الشيعة في مصر (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 1624
  • المصدر: مرکز الاشعاع الاسلامی

المخلص و بعد سقوط الأخشيديين و دخول الفاطميين مصر ظهر مذهب التشيع و أذن في مساجد مصر الجامعة و غيرها: حي على خير العمل. و بدأت الشعارات الشيعية تبرز على ساحة الواقع و منها الجهر بأفضلية علي و الصلاة عليه و على الحسن و الحسين و فاطمة.


هل التشيع في مصر بدأ مع الفاطميين؟

يجيب المقريزي بقوله كان التشييع معروفا بأرض مصر قبل ذلك. و ينقل رواية الكندي في كتاب "الموالي" عن عبد الله بن لهيعة أنه قال، قال يزيد بن أبي حبيب: نشأت بمصر و هي علوية فقلبتها عثمانية1.

 

شهادة المؤرخين للفاطميين

و يذكر لنا التاريخ ثورة محمد بن أبي حذيفة في مصر عام 35 هـ و التي خلع فيها والي عثمان عقبة بن عامر و جمع الناس و ألبهم على عثمان و دخل في صدام مع أنصاره في مصر و حبس بعضهم بعد أن تمكن منهم و هم " بسر بن أرطأه " و " معاوية بن خديج ". ثم بعث ابن أبي حذيفة بقوة إلى عثمان بالمدينة ساهمت في الثورة عليه و قتله 2. وحين عادت القوة إلى مصر بعد مصرع عثمان دخلت البلاد و هي ترتجل:

خذها إليك واحذرن أبا الحسن

إنا نمر الحرب إمرار الوسن

بالسيف كي تخمد نيران الفتن

فلما دخلوا المسجد صاحوا لسنا قتلة عثمان ولكن الله قتله 3.

و كان من أمر شيعة عثمان أن جمعوا صفوفهم و انطلقوا إلى معاوية و بايعوه على الطلب بدم عثمان. فسار بهم معاوية إلى الصعيد و هزم أصحاب ابن أبي حذيفة.

و بعث ابن أبي حذيفة بجيش آخر عليه قيس بن حرمل فاقتتلوا في (خربتا) أول شهر رمضان عام 36 هـ فقتل قيس و سار معاوية إلى مصر فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر فمنعوه أن يدخلها ثم حدث اتفاق بين الطرفين على أن يسلم قادة الشيعة الثلاثة أنفسهم لمعاوية كرهائن إلى حين يتم القبض على قتلة عثمان إلا أن معاوية غدر بالقادة الثلاثة و استولى على مصر 4. و لما بلغ علي بن مصاب أبي حذيفة بعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مصر فدخلها سنة سبع و ثلاثين و استمال الخارجين بأهل خربتا و مصر يومئذ من جيش علي إلا أهل خربتا الخارجين بها 5.

ثم أوقع معاوية بين قيس و الإمام علي. و تم عزل قيس و تولية محمد بن أبي بكر الذي لم يتمكن من الصمود أمام جيش معاوية بقيادة عمرو بن العاص و سقط قتيلا في عام 38 هـ و لم يمكث في الحكم سوى خمسة أشهر 6.

و يبدو أن محمد بن أبي بكر استفز القوم في مصر كما لم يتمكن من التصدي لهذا التحدي الخارجي القادم من الشام بالإضافة إلى مواجهة الفتن في الداخل.

و بعد سقوط بني أمية و قيام دولة بني العباس ظهرت دعوة بني حسن بن علي بمصر و تكلم الناس بها. و بايع كثير منهم لعلي بن محمد بن عبد الله و كان أول علوي قدم مصر و قام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن حبيش الصو في من خاصة الإمام علي و شيعته و حضر الدار في قتل عثمان 7. و ما زالت شيعة علي بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكل على الله إلى مصر يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق فأخرجوا في رجب عام 236 هـ .

واستتر من كان بمصر على رأس العلوية. و قام يزيد بن عبد الله أمير مصر يومئذ بتتبع الروافض و حملهم إلى العراق.

و مات المتوكل و جاء المستنصر فورد كتابه إلى مصر بألا يقبل علوي ضيعه و لا يركب فرسا و لا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها. و أن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد. و من كان بينه و بين أحد من الطالبيين خصومة قبل قول خصمه فيه و لم يطالب ببينة 8. و جاء المستعين و استمرت سياسة التهجير لشيعة مصر من الطالبيين.

و هذه السياسة التي مارستها حكومات بني العباس ضد أبناء آل البيت في مصر إنما كان الهدف منها القضاء على الوجود الشيعي في مصر بنفي قيادات الشيعة و العناصر الفاعلة في دائرتها ليتم عزل جماهير الشيعة تمهيدا لاحتوائها و تصفيتها.

و في عام 252 هـ قامت ثورة شيعية بالإسكندرية بقيادة جابر بن الوليد المدلجي و اجتمع إليه خلق كثير من بني مدلج و هزم جيش العباسيين و قوي أمره و أتاه الناس و تمكن من السيطرة على الوجه البحري. إلا أن هذه الثورة لم تنجح 8.

ثم حدثت ثورة أخرى صغيرة قادها بغا الأكبر - يمتد نسبه إلى الحسين - في الصعيد. و قامت بعدها ثورة أخرى قادها بغا الأصغر فيما بين الإسكندرية و برقة في عام 255 هـ. في عهد ابن طو لون و سار في جمع إلى الصعيد لكنه قتل.

و ثار ابن الصو في العلوي في الصعيد و استولى على إسنا و هزم جيش ابن طو لون لكنه هزم في إخميم و فر إلى مكه و قبض عليه ابن طو لون بعد ذلك.

و في عهد خمارويه بن أحمد بن طو لون ظهر رجل ينكر أن أحدا خيرا من أهل البيت فوثب عليه العامة و ضرب بالسياط في عام 285 هـ  8.

و حدث صدام بين جمع من الأهالي و الجند أمام الجامع العتيق - جامع عمرو - بسبب لوحة على باب الجامع ذكر فيها الصحابة و القرآن. و أراد الأهالي خلعها فتصدى لهم الجند و وقعت إصابات في الجانبين 8.

يقول المقريزي: و ما زال أمر الشيعة يقوى في مصر إلى أن دخلت سنة 350 هـ ففي يوم عاشوراء وقعت منازعة بين الجند و بين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف و النوح و قتل فيها جماعة من الطرفين. و تعصب السودان - الجنود - على الرعية فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا: من خالك.؟ فإن لم يقل معاوية بطشوا به وشلحوه. ثم كثر القول: معاوية خال علي 8.

و كان على باب الجامع العتيق شيخان من العامة يناديان في كل يوم جمعة في رجوة الناس من الخاص و العام: معاوية خالي و خال المؤمنين و كاتب الوحي و رديف رسول الله – و هذا أحسن ما يقو لونه – و إلا فقد كانوا يقو لون: معاوية خال علي من ها هنا – و يشيرون إلى أصل الأذن – و يلقون أبا جعفر الحسيني فيقو لون له ذلك في وجهه. و كان بمصر أسود يصيح دائما: معاوية خال علي فقتل بتنيس أيام القائد جوهر8.

و قد قام خصوم الشيعة في مصر بمظاهرة في عهد كافور الأخشيدي يطالبونه فيها بنصرة إخوأنهم الذين ثار عليهم الطالبيين بمكة 8.

و استمرت مطاردة الشيعة و ضربهم كلما ظهرت لهم شعيرة أو ارتفع لهم صوت و ضرب رجل شيعي بالسياط و جعل في عنقه غل و حبس حتى مات و أراد العامة نبش قبره إلا أن جند كافور منعوهم.

و في عام 356 هـ كتب على المساجد ذكر الصحابة و التفضيل أي تفضيل أبي بكر على علي. لكن كافور أمر بإزالته.

و مثل هذا السرد التاريخي إن دل على شئ فإنما يدل على أن الشيعة كان لها وجودها البارز و الفعال على الساحة المصرية و في قلب القاعدة الشعبية. و هذه الوقائع تشهد على هذا فهي رد فعل سني تجاه هذا التواجد المستفز لهم.

 

بين العباسيين و الفاطميين

و بعد سقوط الأخشيديين و دخول الفاطميين مصر ظهر مذهب التشيع و أذن في مساجد مصر الجامعة و غيرها: حي على خير العمل. و بدأت الشعارات الشيعية تبرز على ساحة الواقع و منها الجهر بأفضلية علي و الصلاة عليه و على الحسن و الحسين و فاطمة.

و دارت الدائرة و هم جوهر الصقلي بإحراق رحبة الصيارفة بسبب تظاهرهم ضد الحكومة رافعين شعار: معاوية خال علي 8.

و صدر الأمر بالجهر بالبسملة و كتب على سائر الأماكن في مصر: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم علي. و أمر بالصوم و الفطر على مذهب الشيعة. و قطعت صلاة التراويح من جميع البلاد المصرية 8.

و في ربيع 385 هـ جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت. و تسارع الناس إلى الدخول في الدعوة فقدموا من سائر النواحي و الضياع فكان للرجال يوم الأحد و النساء يوم الأربعاء. للأشراف و ذوي الحاجة يوم الثلاثاء. و تزاحم الناس على الدخول في الدعوة فمات عدة من الرجال و النساء 8.

و لم تواجه جماهير السنة في مصر أية ضغوط من قبل الدولة الفاطمية لإجبارها على التخلي عن مذهبها كما أشاع خصوم الفاطميين. و أنما الجماهير هي التي زحفت طواعية نحو دعوة آل البيت حتى تحول أنصار مذهب السنة إلى أقلية.

و قد كانت الحرب الدعائية على أشدها ضد الفاطميين من قبل العباسيين في بغداد. و من صور هذه الحرب إعلان العباسيين وثيقة وقع عليها وجهاء من السنة.

و الشيعة تدعي بطلان دعوى الفاطميين في الانتساب إلى آل البيت 9.

و قد تأثرت الكتابات التاريخية التي رصدت تلك الفترة بهذه الحرب و أنحازت إلى صف العباسيين السنة. و برز هذا الأمر بوضوح بعد سقوط الدولة الفاطمية على أيدي الأيوبيين 10.

و يدافع المقريزي عن حملات التشكيك التي وجهت للفاطميين في مسألة نسبهم لآل البيت و محاولة نسبتهم لليهود و المجوس.

يقول المقريزي: و هذه أقوال إن أنصفت يتبين لك أنها موضوعة. فإن بني علي قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد و جلالة القدر عند الشيعة. فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم و الدعاء لابن مجوس أو لابن يهودي. فهذا مما لا يفعله أحد و لو بلغ الغاية في الجهل و السخف. و أنما جاء ذلك من قبيل ضعفة خلفاء بني العباس عندما غضوا بمكان الفاطميين. و أسجل القضاء بنفيهم من نسب العلويين و شهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان الرضي و المرتضى و أبو حامد الإسفراييني في عدة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة 402 هـ أيام القادر. و كانت شهادة القوم في ذلك على السماع لما اشتهر و عرف بين الناس ببغداد و أهلها إنما هم شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب و المتطيرون من بني علي الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة. فنقل الأخباريون و أهل التاريخ. ذلك كما سمعوه و رووه حسبما تلقوه من غير تدبر 11.

 

الفاطميون و مصر

لم تستفد مصر من و لاتها الذين حكموها منذ الفتح الإسلامي قدر ما استفادت و أنتفعت من الفاطميين على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و العلمية و أن بناء القاهرة و الجامع الأزهر لهما خير دليل على ذلك.

و التاريخ يحدثنا عن نهضة واسعة في الحياة الفكرية و الأدبية في العصر الفاطمي كما يحدثنا عن ازدهار العلوم الفلسفية و الرياضيات و الفلك و التنجيم و الطب.

و يقول الدكتور محمد كامل حسين: في العصر الفاطمي نرى تطورا جارفا في الحياة الفكرية و لا سيما في العلوم الفلسفية على اختلاف ألو أنها وفنونها. إذ ازدهرت هذه العلوم ورعاها الخلفاء الفاطميون. بل كان هؤلاء الخلفاء من العلماء المبرزين في بعض هذه العلوم. وخاصة في الإلهيات والفلك و قد اهتم الفاطميون برصد النجوم واهتموا بعلماء الرياضيات اهتماما خاصا كما اهتموا بالشعر واتخذوه وسيلة من وسائل دعوتهم السياسية. و كان الفاطميون أساتذة فن الدعاية واتخذوا لها كل الوسائل الممكنة في عصرهم وجندوا للدعاية كل من يفيدهم في هذا المضمار و لا أكاد أعرف دولة من الدول الإسلامية أقامت للشعراء هذا التمجيد.

أو اهتمت بهم هذا الاهتمام فلا غرو إذا إن ازدهر الشعر المصري ازدهارا لم يعرف من قبل 12. و يقول الدكتور عبد المنعم الماجد:. ويرجع الفضل إلى الفاطميين في خلق أهمية مركز مصر الدولي للتجارة. إذ أنهم عرفوا مزايا الموقع الجغرافي لمصر في مفترق القارات لتربط بين عالمين ولكي يسهل الفاطميون نقل التجارة بين الشرق والغرب فتحوا القنال بين النيل والبحر الأحمر وهو ما عرف في عهد المستنصر بالخليج الحاكمي نسبة إلى الحاكم بأمر الله 13. و قد ذكر الرحالة ناصر خسرو عندما مر بمصر في تلك الفترة: أن المصريين كانوا في حالة حسنة جدا. و أنه رأى أموالا يملكها بعض المصريين لو ذكرها أو وصفها لما صدقه أحد. فهي لا تقع تحت تحديد أو حصر. و هي للنصارى والمسلمين على السواء. (23)

وذكر أيضا: و قد رأيت الأمن والعدل فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع: الأول بالدشت أيام نشكر خان. والثاني بالديلم أيام أمير الأمراء جستان بن إبراهيم والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والرابع بطبس أيام الأمير أبي الحسن بن محمد. فلم أسمع على كثرة ما سافرت بهذه الجهات عن الأمن و لم أره 8.

لقد أصبحت مصر لأول مرة في التاريخ مركز الحكم والتوجيه وتحولت القاهرة إلى عاصمة للعالم الإسلامي كما أصحبت منارة العلم وقبلة المتعلمين وذلك بفضل الفاطميين الشيعة. و كانت الدولة الفاطمية تمتد من أقصى المحيط الأطلسي إلى الفرات وبلغت دعوتها إلى أقصى انتشارها ووصل غناها إلى الذروة. وهكذا كان حال الدولة الفاطمية حين تسلمها المستنصر بالله الخليفة الثامن من خلفاء الفاطميين 8.

و كانت الدولة الفاطمية في خلافة الظاهر والد المستنصر في غاية الاستقرار والرفاهية و لاجل ذلك مال الظاهر إلى الدعة والراحة و لما جاء المستنصر ركن إلى هذا الحال 8.

و قد ازدهرت الحركة العمرانية في عهد الفاطميين كما ازدهرت صناعة النسيج واشتهرت مصر بصناعة أنواع خاصة من النسيج. و كانت الحكومة تقوم بكسوة موظفيها في الصيف و الشتاء و كسوة العامة من الفقراء و المحتاجين 8.

و لم تكن المواكب المترفة غاية الترف التي كانت تخرج في شوارع القاهرة في المناسبات الدينية كعيد الفطر والأضحى وبداية رمضان وكذلك في عيد ميلاد الخليفة - هذه المواكب تشير في دلالة واضحة إلى حالة الرخاء والسعة التي كانت تعيشها في تلك الفترة.

وجميع أفراد الشعب كانوا يتأنقون لهذه المواكب فيلبسون أغلى الملابس وأروعها و التي كانت تصنع في دور الطرز المصرية. و هي أماكن لصناعة الملابس أغلبها مذهبة. يشملها زي مصري عام ذو أكمام واسعة. و قد بلغت الناس غاية التأنق في عهد الظاهر 14.

و كان الخليفة العزيز يقول: أحب أن أرى النعم عند كل الناس ظاهرة. وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر. ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار. و أن يكون ذلك كله من عندي 8.

ويروي المؤرخون الكثير عن عدل المستنصر ورحمته بالناس فقد كان يعطي الدواء لمن يطلبه المجان ويخالط الناس ويسمع شكواهم و قد أحبته الرعية حبا شديدا 15.

كما يروى أن النفقة على قافلة الحج في عهد المستنصر بلغت مائتي ألف دينار و لم تبلغ هذه النفقة مثل ذلك في دولة من الدول حيث كانت تشمل ثمن الطيب والشمع والحماية والصدقة وأجرة الجمال ومعونة خدم القافلة و من يسير معها من العسكر الذين بلغت نفقاتهم في عهد المستنصر ستين ألف دينار زيادة على مرتباتهم أو ألف دينار في اليوم 16.

و قد أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395 هـ و زودها بالكتب من كل نوع في العلوم و الآداب و العقائد و كان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار. فكانت أشبه بجامعة تتكون من عدة كليات. و كانت خزانة الكتب في زمن المستنصر لا نظير لها في جميع بلاد الإسلام و هي تتكون من أربعين خزانة فيها أكثر من مائتي ألف كتاب و عدد كبير من الكتاب و النساخ 8.

و بلغ عدد المساجد في مصر آنذاك ستة و ثلاثون ألف مسجد في جميع المدن و القرى و لكل مسجد يقع في حدود الدولة من الشام إلى القيرو أن نفقات يقدمها الخليفة المستنصر من زيت و حصير و سجاجيد للصلاة و رواتب للقوام و الفراشين و المؤذنين و غيرهم 8.

و اعتاد خلفاء الفاطميين أن يقيموا في قصورهم الولائم الفاخرة في الأعياد لعامة الناس حيث تقدم لهم الفطرة و هي حلوى من دقيق و فستق و لوز و بندق و تمر و زبيب و عسل و هي تنشر كالجبل الشاهق على مائدة طويلة بالإيو أن الكبير 17.

و في عيد الأضحى كان الخليفة ينحر بنفسه الأضاحي إيذانا منه ببدء النحر.

و كانت تنحر في فترة العيد ما يزيد على الألف رأس توزع لحومها على الموظفين و طلبة العلم و القائمين بشئون الجوامع 18.

إن الدولة الفاطمية التي استقرت بمصر فكانت أوفرها بين الدول بهاء و أبقاها أثرا و ما زال الجامع الأزهر غرس الدولة الفاطمية اليانع يقوم منذ ألف عام أثرا خالدا و رمزا باهرا لهذا العصر الزاهر و هذه الدولة المستنيرة العادلة. و ربما كان العصر الفاطمي بين عصور مصر الإسلامية الغابرة أجودها من هذه الناحية بالدرس و التمحيص و أحفلها بالمواقف الشائقة و أكثرها سحرا و فتنة و أبعثها إلى التأمل و العطف لأن الخلافة الفاطمية بالرغم مما كان يحيق بأصولها و أمامها من الريب فقد كانت بنظمها الطريفة و رسومها الفخمة و خلالها الباهرة تنثر من حولها فيض من العظمة و البهاء و تطبع العصر بطابع عميق من روحها الباذخ كما يحدثنا التاريخ 19.

و في أيام هذه الدولة أخذت أنوار الحضارة الإسلامية تنبثق من هذه المدينة الزاهية على أرجاء الأرض. و أخذ الفن المصري الإسلامي يتألق في جميع نواحيه. و في رعاية هذه الدولة وثبت العمارة الإسلامية وثبة قوية حتى قاربت الكمال لأن خلفاءها تباروا في إنشاء و تأسيس المساجد الكبرى و الحصون و القصور و المناظر و الحدائق و البساتين. و في هذا العصر الزاهي انتشر الزخرف في واجهات المساجد و أنتعش التصوير و نبغ المصورون و ترقت و دقت صناعة الجص و الأخشاب. و كانت أيامهم كلها أعيادا بما ابتكروه من حفلات جمعت بين جلالة الملك و طرب الشعب و بهجته 20.

 

الهوامش:

1. المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار المعروف بالخطط المقريزية ج‍ 2.

2. المرجع السابق ج‍ 1 و أنظر أيضا النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة.

3. المرجع السابق ج‍ 1 انظر النجوم الزاهرة.

4. أنظر تفاصيل هذا الاتفاق في الخطط. ج‍ 3 ص 265.

5. المرجع السابق و النجوم الزاهرة. يروي ابن تغري: و أقامت شيعة عثمان بخربتا إلى أن جاء معاوية من الشام إلى مصر فخرج إليه ابن أبي حذيفة بأصحابه فمنعوه من الدخول إلى الفسطاط ثم اتفقا على أن يجعلا رهنا و يتركا الحرب. فاستخلف محمد بن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت و خرج في الرهن و عدة من قتلة عثمان فلما وصلوا إلى معاوية قبض عليهم و حبسهم و سار إلى دمشق. فهربوا من السجن فتتبعهم أمير فلسطين حتى ظفر بهم و قتلهم في ذي الحجة عام 36 هـ .

6. أنظر الخطط و النجوم. يروي ابن تغري: لما اختل أمر مصر على محمد ابن أبي بكر و بلغ علي قال: ما لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه قيس بن سعد - و مالك بن الحارث الأشتر. و كتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر على مصر فشق عليه و عظم ذلك لديه. فكان أن دبر قتله بالسم و مات بالقرب من عين شمس.

7. أنظر الخطط ج‍ 3 ص 270 / 271.

8. a. b. c. d. e. f. g. h. i. j. k. l. m. n. o. p. q. r. s. t. u. v. المرجع السابق.

9. أنظر نص الوثيقة في ملاحق الكتاب.

10. أنظر المراجع التاريخية المعتمدة. و قد اتفق جميع المؤرخين على تشويه الفاطميين لكونهم شيعة. و يبدو ذلك بوضوح عند مؤرخي فترة ما قبل سقوط الدولة الفاطمية الذين كانت تحرضهم بغداد. كما يبدو عند مؤرخي فترة الأيوبيين و ما بعدهم. انظر تأريخ الخلفاء للسيوطي و الذي أرخ فيه لجميع الخلفاء المسلمين عدا الفاطميين الذين استثناهم عن عمد في كتابه.

و أنظر النجوم الزاهرة. و الكامل لابن الأثير و البداية والنهاية لابن كثير و بدائع الزهور في وقائع الدهور و الروضتين في أخبار الدولتين.

11. الخطط ج‍ 2 ص 21 و ما بعدها. فصل ذكر ما قيل في نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة.

12. الحياة الفكرية و الأدبية بمصر من الفتح العربي حتى آخر الدولة الفاطمية.

ط القاهرة.

13. الإمام المستنصر بالله الفاطمي. ط القاهرة عام 61 (23) سفر نامه. نقلا عن المرجع السابق.

14. المرجع السابق و أنظر خطط المقريزي. و يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن: يعتبر عهد العزيز بالله الفاطمي عهد يسر و رخاء و تسامح ديني و ثقافة لا غرو و قد أنشئ في عهد الحاكم دار الحكمة التي كان يشتغل بها كثير من القراء و الفقهاء و المنجمين و النحاة و اللغويين و ألحق بها مكتبة أطلق عليها دار العلم حوت كثيرا من أمهات الكتب مما ألف في مصر و غيرها من البلاد الإسلامية / تاريخ الإسلام السياسي و الثقافي و الاجتماعي.

15. المرجع السابق و أنظر خطط المقريزي و بدائع الزهور و النجوم الزاهرة.

16. الإمام المستنصر بالله الفاطمي.

17. أنظر خطط المقريزي و أنشأت دار الفطرة في عهد العزيز بالله وقرر فيها ما يعمل مما يحمل إلى الناس في العيد و كانت قريبة من المشهد الحسيني.

18. a. b. c. أنظر الخطط.

19. الحاكم بأمر الله و أسرار الدعوة الفاطمية.

20. عيد الغدير في عهد الفاطميين. الأستاذ محمد هادي الأميني. ط النجف عام 62.