تطبيق الشريعة في نيجيريا (الجزءالثانی)

  • رقم الخبر 1630
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص احتل الاستعمار البريطاني منطقةَ شمال نيجيريا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وفرض سيطرته على أقصى أطرافها الشمالية عام 1902‏م، وقد عدّ المسلمون هذا الاحتلال حرباً على الدين.


حالة الشريعة في بلاد يوربا:

‏وهذه ‏المنطقة - وهي الواقعة في جنوب غرب نيجيريا - قد دخلها الإسلام وانتشر فيها، خصوصاً بعد الجهاد وسقوط عاصمتها على أيدي المجاهدين، ففي عهد أحد ملوك «إيوو» في سنة 1860م ‏إلى 1906م، كانت هناك محاكم شرعية، وكذلك أثر وجود قضاة شرعيين في بعض مدن المنطقة في بداية القرن ‏العشرين، مثل «إكيرون»، و «ايدي»(21)، ‏في مرحلة الاحتلال.

 

حالة تطبيق الشريعة في مرحلة الاحتلال البريطاني:

‏احتل الاستعمار البريطاني منطقةَ شمال نيجيريا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وفرض سيطرته على أقصى أطرافها الشمالية عام 1902‏م، وقد عدّ المسلمون هذا الاحتلال حرباً على الدين، وأنه من علامات قرب قيام الساعة، وقاوَمُوه بشتّى الطرق، ولم يستسلموا إلا من أجل الضرورة، فأدرك المحتل سبب المقاومة، والروح الإبائية الكامنة في نفوس أهل المنطقة في كلِّ ما يمسّ دينهم وعقيدتهم، ومدى استعدادهم للحفاظ على هُوِيتهم ومؤسّساتهم الدينية، ومن أعظمها الشريعة، فاعتمد المحتل نظام الحكم غير المباشر لفرض سيطرته على المنطقة وإدارتها، فتركوا الإدارة المباشرة للبلاد بيد السلطات الإسلامية لكن تحت مراقبتهم، وبعد استيلائهم على حقّ تعيين «أمير المؤمنين» - الذي غيّروا لقبه إلى اللقب العلماني «سلطان سوكوتي» - وكذلك أمراء مناطق الخلافة.

وتعاهد حاكم الاحتلال الأول «فريدريك لوغارد» للأمراء بألا تتدخل حكومة الاحتلال في شؤون دينهم، وأنها ستحافظ على المؤسّسات الدينية، وأن المحاكم المحلية (ويعني بها المحاكم الشرعية) ستستمر في تنفيذها للقضاء وَفْق «قوانين وأعراف البلد»، فاعتبرت السلطات الإسلامية هذا الميثاق بمثابة الاحتفاظ بنظام القضاء الإسلامي، وفسّروا أي تدخل لاحق في عملية تطبيق الشريعة نقضاً للعهد البريطاني.

‏وبالرغم من ميثاق المحتل، وبقاء مؤسّسات الخلافة، من الإمارة ومجلسها والمحاكم الشرعية والقضاة والولاة والسعاة، محفوظةً في الظاهر، فقد أدرك المحتل أن الشريعة الإسلامية هي العائق الوحيد أمام مخطّطه للسيطرة التامة على المنطقة، وفرض نظامه وثقافته على الشعب، فعزم البريطانيون على إحكام السيطرة على الشريعة ومؤسّساتها، واحتوائها، ثم القضاء عليها، وقد أدركوا أن ذلك لا يمكن عن طريق المواجهة والمجابهة، ولا عن طريق الابتزاز بدعوى وضع الحلّ للفساد المتفشي في نظام القضاء؛ لأن الفساد لم يكن، ولأن حاكم الاحتلال «لوغارد» نفسه قد ألفى الأمراء والقضاء أهل علم وعدل وحنكة، وأنهم محلّ تقدير واحترام في عيون رعاياهم لمراعاتهم لمصالحهم وحفظهم لحقوق الضعفاء من اليتامى والأرامل(22)، بغضِّ النظر عن منصبهم الديني الذي هو محلّ تقدير ديانة بالأصالة.

ومن أجل ذلك اتجه البريطانيون إلى سياسة التدرّج في التغيير والإخضاع، ومن أهم أهداف هذه السياسة إخضاع المحاكم الشرعية للسلطة العلمانية وعلمنتها تدريجيّاً، واستخدموا استراتيجيتينِ لتحقيق هذا الهدف:

‏الأولى: كانت موجَّهة للمحاكم الشرعية، سواء التي كانت في مجالس الأمراء، أو التي كانت تحت قضاتهم، فاتجهوا نحو تحويل هذه المحاكم إلى محاكم علمانية، وذلك عن طريق «تفطيمها» تدريجيّاً من جميع آثار الشريعة الإسلامية، وعلمنة الموظفين فيها، وتحويل القوانين والإجراءات القضائية لتوافق نظام القانون البريطاني، وعزلها عن بقية آثارها الإسلامية، فتتشرَّب المحاكم الإسلامية بالتدريج قوانين القضاء الإنجليزي وإجراءاته، وعن طريق تدريب القضاة ورجال القانون، والإشراف عليه وعلى معاهده، يتم تحويل القضاء الإسلامي في قوانينه وأنظمته بالكامل إلى القضاء الإنجليزي في المحاكم الشرعية.

والثانية: جعلوا المحاكم الشرعية تحت سيطرة سلطات الاحتلال البريطاني، فالمحكمة التي في مجلس الأمير صارت تحت مراقبة الحاكم المحلي لحكومة الاحتلال وسيطرته، وكان في الغالب مجرد موظف إداري لا خبرة له بأمور القضاء، وأسّسوا محاكم إنجليزية، وجعلوها مهيمنة على المحاكم الشرعية، وفي حالة الاختلاف لا شك أن القضاء يكون لما ذهبت إليه المحكمة الإنجليزية(23).

‏وقد تم لهم تنفيذ هذه السياسة فأصدروا بيانات قضائية، وإجراءات نظامية أخرى؛ من أهمها:

1 - بيان نظام المحاكم المحلية الذي صدر في عام 1900‏م، ومن أهم ما تضمّنه:

‏أ - إعطاء حاكم الاحتلال المحلي حقّ تأسيس المحاكم المحلية، لكن بموافقة الأمير أو رئيس المنطقة.

‏ب - للمحاكم المحلية - وتندرج تحتها المحاكم الشرعية - حقّ القضاء في الأمور الجنائية والشخصية حسب القوانين والأعراف المحلية، ولهم حقّ عقاب الجناة بأي نوع من العقوبة، بشرط ألا يكون فيها تمثيل أو تعذيب، وألا تكون عقوبة تشمئز منها العدالة المطلقة أو الإنسانية، وكذلك ليس لها حقّ تنفيذ عقوبة الإعدام، وهذا ما سمّوه «مبدأ السلامة من معارضة العدالة المطلقة».

‏ج - للأمير أو الرئيس المحلي حقّ تعيين القضاة، لكن بشرط موافقة حاكم الاحتلال المحلي.

‏د - لحاكم الاحتلال المحلي صلاحية دخول المحاكم، وإجراء التفتيش لأعمالها، وتحويل الدعاوى من محكمة إلى أخرى، وله حقّ إعادة النظر في أحكامها، أو المطالبة بإجراء محاكمة ثانية، أو تعديل الحكم الذي تصدره.

‏هـ - ستعمل المحاكم المحلية بالقوانين والأعراف المحلية في أنظمتها وإجراءاتها القضائية؛ بشرط أن تكون خاضعة للقوانين التي يصدرها حاكم الاحتلال للمنطقة(24).

2 ‏- حق الاستئناف، فأعطيت المحاكم الإنجليزية حقّ القضاء الاستئنافي، حتى في القضايا التي حكمت فيها المحاكم الشرعية، وأول ما استُخدم هذا الإجراء لتقويض الشريعة كان في عام 1947م، في قضية قاتل حكمت عليه المحكمة الشرعية بالإعدام قصاصاً؛ لكونه قتل عمداً، فاستؤنف الحكم في المحكمة الإنجليزية فمنعت من تنفيذ الحكم على الجاني؛ استناداً إلى القانون الجنائي البريطاني الذي لا يقضي بالإعدام في مثل هذه الجريمة(25)، ودعم هذا الحكم بإجراء تشريعي في عام 1956م نصَّ على أنه ليس لأي محكمة محلية - وهذا يشمل المحاكم الشرعية - حقُّ إصدار عقوبة تتجاوز العقوبة المسموح بها لدى القانون الجنائي البريطاني أو قانون مسنون آخر(26).

وهذا الإجراء، بالإضافة إلى مبدأ «سلامة الحكم من معارضته للعدالة المطلقة أو الإنسانية أو الضمير»، استُخدم غير مرة حتى بعد الاستقلال؛ لسحب البساط من الشريعة، وهناك ما يدل على أن الشريعة هي المقصودة بهذا الإجراء، وليست بقية القوانين والأعراف المحلية الوثنية، وأوضح مثال على ذلك قضية المرأة المسمّاة «ميري بايكي ومالم أبا» (1943م)، كانت المرأة نصرانية، وجاءت تطلب ميراثها من أبيها المسلم، فحكم قاضي «محكمة كانو» بأن لا ميراث لها؛ لأنه لا يتوارث أهل ملتين شتّى، فاستأنفت الحكم في المحكمة العليا، وسمعت دعواها، وحكمت لها المحكمة، وقالت: «إن قانون الإسلام في الميراث ‏تشمئز منه العدالة المطلقة والإنصاف والضمير»!

وفي مقابل هذا لمّا جاءت قضية «داودو مع دامولي» (1962م) في ميت ترك تسعة أولاد وأربع بنات، فقسمت التركة بناءً على عُرف قبيلة «يوربا»؛ أنّ التركة تقسم على زوجات الميت الذي مات وهنّ في عصمته، هنّ وأبناؤهنّ، فالولد الذي خرجت أمّه من عصمة والده ليس له حقّ في ميراث أبيه، فاستأنف «داودو» الحكم، ولكنه لم ينجح، وحكمت جميع محاكم الاستئناف أنه ما دام ذلك عرفهم فإنه يجب تنفيذه (يعني ليس ذلك مما تشمئز منه العدالة المطلقة والإنصاف والضمير)(27)!

‏وذنب «داودو» كونه اعترض على عُرف مبني على دين وثني، وأما «ميري» فمصدر قوتها أنها اعترضت وطعنت في الإسلام، فنجحت بينما أخفق هو، وإلا فأي شيء تبغضه العدالة المطلقة والإنصاف ‏والضمير في أن تمنع ميري من ميراث أبيها، وهو نفسه ممنوع من ميراثها لو أنها كانت هي المتوفَّاة، لكنه الكيل بمكيالين واتباع الهوى.

‏وقد نجحت سياسة المحتل البريطاني تجاه الشريعة في نيجيريا في تلك المرحلة من عدة أوجه؛ منها:

1 - ضعفت هَيبة المحكمة الشرعية، وذهبت مصداقيتها وفعاليتها، حتى أصبح كثير من أهل العلم والفضل يرفضون الدخول في القضاء.

2 - ضعفت معارضة الأمراء والقضاة لمطالب المحتل، بينما كان الأمراء في بداية عصر الاحتلال يعارضون أي تدخل في أمر القضاء الشرعي، ويعدُّونه نقضاً للميثاق الذي تعهّد به المحتل، ففي أواخر عصر الاحتلال كسرت شوكة تلك المقاومة، وأكبر دليل على ذلك أنه لمّا جاءت حكومة الاحتلال بنظام القانون الجنائي بديلاً للتشريع الجنائي الإسلامي، وذلك عشية يوم الاستقلال، استطاعت الحكومة أن تجنّد الأمراء والقضاة للتدريب على العمل بالقانون العلماني الجديد.

3 - القيام بفصل عدد من القضاة العارفين بأحكام الشريعة الإسلامية من عملهم.

4 - نجحت السياسة البريطانية في إحكام سيطرة المحاكم الإنجليزية على المحاكم الشرعية سيطرة تامّة، وأصبح قضاتها هم الحكم الأخير في جميع قضايا الشريعة الإسلامية، فكان إليهم المنتهى في القضايا التي يحقّ للمحاكم الشرعية أن تنظر فيها، وفي حقّ مَن ومتى وأين، كما اغتصبوا حقّ تفسير أحكامها وأنظمتها مع جهلهم المطبق بالشريعة، فضيقوا مجال العمل بالشريعة، وقلّلوا من صلاحيات محاكمها، وفي كثير من الأحيان حرّفوا أحكامها.

‏والخطوة الأخيرة التي اتخذها المحتل للقضاء على الشريعة في نيجيريا هو استبدال القانون الجنائي بالشريعة الإسلامية، كما كانت تنفذ في شمال نيجيريا، وقد بدأ التمهيد لذلك في مؤتمر لندن لكتابة دستور عام 1960م، المنعقد في سنة 1958‏م؛ حيث اقترح ممثلو الاحتلال ترك العمل بأي نظام جنائي لم يتم تقنينه ولا تدوينه، وعندما عرض الاقتراح للنقاش أيَّده ممثلو جنوب نيجيريا وعارضه الشماليون، فتوصلوا إلى حلٍّ وسط، وهو ألا يحكم على أي شخص بجريمة جنائية إلا إذا كانت الجريمة مقنّنة في ‏قانون مدوَّن، وأثبت هذا في دستور عام 1960‏م، والمستهدف به هو الشريعة الإسلامية، فإن المحتل وخلفاءه يعدون الشريعة كما كانت تحكم بها المحاكم الشرعية في شمال نيجيريا غير مقنّنة، بالرغم من أنها مدوّنة في كتب الفقه؛ مثل (رسالة ابن أبي زيد)، و (تحفة ابن عاصم)، و (مختصر سيدي خليل).

‏فشكّلت حكومة شمال نيجيريا لجنة لإعادة النظر في النّظم القضائية في المنطقة، فأوصت بأن الحلّ الذي يرضي المحتل البريطاني هو إزالة القضاء الشرعي واستبدال ما يسمّى «القانون الجنائي» به، قام بتقنين هذا «القانون الجنائي» محامٍ بريطاني في جامعة أوكسفورد، وجرّب في الهند والباكستان وليبيا والسودان، وتم تقنينه بحيث يتوافق والنظام الجنائي الشرعي فيما يُعَدّ جريمة، لكنه يخالفه في العقوبات المترتبة عليها.

وقد أجريت لقاءات كثيرة مع قادة المسلمين في الشمال من الأمراء والقضاة والعلماء لعرضه عليهم، فعارضوه معارضة شديدة، فشكّلت لجنة من العلماء وأهل القضاء لإجراء دراسة شاملة للقانون، وظلّ العديد من جوانبه محلّ اعتراض هؤلاء العلماء، ولم يتوصلوا فيها إلى حلٍّ، لكن الضغوطات البريطانية على القادة الشماليين كانت شديدة جدّاً، وقد أشار إليها الزعيم الشمالي «أحمد بللو»، كانت تلك الضغوطات سياسية واقتصادية، حتى إنها وصلت إلى حدّ الابتزاز والتهديد بمنع دخول رؤوس الأموال والاستثمار الخارجي إلى المنطقة، كلّ ذلك لانتزاع موافقته لتغيير القوانين الإسلامية، فرفض، وأخيراً تمّت مساومته لقبول القانون الجنائي الجديد؛ ليكون ذلك ثمناً لاستقلال نيجيريا فتمّ لهم ذلك، وقد صدر المرسوم الخاص بالعمل بهذا القانون عشية إعلان الاستقلال، وكان من نية «أحمد بللو» أن يعدل القانون بعد الاستقلال فوافته المنية قبل أن يتمكّن من ذلك.

 

حالة تطبيق الشريعة بعد الاستقلال:

‏لم يتم الاستقلال حتى تم إقصاء الشريعة من حياة المسلمين، فصارت المحاكم الشرعية تحكم بالقانون الجنائي في القضايا الجنائية، لكن بقيت الأحوال الشخصية للمسلمين يُحكم فيها بالشريعة الإسلامية.

وأهم ما استجد في هذه الفترة خصوصاً في الأمور التشريعية؛ ما يأتي:

- قرّرت حكومة شمال نيجيريا، بناءً على توصية اللجنة المشكّلة للنظر في مدى نجاح ما أسمته بالإصلاحات التشريعية لعام 1958م، نجاح العمل بالقانون الجنائي، وأن القانون قد وجد قبولاً واسعاً واحتراماً في جميع مناطق أمراء الشمال ما عدا منطقة واحدة، خلافاً لما كان يخاف منه من معارضة ومقاومة عنيفة للقانون.

- صدر مرسوم الحكومة في عام 1960م ‏بإقامة محكمة شرعية للاستئناف، يرفع إليها قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين فقط، وكذلك في الدعاوى التي طلب كلا الخصمين الفصل فيها بموجب الشريعة الإسلامية، وكانت تُعَدّ المحكمة النهائية التي تُستأنف فيها الدعاوى المذكورة، إلا إن كانت الدعوى تتعلق بحقوق الإنسان، أو تفسير دستور جمهورية نيجيريا، فيكون هناك حقّ الاستئناف في المحكمة العليا العلمانية.

- في عام 1967م صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية التي كانت تعقد في مجالس الأمراء المحليين، وهي التي كانت تلي ولاية المظالم في عهد ما قبل الاحتلال والاستقلال، كما تم تغيير أسماء المحاكم الشرعية إلى محاكم محلية، فأصبحت هناك محاكم محلية أولية، ومحاكم محلية عالية، وسحبت المحاكم من سلطة الأمراء المحليين، وجعلت كلّها تحت سلطة كبير القضاة في الإقليم، وهو رئيس أكبر محكمة مدنية في المنطقة.

- وبعد الحرب الأهلية (1967م - 1970م)، وتقسيم نيجيريا إلى ولايات، وصارت للمنطقة ست ولايات، شكّلت محكمة شرعية للاستئناف في كلّ ولاية من الولايات الشمالية.

- عندما أرادت الحكومة العسكرية التي كانت تحكم البلد من عام 1966م تسليم السلطة إلى حكومة مدنية شكّلوا لجنة لكتابة الدستور، وفي مسوَّدة الدستور التي خرجت في عام 1976م أوصت اللجنة بإبقاء المحاكم الشرعية للاستئناف وصلاحيتها في النظر في كلّ قضية اختار الخصمانِ فيها الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية، وأوصت ثانياً بتشكيل محكمة شرعية عليا للاستئناف على المستوى الفيدرالي؛ للبَتِّ في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين، وما اختار الخصمانِ فيها الاحتكام إلى الشريعة، فاشتدَّ اعتراض النصارى بحجّة أن ذلك يؤدي إلى اعتماد نظامين مستقلين للقضاء في دولة واحدة، وبعضهم اعتبر ذلك تحويل البلد إلى دولة إسلامية، وفي صفوف المسلمين وُجد من العلمانيين الاشتراكيين مَن أيَّد موقف النصارى، بدعوى أن في ذلك القرار تفضيلاً للمسلمين على غيرهم من أهل البلد!

ولما عُرِض الدستور على الجمعية التشريعية المشكّلة لإقرار الدستور في شهر إبريل 1978م رفض الأغلبية عند التصويت قرار تشكيل المحكمة الشرعية العليا للاستئناف، وأما فيما يتعلق بما كان على مستوى الولايات؛ فقد وافق الأعضاء على أن تبقى المحاكم الشرعية للاستئناف على ما كانت عليه في السابق، فيما يتعلق بمستواها وبالدعاوى التي هي من صلاحيتها.

- توجد مواد في دستور نيجيريا لا صلة لها بالأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية ووضع المحاكم الشرعية، أمكن للمسلمين الانطلاق منها لاحقاً للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وخلاصة ما تضمنته تلك المواد، كما أثبتت في دستور عام 1999م، ما يأتي:

1 - من حقّ كلّ ولاية سنّ القوانين التي تراها مناسبة لرعاياها.

2‏ - لكلّ نيجيري حقّ اختيار ما يحلو له من الأديان والمعتقدات، ومن حقّه على الدولة أن تدافع عنه، وتوفّر له الأمن؛ حتى يتمكن من القيام بتعاليم دينه الذي يعتقده.

3 - تنصّ المادة الرابعة من الدستور على أن لكلّ ولاية صلاحية إقامة محاكم تقوم بالنظر في تطبيق القوانين التي تم سنّها من برلمان الولاية، وهذا مما استند إليه دعاة تطبيق الشريعة في إقامتهم لمحاكم ابتدائية شرعية.

4 - تنصّ المادة السابعة على أن لكلّ ولاية صلاحية إقامة محكمة استئنافية شرعية في الولاية تُرفع إليها القضايا المتعلقة بالقوانين الشرعية من المحاكم الصغرى.

- ولتفادي وجود التعارض بين ما تسنّه كلّ ولاية من القوانين وما تسنّه السلطات التشريعية الفيدرالية، وضع حلّ، وهو الآتي: قسمت «المادة الرابعة من الدستور» الجانب التشريعي بين السلطات التشريعية الفيدرالية والولائية إلى ما يأتي:

1‏ - قضايا تختص السلطات التشريعية الفيدرالية بتسنين قوانينها، وتوجد قائمة بذلك، ومنها: قضايا الأمن والدفاع، والشؤون الخارجية والمصارف، والجمارك، ونظام الشهادة في المحاكم، وإصدار العملات، وتنظيم الإجراءات المتعلقة بالقانون الإجرائي والمدني... إلخ.

2 - قضايا مشتركة بين السلطتين التشريعيتين (الفيدرالية والولائية)، وتوجد قائمة بذلك؛ منها: الضرائب، والكهرباء، والسدود، وتنمية الحركة التجارية والصناعية والزراعية، وتأسيس مراكز البحث العلمي والتقنية، وإنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، والرقابة على الأفلام... إلخ، هذا وللولايات سنّ قوانينها، بشرط عدم تعارض ذلك مع القوانين الفيدرالية، وفي حال التعارض تكون القوانين السارية هي القوانين الفيدرالية.

3 - قضايا غير مدرجة في قوائم الفقرتين الأولى والثانية، وهذه من صلاحيات السلطات التشريعية ‏في الولايات، ‏ومن هذه المواد انطلق حاكم ولاية «زمفرا» لإعلان تطبيق الشريعة.

 

جهود المسلمين في نيجيريا في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية:

سبقت الإشارة في مطلع المقال إلى أن قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا لم تكن وليدة اليوم، فقد قام المسلمون في نيجيريا بعديد من المساعي لإعادة تطبيقها منذ أن أرغم المحتل أهلّ المنطقة بتحكيم القانون الجنائي؛ فمن ذلك:

‏- دور «أحمد بللو» رئيس الإقليم الشمالي (ت 1966م)، فقد كان في آخر حياتِه يرغب في تطبيق الشريعة، وكان يَبِيت آخرَ ليالي حياتِه يتقلَّب أسفاً على خضوعه لضغوطات المحتلين في مطالبته بإقصاء الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها، ولكن نتيجة قلَّة علمه، وشدة ضغوط النصارى عليه في الإقليمين الجنوبي الشرقي والغربي، قَبِل بقصر ذلك على قانون الأحوال الشخصية.

‏- عندما شكِّلت الجمعية التشريعية لإقرار دستور عام 1977‏م، وقرّرت الجمعية بالأغلبية عدم اعتماد المادة التي سمحت بإقامة محكمة شرعية استئنافية على المستوى الفيدرالي، اعترض على القرار النواب المسلمون، ومعظمهم من السياسيين البارزين، وفيهم من صار رئيساً لنيجيريا لاحقاً (الحج شيهو شاغاري: رئيساً من 1979م - 1983م)، وقاطعوا جلسات الجمعية، وأخيراً استسلموا للضغوطات التي مُورِست عليهم، واستمروا في أعمال الجمعية، وحتى الأمراء التقليديين مارسوا دوراً ملموساً في المطالبة، فقال «أمير نوفي عمر سندا إنداياكو»: وجود محاكم شرعية تتولى قضايا المسلمين لا يجعل المسلمين في موضع التفضيل، كما ذهب إلى ذلك بعض العلمانيين من المسلمين، بل إذا كانت نيجيريا تحترم علمانيتها حقّاً؛ فعليها أن تمنح جميع رعاياها حقوقهم، ما دامت تلك لم تنتهك حقوق الآخرين.

وكذلك خرج الطلاب المسلمون في «جامعة زاويا» في مظاهرات حاشدة مطالبين بصدور قانون يسمح بتطبيق الشريعة في الشمال النيجيري، ولم يقتصروا على قضية إنشاء المحاكم الشرعية الاستئنافية فحسب، ومثل موقفهم هذا موقف المؤتمر المنعقد في بداية أغسطس 1978م عن (الإسلام ومسوَّدة الدستور)، وآخر في نهاية الشهر نفسه عن (الشريعة وحرية الصحافة)؛ حيث طالب كلا المؤتمرين بتطبيق الشريعة كليّاً، وليس فقط في أمور الدين، بل في جميع أمور الحياة، وذكروا أن القانون الوضعي الإنجليزي المبني على القانون الروماني الوثني مستوردٌ وأجنبي بالنسبة لمسلمي نيجيريا، وعليه فلا يلزمهم الاعتراف به والعمل به، وهذا حقّ للمسلمين لو كانوا أقلية، فكيف وهم يشكّلون 75% من مجموع ‏سكان نيجيريا على حسب تقرير المؤتمرين!

‏- حين بدأت الدعوة تتسع في أوساط الناس، وبخاصة شباب الجامعات، انتشر في أوساطهم التدين والوعي شيئاً فشيئاً، وكان من أبرز رواد الدعوة والمؤثرين في الصحوة التي بدأت في تلك الفترة - إن لم يكن رائدها على الإطلاق - الشيخ «أبو بكر جومي».

‏ومع مرور الزمن قويت مطالبة المسلمين بقضية تطبيق الشريعة، واعتبارها الطريقة المثلى لاستعادة الهُوِيَّة وتثبيتها، وازدادت وتيرة الأمر بإعلان النميري تطبيق الشريعة في السودان، نتيجة لقرب المكان وقوة الصلة بين الشمال النيجيري والسودان، وخصوصاً عن طريق البعثات التعليمية منذ عهد بعيد.

‏ثم أخذت فكرة تطبيق الشريعة تنمو وتزداد مع مرور الوقت، لتبنِّي كثير من الدعاة وطلاب العلم والعديد من المنظمات المحلية لها، لكن لم يكن يدور في خلد أحد أن الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه في هذا الوقت، بل كان غاية ما يسعى إليه القوم بذل الجهد إعذاراً إلى الله - سبحانه -، ولعل تلك (الأمنية) تتحقّق في يوم ما.

 

الإحالات والهوامش:

(21) Kurawa :2000, Shari'ah and the press in Nigeria, 282 and Ishaq Kunle sanni, Independent shari'ah court

(22) ذكر كريستلو أن مجلس أمير كانو عباس، وكان أول أمير نصبه الاحتلال البريطاني، كان معروفاً بحفظه لحقوق النساء، وأن ذلك كان من منطق عادته المعروفة في حفظ أموال اليتامى وحقوقهم؛ انظر: : Kurawa: 2002, Domestication of the shari'ah in Nigeria P 21: citing Christelow, 1991, P 139: women and law in Early Twentieth century Kano, in close, C and Mack, B (eds) hausa Women in the Twentieth Century, Madison, Wisconsin.

(23) انظر: مقالة د. محمد تابع في المؤتمر الدولي عن الشريعة الذي نظّمته ندوة مسلمي نيجيريا بالمملكة المتحدة، 14/4/2001م، لندن.

Dr. Muhammad Tabi'u sharia , Federalism and Nigerian Constitution ,p3.

(24) نقلاً من مقالة د. سليمان كومو عن وضعية الشريعة تحت حكم الاحتلال، ص 7.

Kurawa ,2000: p291-292 Kumo , Sulaiman 1993, shari'ah Under colonialism in Alkali N.et al (eds) islam in Africa: proccedings of Islam in Africa conference p7.

(25) انظر:

Joseph Kenny: 1986 citing ND. Anderson, "Conglict of laws in Northern Nigeria" Journal of Africa law, 1 (1957), pp. 82-83

(26) انظر:

Joseph Kenny: 1986 citing J.N.D. Anderson, "low and custom in Muslim areas in Africa, recent developments in Nigeria" Civilizations, 7 (1957), p.28

(27) انظر: Kurawa: 2000, p313-314

 

د. بشير علي عمر (باحث نيجيري، خريج كلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة)