تطبيق الشريعة في نيجيريا (الجزءالاول)

  • رقم الخبر 1629
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص لم تكن قضية تطبيق «الشريعة الإسلامية» وليدة الساعة في منطقة ما يُسَمّى الآن «نيجيريا»، وقِدَمها قِدَم انتشار الإسلام في الدويلات التي نشأت في المنطقة.


عادت دولة نيجيريا إلى (الحكم الديمقراطي) في نهاية شهر مايو عام 999‏1م، وسط ترحيب حارٍّ من الدول الغربية، ‏وأصبحت تلك هي تجربتها ‏الثالثة للحكم المدني منذ استقلالها عام 1960م، ولم يمضِ أكثر من خمسة أشهر، من إجراء الانتخابات وتسلُّم الحكومات المنتخبة لزمام الحكم في البلد، حتى أعلن حاكم ولاية «زمفرا» - الواقعة في شمال غرب نيجيريا - عن عزمه على تطبيق «الشريعة الإسلامية» في ولايته.

‏وتجمّع المسلمون بمناسبة ذلك في تجمّع لم يُرَ مثله في تاريخ نيجيريا الحديث، ‏وقُدِّر الحضور بأكثر من مليونَي شخص من أنحاء نيجيريا كافّة والدول المجاورة، ‏الآلاف منهم تجشَّموا عناء قطع عشرات الأميال على الأقدام لحضور تلك المناسبة، وتسجيل تأييدهم لها وتضامنهم مع ولاية «زمفرا» وحاكمها، ‏ولم تشهد دولة نيجيريا في تاريخها منذ نشأتها عام 1914م حادثاً عبَّر فيه شعب من شعوبها عن اختيارهم في رسم مصيرهم وتثبيت هُوِيَّتهم مثل هذا.

وقد تسبّب هذا في تنفيذ بقية «الولايات الشمالية» ذات الأغلبية المسلمة قضية تطبيق الشريعة، بعضها اختياراً من حكّامها لما شاهدوه بأعينهم من المسلمين الذين يمثّلون جمهور ناخبيهم، وبعضهم خضوعاً من الحكام لمطالب الناخبين، فأصبح عدد الولايات التي تبنَّت قضية تطبيق الشريعة الإسلامية 12‏ ولاية، كلّها في شمال نيجيريا، وكذلك تحرك المسلمون في «جنوب غرب نيجيريا» يطالبون حكوماتهم بإنشاء محاكم شرعية تحكم فيهم بالشريعة الإسلامية.

وقد أوقعت هذه ‏القضية المسلمين في نيجيريا في وسط أوضاع مليئة بالتحديات والمخاوف، فإنه مما لا يخفى على كلّ مراقب للمسرح النيجيري أن الجماهير من المسلمين في نيجيريا قد أثبتوا بتأييدهم لقضية التطبيق أن ولاءهم المطلق للإسلام، وما أجمعوا على شيء مثل إجماعهم على المطالبة بتطبيق «الشريعة الإسلامية»، وما ذلك إلا من أجل أملهم في أن «الشريعة الإسلامية» هي التي تضمن لهم الكرامة في هذه الحياة، وتحقّق لهم الأمن والاستقرار، وتقضي على الفساد الذي طالما ذاق مرارةَ نتاجه جميعُ فئات المجتمع، كما يؤمِّلون أن الإسلام سينتشر ويقوَى بتطبيق الشريعة، وأنه هو الحلّ الذي يُخرِجهم من الحضيض الذي تردَّوا فيه بسبب ابتعادهم منه منذ أيام الاستعمار إلى يومهم هذا.

فهل لدى الحكومات التي تبنَّت قضية التطبيق، وعلماء المسلمين، والمؤسّسات العلمية والدعوية التي تخدم وتدعم قضية التطبيق - الرؤية والعزيمة والقدرة المطلوبة لتحقيق المقاصد العالية من تطبيق الشريعة الإسلامية، فتتحقق من ثَمّ طموحات عامّة المسلمين الذين أبدَوا استعدادهم لتقديم كلّ التضحيات من أجل نجاح هذه العملية؟ وهل لدى تلك الجهات المذكورة الاستعداد المطلوب لمواجهة الاستعمار القديم والجديد وأذنابه من الشخصيات والمؤسّسات العلمانية، الذين قد بذلوا جهوداً جبارة ومضنية - ولا يزالون - في احتواء الشريعة الإسلامية في نيجيريا، ومن ثَم ترويضها، وفي النهاية القضاء عليها؟ وهاهم أولاء قد فوجئوا بعودة الشريعة وقيمها بعد يقينهم بأن (العلمنة) التي أسّسوها وشيدوا بناءها، ستظل حريصة على الإجهاز على تطبيق الشريعة، فهذان الأمران من أهمّ ما يواجه قضية التطبيق من تحديات.

وأما المخاوف؛ فأعظمها مخافة الإخفاق في هذه القضية، فضريبة الإخفاق لا شك أنها ستكون عظيمة، وستظلّ الأمّة الإسلامية في نيجيريا تدفع الثمن لفترة زمانية طويلة، نسأل الله العافية.

وقبل الحديث عن مستقبل تطبيق الشريعة في نيجيريا، في إطار ما أشرنا إليه من التحديات والمخاوف، لا بد من الحديث حول حقيقة التطبيق، مع التمهيد له بذكر الخلفية التاريخية للقضية.

 

أولاً: الخلفية التاريخية لقضية تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا:

حالة الشريعة قبل جهاد الشيخ عثمان بن فودي:

لم تكن قضية تطبيق «الشريعة الإسلامية» وليدة الساعة في منطقة ما يُسَمّى الآن «نيجيريا»، وقِدَمها قِدَم انتشار الإسلام في الدويلات التي نشأت في المنطقة(1)، ففي مملكة «كانم برنو»، التي تُعَدّ إحدى كبرى ممالك بلاد السودان في العصور الوسطى، وكانت متاخمة لبحيرة تشاد، انتشر الإسلام فيها على يد مَلِكها «همي جلمي» (1075م - 1086م)، فتقول إحدى المحارم(2): «‏هذا المكتوب عن دخول الإسلام في جميع بلدان جيمي برنه (أي بلد برنو)؛ ليعلم أن السلطان (همي) دخل في الإسلام، ونشره ‏بالتعاون مع (العالم) محمد بن ماني وسعيد بن مريم».

ثم قرأ هذا السلطان القرآن من البقرة إلى الناس، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي على الفقيه المذكور محمد بن ماني، وأجازه بمنحه مائة من الإبل، ومائة من الذهب والفضة والعبيد؛ اعترافاً بجميله، حيث أقرأه القرآن والفقه، وكتب ذلك في وصية (أو ما يُسَمّونه محرم).

فانتشر الإسلام في عهده، وتابع السلاطين من سلالته - وهم السيفيون - نشر الإسلام، واستمروا في مواصلة العلماء بكتابة وصايا الامتيازات لهم وخدمتهم، وذكر أنهم بنوا في القاهرة سكناً لطلبة العلم من أهل «كانم برنو» الذين كانوا يقصدون مصر للتعليم، وذلك في فترة ما بين (1242م ‏- 1252‏م) الموافق لـ (640ه - 650‏ه)(3)، ولا شك أن أولئك السلاطين لم يُولُوا نشر الإسلام والعلم الشرعي هذه العناية إلا من أجل تحكيم الشريعة في رعاياهم، وفي سنة 1484م أصبح سلطان مملكة «برنو» يلقّب بالخليفة.

وقد نصّب السلاطينُ القضاة والشرطة والوزراء وأمراء الجيش؛ لتقوم أمور الدولة على الشرع، ويشهد على ذلك أن السلاطين عند كتابتهم لوصايا الامتيازات كانوا يُشهدون عليها أصحاب هذه المناصب، ومن تلك الوصايا النص الآتي: «كتبت هذه الوصية خوفاً من النسيان، ولإعلام كلّ مَن وصلت إليه من الأمراء والشرطة والحكام والعلماء والقضاة والوزراء والرعايا ومعاشر المسلمين»(4).

قام «مي إدريس ألوما» (1571م‏ - 1603‏م) بإجراء إصلاحات في نظام الحكم والقضاء على ضوء الشريعة الإسلامية(5).

ومملكة «برنو» قد امتدت جنوباً إلى منطقة «آدماوا»، كما دان لها المناطق المتاخمة لبحيرة تشاد شرقاً وغرباً، ووصلت حدودها الغربية إلى القرى المتاخمة لـ «كانو» في بلاد «هوسا»، وإن لم تخلف «برنو» أثراً ملموساً من آثار العمل بالشريعة في جميع المناطق الخاضعة لها، إلا أن تراثها كان له أثر بالغ في ذلك، من أبرزه بقاء معظم أهل المنطقة في الإسلام، حتى إن بعض الباحثين المَعْنِيين بالدراسة الأنثروبولوجية لأهل المنطقة بالغ وادَّعى أن من آثار «برنو» الإسلامية أنه لا يوجد وثني في قبيلة «كانوري»، وذكر أن أكثر المجالات تأثراً بالإسلام في ثقافة أهل «برنو» هو مجال القانون والتعليم والنّظم الاجتماعية(6).

وأما دويلات «هوسا»، فكانت سبع دويلات: «كانو»، «كاتسينا»، «زاريا»، «دورا»، «غوبر»، «رنو»، «بروم»، وقد امتدَّ نفوذ تلك الدويلات في الأقوام المجاورة لها، فأخذوا لغتها وثقافتها حتى أصبحوا يُعَدون من «الهوسا» لكن بالدرجة الثانية، ومن أهم أولئك الأقوام أهل «زمفرا» و «كيببي» و «ياوري».

وتُعَدّ «كانو» و «كاتسينا» في القرن الرابع عشر الميلادي قلبَ بلاد «هوسا»، فالأولى لكونها مركزاً للتجارة، والثانية لشهرتها بالعلم، وكلاهما كانا على طريق القوافل التجارية من شمال إفريقيا عبر الصحراء الكبرى، وقوافل الحجّ من أقصى غربي إفريقيا إلى المشرق، وهاتان المدينتان كانتا أقدم بلاد «هوسا» إسلاماً(7).

‏في «كانو» انتشر الإسلام في عهد ملكها «علي ياجي» (1349‏م - 1385م)، ولم يكن بأول ملوكها إسلاماً، فقد أسلم قبله الملك «تزاميا» الذي قام بتدمير معبد صنم «كانو» آنذاك، وكان أول مَن أُثِر عنه استعمال عبارة «إن شاء الله»(8).

وفي عهد «ياجي» وفد على «كانو» مجموعةٌ من العلماء الماليين من «ونغراذ»، وأدخلوا مجموعة من كتب الفقه والحديث، وذلك في عام 1380م، وكان يَلِي القضاء في ذلك العهد أحد أولئك الماليين وهو الشيخ «عبدالرحمن زيتي»، وبعده بقرابة قرن في عهد الملك يعقوب (1460م)، ذكرت الوثائق أن الدُّعَاة الفلانيين قاموا إلى «كانو» بكتب العقيدة واللغة، وساعد في انتشار كتب العلم والعلماء كون «كانو» - وكذلك «كاتسينا» - على طريق قوافل الحج والتجارة كما تقدَّم.

‏وتوالت حركة العناية بالعلم من ملوك «كانو» حتى شَهِدت الدولة حركة إصلاحية قوية من ملكها محمد رومفا (1463م ‏- 1499‏م)، وصادف ذلك قدوم الفقيه المفسِّر «محمد بن عبدالكريم المغيلي التلمساني» من جنوب الجزائر، وكان كثير الترحال والتنقل في أرجاء المغرب الكبير، وفي «إقليم السودان الغربي» وهو غرب إفريقيا الآن، وكان لهذا العالم أثر كبي في إصلاح مجتمع بلاد «هوسا» على ضوء الشريعة الغرَّاء، وامتد أثره غرباً إلى مملكة «صنغاي»، وقد عمل مستشاراً سياسيّاً لـ «محمد رومفا»، فألّف له كتاب (‏الوصية)، ‏وكتاب (‏تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين)، أرشده فيه إلى المؤهلات والواجبات المكلَّف بها كلّ مَن تولّى مقاليد الحكم، وعرض ذلك في ثمانية أبواب:

الخمسة الأولى منها فيما يجب على الأمير أن يقوم به في كل أحواله: ‏من حسن النية، ‏و‏ترتيب مملكته، و‏الحذر بالحضر والسفر، و‏الكشف عن الأمور الخاصة برعيته، أما الأبواب الثلاثة الأخيرة، فهي: ‏فيما يجب على الحكام من العدل في الأحكام، و‏في جَبْي الأموال من وجوه الحلال، و‏في مصارف أموال الله(9)، فذكر على سبيل المثال في (باب ما يجب على الحكام من العدل في الأحكام) أن الأمير يجب أن يكون عدلاً في معاملاته كلها، وألا يميز بين المتداعين في مجلس القضاء، كتمييز بعضهم بمجلس خاص أو في مخاطبتهم، وذكر الشروط المعتبرة في الشهود، وما يجب في حقهم من العدالة والقوة العقلية، ووجوب البحث والنظر قبل تنفيذ الحكم، وأن القضاء يجب أن يوافق أحد المذاهب الأربعة، وأن كلّ قضاء لا يستند إلى ما عليه أحد هذه المذاهب، فهو جَوْر ويجب نقضه(10).

‏ولم يقتصر أثر «المغيلي» في «كانو» فحسب، بل امتد إلى «كاتسينا»؛ حيث عمل بها قاضياً(11)، وانتشار الإسلام في «كاتسينا» كان قريباً منه في «كانو»(12).

وقد ترك «المغيلي» ميراثاً ثريّاً لمنطقة بلاد «هوسا»، أثرَى حركة الإصلاح وقضية تطبيق الشريعة، وكان ذلك واضحاً في كثرة نقولات الشيخ «عثمان بن فودي» من تواليفه، وخصوصاً من أجوبته عن أسئلة «أسكيا محمد» ملك مملكة «صنغاي»، وكتاب ‏(تاج الملوك)، كما يُنسب إلى «المغيلي» أيضاً أنه أول من أدخل كتاب (مختصر خليل) في الفقه المالكي إلى المنطقة، ويُعَدّ هذا الكتاب من أكبر مصادر علم القضاء على المذهب المالكي لدى أهل المنطقة.

‏ومن كتب القضاء التي يرجع انتشارها إلى هذه الفترة كتاب (تحفة الحكّام) ‏لابن عاصم،

وكتاب (التبصرة) ‏لابن فرحون، و (فتح العلي المالك)، و (قوانين الأحكام الشرعية) لابن جزي، وقد كان لهذا التراث إسهام فاعل في توطيد دعائم العمل بالشريعة في شمال نيجيريا.

‏وأما سائر مناطق شمال نيجيريا كمنطقة «نوفي»، ومنطقة «جنوب غرب نيجيريا» (وهي بلاد يوربا)، فما ذكرتْه المصادر التاريخية فيما يتعلق بقضية «تطبيق الشريعة» يرجع إلى فترة بعد هذه الفترة بكثير.

 

جهاد الشيخ عثمان، وخلافة سوكوتو:

ومع ما تقدَّم ذكره من جهود بعض ملوك «هوسا»، وكذلك «كانم برنو» في نشر الإسلام والعمل بالشريعة، فلم تكن تلك الجهود كافية لإصلاح المجتمع من جذوره إصلاحاً يشمل جميع فئات المجتمع، فالعلماء كانوا قلّة، والتجَّار - الذين لم يزل دورُهم في نشر الإسلام فعَّالاً - ليس لهم من العلم ما يؤهِّلهم لشرح القواعد الأساسية للإسلام، ولا المعاني الدقيقة لهذا الدين التي يحتاج إليها لبناء شخصية المسلم، فنتج من هذا أن بقي كثير من العامّة يمارسون ما يشبه جاهليتهم من التعلق بغير الله، والذبح للجن والأشجار، وإتيان الكهنة والسحرة والتطيّر، وإدمان الخمر، وتبرج النساء، وغير ذلك، مع أدائهم لبعض شعائر الإسلام كالصلاة والصوم، ثم بمرِّ العصور أصبح السلاطين يكتفون بادّعاء الإسلام من أجل مصالحهم الخاصة، من دون الإيمان به حق الإيمان، فانتشرت أعمال الجاهلية، وفشا الظلم والجور، واستبدل السلاطين استرقاق الجناة، أو فرض الضرائب الثقيلة والمرهقة عليهم بإقامة الحدود.

حتى جاء الشيخ «عثمان بن فودي» (1755م ‏- 1817م، الموافق 1196م - 1259هـ)، فقام بالدعوة إلى الله، وإلى ترك أمور الجاهلية والبدع في الدين، والرجوع إلى السنّة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وتجوَّل في دعوته في «بلاد قوبر» التي كانت تشكّل حدود بلاد «هوسا» الشمالية، وبلاد «زمفرا» حدودها الغربية، ونَصَر الدين، واجتمع معه أنصار لدين الله، فكانوا جماعة اجتمعوا على العلم ونشره وإحياء السنّة ومحاربة البدع وأعمال الجاهلية، والنصيحة للخلق، فحاربهم ملوك «هوسا»، فأعلن الشيخ الجهاد، ونصرهم الله على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.

‏وقد أسّس الشيخ بعد تمكين الله له مجتمعاً إسلاميّاً، ونصب الأمراء على المناطق التي دانت له، ودخلت في طاعته(13)، وهي بلاد «هوسا» قاطبة، وأجزاء كبيرة من مملكة «برنو»، فشمل سلطانه جميع ما يعد الآن شمال نيجيريا إلى أهداب كاميرون، وامتد عبر نهر «نيجا» إلى بلاد «يوربا»؛ حيث سقطت عاصمة مملكة «أويو» اليورباوية، وأصبحت إحدى إمارات خلافة «سوكوتو»، وهي مدينة «إلورن».

‏وقد أدرك الشيخ أن «الشريعة الإسلامية» هي الوسيلة الوحيدة لإصلاح المجتمع، وبه تتحقق مقاصد الجهاد، وأن المفاسد الاجتماعية وغيرها المنتشرة في بلاد «هوسا» قبل الجهاد، كان سببها غياب الشريعة الإسلامية، فتعيَّن أن الحلّ الوحيد يكون بتطبيق الشريعة، وقد ذكر الشيخ بيان مرسومه للحلّ في «وثيقة أهل السودان»، التي أعلن فيها الجهاد، فقال:

«بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليماً، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام، وهدانا بسيدنا ومولانا محمّد عليه من الله - تعالى - أفضل الصلاة وأزكى السلام، أما بعد، فهذه وثيقة ‏من ابن فودي أمير المؤمنين إلى جميع أهل السودان وإلى مَن شاء الله من الإخوان في البلدان، وهي وثيقة نافعة في هذه ‏الأزمان، فأقول وبالله التوفيق: فاعلموا يا إخواني! أن الأمر بالمعروف واجب إجماعاً، وأن النّهي عن المنكر واجب إجماعاً، وأن الهجرة من بلاد الكفر واجبة إجماعاً، وأن موالاة المؤمنين واجبة إجماعاً، وأن تأمير أمير المؤمنين واجب إجماعاً، وأن طاعته وجميع نوَّابه واجبة إجماعاً، وأن الجهاد واجب إجماعاً، وأن تأمير القضاة واجب إجماعاً، وأن تنفيذهم أحكام الشرع واجب إجماعاً».

‏وقد أقبل الشيخ وأعوانه من العلماء والنواب - ومن أبرزهم شقيقا الشيخ «عبدالله بن فودي» وابنه أمير المؤمنين «محمد بللو بن الشيخ عثمان» رحمة الله عليهم أجمعين - على بناء النظام الاجتماعي الجديد، فأسّسوا مؤسّسات يعتمد عليها تطبيق «الشريعة الإسلامية»، وفصلوا نظم إدارتها، وألّفوا مؤلفات في تحرير ذلك وتقريبه للناس من أجل العمل به، فألّف الشيخ عثمان: (بيان وجوب الهجرة على العباد، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب موالاة مؤمني الأمة، ووجوب نصب الإمام ونوابه)، و (نجم الإخوان)، ‏وكلاهما في السياسة الشرعية، وألّف الشيخ عبدالله كتاب (‏ضياء الحكام فيما لهم وعليهم) في القضاء والسياسة الشرعية، كما ألّف كتاب (ضياء السياسات والفتاوى النوازل مما هو في فروع الدين من المسائل)، وألّف أمير المؤمنين «محمد بللو» ‏كتاب (التحرير في قواعد التبصير للسياسات)، وكتاب (‏الغيث الوابل في سيرة الإمام العادل)(14)، وكلاهما في السياسة الشرعية.

‏ومن أمثلة هذه المؤسّسات الإسلامية تلك المَعْنِية بإدارة القضاء، وكانت ثلاث مؤسّسات: القضاء، وولاية المظالم، والحسبة:

أما «القضاء»: فكان القاضي يختص بالفصل بين المتنازعين بالصلح أو بالحكم القضائي، وبرد الحقوق إلى أهلها، والنظر في أموال اليتامى والمحجور عليهم، وتعيين الناظرين لهم، والولاية في النكاح لمَن لا ولي لها من النساء أو عضلها وليها، ونظارة الأوقاف، وتنفيذ الوصايا، وإقامة الحدود، والنظر في مصالح المسلمين، وإقامة التعزيرات والقصاص.

‏وأما «ولاية المظالم»: فقد كان الغرض منها الفصل في قضايا الظلم والجور، والتي يكون المدّعى عليه فيها من الشخصيات ذات المناصب في الدولة التي قد تستعصي على سلطة المحاكم القضائية العامة، وكانت تلك الولاية تسند في «سوكوتو» إلى الخليفة نفسه، وفي المناطق إلى الأمراء، وترفع إليها كذلك القضايا التي يدَّعى فيها وقوع ظلم وجور من المحاكم القضائية أو من محاكم الأمراء.

‏وأما «المحتسب»: فهو الذي كان يلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مسؤولاً عن مراقبة التجار في الأسواق في موازينهم وأمدادهم، وفي المنع من الاحتكار والمؤامرة لرفع الأسعار، كما يعاقب على الغش والفساد(15).

‏فهذه المؤسّسات - بالإضافة إلى الشرطة - كانت هي أسس نظام تطبيق الشريعة، ومحاربة الظلم والفساد في خلافة «سوكوتو»، بعد جهاد الشيخ عثمان إلى مجيء الاحتلال البريطاني.

‏وقد كان لاشتراط الفقه في الدين لتولية الولايات أثر كبير في النهضة العلمية في المنطقة، والعلم باللغة العربية، فقد كانت اللغة العربية هي وسيلة المراسلات بين الأمراء ومقر الخلافة، وبين الأمراء بعضهم إلى بعض، وبها كانت تُكتب سجلات المحاكم الشرعية، والمراسلات بين القضاة، والصكوك الشرعية والعقود والمواثيق.

‏وقد استتبَّ الأمن في المنطقة، واستقامت الأمور بعد إقامة حكم الله فيها، حتى شهد بذلك شهود عيان، منهم الرحَّالة البريطاني كلابرتن الذي زار «سوكوتو» مرتين (مرّة في 19‏/3‏/1824م، والمرة الثانية في 1825م) في عهد أمير المؤمنين «محمد بللو»، فذكر كما في يوميات رحلته: «كانت شريعة القرآن في عهد بللو تطبّق بكلّ صرامة، حتى إن البلاد كلّها - إذا لم تكن في حالة الحرب - كانت تعيش حالة الأمن، حتى إنه ليقال: إن المرأة يمكنها أن تسافر حاملة على رأسها تابوت جواهرها مملوءاً ذهباً من طرف بلاد الفلاني إلى طرفه الآخر»(16).

وفي عهد «بللو» نفسه يقول مؤلف (تقييد الأخبار في تاريخ مدينة كانو) الذي كان أيضاً شاهد عيان، يقول عن أمير «كانو» «إبراهيم دابو»: «لقد أقام العدل، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحارب البغاة وقطَّاع الطرق، وقطع أيدي السرَّاق، وهدم بيوت الدعارة، فاستتب الأمن، حتى إن الناس لا يقفلون أبوابهم في الليل، والأنعام ترعى بدون راعٍ إلا في مواسم الأمطار، وقد يسَّر الله السبل في عهده، ‏فتسير الفتاة من كوكاوا (وهي مدينة ميدغري الآن) إلى كوارا (وهي مدينة إلورن) من غير أن تتعرض لأي أذى»(17).

وكذلك قدَّم الولاة في خلافة «سوكوتو» نموذجاً رائعاً في العدالة وحسن التصرف في الحكم، فذكر مؤرِّخ المملكة «هيوستن» عن أمير المؤمنين «محمد بللو»: «وإذا نظرنا إلى كون بللو مع كونه أقوى إنسان في جميع بلاد السودان على الإطلاق، ولمدة عشرين سنة، ثم مع ذلك لم يتطرق إليه الفساد من أجل الملك والسلطة ألبتة، ويحق لنا أن نعدَّ هذا أكبر إنجازاته»(18)، وعاش «مدبوا آدما» (توفي 1848م) أمير «آدماوا» ولم يجمع شيئاً من الدنيا، ومات ولم يترك ميراثاً إلا مصحفاً(19).

‏وبهذا أثبت التاريخ الحديث للمنطقة فعالية تطبيق «الشريعة الإسلامية» في إصلاح المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، ثم جاء الاحتلال البريطاني، فتغيرت الأوضاع إلى الأسوأ.

قال ويشموند بالمر - وقد زار المنطقة في بداية القرن العشرين -: «‏إنه لمن المؤسف أنه مما لا يمكن إنكاره ‏أنّ وقائع الإجرام، وبالأخص السرقة والسلب والسطو، قد ازدادت سوءاً منذ الاحتلال البريطاني»(20).

 

حالة الشريعة في بلاد يوربا:

‏وهذه ‏المنطقة - وهي الواقعة في جنوب غرب نيجيريا - قد دخلها الإسلام وانتشر فيها، خصوصاً بعد الجهاد وسقوط عاصمتها على أيدي المجاهدين، ففي عهد أحد ملوك «إيوو» في سنة 1860م ‏إلى 1906م، كانت هناك محاكم شرعية، وكذلك أثر وجود قضاة شرعيين في بعض مدن المنطقة في بداية القرن ‏العشرين، مثل «إكيرون»، و «ايدي»(21)، ‏في مرحلة الاحتلال.

 

الإحالات والهوامش:

(1) القس جيوسيف كينيي: الشريعة والنهضة الإسلامية في نيجيريا.

Joseph Kenny OP, Sharia and Islamic Revival in Nigeria, Bulletin on Islam and Christian – Muslim Relations in Africa (Birmingham), 4:1 (1986) ,www.diafrica.org

(2) هي وثيقة الامتياز التي كانت ملوك (برنو السيفيون) يكتبونها لبعض العلماء والصالحين والأشراف، تنص على حرمتهم وحرمة ذراريهم وأموالهم وكل من انتسب اليهم، وكذلك لجميع أهل القرى التي أسسوها، فلا يؤخذ منهم الضرائب ولا يطالبون بالخدمة العسكرية؛ انظر: حامد بوبويي: العلاقة بين العلماء والملوك السيفيين في مملكة برنو.

Hamidu Bobboyi, Relations of the Bomo Ulama and the Saifawa Rulers: the role of the Mahrams, in Sudanic Africa, 4, 1993 PP 175-204.

(3) تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا، ص 115.

(4) انظر: حامد بوبوي: Sudanic Africa: 1993: P 190.

(5) الدولة والمجتمع في الممالك السودانية الثلاثة، مأخوذ من مكتبة الكونغرس الأمريكي، دراسة عن دولة تشادAndrers J.BJ?rkelo, state and society in Three Sudanic Kingdoms, Bergen, Norway , 1976, P5 Excerpted from chad: A country study, US Library of Congress. http://countrystudies.us/chad.

Martin Malone , Culture summary on the Kanuri.

(6) Martin Malone , Culture summary on the Kanuri .

(7) انظر: عن دويلات هوسا: هيوستن، مملكة الفلاني في سوكوتو، ص 7 ، 9.

H.A.S. Houston, The Fulani Empire of Sokoto, Oxford University Press, London, Ibadan, Nairobi. 1967

(8) انظر: إبراهيم آدو كوراوا: الشريعة ووسائل الإعلام في نيجيريا، 2000م، نقلاً من (تاريخ كانو).

Ibrahim Ado Kurawa, Shari`ah and the press in Nigeria, 2000:P217, citing H.R.palmer, 1928 Sudanese Memoirs: The Kano Chronicle

(9) انظر: مقال د. حسني الطنطاوي: تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين، في مجلة المجتمع العدد 1534، 1/1/2003م.

(10) انظر: إبراهيم آدو كوراوا: الشريعة ووسائل الإعلام في نيجيريا، ص 285 - 286.

(11) د. عثمان محمد بغاجي: فكرة التجديد في غرب إفريقيا.

(12) انظر: Houston, 1967 P 9.

(13) وقد كان الشيخ يعقد الألوية، ويقدِّمها لممثل كلّ منطقة من تلاميذه، ويأمره بإقامة حكم الله في المنطقة، وجملة ما عقد من الألوية 12 لواء: لواء لابنه محمد بللو الذي ولي سوكوتو، وأخيه عبدالله الذي ولي قاوندو، ولكتسينا، وكزوري، وكانو، وززو، وهديجا، وكتاقم، وقومبي، وميسو، وأمادوا، وبوشي؛ انظر: هيوستن.

(14) كتاب (بيان وجوب الهجرة) حقّقه وترجمه إلى اللغة الإنجليزية د. فؤاد مصري في رسالة الدكتوراه في جامعة الخرطوم 1978م، وحقق كتاب (ضياء الحكم) وترجمه إلى اللغة الإنجليزية شيخ ياموسي، وهو من مطبوعات الأكاديمية الإسلامية بسوكوتو، وحقّق كتاب (الغيث الوابل)، وترجمه د. عمر بللو في رسالة الدكتوراه من جامعة لندن 1984م.

(15) انظر: محمد تابع: القانون والتغيير الاجتماعي في خلافة سوكوتو، في كتاب: المجتمع والدولة في خلافة سوكوتو، تحرير: أحمد محمد كاني، وكبير أحمد غندي، سلسلة دراسات جامعة عثمان دان فوديو.

Muhammad Tabi`u, Law and Social Change in the Sokoto Caliphate, in State and Society in the Sokoto Caliphate, eds: Ahmed Muhammad Kani and Kabir A- med Gandi, Usmanu Danfodio University Series 1990.

(16) نقله إبراهيم آدو كوراوا في كتابه عن احتواء وترويض الشريعة في نيجيريا.

Ibrahim Ado Kurawa, 2002, Domestication of the Shari`ah in Nigeria, P16 Citing Clapperton, 1829, Journal of a Second Expedition to Africa, P 206.

(17) إبراهيم آدو كوراوا: الجهاد في كانوا دراسة تحليلية وترجمة لكتاب تقييد الأخبار للقاضي محمد بن صالح زنقي.

Ibrahim Ado Kurawa ,1989, The Jihad in Kano.Translation and Analysis of Taqyeed al Akhbaar of Qadi Muhammad Ibn Salih, Kano.

(18) Houston. The Fulani Empire of Sokoto ,P104

(19) المصدر نفسه، ص 69.

(20) نقلاً من: Kurawa :2002, Domestication of the shari'ha in Nigeria,17 Rashid 1986, Islamic law in Nigeria P 91..

(21) Kurawa :2000, Shari'ah and the press in Nigeria, 282 and Ishaq Kunle sanni, Independent shari'ah court

 

کاتب: د. بشير علي عمر (باحث نيجيري، خريج كلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)