تطبيق الشريعة في نيجيريا (الجزءالثالث)

  • رقم الخبر 1632
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص بعد إعلان حاكم ولاية «زمفرا» (الحاج أحمد ثاني) عزمه على تطبيق الشريعة، تحرك المسلمون من مختلف أنحاء نيجيريا للمطالبة بتطبيق الشريعة في مناطقهم، فتضامن العلماء والدعاة والجمعيات الإسلامية بمختلف توجهاتهم ومناطقهم وقبائلهم، ووحدوا صفوفهم، وبذلوا الجهود في المطالبة بقضية التطبيق والدفاع عنها، وقام بمساندتهم النخبة من المحامين والصحافيين والكتَّاب


جهود مسلمي يوربا في المطالبة بالشريعة:

‏يشكّل المسلمون الأغلبية في عدد من ولايات منطقة «يوربا» في نيجيريا، وبخاصة «أويو»، و «لاجوس»، ومع وجود الملايين من المسلمين في تلك الولايات، بالإضافة إلى «أوغن» و «أوندو»، لا توجد محاكم شرعية تحكم فيهم، حتى في الأحوال الشخصية، بل إنها تُرفع إلى محاكم تقليدية، فاشتدت مطالبة المسلمين من أهل المنطقة بإقامة محاكم شرعية تحكم فيهم، فطلب المسلمون في «لاجوس» إقامة محاكم شرعية لهم منذ عام 1923م من حاكم الاحتلال حينذاك، عقب قضية حكم فيها بالجور على أحد المسلمين في محكمة إنجليزية، وكذلك طلب مجموعة من العلماء وطلاب العلم إقامة محاكم شرعية في «إبادن» في عام 1938، وفي عام 1958م طلب مؤتمر مسلمي «إجيبو أودي» من اللجنة المشكّلة للنظر في إجراء الإصلاحات القضائية قبل الاستقلال تحكيم الشريعة الإسلامية فيهم، لكن لم يُجْدِ طلبهم شيئاً.

‏وكذلك طلب «اتحاد الجمعيات الإسلامية» في المنطقة من لجنة كتابة دستور عام 1977م ‏إدخالَ الشريعة في دستور نيجيريا، وقاطع المسلمون جلسات الجمعية التشريعية السالفة الذكر، وكان من النواب الذين قاطعوا الجلسات الحاج «باباتوندي جوسي» من مسلمي «يوربا».

‏وجهود المسلمين في المطالبة بالشريعة في تلك الفترة قد أسفرت عن تأسيس «اللجنة الوطنية للمطالبة بتطبيق الشريعة»، وساهم في تأسيسها القائد اليورباوي المسلم «مسعود أبيولا» (توفّي)، ولم تزل هذه اللجنة تواصل جهودها في المطالبة بالشريعة، وكذلك «اللجنة الوطنية للجمعيات الإسلامية للشباب»، وهذه ‏اللجنة الأخيرة قد كثّفت جهودها في المطالبة بالتطبيق بعد إعلان «زمفرا»، ونظراً لكون الحزب الحاكم في ولايات المنطقة كان امتداداً لحزب «أوولوو» الزعيم اليورباوي الراحل - وكان معروفاً بعدائه للإسلام والمسلمين في المنطقة - أخفقت تلك الجهود في الحصول على أي نجاح، فقرَّرت اللجنة بعد التحرك الواسع في أوساط المسلمين في المنطقة إقامةَ محكمة شرعية مستقلة، مقرُّها في جامع مدينة إبادن الكبير، وأنشئت في أول يوم من مايو 2002م بمحضر آلاف المسلمين من مختلف أنحاء نيجيريا، وكان لـ «حسبة ولاية كانو» دور ملموس في تنظيم الجماهير يوم الاجتماع.

‏وقد كان وزير العدل النيجيري السابق «بولا إيغي» - وكان من أهل المنطقة من النصارى - يحلف بأنه: لا يمكن تطبيق الشريعة على مسلمي جنوب غرب نيجيريا وهو في قيد الحياة، فاغتيل يوم 23‏/1‏/2001‏م، وبرّ في قسمه!

وكانت حصيلة عمل المحكمة بعد مرور سنة على إقامتها ما يأتي: حكمت في 95 ‏قضية، 70‏% منها هي قضايا النكاح والطلاق، و 15% تتعلق بالخصومات في أمور التجارة، 14% في الميراث، و 10‏% قضايا أخرى مختلفة، منها 3 ‏قضايا جنائية شهد الجناة فيها على أنفسهم.

 

واقع التطبيق وحقيقته:

‏بعد إعلان حاكم ولاية «زمفرا» (الحاج أحمد ثاني) عزمه على تطبيق الشريعة، تحرك المسلمون من مختلف أنحاء نيجيريا للمطالبة بتطبيق الشريعة في مناطقهم، فتضامن العلماء والدعاة والجمعيات الإسلامية بمختلف توجهاتهم ومناطقهم وقبائلهم، ووحدوا صفوفهم، وبذلوا الجهود في المطالبة بقضية التطبيق والدفاع عنها، وقام بمساندتهم النخبة من المحامين والصحافيين والكتَّاب.

ولم تُرَ قضية وحّدت صفوف المسلمين كهذه، فأثمرت تلك الجهود، فتتابعت ولايات شمال نيجيريا في الإعلان عن عزمها على تطبيق الشريعة، وكان في مقدمتها ولاية «نيجا»، وكان حاكمها «عبدالقادر كوري» ممن حضر ذلك الاجتماع التاريخي بمناسبة إعلان «زمفرا»، وقد تأثر بما شاهده ‏من الولاء المطلق للإسلام ولشريعته، الذي هو التعبير الصحيح والعنوان الوحيد لذلك التجمّع العظيم، فكان أول مَن أعلن عزمه على التطبيق بعد والي «زمفرا»، وكان ذلك برغبة ذاتية منه وليس خضوعاً لمطالبة المسلمين في ولايته بذلك.

وأما بقية الولايات؛ فقد تجاوبوا مع القضية نتيجة الجهود المبذولة في المطالبة بالتطبيق وما رأوه ‏من مدى نجاح تجربة «زمفرا»، واستقرار الأمور فيها، وعدم قدرة الحكومة الفيدرالية على تنفيذ تهديداتها تجاهها، وبعض الحكام تجاوبوا نتيجة الضغوطات الدينية والسياسية والإعلامية التي مُورِست عليهم من لجان المطالبة بالتطبيق، فأصبح عدد الولايات التي تبنّت تطبيق الشريعة اثنتي عشرة ولاية من ولايات نيجيريا الست والثلاثين - تسع عشرة منها في الشمال.

 

وفيما يلي جدول توضيحي لتواريخ تبنِّي الولايات لقضية التطبيق:

وأما عن حقيقة قضية التطبيق:

ففي بداية الإعلان لم تتجاوز القضية في الظاهر العزمَ على إعادة صياغة القانون الجنائي، بحيث يتوافق والشريعة الإسلامية في جميع أبواب الجنايات ما عدا الردّة، ثم إنشاء المحاكم للعمل به، وذلك استثماراً للمنفذ الموجود في دستور عام 1999م، (وهي فقرة 7 ‏من مادة 4‏)، الذي سمح لكلّ ولاية بوسيلة سلطتها التشريعية أن تسنَّ قوانين تضمن أمن الولاية واستقرارها وسلامة رعاياها ورفاهيتهم، وحقّ الولاية في أن تؤسّس محاكم ابتدائية واستئنافية لها سلطة النظر في الدعاوى المتعلِّقة بالقوانين التي قامت الولاية بتسنينها (فقرة 5 ‏ك من مادة 6‏).

وتمّ فعلاً إعادة صياغة القانون الجنائي، (قام بذلك العمل مركز الدراسات الإسلامية القانونية بجامعة أحمد بللو زاريا، بالتعاون مع المركز الإسلامي الوطني بزاريا أيضاً)، وبعد عرضه على برلمان الولاية ودراسته وافق عليه البرلمان، ثم رُفع إلى الحاكم فوقّع عليه، وصار قانوناً للولاية(28)، ثم أُعِيد بناء المحاكم الشرعية وتشكيلها؛ لتعمل بالنظام القضائي الجديد، وبدأ تنفيذ الحدود على الجناة.

‏وهذه هي ظاهرة قضية التطبيق أول ما بدأت في «زمفرا»، وكذلك في بقية الولايات، حتى أصبح التطبيق مرادفاً لتنفيذ الحدود، غير أن المسلمين بقيادة الدعاة وسائر الإسلاميين لا يرون اقتصار القضية على هذا، بل يريدون الانطلاق منها إلى أسلمة المجتمع، واستجاب لهم الولاة، فدخلت قضية التطبيق عدة مجالات، وإن كانت تختلف من ولاية إلى أخرى، كما تختلف مدى جدية الولاة بعضهم من بعض.

 

وأما مجالات تطبيق الشريعة الإسلامية، فهي ما يأتي:

‏1 - تفعيل دور المجتمع في عملية الحسبة وقمع الفساد الخلقي: ومن أهم مظاهر ذلك: منع الدعارة وإغلاق أماكنها، وإغلاق حانات الخمر وحظر تناولها في الأماكن العامة، ومنع بيعها وتخميرها واستيرادها، وإلغاء تراخيص ذلك، وهذا من أهم مجالات التطبيق، وكاد تجتمع عليه جميع الولايات التي تبنّت التطبيق، ومن آثاره الإيجابية تخفيف نسبة الإجرام في تلك الولايات، فقد كانت تلك الأماكن مأوى لعصابات السرقة والسطو وقطَّاع الطرق، حتى ذكرت إحدى الصحف المحلية أن المجرمين والمومسات هجموا على ولايات المنطقة الوسطى التي لا تطبق الشريعة؛ فراراً من الولايات التي أعلنت التطبيق، فازدادت نسبة السرقة وقطع الطرق فيها من قِبَل العصابات المسلَّحة، وكثرت شكاوى أهلها، ومن أبرزها ولايات (بلاتوا، ونصراوا، وبينوي، وكوغي، وترابا، والعاصمة أبوجا)(29).

‏2 - إعادة تنشيط الجانب الاجتماعي للشريعة، ومن ذلك:

- تفعيل دور الزكاة، ووضع آلية لجمعها وتوزيعها على المستحقين، وهذا المجال أيضاً اهتمت به معظم الولايات التي أعلنت التطبيق، لكن أبرزها: «زمفرا»، و «كانو»، و «جيغاوا».

- ضبط بعض العمليات التجارية، ووضع معايير للأمداد والموازين واستعمالها في عمليات البيع، وقد كان ذلك غائباً في معظم الأسواق.

- بدأت الولايات التي قامت بالتطبيق جهوداً نحو تأسيس بنك إسلامي للقضاء على جريمة الربا في المعاملات المالية، وتضامنت في ذلك، حتى تم إصدار الترخيص لإقامة أول بنك إسلامي برأس مال معظمه من بعض الولايات التي طبقت الشريعة، (وهي ست ولايات: زمفرا، كانو، بوشي، كدونا، نيجا ويوبي).

- تكثير فرص العمل، وتقديم القروض للمزارعين وأصحاب الحرف البسيطة، ومن ذلك تقديم القروض لبائعات الخمور في ولاية بوشي للبحث عن تجارة بديلة، ومن أمثلة ذلك أيضاً ما قدّمته ولاية «زمفرا» للمومسات التائبات من مساعدات مالية وقروض؛ ليستعين به على مؤنِ الزواج والعفاف، وبلغ عدد فرص العمل التي وفرتها حكومة «كانو» خلال بضعة أشهر من تولّي حاكمها الحالي للسلطة 5000 وظيفة، وكذلك قامت ولاية «كانو» بوضع برنامج لتأهيل المومسات اللائي تركن هذه الرذيلة.

- ردّ الحقوق إلى أصحابها، وهذا ما امتازت به حكومة ولاية «كانو»؛ حيث صرفت للمتقاعدين مستحقاتهم، وقد مضى على بعضهم أكثر من عشرين سنة دون أن يتقاضوا شيئاً من ذلك، وقد بلغ عدد ما صرفه من هذه الاستحقاقات في سنة واحدة ما يعادل 5‏% من مجموع دخل الولاية.

‏3 - زيادة الأنشطة الدعوية، ورفع مستوى الوعي والتديّن لدى العامة: فسخرت وسائل الإعلام لنقل البرامج الدينية، وجنّد الدعاة لتوعية الناس في المدن والقرى والأرياف.

‏4 - العناية بالتعليم، ومحاولة أسلمته، وتسخيره لخدمة قضية التطبيق: فكلّفت ولاية «زمفرا» بالتضامن مع ولاية «سوكوتو» كلية التربية التابعة لـ «جامعة عثمان دان فودي» بإعادة كتابة المناهج الدراسية للمستويات الابتدائية والمتوسطة والثانوية، كما اعتنت بتدريب قضاتها بشكل دوري ومستمر في مركز الدراسات الإسلامية القانونية بـ «جامعة أحمد بللو بزاريا»، وكذلك ولاية «كانو»؛ حيث اعتنت بكلية أمين كانو للدراسات الإسلامية القانونية، ووافقت الحكومة على أن ترفع مستواها بحيث يكون لها صلاحية منح درجة البكالوريوس، بينما كانت في السابق تمنح درجة الدبلوم فقط، وازدادت أنشطتها العلمية بإقامة ندوات وورش عمل عن الوسائل الاقتصادية الحديثة وموقف الشرع منها، وكيفية تنظيم أعمال الحسبة، وكذلك وظّف أكثر من ألفي مدرس للمرحلة الثانوية لرفع مستوى التعليم الثانوي.

وأما ولاية «بوشي»؛ ففرضت تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية على جميع مدارس الولاية حتى المدارس الخاصة، وهي خطوة مهمة جدّاً؛ نظراً لكون معظم أولاد النّخبة يدرسون في المدارس الخاصة، ولا تدرس فيها تربية إسلامية فيكونون عرضة لطمس هُوِيَّتهم الإسلامية، فهذا القرار يقضي على هذا الخطر إن شاء الله.

‏5 - العناية الخاصة بالتعليم الإسلامي: وما زالت الدراسات قائمة في ولاية «كانو» و «زمفرا» لكيفية إصلاح تعليم القرآن والتربية الإسلامية في الخلاوي والمدارس الأهلية، وهي جهود صادقة يُرجَى أن يسفر عنها تفعيل دور هذه المدارس وإصلاحها؛ لتؤدي رسالتها كما ينبغي، ووضع هذه المدارس من أيام الاحتلال لم يَزْدَد إلا سوءاً، فطلابها يشكِّلون معظم جند المتسولين، وليس هناك برنامج يَعتنِي بالمتخرِّجين فيها.

‏6 - أسّست مؤسّسات تُعنَى بتطبيق الشريعة في مختلف المجالات؛ وهي كالآتي:

- ففي «زمفرا» أسّست وزارة الشؤون الإسلامية لوضع البنية التحتية للدعوة والإشراف عليها.

- كوّن مجلس العلماء - وهو مجلس استشاري للحاكم - يرجع إليه في أمور الحكم والتشريعات التي تصدر في الولاية.

- وفي «كانو» أسّست المؤسسات الآتية:

«اللجنة الاستشارية لتطبيق الشريعة»: وكان من أهم أعمالها القيام بصياغة قانون الشريعة الجنائي، وتمّ بتعاون نخبة من العلماء والقضاة المحنَّكين والمحامين، وهي التي تقوم بالإشراف على جميع المؤسّسات المَعْنِية بالتطبيق في «كانو»، وإجراء المقابلات التأهيلية للقضاة الشرعيين.

«لجنة الشريعة»: وهي المكلَّفة بوضع رؤية لعملية التطبيق، ودفع عجلة العملية، ورسم مسارها، وهي أيضاً موجودة في الولايات الأخرى مثل «بوشي».

«لجنة الزكاة والأحباس»: وهي المَعْنِية بجمع الزكاوات وتوزيعها، والنظر على الأوقاف.

«هيئة الحسبة»: وهي عامّة في كثير من الولايات التي تقوم بالتطبيق، ومهمتها تعقّب الأعمال المنافية للشريعة والفساد الخلقي، واقتضت الحكمة تأسيسها؛ لأنه لا يمكن الاعتماد على الشرطة لتعقب الفساد؛ لأن الشرطة بيد الحكومة الفيدرالية، ولا تخضع خضوعاً تامّاً لحاكم الولاية، وإن كان هو مسؤول الأمن الأول في ولايته، فبدأت هيئة الحسبة كهيئة تطوعية بتنظيمٍ فيه أعضاء في جميع أنحاء الولايات ابتداءً من الأحياء إلى المستوى الولائي، وقد نجحت نجاحاً كبيراً في مجالها، لكن بسبب قلّة العلم، وقلّة التدريب لدى أعضائها، سجّلت عليها بعض التجاوزات، فأعيد تشكيلها بشكل قانوني بحيث يوجد في مجالس إدارتها أعضاء من الشرطة والمباحث الجنائية، ومن أهم نجاح هيئة الحسبة دورها في تحريك مشاعر العامة ضد مَن يُرَى أنه من المناوئين للشريعة، وقد عدَّ هذا بعضُ المراقبين أنه من أكبر عوامل سقوط حاكم «كانو» السابق في الانتخابات الماضية.

«هيئة التوجيه والإرشاد»: وهي هيئة إعلامية أسّست في ولاية «كانو» قريباً، ومهمتها توعية العامة ببرامج التطبيق.

‏7 - تحسين أوضاع قضاة المحاكم الشرعية، وتفعيل دور المفتين في المحاكم: الذي طالما نسي وترك التعيين لهذا المنصب المهم.

‏8 - محاربة الفساد في الدوائر المختلفة في بعض الولايات.

‏9 - برامج تدريب الإداريين وأصحاب مواقع القرار في الدوائر المختلفة في بعض الولايات على واجبات الموظَّف المسلم وسلوكياته في بيئة إسلامية: حيث يتم اختيار عدد منهم وتكلّف جهة إسلامية أو مجموعة من الدعاة لإقامة مخيّم تدريب لهم.

 

مستقبل التطبيق في نيجيريا:

‏والحديث عن مستقبل تطبيق الشريعة في نيجيريا ينبني على الإجابة عن الأسئلة الآتية – سبق ذكرها في المقدمة -: هل لدى الجهات المَعْنِية بالتطبيق الاستعداد والقدرة المطلوبَين لتحقيق المقاصد للشريعة، ومن ثَم تحقيق طموحات المسلمين في أن يجدوا في الإسلام الحلّ الأمثل لوضعهم المتردي؟ وما مدى استعداد تلك الجهات لمواجهة الحرب الشرسة على الشريعة، خصوصاً في وسط المتغيرات الآن في الساحة الدولية، وهل لدى المسلمين في نيجيريا الإحساس بالخوف من دفع ضريبة الإخفاق في هذه المسيرة؟ وما الخطوات الفعلية التي خطوها لمواجهة هذا الخوف؟

‏والإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بالنظر في عوامل القوة التي تتمتع بها قضية التطبيق، وكيفية تثبيتها، وتشييد بنائها، وعوامل الضعف، والتحديات التي تواجهها، وهي بمثابة العوائق على طريقها، لكي تتبينَ السبل لتجاوزها، والفرص المتاحة، وسبل السعي إلى انتهازها.

 

عوامل القوة لقضية التطبيق:

1 - كثرة عدد المسلمين في نيجيريا: ففي نيجيريا يوجد أكبر عدد للمسلمين في القارة الإفريقية، وهم يشكِّلون أغلبية السكان في الدولة، فعلى حسب تقديرات الاستخبارات الأمريكية - والتي يعتمدها كثيرٌ من المؤسّسات الدولية - يشكِّل المسلمون 50% من السكان، ويعني هذا أكثر من 65 ‏مليون نسمة، والنصارى 40‏%، وأصحاب الديانات الإفريقية 10‏%، ويرى المؤتمر الإسلامي المنعقد للمطالبة بتطبيق الشريعة عام 1977م أن نسبة المسلمين في البلد 75‏%.

2 - العاطفة الدينية الجياشة: وتبنِّي غالب المسلمين القوي - في الشمال والجنوب - لقضية التطبيق، وأكبر دليل على ذلك خضوع أغلب حكام الولايات التي أعلنت التطبيق لضغوطات المسلمين، وكذلك عجز الحكومة الفيدرالية عن اتخاذ خطوات صارمة لمنع قضية التطبيق أول ما أُعلنت في «زمفرا».

3 - الروح الإبائية في فئات كثيرة من المسلمين: التي تجعلهم يعبّرون عن مشاعرهم بكلّ وضوح وقوة، وأكبر شاهد على ذلك موقف أهل «كانو» في الإطاحة بحاكمها في الانتخابات الماضية، بسبب ما يُرى من معارضته للتطبيق، وعدم اتخاذ الحكومة الفيدرالية خطوات للتلاعب بنتيجة الانتخابات؛ خوفاً منها من ردّ فعل عنيف يعرض العملية الديمقراطية بأكملها للخطر والموت، وكذلك ردّ فعلهم على المجازر الجماعية التي تعرَّض لها المسلمون في بداية هذا العام في إحدى المناطق ذات الأغلبية النصرانية، مما كان له إسهام كبير في تنحية حاكم المنطقة النصراني، وإعلان حالة الطوارئ فيها من قِبَل الحكومة الفيدرالية تجاوباً منها لتحرك المسلمين في «كانو».

4 - إسهام إعلان تطبيق الشريعة في رفع مستوى التدين(30): وإيجاد أرضية دعوية خصبة، وإزالة ‏العديد من العراقيل، وفتح الكثير من الأبواب التي كانت أمام الدعاة موصدة.

5 - إسهام التجمّع الكبير بمناسبة الإعلان في استعادة ثقة مسلمي نيجيريا بربهم: وثقتهم بهُوِيَّتهم الإسلامية، وبث روح الأمل في نفوسهم.

6 - تقارب العاملين للإسلام: وتقليل جوانب الخلاف بينهم تحت مظلة تطبيق الشريعة.

7 - ارتفاع صوت دعاة أهل السنّة، وتزايد أثرِهم في المجتمع.

8 - تزايد الكراهية الشديدة للغرب وتقاليده ‏لدى كثير من المسلمين في الشمال والجنوب.

9 - تحقيق بعض المكاسب المعنوية: كتصريح رئيس الدولة النصراني بأن نيجيريا ليست دولة علمانية لا علاقة لها بالدين، وإنما هي دولة ذات أديان متعدّدة، وهذا مما يساعد المسلمين في بيان حقّهم في تطبيق الشريعة.

10 - تحقيق العديد من النجاحات والمكتسبات في الولايات التي أعلنت التطبيق، ومن ذلك:

- توسيع نطاق تطبيق الشريعة؛ إذ بينما كان التطبيق والمطالبة به في السابق مقتصراً على قانون الأحوال الشخصية، وإقامة محكمة شرعية استئنافية على المستوى الفيدرالي، تم اليوم مراجعة القانون الجنائي وصياغته صياغة تتوافق والشريعة الإسلامية، وهذه ‏قفزة كبيرة.

- تشكيل وزارة للشؤون الدينية في «زمفرا»، وهيئات إسلامية في غيرها من الولايات لمراقبة تطبيق الشريعة، والعديد من الهيئات واللجان والمجالس المَعْنِية بتطبيق الشريعة - كما تقدّم -، ولم يكن يوجد من قبلُ جهة مختصة بالشؤون الدينية والشرعية في أي ولاية.

‏- تأسيس هيئات ولجان لجمع الزكاة وتوزيعها، والإشراف على الأوقاف، وهذا يكاد يكون حاصلاً في جميع الولايات التي تطبّق الشريعة، وقد سجّلت بعض هذه اللجان نتائج طيبة في تقوية روح التكافل الاجتماعي الإسلامي وخفض مستوى الفقر.

- تشكيل لجان للحسبة في بعض الولايات مثل: (زمفرا، وبوشي، وكانو، وجفاوا)، وقد تقدّمت الإشارة إلى أعمالها وشيء من إنجازاتها.

- افتتاح محاكم شرعية ابتدائية، وعقد دورات تأهيلية للقضاة، وزيادة رواتبهم، ومحاربة الرشوة، وعزل مَن ليس بكفء منهم في بعض الولايات.

- ازدياد المحاضرات والحِلَق والمدارس الشرعية، وارتفاع الوعي والمعرفة الدينية في أوساط الذكور والإناث - مقارنة بما سبق - بصورة ملحوظة(31).

- إقامة بعض الحدود الشرعية (قطع يد السارق - جلد الزاني - جلد شارب خمر).

‏- دعم الدعاة والأئمة، وزيادة أعدادهم، وتحسين أوضاعهم في بعض الولايات.

‏- العمل على سيادة العدالة، والقيام بمحاربة المحسوبية والفساد المالي والإداري في بعض الولايات(32).

- انتشار الحجاب، وفصل الذكور عن الإناث في مراحل التعليم، وفي سيارات النقل العام(33) في بعض الولايات.

- محاربة المنكرات العامة بشكل بيِّن (بيوت الدعارة - محلات القمار - بيع الخمور - الغش التجاري والتطفيف في الموازين...).

- استتباب الأمن، وقلة جرائم القتل والسرقة والاغتصاب بصورة ملاحظة، وهذا من أهم المجالات التي تركت قضية التطبيق بصماتها فيها.

- محاربة الفقر، من خلال رفع الحدّ الأدنى للرواتب، وتوظيف العديد من الشباب(34)، وتقديم المساعدات والقروض للأفراد والاتحادات والنقابات المختلفة في ولاية «زمفرا» وغيرها، مثل (بوشي، ونيجا).

- بناء العديد من المساجد(35) والمدارس الإسلامية والمحاكم الشرعية وصيانة القديم منها.

- إصلاح المناهج الدراسية لتتوافقَ مع روح الشريعة في ولايتي (زمفرا و سكتو).

- اعتناء كثير من الولايات التي أعلنت تطبيق الشريعة بإقامة مشاريع البنية التحتية(36).

- إلزام القطاعين العام والخاص بالسماح للمسلمين بأداء الصلاة في أوقاتها، وإيقاف العمل في الدوائر الحكومية قبل الواحدة ظهراً يوم الجمعة، وبث الأذان في مواعيده من خلال شبكات التلفاز والقنوات الإذاعية في بعض الولايات.

‏فهذه العوامل يجب تثبيتها ودعمها، والدور الأكبر في ذلك للحكومات والعلماء والدعاة والنّخبة من المثقفين ورجال الفكر، ولجان وهيئات التطبيق.

 

عوامل الضعف:

‏وهذه العناصر بعضها عامّة بالنسبة لوضع المسلمين، وبعضها خاصة بوضعية التطبيق.

وهي على ما يأتي:

1 - الجهل المتفشِّي في المسلمين: وغيابهم شبه الكامل في مجال العلم والتعليم في نيجيريا، فأصبح المسلمون هم المتأخرين في البلد، فهم أكثر فئة المجتمع النيجيري تعرضاً للفقر والظلم، فنسبة الأمِّية فيهم أعلى من غيرهم في البلد، وإذا قُورِن عددُ الحاصلين على درجة الأستاذية في جامعات المناطق ذات الأغلبية المسلمة بالمناطق التي أغلب أهلها النصارى تكون النتيجة مفزعة، فمجموع عدد الأساتذة في أربع جامعات في الشمال - وهي جامعات أحمد بللو، وبايرو، وميدغري، وعثمان دان فودي - 339 ‏أستاذاً، بينما عددهم في جامعة إبادن 291، وفي جامعة إنسوكا 226، وفي جامعة لاجوس 225، وفي جامعة أوبا فيمي أوولوو 215(37)، وهذا الجهل يشمل أمور الدين بصورة أولية، وهو أخطر ما يكون.

2 - قلّة العلماء والدعاة: وإذا قورن عددهم بعدد مَن ينبغي أن يقوموا بتعليمهم وتوجيههم نجد عالماً واحداً لمئات الألوف من المسلمين، وإذا كانوا قلّة على مستوى نيجيريا ففي بعض الولايات التي أعلنت التطبيق هم أقلّ من القليل.

3 - ضعف المستوى العلمي في العلماء والدعاة: فأقسام الدراسات الإسلامية في جامعات نيجيريا لا تخرّج العلماء، بل ولا مَن يصلح لمواصلة التحصيل العلمي بالبحث والتعليم الذاتي،؛ لأن التعليم فيها مبنِيٌّ على مناهج ضعيفة مِن وضع مَن تخرج على أيدي المستشرقين، وأيضاً الدراسة فيها باللغة الإنجليزية، والتي لا يمكن بها دراسة بعض علوم الوسائل؛ كعلوم الحديث، وأصول الفقه، وعلم القراءات، وعلوم اللغة برسوخ، وحتى الحاصلين على درجات علمية عالية ممن درسوا على هذه المناهج تجد بضاعتهم في علوم الشرع مزجاة.

وأما العلماء القدماء الذين درسوا في مجالس العلماء، فهم على وشك الانقراض، ولا تكاد تجد عالماً بارزاً يخلفه أحد بعد موته فتستمر مدرسته، فأصبحت تلك المدارس لم تَعُد تُخرِج العلماء، والذين يشار إليهم بالبنان حاليّاً هم المتخرِّجون في الجامعات الإسلامية في البلدان العربية، وجُلُّهم ممن اقتصرت دراسته على المرحلة الجامعية، وعاقهم الانشغال بأمور العامّة من الدعوة والتوجيه، والسعي للقمة العيش، عن مواصلة البحث والتكوين العلمي المطلوب؛ لكي يتأهلوا لاحتلال منزلة الزعامة الدينية بحقّها.

4 - انشغال كثير من طلبة العلم بتتبع الغرائب في مسائل العلم: وتطويل النفس فيما ليس تحته عمل، وقلة فقههم في الخلاف في مسائل الخلاف، فقد يصل الخلاف في مسألة من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف كجلسة الاستراحة إلى التدابر والتقاطع، وأن يُنسب المخالف إلى الابتداع.

5 - الانطلاق بحماس وارتجال دون تخطيط ودراسة للجوانب المختلفة المتعلقة بالتطبيق(38): ودون أن يكون هناك تهيئة للأرضية المناسبة للتطبيق، فلم تكن هناك رؤية استراتيجية واضحة لقضية التطبيق حتى الوضع الراهن.

6 - تفرّق دعاة تطبيق الشريعة بسبب الاختلافات في التوجهات.

7 - عدم كفاءة كثير من العاملين الفاعلين في حقل تطبيق الشريعة: بسبب غياب العلم الشرعي، وضعف الالتزام الديني، وقلّة الوعي بالمخاطر والتحديات، وتصدُّر مَن لا يصلح للأمر.

8 - عدم قدرة دعاة تطبيق الشريعة على إدارة الصراع: وما يتطلبه من كرٍّ وفرٍّ وترتيب للأعداء والأولويات(39).

9 - غياب القيادة العلمية والدعوية التي توحِّد الجهود وتقود المسيرة.

10 - ضعف استثمار الدعاة لحماس الناس بما يَعُود عليهم بمزيد من الإيمان والعلم والفائدة.

11 - ضعف الحمى الأمني للدعوة والتفكير الجاد بمستقبلها لدى الدعاة.

12 - ضعف البِنْية التحتية الدعوية.

13 - ضعف التواصل والإقناع لفئات المجتمع من غير الشباب والعامّة: وبخاصة المرأة والمثقفون وطلاب الجامعات.

14 - ضعف المساندة العلمية والمادية للدعوة والدعاة الصادقين.

15 - فقدان بعض دعاة التطبيق للحكمة والاتزان.

16 - متاجرة الكثير من الدَّاعِين للتطبيق بالقضية: وكذا بعض العاملين في هذا المجال، بهدف تحقيق مصالح شخصية(40).

17 - تقاعس بعض العلماء والدعاة الصادقين عن العمل لتعزيز التطبيق وإنجاحه.

18 - ضعف التنسيق بين الأفراد والهيئات المتبنِّية لتطبيق الشريعة.

19 - ضعف الباعث لدى كثير من العامة الذين تحمّسوا للمناداة بتطبيق الشريعة بسبب الجهل(41).

20 - قيام الولاة بتعيين أشخاص في لجان تطبيق الشريعة ممن لديهم قصور في الفهم: أو غير مهتمين بتطبيق الشريعة أصلاً، بل قد يكون بعضهم من أعداء تطبيقها في الباطن.

21 - عدم جدية غالب الولاة في تبنّي تطبيق الشريعة: نظراً لكون إعلانهم لذلك، وسنّهم لبعض القوانين، وتشكيلهم لبعض اللجان، كان استجابة لضغط الجماهير دون رغبة حقيقة لديهم بذلك.

22 - عدم رغبة بعض القضاة بالقيام بتطبيق الشريعة بشكل جاد: لتعارض ذلك مع مصالحهم الشخصية.

23 - أن مسؤولية تنفيذ الأحكام القضائية موكول إلى رجال الأمن: وجهاز الأمن يقع تحت سيطرة الحكومة الفيدرالية، أضف إلى ذلك أن كثيراً من رجال الأمن نصارى، وعامّة المسلمين الموجودين غير متدينين ولا عارفين بالشرع(42).

24 - ضعف المسلمين في مجال الصحافة والإعلام: فليس للمسلمين إلا صحيفة يومية واحدة؛ بالمقارنة بعشرات الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية للنصارى، وكلها معارضة لقضية التطبيق(43).

‏وهناك عوامل ضعف أخرى لقضية تطبيق الشريعة تتعلَّق بوضعها تجاه الدستور النيجيري، وذلك أن منطلق القضية هو الاعتماد على بعض النصوص الدستورية، ولا يخلو هذا من ضعف، وتلك العناصر هي:

1‏ - مَرَدُّ تفسير موادِّ الدستور التي اعتمد عليها المسلمون في تطبيق الشريعة إلى المحكمة الفيدرالية العليا، وهي تتكون من: نصارى، ومسلمين ليسوا على معرفة جيدة بالشرع، وقد ذهب رئيس المحكمة السابق القاضي «محمد بللو» إلى أن قرار تطبيق الشريعة موافق للدستور، فعارضه جمع من رجال القانون النصارى في تفسيره ذلك للدستور.

2 - أن صلاحيات الحكومة الفيدرالية وَفْق الدستور كبيرة، وهذا مما يحدُّ من مجال تطبيق الشريعة من جهة، ويعوق من جدية التنفيذ من جهة ثانية.

3 - أن الدستور يمنع الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات من اتخاذ ديانة رسمية(44)، ويجعل من مسؤولياتها تمكين كلّ فرد من القيام بواجباته الدينية.

‏وعليه؛ فالعائق الدستوري كبير، وإنما لم تستخدمه الحكومة الفيدرالية مع كثرة مناداة المناوئين للقضية لوضع حلّ لها عن طريق القضاء مخافة الاضطرابات، فتتعطل العملية الديمقراطية بأكملها، فاكتفت بتكرار ندائها لإيجاد حلٍّ سياسي للقضية، فنجاح التطبيق مرهون بإخلاص دعاته، وجهدهم في العمل على إبقاء ولاء المسلمين لدينهم والمحافظة عليه، ولو تمّ الركون إلى مجرد النصوص الدستورية، فلن يتحقق لهم شيء، والله أعلم.

 

التحديات:

‏هناك أمور تقعد بالمرصاد للمسلمين في نيجيريا تجاه قضية التطبيق، ومن أهمها:

1- الفُرْقة بين المسلمين: فيمكن أن يستغلها أعداء التطبيق من النصارى، وأسيادهم وأذنابهم من العلمانيين، في إحداث المواجهات بين المسلمين وإثارة الفتن، فينشغلوا بها - علماء وعامة - عن قضية التطبيق والسعي في تحقيق مصالحها، وما تقدَّمت الإشارة إليه من قلّة فقه الخلاف وفقه التعامل مع المخالف في صفوف كثير من طلبة العلم، وقلّة الإحساس بالأمن لدى بعض الدعاة، كلّها من العوامل المهيِّئة لوقوع هذا الشر.

2- ما يسمّى بالحرب على الإرهاب الجارية في الساحة الدولية: فيتخذ مطية للتضييق على الدعاة والمؤسّسات الإسلامية، والضغط على الحكومات لإرغامها على ترك ما يخدم قضية التطبيق.

3- تحويل قضية تطبيق الشريعة إلى مجرد رسوم وأسامٍ لا حقيقة تحتها.

‏وفي ظلّ هذه العوامل والتحديات؛ فلا شك أن العبء الكبير والمسؤولية العظمى على العلماء والدعاة، والنخبة من المثقفين ورجال الفكر الغيورين على الإسلام؛ للاستمرار في العمل الجاد لقضية التطبيق، والاجتهاد في وضع الحلول، خصوصاً للنوازل والحالات المستجدات.

‏وقد أخذ الاستعمار قرابة قرن من الزمن في محاربة الشريعة، والسعي للقضاء عليها، ولم يكن طريقهم إلى ذلك مفروشاً بالورود، وكذلك العمل في إنقاذ ما بَنَوه، وإعادة بناء صرح الشريعة الشامخ، لا بد أن يكون طويلاً ودؤوباً، ولا بد أن تكتنفَه الأخطاء والصعوبات، لكن النجاح مضمون ما دام العمل بصدق وتقوى؛ لأن العاقبة للمتقين.

 

‏الخاتمة:

مهَّدت قضية تطبيق الشريعة للمسلمين في نيجيريا الطريقَ إلى:

1 - استعادة هُوِيَّتهم الإسلامية وتثبيتها، خصوصاً في ظلّ الفرص المتاحة في الوضع الراهن، فعامّة المسلمين مع علمائهم ودعاتهم وحكامهم الصادقين منهم في تطبيق الشريعة الإسلامية، وهم معهم ما داموا صادقين مع الله - سبحانه - في القضية، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد : 38) .

‏2 - أنه لم يحصل للمسلمين في الولايات التي تطبّق الشريعة - وبخاصة ولايات (زمفرا وكانو ونيجا وبوشي ويوبي) - مثل ما حصل لهم الآن من التوحد والتضامن بين السلطة السياسية والقيادة الدينية والعامة، ويحصل للأمة بهذا السبب خير كثير.

‏3 - أن الحكومة الفيدرالية فقدت مصداقيتها كليّاً، فلم تترك وراءها إلا الفضائح، حتى إن المؤسسات الدولية؛ مثل الشفافية الدولية جعلتها الدولة الثانية في مستوى الفساد الإداري والرشوة؛ يعني: أسوأ من المستوى 27 ‏الذي كانت تتبوؤه ‏أيام الحكم العسكري في عهد «جينرال ثاني أباتشا»، فالأرضية خصبة لدى الولايات لإثبات جدارتها وصلاحية الشريعة الإسلامية في هذا الزمن لتحقيق مقاصدها؛ من جلب المصلحة وتكثيرها، ودفع المفسدة وتقليلها.

 

‏وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

الإحالات والهوامش:

(28) انظر موقع: www.zamfaraonline.com.

(29) Post Experss (Lagos), July 26, 2000.

(30) من الملاحظ بعد إعلان «تطبيق الشريعة» امتلاء المساجد بالشباب، وعودة الروح إلى المدارس القرآنية، والتفاعل الجيد مع القضايا الإسلامية، ومن ذلك قيام حكومة «زمفرا» - وبعض الهيئات الإسلامية المحلية - بتأسيس صندوق لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وإقامة العديد من المسيرات لدعم قضايا الأمة، ووجود العديد من المطالبات الجيدة؛ كإقامة مصارف إسلامية، والدعوة لافتتاح جامعة إسلامية، وقد تمّ كلاهما بفضل الله، وإنشاء محطات إذاعية وتلفازية؛ لتبصير الناس بأحكام الشريعة... إلخ.

(31) على سبيل المثال: يقام في عاصمة ولاية زمفرا (غسو) في كلّ جمعة لموظفي الدولة - كجزء من الدوام - من الساعة: (10 – 12) درسان، أحدهما للرجال والآخر للنساء.

(32) أوقفت حكومة «زمفرا» ظاهرة تقاضي الحاكم عمولة 10% من كلّ عقود المشروعات في الولاية.

(33) اشترت ولاية «زمفرا» أكثر من 100 حافلة لهذا الغرض، ومنعت نقل النساء المسلمات على الدراجات البخارية، كما خصّصت ولايتا (كانو، وكسنة) سيارات نقل للنساء، لكن عددها دون الكفاية، والمسألة تحتاج إلى توعية من جهة، ومشاركة أثرياء المسلمين من جهة ثانية.

(34) في ولاية «زمفرا» تمّ توظيف أكثر من 2000 شاب، وكان الحدّ الأدنى للرواتب: 1500 نيرا، وبعد إعلان تطبيق الشريعة تمّ رفعه إلى 8500 نيرا.

(35) تم في «زمفرا» صيانة أكثر من 50 مسجداً بمناسبة مرور عام على انطلاق تطبيق الشريعة في الولاية.

(36) مثلاً في «زمفرا» تمّ إنجاز 24 طريقاً عموميّاً، و 1500 وحدة سكنية، وشبكة لمياه الشرب النّقي لعدد من المدن