كيف نواجه التبشير في جمهورية التشاد؟ (1)

  • رقم الخبر 1639
  • المصدر: رسالت التقريب

المخلص للمبشرين نشاطات واسعة في تشاد تركز على زرع الشكوك في قيم الاسلام وتعميق فكرة سيطرة الرجل الغربي الابيض وترسيخ فكرة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والتغريب. وتعمل في تشاد جمعيات ومؤسسات تنصيرية عديدة، بعضها يحمل أسماء تبشيرية كنسية صريحة، وبعضها يتستر بغطاء المساعدات الانسانية والاقتصادية والصحية.


ملخّص

للمبشرين نشاطات واسعة في تشاد تركز على زرع الشكوك في قيم الاسلام وتعميق فكرة سيطرة الرجل الغربي الابيض وترسيخ فكرة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والتغريب. وتعمل في تشاد جمعيات ومؤسسات تنصيرية عديدة، بعضها يحمل أسماء تبشيرية كنسية صريحة، وبعضها يتستر بغطاء المساعدات الانسانية والاقتصادية والصحية. وللمسلمين جهود في مقابلة موجة التنصير تتلخص في بناء الجامعات والمدارس ومعاهد القرآن الكريم. والمقترح هو اهتمام العالم الاسلامي بأمر كل البلدان الاسلامية على صعيد التعليم والاعلام والخدمات الاجتماعية والصحية والتنمية الاقتصادية.

 

تاريخ دخول الإسلام في تشاد

دخل الإسلام في السودان الأوسط تشاد الحالية عام ٤٦هـ الموافق ٦٦٦م بوصول طلائع الفتح الإسلامي إلى منطقة كوار شمال شرق بحيرة تشاد بقيادة فاتح أفريقيا عقبة بن نافع، ومن ذلك التاريخ وحتى دخول الاستعمار لم تعرف تشاد دينا غير الإسلام، كما لم يعرف سكان تشاد شيئا عن المسيحية إلا من خلال قراءاتهم للقرآن الكريم، فلذلك لم توجد بها آثار مسيحية. وقد دخل الإسلام في تشاد طواعية ولم يذكر التاريخ وقوع معارك بين طلائع الفتح وبين الوثنيين في أفريقيا، وقد قامت في تشاد عدة ممالك، وأول مملكة اعتنقت الإسلام هي مملكة السيفيين التي تعرف الآن بمملكة كانم التي حكمت تشاد وما جاورها لمدة تزيد عن الألف سنة، وأول ملك اعتنق الإسلام هو ألمي دونمه الذي أسس دولة كانم الإسلامية ومازال أحفاده يحتفظون ببقاياها في الشمال.

 

الإدارة في تشاد

تنقسم دولة تشاد إلى أربع عشرة محافظة وكل محافظة تنقسم إلى مقاطعة ومقاطعات يبلغ مجموعها ٥٤.

 

الحالة الاجتماعية في تشاد

يوجد في تشاد أكثر من مائة وخمسين قبيلة ولكل قبيلة لغتها الخاصة وتقاليدها وعاداتها ولكن لا تمنعها من مصاهرة غيرها ماعدا غير المسلمين.

أما من حيث الديانة فإن سكان تشاد ينقسمون على ثلاثة أقسام:

١- المسلمون ونسبتهم ٨٥%.

٢- المسيحيون ونسبتهم٥%.

٣- الوثنيون أو اللادينيون ونسبتهم١٠%.

وتعتبر تشاد هي البوابة الأولى لنشر الإسلام والثقافة العربية في وسط أفريقيا، وهذا ما حمل المنصّرين على بذل جهودهم لتنصير تشاد قبل الدول المجاورة لها، لتكون بوابة للتنصير كما كانت بوابة لنشر الثقافة الإسلامية والعربية.

 

موقع تشاد الجغرافي

تقع جمهورية تشاد في وسط القارة الأفريقية وتقدر مساحتها بحوالي ١٢٨٤٠٠٠ كلم مربع، وهي مغلقة ليس لها منفذ بحري وتقع مابين خطي العرض ٢٢ر٨ شمال خط الاستواء وخطي الطول ١٦ شرق خط جرينتش ويحد دولة تشاد ستة دول أفريقية:

١- من الشمال: الجماهيرية الليبية.

٢- ومن الشرق جمهورية السودان.

٣- ومن الغرب جمهوريتي النيجر ونيجيريا.

٤- ومن الجنوب الغربي جمهورية الكامرون.

٥- ومن الجنوب الشرقي جمهورية أفريقيا الوسطى.

وعدد سكانها يتراوح مابين ٧- ٦ مليون نسمة نسبة المسلمين ٨٥% ونسبة اللادينيين تبلغ ١٠% ونسبة المتنصرين تبلغ ٥% ولغتها التي يتعامل بها جميع السكان هي اللغة العربية وتليها اللغة الفرنسية لغة المستعمر.

وتوجد بها عدة لغات محلية مختلفة اندثر الكثير منها ومازال بعضها قائماً وعاصمتها أنجمينا فور لامي سابقا.

١- وتعتمد في اقتصادها على الزراعة ومن أهمها القطن وجميع أنواع الغلال كالدخن والأرز والذرة والقمح والفولاذ والبطاطس والذرة الشامية وقصب السكر.

٢- وتعتمد على تربية المواشي- الإبل والغنم والبقر وصيد الوحوش المفترسة وغيرها والأسماك والطيور. كما توجد بها كميات كبيرة من المعادن مثل البترول واليورانيوم والذهب والدرر والنحاس والحديد. وتوجد بها عدة أنهر وبحيرات عذبة المياه صالحة للزراعة وصيد الأسماك. من أهمها بحيرة تشاد التي تبلغ مساحتها ٣٠٠ كيلومتر مربع وبحيرة الفتري.

 

نبذة عن حالة المسلمين في تشاد

منذ ظهور فجر الإسلام في ربوع تشاد عام ٤٦هـ ٦٦٦م وحتى عصرنا هذا كان المسلمون في تشاد مقبلين على حفظ القرآن الكريم وتحفيظه باعتبار أنه كلام رب العالمين (إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجراً كبيراً) [٢] كما أنهم كانوا مقبلين على دراسة الحديث النبوي الشريف والفقه الإسلامي واللغة العربية، ومعتمدين في ذلك كله على تأسيس الخلوات التي تقوم بنفسها تارة وبمساعدة المحسنين تارة أخرى، والتي مازالت تمشي على النمط القديم الموروث عن الأولين. وقد عرفت تشاد منذ القدم بأنها دولة القرآن لكثرة الذين يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب فيها.

وخير شاهد على صحة ذلك، الفوز الكبير والنجاح الفائق الذي حققه أبناء تشاد في المسابقات القرآنية الدولية في الدول التي وفق الله تعالى أهلها على تشجيع المسلمين لحفظ كتاب الله بإقامة المسابقات وبذل الأموال الكثيرة في سبيل ذلك.

وكان المذهب المالكي هو المذهب المعمول به في تشاد مع استفادتهم من المذاهب الأخرى.

وعقيدة المسلمين في تشاد هي عقيدة أهل السنة والجماعة المتمثلة في الأشعرية والماتريدية، وجلهم متصوفون إلا أنهم غير مغالين فيه كما أنهم غير متعصبين.

والرواية المشهورة في قراءة القرآن في تشاد هي رواية ورش عن نافع، وقلة منهم يقرأون برواية حفص عن عاصم.

 

أهداف التبشير والتنصير

إن أهداف المبشرين والمنصرين كثيرة وطموحاتهم كبيرة لا يستطيع أحد أن يحصرها إلا أن أهم أهدافهم تتلخص فيما يلي:

١- الحيلولة دون دخول النصارى في الإسلام وهذا الهدف موجه الجهود في المجتمعات التي يغلب عليها النصارى ويعبر عنه بعض المنصرين بحماية النصارى من الإسلام.

٢- الحيلولة دون دخول الأمم الاخرى غير النصرانية في الإسلام والوقوف أمام انتشار الإسلام بإحلال النصرانية مكانه أو بالإبقاء على العقائد المحلية المتوارثة.

٣- إخراج المسلمين من الإسلام أو إخراج جزء من المسلمين من الإسلام.

٤- زرع الاضطرابات والشكوك في المثل والمبادىء الإسلامية لمن أصرواعلى التمسك بالإسلام.

٥- الإيماء بأن المبادىء والمثل والتعاليم النصرانية أفضل من أي مثل ومبادئ أخرى لتحل هذه المثل والمبادىء النصرانية محل المثل والمبادىء الإسلامية.

٦- الإيماء بأن تقدم الغربيين الذي وصلوا إليه إنما جاء بفضل تمسكهم بالنصرانية بينما يعزى تأخر العالم الإسلامي إلى تمسكهم بالإسلام، فهذا منطق المنصرين المتمسكين بنصرانيتهم. أما العلمانيون فإنهم يقرون أن سر تقدم الغرب إنما جاء لتخليهم عن النصرانية وأن تخلف المسلمين يعود إلى إصرارهم على التمسك بدينهم وهنا يلتقي المنصرون والعلمانيون على الحكم بتأخر المسلمين لتمسكهم بالإسلام ويختلفون في سر تقدم الغرب.

٧- تعميق فكرة سيطرة الرجل الغربي الأبيض على بقية الأجناس البشرية الأخرى. وترسيخ مفهوم الفوقية والدونية تعضيدا للاحتلال بأنواعه والتبعية السياسية في الشعوب والحكومات الإسلامية للرجل الأبيض ومن ثم إخضاع العالم الإسلامي لسيطرة الاحتلال، ويستمر التحكم في قدراته وإمكاناته.

٨- ترسيخ فكرة قيام دولة وطن قومي لليهود في أي مكان أولا ثم في فلسطين المحتلة بعدئذ.

٩- التغريب وذلك بالسعي إلى نقل مجتمع المسلمين في سلوكياته [٣] وممارساته بأنواعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية والعقدية من أصالتها الإسلامية إلى تبني الأنماط الغربية في الحياة المستمدة من النصرانية واليهودية.

١٠- إدخال النصرانية إلى عدد كبير من البلاد الإسلامية وغيرها وخاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. وفي هذا يقول روبرت ماكس أحد المنصرين من أمريكا الشمالية: لن تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة ويقام قداس الأحد في المدينة [٤].

وقد تبين من تجارب المنصرين في المجتمعات الإسلامية خاصة والتي وصل إليها الإسلام عامة أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الهدف هو إدخال الآخرين في النصرانية بل هو محاولة لضمان استمرار سيطرة النصرانية على الأمم الأخرى. ويمكن القول بأن هذه الاهداف كلها تمثل مجمل ما يسعى المنصرون عامة إلى تحقيقه في حملاتهم التنصيرية.

 

أشهر وسائل التنصير العالمية

قبل الخوض في عد وسائل التبشير والتنصير لابد من توزيعها بحسب أنواعها وأنماطها، فهناك وسائل صريحة وأخرى خفية أو مخفية، كما أن هناك وسائل تقليدية وأخرى حديثة فرضتها الحالة التي وصل إليها العالم اليوم في تقنية الاتصال والمعلومات والمواصلات وتنوع الوسائل وتعددها. وأبرز وسائل التنصير والتبشير وأظهرها وأوضحها التنصير الصريح وهو على نوعين.

١- التنصير العلمي القائم على النقاش أو على السفسطة والتشكيك.

٢- التنصير القسري ويتمثل في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش واختطاف الأطفال والقرصنة البحرية وإحراق المسلمين الرافضين للتنصير والغزوات والاحتلال (الاستعمار) ويمكن أن يتحقق القيام بالتنصير الصريح من خلال قيام مؤسسات تنصيرية ترعى الحملات وتمكن لها وتمدها بما تحتاج إليه من الموارد المالية والبشرية، وتتلقى الدعم المادي والمعنوي من الحكومات الغربية ومن المؤسسات والأفراد عن طريق المخصصات والتبرعات والهبات والأوقاف. ومن أبرز هذه المؤسسات التنصيرية قيام الجمعيات المتعددة في أوربا وأمريكا أو في البلاد المستهدفة ومن أمثلتها الجمعيات الآتية:

١- جمعية لندن التنصيرية وتأسست عام ١١٧٩ هـ- ١٧٥٦م وهي موجهة إلى أفريقيا.

٢- جمعيات بعثات التنصير الكنسية وتأسست في لندن سنة ١٢١٢ هـ ١٧٩٩م وهي موجهة إلى الهند ومنطقة الخليج (الفارسي).

٣- جمعية تبشير الكنيسة الأنجليكانية البريطانية وتأسست عام ١٢١٤ هـ ١٧٩٩م وتدعم من الأسرة المالكة في بريطانيا.

٤- جمعية طبع الإنجيل وتأسست سنة ١٢١٩هـ- ١٨٠٤م وتهتم بالطبع والترجمة والتوزيع.

٥- جمعية طبع الإنجيل الأمريكية وتأسست عام ١٢٣١هـ- ١٨١٦م ولها مطابع ومكتبات تجارية في البلاد العربية.

٦- مجلس الكنيسة المشيخية الأمريكية وتأسست سنة ١٢٥٣ هـ- ١٨٣٧م وهي موجهة إلى العالم العربي.

٧- جمعية الكنيسة التنصيرية وأنشئت سنة ١٢٦٠هـ- ١٨٤٤م وتركز على التعليم والخدمات العلاجية ويساهم الألمان فيها بجهود كبيرة.

٨- جمعية الشبان النصارى ونشأت سنة ١٢٧١هـ- ١٨٥٥م.

٩- إرساليات الجامعات لوسط أفريقيا ونشأت سنة ١٢٧٣هـ- ١٨٥٦م.

١٠- جمعية الشباب القوطيين للتنصير في البلاد الأجنبية.

١١- الكنيسة الإصلاحية الأمريكية وتأسست عام ١٢٧٣هـ- ١٨٥٧م وهي موجهة إلى منطقة الخليج (الفارسي).

١٢- جمعية الروح القدس في زنجبار وتأسست عام ١٢٨٠ هـ- ١٨٦٣م وهي كاثوليكية وتهتم بالعلاج والتعليم الصناعي.

١٣- اتحاد البعثة التنصيرية الإنجيلية وتأست سنة ١٣٠٧هـ- ١٨٩٠م في الولايات المتحدة الأمريكية.

١٤- الإرساليات العربية الأمريكية ونشأت سنة ١٣١١ هـ- ١٨٩٤م في الولايات المتحدة الأمريكية وتهتم بمنطقة الخليج (الفارسي).

١٥- جمعية اتحاد الطلبة النصارى وتأسست سنة ١٣١٣ هـ- ١٨٩٥م.

١٦- ملة التنصير العالمية وتأسست عام ١٣٣١هـ- ١٩١٣م في الولايات المتحدة الأمريكية وتهتم بالطب والتعليم والترجمة.

١٧- زمالة الإيمان مع المسلمين وأنشأت سنة ١٣٣٤هـ ١٩١٥م في بريطانيا وكندا وتهتم بالمطبوعات.

١٨- عمودية التعبئة وتأسست سنة ١٣٧٧هـ- ١٩٥٨م وهي موزعة وتعنى بتدريب الشباب على التنصير.

١٩- جمعية تنصير الشباب ونشأت سنة ١٣٧٢هـ- ١٩٥٢م.

٢٠- الامتداد النصراني في الشرق الأوسط ونشأت سنة ١٣٩٦هـ- ١٩٧٦م وهي موزعة وتهتم بالمطبوعات.

٢١- إرسالية الكنيسة الحرة الاسكتلندية وتهتم بالصناعات اليدوية والزراعة.

٢٢- جمعية التنصير في أرض التوراة العثمانية.

٢٣- جمعية تنصير شمال أفريقيا.

٢٤- لجنة التنصير الأمريكية.

٢٥- إرسالية كنيسة اسكوتلندا الرسمية.

٢٦- جمعية الشباب المسيحيين.

٢٧- جمعية الشابات المسيحيات ولهاتين الجمعيتين مراكز نشطة وخاصة في القاهرة والاسكندرية وهدفهما الرئيسي هو الاقتراب من المسلمين بالتبشير.

٢٨- هذا بالإضافة إلى الجمعيات المحلية في العواصم والمدن الإسلامية التي يقوم عليها عاملون محليون مدعومون من جمعيات تنصيرية غربية وأوروبية وأمريكية. وفي أفريقيا وحدها وفي تشاد بالذات والدول المجاورة لها ما يزيد عن سبعين منظمة كنسية تنصيرية تعمل ليل نهار لتنصير سكان القارة الأفريقية تارة وللحيلولة بين المسلمين وإسلامهم تارة أخرى.

 

طبيعة التنصير في أفريقيا

تعتبر أفريقيا إحدى القارات الثلاث التي تكون العالم القديم وتحتل المركز الثاني بين القارات إذ أن مساحتها تقدر بـ١١٠٧ مليون ميل مربع. وموقعها المتميز جعلها محط أنظار الاستكشافات الأوربية طمعا في نهب خيراتها وسلب إرادة سكانها ونشر التنصير فيها.

وإن طبيعة التنصير في أفريقيا تختلف عن طبيعة التنصير في القارات الأخرى من العالم لأن هذه القارة وخاصة جنوبها ووسطها هي من وجهة نظر المنصرين بمثابة مناطق خاصة للنصارى وحدهم انطلاقا من عوامل سيطرتهم على طرق الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية في كثير من دول هذه القارة، وهذا ما جعلهم قادرين على تغيير مايرونه غير متفق مع مصالحهم أو متعارض مع سياساتهم وقد وضعوا لذلك الخطط الكفيلة بتحقيق أهدافهم في الوقت المناسب وهذا ما حملهم على إطلاق شعار تنصير أفريقيا عام ٢٠٠٠م.

ولتحقيق هذا الحلم ضاعف المنصرون جهودهم في بداية الألفية الثالثة.

 

كسر الحواجز في جنوب تشاد

لقد كسرت الحواجز والمتاريس التي أقامها المنصرون في جنوب تشاد بإسلام عدد كبير من السلاطين والشخصيات البارزة في الدوائر الحكومية وإسلام قرى بأكلمها وتكسير الكنائس وبناء المساجد في محلها مما أدخل الرعب والذعر في قلوب المنصرين وجعلهم يرددون دائما قولهم: أدركوا الكنيسة في تشاد من خطر الإسلام المتزايد. لكن المنصرين لم ييأسوا من تحقيق أهدافهم ولو للمدى البعيد.

ورغم ذلك كله فإن مستوى الأمة الإسلامية كان أعلى بكثير من مستوى المنصرين المزودين بكل الإمكانيات، لأن الحضارة الإسلامية أينع وأزكى من الحضارة النصرانية، ولذا لم تنهزم الأمة الإسلامية حين سقطت دولتها، بل ظل المسلمون يؤدون رسالتهم كما هي بفعالية ونجاح، ذلك لأن جوهر الأمة الإسلامية بقي سليما قادرا على النهوض. فعليهم أن ينهضوا بعد العثار ويستأنفوا المسيرة حتى ينتصروا على عدوهم بعد الهزيمة قال تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم).

 

التعرف عل كل من التبشير والتنصير والفرق بينهما

يتردد مصطلح التبشير في كثير من الكتابات العربية وهو مرادف لمصطلح التنصير. والتبشير هو التعبير النصراني لحملات التنصير. وله عند النصارى تعريفات مختلفة بحسب العصور التي مرت بها النصرانية.

فهو تارة إرسال مبعوثين ليبلغوا رسالة الإنجيل لغير المؤمنين بها. أو محاولة إيصال تعاليم العهد الجديد لغير المؤمنين بها، أو إيصال الأخبار السارة إلى الأفراد والجماعات ليقبلوا يسوع المسيح رباً، وأن يعبدوه من خلال عضوية الكنيسة. وهو عند المسلمين تنصير وأصحابه نصارى.

ولم يتخل المسلمون عن هذه المصطلحات منذ أن نزل القرآن الكريم وسماهم النصارى وكذا سماهم خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، حتى جاء العصر الحديث فداهمت الأمة غزوات استعمارية وفكرية أشاعت مصطلحات بين المسلمين [٥] على أن هناك من يفرق بين الإطلاقين النصرانية والمسيحية فيجعل المسيحية هي الدين المنسوب إلى ساؤول أبو بولس، وهي تختلف في جوهرها عن النصرانية التي يتحدث عنها القرآن الكريم. فليس نصارى اليوم أو مسيحيو اليوم نصارى الأمس من أتباع عيسى بن مريم عليهما السلام.

وفي هذا يقول عمر فروخ: يجب التفريق بين النصرانية والمسيحية فالنصرانية هي الدين السماوي الذي أوحي إلى عيسى (عليه السلام)، وهو دين قائم على التوحيد وعلى أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام نبي.

أما المسيحية فهي مجموع التعاليم التي وضعها بولس، والتي بنيت على التثليث الهندي ثم نسب إلى المسيح الذي جعل إلها [٦].

وعلى أي حال فإن القرآن الكريم سمى أتباع هذا الدين نصارى.

ويظل مفهوم التنصير قابلا للتطوير بحسب ما تقتضيه الحال وبحسب البيئة التي يعمل بها وبحسب التوجيهات العقدية والسياسية التي تسير المنصرين وتسعى بهم إلى تحقيق أهداف استراتيجية داخل المجتمعات التي يغلب عليها النصارى والمجتمعات الأخرى التي يغلب عليها غير النصارى.

 

موقف رجال الكنيسة من الإسلام

العجب كل العجب من موقف رجال الكنيسة من الإسلام!!

إنهم لو فكروا قليلا- وبموضوعية- لتغير موقفهم من المسلمين ولبذلوا الجهود الصادقة المخلصة في التعرف على هذا المنهج الجديد الذي جاء بعد عيسى عليه السلام.

إذ أن المنهج الجديد- الإسلام- لم يأت مكذبا لنبيهم ولا سابا له ولا متورطا في محاولة قتله ولا مدعيا على أمه مثل ما ادعى اليهود، بل قال في عيسى وأمه: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) [٧]. فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله جاء ذكره في السلسلة النبوية الكريمة، شأنه شأن إخوانه من الأنبياء والمرسلين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى عليهم الصلاة والسلام، وقصة عيسى ذكرت في أكثر من موضع في القرآن الكريم ولم يرد في موضع واحد من القرآن الكريم ما يمس عيسى عليه السلام بسوء أو يشينه، كما أنه لم يرد فيه شيء يمس جناب أمه أو يشينها بل خص القرآن الكريم أمه بسورة كريمة من سوره هي سورة مريم (عليها السلام).

ولا يوجد فرق كبير بيننا وبين النصارى في شخص مريم عليها السلام فنحن نؤمن بها صديقة وبأنها بشر وبأنها عذراء لم يمسها بشر، طاهرة، صالحة، تقية، نقية، تعهدها الله برعاية خاصة وفضلها تفضيلا عظيما على نساء العالمين.

والفرق بيننا وبين رجال الكنيسة يتمثل أول ما يتمثل في شخص المسيح عليه السلام، فنحن نؤمن بأنه رسول قد خلت من قبله الرسل ولا نؤمن بأنه إله ولا إبن اللّه ولا أنه يجلس إلى جوار أبيه في السماء، ونؤمن بأن النصرانية الصحيحة التي نزلت على عيسى تنزلت بما نؤمن به. وأن فرقا كثيرة من النصارى كانت عقيدتها موافقة لعقيدتنا ولكنها ووجهت بحرب إبادة فأبيدت [٨].

 

الهوامش:

١- نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية تشاد.

٢- الاسراء / ٩.

٣- أحمد عبد الوهاب، حقيقة التبشيريين في الماضي والحاضر ص١٦٢.

٤- عبد الودود شلبي، الزحف إلى مكة ص١٣.

٥- إبراهيم عكاشة علي، التبشير النصراني جنوب السودان ص ٢٤- ٢٥.

٦- عمر فروخ، الاستشراق في نظام العلم وفي نطاق السياسة ص ١٢٥- ١٤٣.

٧- سورة المائدة آية: ٧٥.

٨- المسيحية ص١٤٣- ١٤٤- ١٤٥.

 

الأستاذ الشيخ علي المسيري

المصدر: رسالت التقريب/ العدد ٣٢