التاريخ الإسلامي في غرب إفريقيا (الجزءالاول)

  • رقم الخبر 1650
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص في هذه العجالة سوف نقتصر على عرض الجانب التشويهي المتعمّد لتاريخ الإسلام وحضارة المسلمين في المنطقة، من خلال أهمّ مظاهره، وأبرز الدوافع إليه، من باب التمثيل لا الحصر.


قراءات تاريخية

وجدت مفهومات خاطئة كثيرة عن تاريخ الإسلام وأثره في هذا الجزء من إفريقيا دينياً واجتماعياً وثقافياً وحضارياً، وهي مفهومات لها دوافع مختلفة وجوانب عدة، أتت من قِبل بعض المثقفين الغربيين، وأبناء المنطقة، وغيرهم من الذين تأثروا بأولئك، وبخاصة المتغربون منهم واللادينيون والمسيحيون، وكذلك دعاة الزنجية وبعض علماء الآثار الإفريقيين، والقوميين العرب.

وفي هذه العجالة سوف نقتصر على عرض الجانب التشويهي المتعمّد لتاريخ الإسلام وحضارة المسلمين في المنطقة، من خلال أهمّ مظاهره، وأبرز الدوافع إليه، من باب التمثيل لا الحصر.

إن «صورة انتشار الإسلام عامة قد شُوّهت من قِبل كثير من الدارسين، فأبرزت السلبيات (بل بولغ فيها)، وطمست الإيجابيات، ولهذا لا بد من إبراز أسباب التشويه ومعالجتها، وإعادة رسم صورته على ضوء مفاهيم وتصورات أكثر استقامة وعدلاً»(1)، خصوصاً في ضوء المستجدات العلمية والبحثية المتعلقة بتاريخ المنطقة وحضارتها، وأثر الإسلام البارز فيهما.

وكذلك؛ حاجة بعض المصادر الإفريقية التي تناولت هذا التاريخ إلى إعادة فحص ومقارنة وتحقيق علمي، بسبب كون المطبوع منها من نسخة وحيدة ليست الأصلية، كما أن النسخة الأصلية، أو الجيدة من هذه المصادر الإفريقية، ربما وقعت في أيدٍ لا تقرّ عين أصحابها بظهور الحقائق التي قد تكون – كما يرى بعض أولئك – في مصالح شعوب يكنّ لها العداوة، أو يحاول جحد جهودها، أو إخفاءها، في تاريخ الإسلام وحضارته بالمنطقة، ويبذل قصارى جهده في ذلك.

حدّثني الأخ الزميل د. فاي منصور في عام 1991م بأنه في أيام إعداده لرسالة الماجستير في التاريخ والحضارة عن مملكة مالي، سافر إلى فرنسا لزيارة مركز وطني فيه الكثير من المخطوطات باللغة العربية تتعلق بغرب إفريقيا، فكانت المسؤولة تطلعه عليها، وتترجم له بعض المعلومات إلى الفرنسية، فما أن علمت بإجادته للغة العربية حتى حالت دون اطلاعه عليها مكتفية بالترجمة له.

ويقول أحمد الشكري: «عند لقاءنا في الرباط 2 أبريل 1990م بالمؤرّخ المالي محمود الزبير – مدير معهد أحمد بابا للدراسات والبحوث، تنبكتو- عبّرنا له عن هذا الموقف (كون العديد من الروايات التي يطرحها تاريخ الفتاش ليست لصاحب التأليف الأصلي) فشاطرنا الرأي، وأكّد لي توفّر نسخة أخرى مخطوطة من تاريخ الفتاش، تختلف عن تلك المنشورة، وأنه يعمل بصحبة أحد فقهاء مالي على تحقيقها»(2)، فكم مضى على هذا العمل لو كانا – حقاً- بصدد إخراجه!

 

أولاً: مظاهر تشويه تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا:

1- الزعم بأن المنطقة لم تعرف الحضارة إلا بعد مجيء الاستعمار الغربي:

بل وصل الأمر ببعضهم إلى إنكار وجود صلة ثقافية بين إفريقيا جنوب الصحراء وبين شمالها، متجاهلاً ما تُجمع عليه المصادر العربية والإفريقية وتؤكّده من ازدهار القوافل التجارية بين شرق القارة وشمالها وغربها قبل الإسلام.

تلك المصادر القديمة التي تُعَدّ أبرز المصادر الأساس في تاريخ المنطقة، بسبب ما تحويه من معلومات؛ مصادرها زيارات شخصية للمنطقة، أو أجوبة علمائها وملوكها عن أسئلة تتعلق بها، أو لوفود الحجّ ونحوهم، أو ما تناقلته القوافل التجارية والجاليات التي عاشت فيها، يؤيدها كثير من الروايات الشفوية التي دُوّنت أخيراً، أو التي لا تزال تُروى من النّسابين الشعبيين، أو تناقلتها الأسر جيلاً عن جيل.

من أسباب ذلك التشويه ودوافعه الخلط بين قبول الناس أفراداً للإسلام وبين اعتناق الملوك له، ومن ثم عدّ ممالكهم من دار الإسلام، ثم الخلط بينهم من جهة وبين قيام الحركات الإصلاحية الداخلية والخارجية (الجهاد)، وقد يحكم أولئك على المسلمين بما يحكم به على ملوكهم الذين لم يسلموا(3)، فكان نتيجة هذا الخلط تشويه المفاهيم، حتى إن قضية انتشار الإسلام في غرب إفريقيا لا تجدها تُدرس إلا في إطار السلطة الغالبة، والقوة الظاهرة، وبها ومعها، فحسب هذه المفاهيم يبسط الإسلام سلطانه، وتذاع في الناس تعاليمه، وتنتشر بينهم راياته إذا كانت له دولة ترعاه، وفي غياب مثل هذه الدولة يغدو النكوث عن الإسلام إلى الديانات التقليدية هو البديل الماثل، وفي أحسن الفروض تكون المزاوجة بين الإسلام وتلك الديانات هي الطريق إلى تخليط يبقي من الإسلام اسمه، ويمحو معالمه وأثره(4).

فليس من الصواب ما قاله د. زبادية: «وتتفق الروايات على أن إسلام مكانٍ ما كان يتمّ حين يعلن الأمير، أو رئيس القبيلة، أو النبيل في عشيرته، إسلامه، فيتبعه أحسن الفروض جميع أفراد رعيته»(5).

فكم من ملك أسلم شعبه وهو لم يسلم، كما في حال غانا من وجود عدد كبير من المسلمين والمساجد والوزراء في عاصمتها، بل نصف المدينة كان خاصاً بالمسلمين، وكمدينة «جني» التي حشد ملكها عدداً كبيراً جداً من العلماء ليعلن إسلامه بين أيديهم(6).

وكم ملك أسلم دون شعبه، وكم ملك كان يتردد في اعتناق الإسلام خوفاً من شعبه الذي لمّا يسلم، أو لا يعلن ذلك حتى يضمن انقيادهم(7)، كل ذلك لا يتعارض أو يقلّل من أهمية إسلام الملك وما يزيده من قوة الانتشار وخوف الجانب.

لنأخذ مثالاً على ما تقدّم قصة دخول الإسلام إلى مملكة مالي:

فبعض الدارسين يرون أن الإسلام انتشر في هذه المملكة على يد الخوارج الإباضية، والتي كانت لهم دولة في فزان وغدامس وبعض واحات الجزائر منذ القرن الثامن الميلادي.

وإليك بعض الأدلة على عدم صحتها وبيان ما فيها من الخلط المذكور، فأقول:

1- تجد بما لا يدع مجالاً للشك انتشار الإسلام في الغرب الإفريقي قبل التاريخ المذكور لهذه القصة (القرن السادس الهجري/ الحادي عشر الميلادي).

2- هذه القصة نفسها تؤيد الخلط بين بداية وصول الإسلام إلى هذه المملكة وغيرها، وإسلام شعب أو أفراد منه، وبين إسلام الملوك، ومن ثم عدّ ممالكهم إسلامية، فقد كان انتشار الإسلام بين (الماندينغ) متقدّماً على إعادة تأسيس المملكة على يد ماري جاطة (سنودياتا كيتا 628ه- 652ه/ 1230م- 1255م)، وكذلك كان متقدّماً على تاريخ وصول هذا الذي يزعم إسلام ملك مالي على يديه إلى المنطقة (575هـ/ 1179م).

فالبكري أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد (ت 487هـ/ 1094م) يذكر أن هذا الضيف كان عند الملك يقرأ القرآن ويعلّم السنّة(8)، فما السنّة التي كان يعلمها غير سنّة الرسول r، ولمن كان يعلّمها إذا لم يكونوا حاشية الملك الذين أسلموا، ولمّا يسلم هو؟! ألا يحتمل أن يكون الملك من الفئة التي تخفي إسلامها لعدم إسلام معظم الشعب، بدليل قبوله تعليم القرآن والسنّة في مجلسه وبحضوره.

3- ليس بصحيح ما نقله بعض المؤرخين (أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي (ت 928هـ/ 1522م)، وكان من علماء الإباضية في المغرب) وغيره من أن بلاد السودان الغربي وإمبراطورية غانا كانت تدين بالإباضية قبل أن يقصدها مخالفوها لردّ أهلها عن مذهبهم الإباضي(9)، لأن الثابت أن الذين نقلوا الإسلام إلى المنطقة منذ القرن الأول الهجري لم يكونوا إباضيين، كما لم يكونوا صوفيين، فمن أين كان لهم الأسبقية المزعومة، وكيف؟!

4- تناقض الروايات في تحديد بداية علاقة الإباضية، تجاراً وفقهاء، بغرب إفريقيا، بين القرن الثامن أو التاسع أو العاشر الميلادية(10)، وتناقضها – أيضاً- في المملكة التي أسلم ملكها في القصة؛ أهي مالي أو غانا؟ فعند البكري أنها مالي من غير أن يقول إن الضيف إباضي، بل ذكر أنه ضيف من المسلمين، فإذا انضم إلى هذا كون البكري من مصادر الشماخي الذي زعم إباضيته(11)، وتعليم هذا الشيخ للسنّة، ودعوة الملك إلى الاعتقاد بشرائع الإسلام كلّها من غير إشارة إلى الإباضية، تبيّن أن هذا الضيف على مذهب السلف لا الخوارج الإباضية، وتأكّد دخول الإسلام إليهما قبل هذا التاريخ، أو على افتراض كونه منها؛ فإنه بناء على تصرفاتهم لم يكن يدعو إليهما(12) في وسط سبقها إليه مذهب آخر نما وتقوّى.

5- شهادات الخوارج أو الشيعة لا تدل على أن دعاتهم كانوا يمارسون دعاية لمعتقداتهم في بلاد السودان، وإنما تنوه فقط بنشر تعاليم الإسلام، ولو كان قبيل أو شعب من المنطقة قد اعتنق أحدهما لكانت مصادر هذه الطوائف أول من يهتم بتسجيل هذا الإنجاز أولا ًبأوّل، كما هو الغالب في كتابات علماء كلّ مذهب، والمصادر على اختلافها لا تحدّث عن اعتناق فئة من أبناء السودان الغربي لهذين المذهبين(13).

 

2- الاستدلال ببعض التقاليد والأعراف على نفي أثر الإسلام الإصلاحي والحضاري في المنطقة:

والتقليل من شأن الإسلام بسبب تلك التقاليد، كمواسم نصب السلطان، والمثول بين يديه، ووضع التراب على الرأس إظهاراً للخضوع، واستخدام الطبول، وغيرها من الأمور التي وجدت حيناً في إمبراطوريات غانا ومالي وسنغاي، وكذلك بعض مظاهر الصوفية: كالتبرك بالأولياء، وقراءة القرآن على الأموات، وإقامة الولائم في المآتم، ووجود بعض المشعوذين، والاستدلال بها.

وتقزيم الإسلام بعبارات مجحفة: «الإسلام الأسود»، أو «النموذج الإفريقي للإسلام»، أو المزاوجة بين الإسلام والديانات الوثنية الإفريقية، أو «الإسلام السطحي»، ونحوها، وكلّها عبارات تهدف إلى الزعم بوجود إسلام لم يبق منه إلا اسمه، وسيادة الوثنيات قولا ًوعملا ًإلا ما ندر، فقد تعاطى تلك الأمور «بعض المضلين من الباحثين الذين يتعمّدون تجاهل المدّ الإسلامي الحضاري في توجيه وتقويم الأحداث التاريخية وشؤون الحياة لمنطقة السودان الغربي، ثم التشكيك في تاريخ مسلمي هذا الجزء من العالم الإسلامي»(14)، ومن تفاعلهم معه وتطبيقهم له على الوجه الصحيح في مختلف شؤون الحياة، والحقّ أن الإسلام شمل مختلف جوانب الحياة حتى لغير المسلمين من سكان المنطقة(15).

واليك أمثلة من هذه التشويه:

يقول د. محمد الغربي: «الواقع أن الإسلام، وإن كان قد طبع التاريخ الإفريقي والحضارة الإفريقية بطابعه المميز، فإنه كان مع ذلك نموذجاً إفريقياً، فسكان القرى والبوادي لم يكونوا يعرفون إلا النطق بآيات القرآن دون فقه لمعنى ما يحرّكون به ألسنتهم، وكانوا يمسكون في رمضان من الفجر إلى غروب الشمس، ويتقربون بالذبائح والقرابين والنذر، ولكنهم إلى جانب ذلك كانوا يعبدون قوى الطبيعة، ويقدّسون الأصنام والأيقونات، ويؤمنون بأقوال الكهان والسحرة»(16).

ويجعل ثان الفئة التي اعتنقت الإسلام، واحتفظت ببعض الطقوس الوثنية، هي الغالبة في أفراد المجتمع في غرب إفريقيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين(17)، ويقول ثالث: «البوادي لم تتأثر كثيراً بالإسلام، وهذه الظاهرة تمثّل أول مظهر من مظاهر تعثر الدين الحنيف بالمنطقة»(18)، ويقول آخر: «المعروف أن اعتناق الإسلام في غربي إفريقيا كان سطحياً، وعلى الأقل في أول انتشاره»(19).

إن من قال بهذا إنما خلط بين المسلمين والوثنيين الذين قد يستعينون بالتعاويذ الإسلامية مع تعاويذهم الوثنية، ويلجؤون إلى شيوخ المسلمين، بالإضافة إلى كهنتهم الوثنيين، ولا يترددون في تقليد الصلوات الإسلامية، وحضور المساجد والجنائز والاحتفال بالأعياد والمناسبات الإسلامية، بل جرت عادة بعضهم بإخفاء وثنيتهم ليظهروا بمظهر الرقي والتقدّم أصلاً، لأنّ المجتمع الوثني قد تعارف على أن الإسلام صنو لهما أخلاقياً واجتماعياً ونفسياً(20)، وتلك ظواهر يلحظها قلّة من الباحثين في تاريخ انتشار الإسلام في هذه القارة، وهي أمور تحدث إلى يومنا هذا، فحسبهم أولئك الباحثون مسلمين، وما هم كذلك، بل هم وثنيون.

ولا يلزم من هذا ألا يكون في المسلمين ضعاف نفوس يذهبون إلى السحرة، لكن الخطأ والمبالغة في الحكم على الجميع، وفي إظهارهم بأنهم لم يتأثروا بالإسلام.

من أمثلة ذلك أن بعضاً من ملوك هذه الممالك والإمبراطوريات الإفريقية مَن يكون مسلماً، ثم يأتي بعده من أسرته مَن يكون على الوثنية، وذلك قبل تحوّلها كلية إلى ممالك إسلامية ملكاً وشعباً، فإذا جاء بعض الدارسين ليتحدث عن هذه المملكة كان تركيزه في تحوّلها كلية إلى إسلامية، ويصور تصرفات هؤلاء الملوك الوثنيين، أو المداهنين لشعوبهم المسلمة على أنها تصرفات من ملوك مسلمين، ثم يسم المسلمين عامّة بأن إسلامهم كان «سطحياً» أو «نموذجاً إفريقياً»، وأنهم مع إسلامهم يمارسون تقاليد وثنية(21).

ومنها ما يتعلق ببعض المعتقدات عند الأفارقة التي لا يلاحظها كثير من الدارسين، وتنبّه لها قلّة منهم، وجدوا أن للإسلام صلة وثيقة بنفسية الإفريقي، وتقارباً كبيراً إلى عقليته وفطرته(22)، وأن نظرتهم العامة إلى الحياة، وكثيراً من طقوسهم الروحية، يمكن أن تصبح شعائر إسلامية، وأن تحوّل إلى نظام الدين الجديد دون إجراء تغيير كبير(23)، وهي من عوامل سرعة تقبلهم للإسلام في العصر الحديث.

فسبب التشويه- هنا- عدم فهم بعض الظواهر التي يجدها الباحث في الساحة الإفريقية، وبرغم هذا يطلق عنان قلمه للتشويه من غير ما تثبّت ورويّة ليفصّل الإسلام بعد ذلك على مقاس يسمّيه: «نموذجاً إفريقياً»، أو «إسلاماً أسود»، أو «إسلاماً سطحياً»، بسبب تلك الظواهر التي لم يفهمها، أو بسبب بعض المخالفات والمعاصي التي لا يكاد يخلو منها مجتمع إسلامي، من غير أن نجد ذلك التصنيف نفسه في غير إفريقيا، أو ترديداً لبضاعة غربية، فالاستعمار وكتّابه لمّا أرادوا التهوين من أثر الإسلام وحضارته وثقافته في إفريقيا روّجوا لفكرة «إسلام سطحي» و «إسلام أسود»، وهم يقصدون بهما أن إيمان الإفريقي شيء ظاهر يستر وراءه وثنيته القديمة(24)، فتلقف عنهم هذه البضاعة المستغربون والمغرضون من غيرهم.

وهذه الصفة إنما تنطبق على علاقة المسيحية بالوثنية في إفريقيا، فهي التي أخذت بمبدأ تلقيح نفسها بالوثنية والعادات الإفريقية، والخلط بينهما، والتمشّي معهما، وكلّ ذلك أمر واضح في المنطقة، بل أخذت تداهن المسلمين في بعض المناطق الإسلامية بالتخفّي وراء أسماء وألقاب إسلامية قديماً وحديثاً، وذلك بأن يحتفظ مَن يتنصّر من الأسر الإسلامية بأسمائهم الإسلامية، فظهر في السنغال «محمد إنجاي»، وفي مالي «قاسم كيتا»، واستعمل النصارى في بعض المناطق لقب «الحاجّ» المنتشر بين المسلمين وله عندهم مدلولان (ديني واجتماعي) رفيعان(25).

ولو ألغينا جانب الترجمة لتعليم الإسلام، واشترطنا الفهم المباشر لما يُقرأ ويُقال بالعربية، لأخرجنا ملايين المسلمين من الإسلام في القديم والحديث!

ومن غير المعقول أن تكون تلك الأمور التي ذكرها د. الغربي وغيره ظاهرة عامّة في كلّ القرى والبوادي، وفي جميع المراحل، لأن التحوّل العظيم في المجتمع الإفريقي في هذه المنطقة نحو قبول الدين الإسلامي المتسامح في تعاليمه والواضح في مبادئه نتج عنه نمط جديد، يجمع بين القيم الإنسانية الإفريقية السليمة الراشدة وثقافات أبناء المنطقة وحضاراتهم النظيفة وبين النبع الثقافي والحضاري الأصيل للإسلام، فظهرت آثار ذلك كلّه في شتى نواحي الحياة لدى سكان المنطقة(26)، وما كانت مرونة الإسلام في الإصلاح، ولا ملاءمته لكلّ زمان ومكان، ولا تدرّجه في التغيير، استكانةً وضعفاً(27)، ولا نموذجية خاصة بجنس دون جنس، أو مكان دون آخر، وإنما تلك كلّها من وسطية الإسلام وواقعيته وعوامل انتشاره وقوّته.

ثم ألا يكون مردّ وجود ما ذكره إلى طبيعة سكان البوادي في كلّ زمان ومكان، و «الإسلام ليس ظاهرة بداوة في أصله حتى تتركز الأنظار أولا ًعلى البدو، الإسلام ظاهرة حضر واستقرار ينتقل منها إلى البدو»(28)، ألم يقل القرآن الكريم عن سكان البوادي:

﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 97- 98)، ثم قال تعالى عن طائفة منهم: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 99).

أرأيت كيف شهد الله لهذه الطائفة من فرقة الأعراب بصحة ما اعتقدت، وبتصديق رجائها، وكيف استأنف النّظم القرآني بحرف التنبيه: «ألا» للاهتمام بها ليعيها السامع، وبحرف التوكيد والتحقيق: «إن»، وكلاهما يؤذن بثبات الأمر وتمكّنه، وبإزالة الشك والإنكار، وبالاحتجاج للقضية، وأكّد فوزهم ونجاتهم بـحرف «السين» الذي يفيد تحقيق الوعد، فما أدلّ هذا الكلام بذلك كلّه على رضا الله تعالى عن هذه الطائفة وعن عملها(29)! فكيف نغبنها حقها بهذا التعميم الذي يحصرهم جميعاً في فرقة واحدة؟!

وأين الباحث من المنهج الإسلامي في هذا التقسيم العدل، البعيد عن التعميمات، المراعي للواقع، في قوله تعالى عن الأعراب أيضاً: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 101- 102)؟!

لست بحاجة إلى التذكير حول هذه الآيات بالمقولة المجمع عليها «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، كما أن ظهور عادات لا تمّت إلى الإسلام بصلة في تنصيب السلطان أو غيره كان في نطاق ضيّق، وفي طور معين، أو مكان دون مكان، وربما يكون سببها الجهل، أو أنه لم يظهر للقوم رأي الدين فيها في ذلك الوقت، ولا أدلّ على صحة هذا من مسارعة العلماء والسلاطين إلى إنكار البدع والتقاليد التي يظهر لهم مخالفتها للدين الإسلامي، كما هو الحال لـ «أسكيا محمد» وغيره، وكذلك ابنه «أسكيا داود» الذي استجاب لإنكار أحد الفقهاء ظاهرة «التتريب»(30).

يقول آدم عبد الله الآلوري عن ملوك الإمبراطوريات الإسلامية في غرب إفريقيا: «إن أكثر أولئك السلاطين علماء وفقهاء، وإذا لم يكن السلطان نفسه عالماً فقيهاً اتخذ أحد العلماء المبرزين وزيراً يدير له الدولة على وفق الشريعة، ولا بد من هيئة شورية على شكل لجنة الفتوى من كبار العلماء والفقهاء»(31).

وكان السلاطين والملوك يحترمون هؤلاء العلماء والفقهاء، ويزورونهم في بيوتهم، ويستفتونهم، ويشاورنهم في شؤون الدولة وما تتعرض له من أخطار، ويأتمرون بأمرهم(32)، وذكر البكري أن سنغاي (أهل كَوْكَوْ) لا يُملّكون عليهم أحداً من غير المسلمين، وإذا ولي منهم ملك دُفع إليه: خاتم، وسيف، ومصحف(33).

ولو سلّمنا برأي هؤلاء المشوِّهين والمتجاهلين للحقائق فلن يبقى للإسلام تاريخ ناصع في العالم كلّه بعد القرون الثلاثة الأولى؛ لوجود البدع والخرافات والمخالفات الشرعية والعقدية في كلّ المجتمعات الإسلامية على تفاوت وفي أطوار مختلفة، من غير أن نجد تفصيل الإسلام على مقاسها كما يُراد في حال إفريقيا! أوَ لم يكن من عادة المماليك (648ه – 923ه/ 1250م- 1517م) إجبار من يدخل على السلطان على الركوع والسجود ثم تقبيل الأرض بين يديه(34)، حتى إن ملك مالي «منسا موسى» (712ه – 737ه/ 1312م – 1337م) في طريق حجّه تفادى الدخول على سلطانهم في أيامه كيلا يقوم بذلك، وكثيراً ما توترت علاقاتهم مع غيرهم بسبب هذا التقليد.

وهنا لا يريد بعض الباحثين- مع موازنته بين الأمرين- أن يحرج أحداً بالسؤال «عمّا إذا كان الإسلام قد أخفق في احتواء الذهنية المصرية بسبب هذا التقليد»؟ فيرى القفز على المسألة(35)، فأقول له: إن التنبيه على المنكر لتفاديه أو لإعطاء صورة عن بعض المظاهر والأمراض الاجتماعية المخالفة للشرع مما لا ينبغي فيه التحرّج، بشرط تناولها في إطارها الزماني والمكاني، وعدم التعميم أو التحريف، ولا تخصيص منطقة بها دون أخرى، أو تفصيلها على مقاس جنس دون غيره.

 

الإحالات والهوامش:

(1) انتشار الإسلام في غرب إفريقيا حتى القرن السادس عشر الميلادي، د. عز الدين موسى، ص 44، ضمن بحوث ندوة العلماء الأفارقة ومساهماتهم في الحضارة العربية التي نظمتها في الخرطوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع جامعة أم درمان الإسلامية، 28 – 30 يوليو/ تموز عام 1983م.

(2) الإسلام والمجتمع السوداني إمبراطورية مالي، أحمد الشكري، ص 32/ هامش 46، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط 1- عام 1420ه/ 1999م.

(3) انظر: الملامح المغربية في الثقافة الإفريقية خلال القرن السادس عشر، ص 174، مجلة دعوة الحق (المغرب)- عدد 283 جمادى الأولى والآخرة، عام 1409هـ/ يناير 1989م، للدكتور محمد العزبي.

(4) انتشار الإسلام في غرب إفريقيا حتى القرن السادس عشر الميلادي، ص 44 – 45، 48.

(5) مملكة (سنغاي) في عهد الأسقيين، ص 81.

(6) انظر: تاريخ السودان، للسعدي، ص 12.

(7) انظر: انتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ص 49 – 50، والإسلام والمجتمع السوداني، ص 99- 100.

(8) انظر: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 178، مكتبة المثنى، بغداد، دون ت، ن.

(9) انظر: دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة (مالي) قبل القرن الثالث عشر الميلادي، د. أحمد الياسين حسين، ص 95، من بحوث: ندوة العلماء الأفارقة ومساهماتهم في الحضارة العربية الإسلامية.

(10) انظر: دور فقهاء الإباضية، ص 91، 98، وانظر: القصة في: المغرب في ذكر ميلاد إفريقيا والمغرب، ص 178، ودور فقهاء الإباضية، ص 95، و 103 ملحق 3، والثقافة العربية الإسلامية في الغرب الإفريقي، عمر محمد باه، ص 145 – 146، مؤسسة الرسالة، ط 1- عام 1423هـ/ 1993م.

(11) ومن مصادر الدرجيني أحمد بن سعيد بن سليمان (ت 670هـ/ 1217م) الذي حدّد التاريخ لسنة (575هـ/ 1179م)، وفي روايته أن كلّ أهل المملكة مشركون، انظر: نصّه في: دور فقهاء الإباضية ص 102 ملحق 2، فإذا كان البكري أقدم من الدرجيني الذي جاءت روايته في القرن السابع الهجري موافقة لمذهبه الإباضي ومتناقضة مع وصول الإسلام إلى كلٍّ من غانا ومالي منذ القرن الأول الهجري، أفلا تكون هذه وغيرها مطعناً في صدق نقله؟!

(12) انظر: حركة التجارة والإسلام، ص 76 – 79.

(13) انظر: الإسلام والمجتمع السوداني، ص 226، 227.

(14) أسكيا الحاج محمد وإحياء الدولة الإسلامية للسنغاي، د. فاي منصور، ص 73، رسالة دكتوراه من قسم التاريخ والحضارة، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، عام 1408هـ/ 1988م.

(15) انظر: المرجع نفسه، ص 73، 179.

(16) الملامح المغربية في الثقافة الإفريقية خلال القرن السادس عشر، ص 173، مجلة دعوة الحق (المغرب)، وانظر: مملكة (سنغاي) في عهد الأسقيين، د. عبد القادر زبادية، ص 135، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، بدون.

(17) انظر: الشيخ عثمان بن فودي والحضارة العربية الإسلامية في الإقليم الشمالي (لجمهورية نيجيريا الاتحادية)، د. محمد أحمد الحاج، ص 339 (ضمن بحوث ندوة العلماء الأفارقة)، جعل هذه الفئة في المرتبة الثانية بعد الوثنيين الأصليين الذين بقوا على الوثنية، وآخرهم الذين اعتنقوا الإسلام دون أي خلط بينه وبين غيره.

(18) الإسلام والمجتمع السوداني، ص 230، وانظر: ص 134.

(19) حركة التجارة والإسلام، ص 203.

(20) انظر: حركة التجارة والإسلام، ص 149، وإفريقيا الغربية في ظل الإسلام، نعيم قداح، ص 29.

(21) انظر: دولة مالي الإسلامية، د. إبراهيم طرخان، ص 52، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1393هـ/ 1973م، وحركة التجارة والإسلام، ص 203، وقارن بين ما ذكره هنا وبين ما ورد في ص 149، 150.

(22) انظر: إفريقيا الغربية في ظل الإسلام، ص 95.

(23) حركة التجارة والإسلام، ص 149، وانظر: ص 150.

(24) انظر: إفريقيا الغربية في ظل الإسلام، ص 111.

(25) انظر: الإسلام في الدولة العلمانية مالي، الشيخ شرينو هادي عمر تيام، ص 107، 108، ط 1 عام 1414هـ/ 1993م، بماكو/ مالي. ولقب «الحاج» في القاموس الديني والاجتماعي بغرب إفريقيا، لكاتب هذه السطور، مجلة الحج والعمرة (جدة) سنة 58- عدد 11 ذو القعدة 1420هـ/ ديسمبر – يناير 2003م – 2004م، ص 51.

(26) أسيكا الحاج محمد، ص 176.

(27) انظر: انتشار الإسلام في غربي إفريقيا، ص 58.

(28) مجلة دراسات إفريقيا، المركز الإسلامي الإفريقي، وعدد 1 رجب 1405هـ- أبريل 1985م، ص 37، بحث: الأصالة التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية في غرب إفريقيا، البروفيسور عثمان أحمد.

(29) انظر: تفسير الكشاف للزمخشري، (2/ 169)، مكتبة المعارف بالرياض، بدون.

(30) انظر: أسكيا الحاج محمد، ص 74، والإسلام والمجتمع السوداني، ص 232.

(31) الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فودي الفلاني، ص 74، ط 4 عام 1398هــ/ 1978م

(32) انظر: تجارة القوافل بين المغرب والسودان الغربي وآثارها الحضارية حتى القرن السادس عشر الميلادي، د. الشيخ الأمين عوض الله، ص 97، تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي (مرجع سابق)، وإفريقيا الغربية في ظل الإسلام، ص 175.

(33) انظر: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 183.

(34) انظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (الباب السادس)، أحمد بن يحيى العمري، دراسة وتحقيق دوروتيا كرافولسكى، ص 107، 109، المركز الإسلامي للبحوث، بيروت، عام 1986م.

(35) الإسلام والمجتمع السوداني، ص232، وانظر: 231.

 

بقلم: هارون المهدي ميغا (باحث- جمهورية مالي، قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي – كلية اللغة العربية بالرياض/ جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية).