احوال المسلمین فی سيراليون (الجزءالاول)

  • رقم الخبر 1615
  • المصدر: شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام للتراث و الفکر

المخلص المطّلعين من المسلمين في سيراليون يؤكدون أن الاسلام قد تسرّب إليهم قبل القرن الخامس الهجري، وقبل قيام حركة المرابطين بقيادة عبدالله بن ياسين في حوض السنغال.


جمهورية سيراليون هي نموذج آخر عن البلدان الأفريقية ذات الأكثرية الإسلامية، والتي عمل الاستعمار الغربي طويلاً مع حملات التنصير القديمة منها والحديثة على إضعاف حركة الإسلام فيها، وطمس هويتها الحضارية، كما عمل المحتلّ على استغلال ثرواتها الطبيعية المهمة، وإفقار أهلها وإخضاعهم لسيطرته ونفوذه.

ومع ذلك فسيراليون اليوم تشهد نهضة ولو بطيئة في سبيل إعادة الاعتبار إلى الإسلام، ولتمكينه من نفوس الشباب والناشئة، المتعلّمين منهم بشكل خاص... وذلك مع بقاء سيف التبشير مسلّطاً فوق الرؤوس، وفي ظلّ نوع من التشويه الساذج للأحكام والمفاهيم الإسلامية المختلطة ببعض العادات القبلية الموروثة من بقايا الوثنية.

مندوب (نور الإسلام) زار سيراليون وخرج بصورة عن تاريخ هذا البلد في ظل الإسلام، وعن وضع المسلمين فيه وأحوالهم الحاضرة، ضمن الواقع الاجتماعي والديني والسياسي القائم.

 

الوضع الجغرافي والاقتصادي

تقع جمهورية سيراليون في غرب القارة الأفريقية على ساحل المحيط الأطلسي.. وكلمة (سيراليون) تتألف في الأصل من مقطعَين (سيرا) ومعناها ذروة الشيء أو القمم، و(ليون) ومعناها الأسد، وبذلك يصبح معناها قمم الأسود، وقد أطلق هذه التسمية عليها الرحّالة البرتغالي (بيرروسنتر) سنة 1462م.

يحدّها من الشمال والغرب جمهورية غينيا، ومن الجنوب المحيط الأطلسي، ومن الشرق جمهورية ليبريا وكذلك غينيا. تبلغ مساحتها حوالي (74.000 كلم2)، وتغطّي الغابات الكثيفة أكثر من ثلاثة أرباع أراضيها.

وأشهر مدن سيراليون هي: مدينة فريتاون (Fritown)، مدينة بو (Bo)، مدينة كنما (Kenema)، مدينة ماكني (Makine)، مدينة كابالا (Kabala) ومدينة صفدو.. عاصمتها مدينة فريتاون الواقعة في جنوب البلاد على ساحل المحيط الأطلسي، وهي من العواصم الجميلة، وتتميز بمناظرها الخلاّبة وخصوبة أرضها، وتشبه من حيث طبيعة أرضها وجمال مناظرها العاصمة اللبنانية بيروت.. ومما يجدر ذكره أن مطارها الدولي يقع في جزيرة جميلة أيضاً مكسوة بالغابات الكثيفة، وهي ذات أراضٍ زراعية خصبة. وتستغرق الرحلة إليها من العاصمة حوالي خمس وعشرين دقيقة بالباخرة (الحوّامة) وحوالي الساعة بواسطة (العبّارة) التي تحمل وسائط النقل المختلفة بالإضافة إلى الأشخاص والمسافرين.

أكثر أراضي سيراليون خصبة، صالحة للزراعة، ومعظمها مكسوّ بالغابات الكثيفة، لذلك تتوفّر فيها الأخشاب بكثرة، كما هي غنية بالموارد الطبيعية كمعادن الذهب، الماس، النحاس والحديد.. أمّا محاصيلها الزراعية فمتعددة، ومنها البن، الكاكاو، الموز، النارگيل، الأناناس، المانگا، البرتقال وغيرها... ومعظم سكان البلاد يعيشون على زراعة قسم من المحاصيل، ومع ذلك فإن حالتهم المادية ضعيفة جداً إذ ينتشر بينهم الفقر والجوع، بينما ثروة البلاد المعدنية ما زالت تستثمر بواسطة مجموعة من الشركات الأجنبية وبعض التجار الأغنياء، من الأفارقة والمغتربين المقرّبين من جهاز الدولة الحاكم.

 

السكان

يزيد عدد سكان سيراليون على أربعة ملايين نسمة عدا المغتربين من الجاليات المختلفة الذين يصل عددهم إلى أكثر من خمسين ألف نسمة تقريباً. والأكثرية الساحقة من أهل سيراليون هم من المسلمين، وحيث يغيب الإحصاء الرسمي، فإن جهات إسلامية قدّر نسبة المسلمين ما بين 70 إلى 80 بالمائة من مجموع السكان، والمتبقون ينتمون إلى المذاهب المسيحية والأديان الوثنية.

ويتشكل الشعب السيراليوني من قبائل متعددة ومتناحرة فيما بينها، يبلغ مجموعها حوالي ست عشرة قبيلة. أهم هذه القبائل هي: (ماندي، تيمني، ليمبا، كونو، كريو، فولا، سوسو) وأكثر هذه القبائل عدداً من حيث النفوس قبيلتا ماندي وتيمني ـ وغالبيتهما من المسلمين ـ وأقلّهم عدداً قبيلة (كريو) التي معظم أفرادها من المسيحيين الذين يعملون في الوظائف الحكومية، وفي القطاعات الأهلية المختلفة. وتكمن الميزة التي اكتسبتها هذه القبيلة عن بقية القبائل في تبنّي المستعمرين البريطانيين لها أيام احتلالهم للبلاد، وفي تمييز أفرادها عن الآخرين بتعليمهم وتثقيفهم بالثقافة البريطانية الغربية، حيث أنهم أرسلوا قسماً كبيراً منهم إلى بريطانيا للدراسة، ولتحويل عقائدهم وأديانهم إلى النصرانية، وبعد العودة سلّموهم الوظائف المختلفة في أجهزة الدولة، وفي وزارة التربية والتعليم بشكل خاص.

وبعد استقلال البلاد عن الاحتلال البريطاني في عام 1961م تمكّنوا من استلام المناصب العليا والمهمة في دوائر الدولة وأجهزة الحكم. ولهذه القبيلة لغة محلّية خاصة بها تدعى (لغة الكريو) والتي هي مزيج من لغتهم المحلية واللغة الانجليزية، وقد أصبح أكثر أبناء البلد يجيدون هذه اللغة المحلّية لأنها اللغة الدارجة بين السكان في الوقت الحاضر. أما باقي القبائل المذكورة، فلكلٌّ منها لغتها المحلية الخاصة.. ومن الجدير ذكره أن اللغة العربية كانت في هذا البلد لغة الكتابة والمداولات الرسمية، ولكنّ مجيء البرتغاليين منذ القرن الخامس عشر، والانجليز المستعمرين بعدهم، ومن ثمّ بدء حركة التنصير، عمل على إقصاء اللغة العربية وإحلال اللغة الانجليزية محلها.

هذا ونرى أن معظم المشاكل الخطيرة التي تنجم في البلاد غالباً ما يكون منشؤها التناحر والتنازع القبلي الموجود والمتأصّل في النفوس، ولهذا تنشب بين القبائل من فترة لأخرى معارك ونزاعات دامية.

 

الوضع السياسي

جمهورية سيراليون بموجب دستورها هي جمهورية ديموقراطية شعبية، حصلت على الاستقلال في 27 نيسان عام 1961م بعد أن ظلّت ترزح عشرات السنين تحت نفوذ الاستعمار البريطاني. يحكمها رئيس جمهورية ينتخبه الشعب، ويساعده في حكم البلاد مجلس وزاري، وآخر نيابي ينتخب من قبل الشعب كذلك. رؤساء الجمهورية الذين حكموا البلاد منذ الاستقلال وحتى اليوم يعتنقون الدين المسيحي بالرغم من اعتناق غالبية الشعب السيراليوني للدين الإسلامي الحنيف. أما نائب رئيس الجمهورية، وقسم كبير من مجلسَي النواب والوزراء فهم من المسلمين، وإن كانوا بمعظمهم من غير المتمسكين بأحكام الشريعة الإسلامية. هذا وقد سيطر على جهاز الحكم في البلاد ومنذ الاستقلال حزب واحد هو حزب الشعب (ll People Congress) ويرمز له بالحرف (A. P. C.).

ولكن نتيجة للضغوط الشديدة من قبل أبناء الشعب على الجهاز الحاكم في سنة 1991م، اضطرت الحكومة إلى اصدار قانون جديد يسمح بتعدد الأحزاب في أواخر العام المذكور. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن للماسونية العالمية تغلغلاً واسعاً في الأوساط الحاكمة وبين السياسيين في سيراليون، كما هي تستقطب إضافة إليهم، أعداداً كبيرة من التجار والأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال الأجنبية من المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء، ومن أبناء الجاليات المقيمة في هذا البلد، إضافة إلى عدد كبير من المثقّفين كالأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة والأدباء وكبار ضباط الجيش.

أما دين الدولة الرسمي فهو العلمانية، حيث لا تفرّق الدولة ـ رسمياً ـ بين المسيحيين والمسلمين وباقي الأديان الأخرى.

ومن الملاحظ أن أكثر التمثيل الدبلوماسي بين سيراليون والدول الأجنبية يقتصر على مستوى القنصليات، حيث يقيم عدد قليل من هذه الدول علاقات دبلوماسية على مستوى سفارات، ولعلّه من المستغرب أن يكون بعض القناصل من التجار والكسبة، يؤدون هذه المهمة بالاضافة إلى عملهم التجاري الأصلي، وعلى سبيل المثال سألت يوماً عن سفارة السنغال لأخذ سمة الدخول، فأرشدوني إلى أحد دكاكين الخياطة وبيع الألبسة، حيث يقوم صاحب الدكان بأعمال قنصل السنغال في سيراليون، وقد جلس في غرفة صغيرة بجانب محلّه، لا تزيد مساحتها عن تسعة أمتثال مربّعة، يدير من داخلها أعمال القنصلية المذكورة. وشاهدت أيضاً محلاً لبيع قطع غيار السيارات صاحبه يعمل قنصلاً لجمهورية أوروغواي في أمريكا الجنوبية وهكذا دواليك، وهذا العمل ناتج عن عدم استطاعة الدول الممثلة من الناحية الاقتصاداية لفتح سفارة أو قنصلية لها، أو لعدم وجود توسّع في الروابط التجارية والدبلوماسية بينها وبين سيراليون!

 

تاريخ دخول الاسلام إلى سيراليون

قليلة هي المعلومات التاريخية التي تتحدث عن دخول الإسلام إلى هذا البلد، لكن المطّلعين من المسلمين في سيراليون يؤكدون أن الاسلام قد تسرّب إليهم قبل القرن الخامس الهجري، وقبل قيام حركة المرابطين بقيادة عبدالله بن ياسين في حوض السنغال. ومن المعلوم تاريخياً أن سيراليون ـ قبل أن تحمل هذا الاسم ـ قد خضعت لنفوذ ممالك إسلامية نشأت في غرب إفريقيا مثل امبراطورية مالي، وأن ملوك مالي قد وسّعوا حدودهم حتى وصلت إلى تلك الأصقاع... وهكذا لم يأت القرن الرابع عشر الميلادي إلاّ وكان الإسلام قد انتشر في جميع أنحاء سيراليون واعتنقه رؤساء القبائل، الذين قاموا بدورهم في نشر الثقافة الاسلامية بين أبنائهم. ومنذ أوائل القرن الثامن عشر الميلادي أخذ وجود الاسلام بالترسّخ والانتشار بشكل أوسع وأعمق في هذا البلد، وكان للمسلمين القادمين من بلاد غينيا المجاورة أثر هام في هذا المجال. وقد تركز تواجد المسلمين في وسط وشمال البلاد بالقرب من الحدود الغينية بينما سكنت مجموعات أخرى منهم بالقرب من الحدود مع ليبريا.

 

الوضع الديني والاعتقادي

كما أسلفنا فإن المسلمين في سيراليون يشكِّلون الغالبية العظمى من سكان البلاد وأكثرهم يعتنق المذهب المالكي الذي يتعاطف مع أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، في حين أن بقية سكّان البلاد ينتمون إلى النصرانية والوثنية وباقي الأديان والعقائد الأخرى.. ولكن ما تزال بعض العادات الوثنية البالية تسيطر على كثير من القبائل وتتمكن من نفوس أفرادها، فلكل قبيلة جمعية سرية تتعاطى السحر والشعوذة وبعض الطقوس الوثنية، ولهذه الجمعية (شيطان) خاص مقدّس ومطاع طاعة عمياء من قبل أعضائها، وله هيبة خاصة لا يجرؤ أحد على مخالفة أوامره وطلباته! وغالباً ما يكون هذا الشيطان أقوى أعضاء الجمعية وأعلمهم بالسحر والشعوذة.

كما وأن كل جمعية يرتدي أعضاؤها زيّاً موحداً يختلف عن الجمعيات الأخرى، ويؤدون طقوساً خاصة بهم تقام داخل الغابات الكثيفة والبعيدة عن أنظار الناس الغرباء والعاديين (غير الأعضاء)، ويوضع حرس مسلّح خاص عند مداخل الغابة والمنطقة التي تقام فيها الطقوس، حيث يمنعون غير الأعضاء في الجمعية من الاقتراب والاطّلاع على ما يجري من أعمال مستهجنة، علماً بأن هناك طقوساً علنية لهذه الجمعيات السرية، تتضمن مسيرات مع هرولة تجوب الشوارع وهم في حالة رقص وعربدة وصياح، وعندما تواجه مسيرة مسيرة جمعية أخرى تنشب بينهما معركة شرسة ودامية، تكون حصيلتها مجموعة من القتلى والجرحى، ويلوذ باقي أفراد الجمعية المهزومة بالفرار من ساحة المعركة.

وبالعودة إلى أوضاع المسلمين نرى أن أكثر القبائل اعتناقاً للإسلام هي قبيلة (الفولاني) التي تزيد نسبة المسلمين فيها عن 85% من مجموع أفرادها، والذين يعيش قسم كبير منهم أيضاً في بلاد غينيا المجاورة ونيجيريا. أما القبائل الأخرى مثل قبيلة (سوسو) ـ التي يرجع لها الفضل الكبير في نشر الاسلام في سيراليون ـ و(مندگو) و(ليمبا) فيعتنق أكثر أفرادها الإسلام، والقسم الباقي منهم يعتنق المسيحية وبعض الأديان الوثنية الأخرى.. والطريف في قبيلة (الفولاني) التي يعتبر أفرادها من أتباع المذهب المالكي المحبّين لأهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً للإمام عليّ (عليه السلام)، أنه إذا رزق أحدهم ولداً وأسماه عليّاً، فإنه يجب أن يكون في حياته رجلاً بطلاً لا يخاف كما كان حال الإمام عليّ (عليه السلام)، وإن أصبح عكس ذلك خائفاً وجباناً، يقولونه إنه من أهل النار، حيث أن الامام عليّ (عليه السلام) كان بطلاً مغواراً وهو من أهل الجنّة.

 

المساجد والجمعيات الإسلامية

تنتشر المساجد في أنحاء سيراليون كافة، ويقدر عددها بأربعمائة مسجد تقريباً، وهذه المساجد أكثرها قديم البناء، وتعمد بعض الدول الإسلامية إلى المساعدة في تحسينها. ويوجد في العاصمة فريتاون حوالي مائة مسجد ومنها الجامع العتيق وجامع الجليل ومسجد الرحمة ومسجد مندي، كما تم حديثاً بناء مركز إسلامي كبير في العاصمة من قبل أحد التجار المغتربين من الجالية اللبنانية هو الحاج موسى عباس، ويتضمن مسجداً كبيراً أسماه المسجد الجامع، وهو يتّسع لأكثر من خمسة آلاف مصلٍّ، ويضمّ هذا المركز إضافة إلى المسجد حسينية كبيرة لإقامة مجالس العزاء أيام عاشوراء، ولاحياء المناسبات الإسلامية المختلفة كالاحتفالات في أعياد الفطر السعيد والأضحى المبارك والغدير الأغر، كما يتضمن مكتبة عامة للمطالعة وقاعة للاجتماعات والمحاضرات، ومغتسلاً للأموات، وداراً لامام المسجد، ومدرسة ومستوصفاً لمعالجة المرضى.

وتقدّر تكاليف هذا المركز بحوالي خمسة ملايين دولار أمريكي. ومن مزاياه وقوعه في مركز العاصمة وفتحه أبوابه يومياً لأداء الصلاة من قبل المسلمين جميعاً دون تمييز. وقد تمكن أحد الأخوة اللبنانيين أيضاً من القيام ببناء مشروع مسجد كبير للمسلمين في (كابالا) المدينة الوحيدة في المنطقة، وقد أخبرني أحد الأشخاص بأن هذا الاسم (كابالا) مقتبس من مدينة كربلاء المقدسة، والتي تضمن المرقد الطاهر لثالث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) سيّد الشهداء الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) الواقعة في العراق.

أما بالنسبة إلى المدارس الدينية والأهلية فقد أخذ نشاط المسلمين خصوصاً في السنوات الأخيرة ـ والحمد لله ـ يزداد يوماً بعد يوم، وشمل بناء مجموعة من المؤسسات والمراكز الإسلامية والمدارس المتعددة إضافة إلى إنشاء عدد من المكتبات الإسلامية. ويقدّر عدد المدارس الأهلية الإسلامية في الوقت الحاضر بحوالي 150 مدرسة، تعلّم أبناء المسلمين القراءة والكتابة والأحكام والعقائد الإسلامية، كما تربّيهم بالتربية الدينية، وغالبية هذه المدارس معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم ولا يزال البعض منها غير معترف به.

 

محمد طه نجف