خلال هذا العمل استبصر جميع أهل القرية.

ورغم أنني تعرضت لمضايقات من بعض أهل القرى المجاورة بفعل سعاة الفتنة، إلاّ أنني استمريت بالعمل حتى أقنعت بعضهم بإرسال أبنائهم إلى المدرسة. ولقد تمكنت أيضاً من إعطاء برنامج ديني في الإذاعة الرسمية الموجودة في زيغنشور رغم معارضة البعض، ولكن الحماية التي تمتعت بها من قبل خالي وهو من وجهاء البلد ساعدتني في هذا المجال. والآن طلبوا مني عظة الناس في الإذاعة بعدة لغات لتعمّ الفائدة الجميع.. ثم بدأنا بفتح المدارس في أحياء المدينة كما شاهدتم في تجوالكم، وهي تقدم خدمات جّمة للسكان. ومع ذلك فإننا نعاني من مشاكل كثيرة أهمها الفقر المدقع، فنحن نريد تحسين أوضاع المدارس، وإعطاء رواتب للمدرّسين على الأقل، وتأمين الكتب للتلامذة وغير ذلك.. ونحن نضع هذا المطلب برسم أهل الخير.

وبدورنا لا نملك إلاّ أن نبارك جهود الشيخ نوح وإخوانه، وندعو أهل الخير لتقديم العون لهم لتطوير أعمالهم في خدمة المستضعفين.

ونعود من جنوب السنغال – حاملين أطيب الذكريات – عن طريق البحر على متن باخرة سياحية، وقد استغرقت رحلة العودة إلى دكار حوالي عشرين ساعة، حيث وصلناها صباح يوم الجمعة المبارك، لنودع فيها مضيفينا ونشكرهم على حسن ضيافتهم وما قدّموه لنا من عون في مهمتنا الاستطلاعية.

 

جهاد يوسف