التاريخ الإسلامي في غرب إفريقيا (الجزءالثانی)

  • رقم الخبر 1659
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص من مظاهر ذلك الجانب التشويهي، الذي يحاول أن يقلّل من شأن الأثر الصحيح والقوي للإسلام في المنطقة، ما يزعمه كثير من الباحثين – في مبالغة – من تأثير الصوفية.


3- المبالغة في أثر الصوفية:

ومن مظاهر ذلك الجانب التشويهي، الذي يحاول أن يقلّل من شأن الأثر الصحيح والقوي للإسلام في المنطقة، ما يزعمه كثير من الباحثين – في مبالغة – من تأثير الصوفية، كقول أحدهم: «يكاد الانتماء إلى الطريق يكون جزءاً من تديّن الرجل، والتبعية إلى شيخ أو مقدّم من أهل الطريق تعدّ صفة من صفات أي إفريقي مسلم، سواء في الغرب أو الشرق، إلى جانب صفته الرئيسية كمسلم»(36)، ويقول أيضاً: «السنّة تسود غرب إفريقيا، إذ إن جميع سكان غرب إفريقيا سنّيون على المذهب المالكي... كما أن سنّية الناس هناك لا تتعارض مع انتمائهم للطرق الصوفية المختلفة»(37).

وإذا كانت المغالاة واضحة في جعل كلّ سكان هذه المنطقة سنّيين فإن التناقض واضح أيضاً في كلامه، وما ذهب إليه من أن سنّية الناس لا تتعارض مع الطرق الصوفية إنما ينطبق على مفهومه هو لأهل السنّة، وليس المفهوم السائد عند المسلمين في المنطقة، ولا في غيرها، ويدل على ذلك بعض الشخصيات الذين مثّل بهم(38) في الإصلاح الديني والتعليمي بإنشاء مدارس غير مشوبة ببدع الصوفية- كما يقول هو-، والمعروف عنهم الثاني دون الأول.

والأغرب أن الباحث نفسه يذكر فيما بعد(39) الإصلاح العقدي والتعليمي الذي قام به بعض رواد النهضة السنّية الحديثة من قادة الاتحاد الثقافي الإسلامي، والأحداث التي تعرّض لها أهل السنّة في مالي وغيره عام 1957م، وأُحرقت فيها مساجدهم ومساكنهم وممتلكاتهم، فلِمَ وقعت تلك الأحداث إذا كان الأمر على ما وصف؟!

ولا يخفى عليك أن الدافع - هنا- المبالغة في التعميم والعجلة في الحكم من غير تصوّر حقيقي وشامل، استغلالاً لعقل القارئ الذي يجهل تاريخ الإسلام في المنطقة، أو لم يقف على هذه الأحداث، واستناداً إلى زيارة الكاتب لبعض أجزائها في دولة أو دولتين، والانبهار بقوة طائفة في هذا الجزء في طور معين، فيقيس- مع الفارق- ما لم يزره أو يشاهده على ما زاره وشهده ليحكم حكماً عاماً على الإسلام والمسلمين من منطلق دراسة ميدانية، كما سمّاها في مقدمة كتابه، وما هي كذلك، وإلا كيف وقع في المبالغة بجعل كلّ سكان المنطقة سنّيين، والتناقض والخلط في ذلك.

إن الحضور الناصع للإسلام وأثره المنير، والتغيير الكبير الذي أحدثه في الناس دينياً واجتماعياً، وكذلك مظاهر انفعال أبناء المنطقة مع العقيدة الإسلامية عبر تاريخه(40)، والصراعات بين أهل السنّة وغيرهم، وسنّة الله في التدافع، كلّ ذلك يفنّد هذه المقولة التي جاءت نتيجة تأثّر عاطفي بقوة الصوفية ونفوذها في بعض أجزاء إفريقيا في مقابل ضعف غيرها، وفي طور معين من أطوار هذا التاريخ الإسلامي بعد سقوط الممالك الإسلامية وسيطرة الاحتلال الأوروبي، «فقد كانت التربة السودانية أكثر خصوبة في التفاعل مع العقيدة الإسلامية، وأكثر تجاوباً معها، على هذا المستوى ربما يكون السودانيون قد فاقوا غيرهم من المسلمين في بقية الأقطار الإسلامية، وذلك بالنظر إلى الصعوبات والعراقيل الجمّة التي اعترضت مسيرة الإسلام في بلاد السودان»(41).

ثم كيف يكون ما تقدّم حالاً عامّة في كلّ الأطوار، وقد دخل الإسلام المنطقة من أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، فقال الشيخ أحمد بابا التنبكتي (ت 1036هـ/ 1627م): أنه لم يكد يمضي عاماً (60هـ/ 679م) حتى كان في مدينة كومبي صالح (عاصمة إمبراطورية غانا) اثنا عشر مسجداً! وقبله ذكر البكري وجود هذا العدد في الجزء الذي يسكنه المسلمون من المدينة، ولهم فيها أئمة وفقهاء وحملة علم، كما أن في مدينة الملك مسجداً يصلي فيه مَن يفد عليه من المسلمين على مقربة من مجلس حكمه، وتولّى بعض التجار المسلمين مناصب إدارية عليا في مملكته، وكان منهم تراجمة الملك وصاحب ماله وأكثر وزرائه(42)، وذكر ابن خلدون (ت 808هـ/ 1406م) أنها تتكون من جزأين على حافتي النهر، ومن أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمراً(43).

وذكر أن عقبة بن نافع افتتح حوالي (46هـ/ 666م) «كاوار» من تخوم السودان(44)، تقع قرب بحيرة تشاد، وأرسل مجموعة من جيشه إلى البربر والملثمين والسودان ليعلّموهم القرآن والفقه.

نقل آدم الآلوري عن الشيخ عبد الله بن فودي (ت 1244هـ/ 1828م) أنه تواتر لديهم عن الثقات العلماء دخول الإسلام إلى غربي إفريقيا من القرن الأول الهجري على يد عقبة بن نافع(45).

وزاد أن عقبة لمّا حجزه البحر عن المواصلة غرباً دخل في طريق عودته بلاد «غانا» و «تكرور»، فأسلم على يديه بعضهم، وفي ذلك ما يسوّغ قول ابن فودي، «إذ ليس هناك ما يمنع عقبة من السير صوب الجنوب في بلاد السودان كما منعه البحر من السير صوب الغرب»(46)، وأن من الأمويين الذين هربوا بعد سقوط الدولة الأموية في الشرق مَن «تغلغلوا في بلاد السودان، واختبؤوا بها حتى الممات، وطويت أسماؤهم في سجل النسيان»(47).

فإذا قيل: ‏أفليس من المحتمل أن يكون عقبة وجيشه على طريقة من طرق الصوفية، أو من أرسلهم إلى السودان، أو التجار وهؤلاء الأمويون؟ ونقول: كلا، ولسبب يسير، وهو أن الصوفية لم تكن ظهرت، إذ ظهرت بداياتها في العراق في القرن الثالث الهجري، ولأن الطائفة المنصورة- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ‏)- هي التي فتحت سائر المغرب، كمصر والقيروان والأندلس وغير ذلك، وكانت في أيامه أقوم الطوائف بدين الإسلام علماً وعملاً وجهاداً عن شرق الأرض وغربها(48)، ومن ثم كيف يمكن القول: «ارتبط انتشار الدعوة الإسلامية في غرب إفريقيا بانتشار الطرق الصوفية»(49)!

 

4- حصر فضل التاريخ الإسلامي في المنطقة على الدول العربية:

وقد يحاول كلّ واحد من هؤلاء القوميين العرب حصر فضل التاريخ الإسلامي في المنطقة على الدولة العربية التي ينتمي إليها: المغرب، ليبيا، الجزائر، مصر، تونس... إلخ(50)، يقول أحدهم في مقدمة كتابه: «وأعترف عندما كنت أطوي المرحلة تلو الأخرى في البحث والتنقيب أنني لم أستبعد وازعاً وطنياً أخشى بأن أُتهم بأنه هو الذي حركني أصلاً في عملي هذا»(51).

وصل الأمر ببعض المعاصرين من هؤلاء القوميين إلى القول بالتلازم بين قوة الإسلام وازدهاره في إفريقيا وبين التصاهر مع العرب وهجراتهم إليها وبين ضعفه فيها وعدم مصاهرتهم، ومن ثم انطلقوا لتعليل ضعف الإسلام المعاصر فيها بعدم وجود مصاهرة بين الطرفين، في حين يرى آخر أن الاتصال عن طريق المساكنة والزواج يبدو ضعيفاً(52).

ومهما يكن؛ فالسؤال المهم هو: ما حال الإسلام في العالم العربي نفسه، وقد «كان واضعو لبنات تلك الحضارة علماء أفارقة، على خلاف ما يُشاع من أن انتشار الإسلام كان بفعل عرب أو بربر»(53)، سواء أولئك العلماء الذين تعلّموا في المنطقة، أو أولئك الذين رحلوا في طلب العلم ثم عادوا، أو التجار الذين ينتقلون بين المنطقة وغيرها أو بين أسواق مدنها وقراها استقروا فيها أم لا، إذ هناك فرق بين دخول الإسلام وانتشاره، فالأول يمكن أن يقوم به أي مسلم، والثاني يحتاج إلى معرفة لغات المنطقة لإيصال تعاليم الإسلام إلى أهلها والانتشار في القرى والأرياف لا الاكتفاء بالمدن الحضرية.

يؤيد ذلك عدد العلماء الذي حشده ملك «جني» كي يُعلن إسلامه أمامهم، فقد جعل السعدي العدد 4200 عالم، ويبعد المبالغة عن هذا العدد أن «جني» كانت تتكون مع توابعها من سبعة آلاف قرية، كما ذكر السعدي نفسه(54).

وحيث إن الإسلام للناس كافة فإن تاريخه وحضارته في المنطقة وفي غيرها وسع- ولا يزال- مختلف الأجناس والشعوب، كما أنهم أدلوا فيهما بدلائهم، فذلك من طبيعة الإسلام، وشموليته، وعالميته، وواقعيته.

وتارة يعلّل أولئك القوميون لضعف الإسلام المعاصر في المنطقة بدخوله السلمي إليها، فيقال لهم: فما بال أجزاء العالم الأخرى التي فتحت بالقوة قد ضعف الإسلام فيها، وتارة بدرجة أعلى مما يتصور في إفريقيا! وتارة أخرى يجعلون الحضارة الإسلامية في المنطقة «حضارة مغربية زنجية»  و «حضارة مغربية عربية» و «حضارة مغربية أندلسية»، كانت الرغبة في إيصالها إلى مجاهل القارة دافعاً جديداً وقوياً في انتقال الإسلام إلى أبعد الجهات(55).

أرأيت كيف يجعلون إيصال هذه الحضارة إلى مجاهل القارة هو الدافع لانتقال الإسلام إليها، وليس الإسلام هو الذي نقل الحضارة إليها، حتى إنهم يجعلون حلق الشعر وتناول وجبة العشاء من آثار الحضارة المغربية(56)! ونقول: ما المجاهل التي وصلتها الحضارة المغربية لنشر الإسلام، ألم تكن المراكز التجارية والمدن المشهورة هي التي سبق بعضها المغرب إلى الإسلام!

كما صار كثير من الموضوعات والبحوث، ذات الصلة بتاريخ المنطقة وحضارتها، تُرفض الكتابة فيها في الدراسات العليا في بعض الدول، كالمغرب وليبيا مثلاً، ما لم تركز في جانب تأثير هذه الدولة أو تلك- إن حقاً أو باطلاً- في الموضوع المدروس، ولو اقتضى الأمر ليّ الحقائق، بقوة القسم العلمي وكليته وجامعته وسياسة دولته على منهاج الدراسات الغربية التي لا ترتاح إلا لنفي الحضارة عن المنطقة قبل الاحتلال وجيوشه، أو نفي تأثير الإسلام فيه أو تهوينه، وإبراز أثر دول الاحتلال في تاريخها، واستحسان أفاعيله، وإيجاد مسوّغات إنسانية وحضارية وقانونية لها مهما كانت سيئة عقلاً ونقلاً.

ومن المعلوم أن نفي أولئك للحضارة عن إفريقيا قبل الاستعمار يهدف من جانب آخر، يهدف إلى نفي الحضارة الإسلامية فيها، وإلا كيف يستقيم إقرارهم بوجود الإسلام في القارة قبل الاستعمار مع القول: بأنها لم تكن تعرف الحضارة حين احتلوها؟!

ومنهم من علّل لانتشار الإسلام فيها بأنه وجد مجتمعات لا حضارة لها(57)، وعلى مذهب دي لافوس القاضي بـ «إنكار الدور الحضاري للعرب في السودان الغربي، وتفسير كلّ فعاليتهم في المنطقة على أساس استغلالي»(58)، وعلى منهاج القوميين الأفارقة «دعاة الزنجية»(59)، ومعهم بعض علماء الآثار الإفريقيين الذين لا يترددون في عدّ انتشار الإسلام وحضارته احتلالاً عربياً بحدّ السيف؛ قضى على حضارة زنجية إفريقية، أو عدّ عصور حضارته الذهبية في المنطقة امتداداً لحضارة حوض البحر المتوسط الأوروبي... إلخ على الرغم من الأثر القوي والبروز الواضح والمميز للإسلام وثقافته وتاريخه وحضارته في عصور تلك الممالك والإمبراطوريات.

 

5- المبالغة في جهد المرابطين بجعلهم الرواد الأوائل في نشر الإسلام بغرب إفريقيا لدرجة طمس جهود غيرهم:

ومن مظاهر التشويه، بسبب أهداف الدارسين ومبتغاهم التي تلّون الحقائق بألوان من الرغائب والهوى، أو المبادئ الوطنية والنظريات السياسية والفلسفات الفكرية التي اعتنقوها، جهد المرابطين المغالى فيه من قِبل كثير من الدارسين، بجعلهم الرواد الأوائل في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، لدرجة طمس جهود غيرهم ممن سبقهم أو عاصرهم أو جاء بعدهم، كما فعلت الدكتورة عصمت دندش في كتابها (دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا)(60)، ‏بل محو الوجود الإسلامي في المنطقة الذي سبق المرابطين بأربعة قرون.

والمرابطون إنما ظهروا عام 434‏هـ، أي في أواخر المرحلة الأولى لانتشار الإسلام في غرب إفريقيا، وهو ما بين (20ه ‏- 443‏هـ) حسب تقسيمات بعض الدارسين(61)، وكان استيلاؤهم على مدينة «أودفيست» الغانية عام 447‏هـ(62)، «‏ولقد كان للثقافة الإسلامية العربية أثر واضح في حكومة غانا القديمة قبل دخول المرابطين، فالمسلمون هم الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة، لذلك كانوا يساعدون الملوك الوثنيين... فهذا أكبر دليل على انتشار الثقافة الإسلامية، فإذا كان هذا هو الحال قبل استيلاء المرابطين عليها؛ فمن المتوقع أن تتوسع تلك الثقافة، وتنتشر بعد أن أصبحت مملكة غانا إسلامية»(63).

وصل الغلو إلى الزعم بأن الالتزام الشديد بتعاليم الإسلام في السودان الغربي، كأداء فروض الشريعة إلى أبعد الحدود، والمواظبة على الصلوات في الجماعة، وضرب الأولاد عليها، وازدحام المساجد بالمصلين، والحرص الشديد على حفظ القرآن، واستفتاء الفقهاء، والأمان في المساجد، الالتزام بكلّ ذلك- كما ترى الدكتورة- من نتائج التزام السودان بتعاليم زعيم المرابطين عبد الله بن ياسين (ت 451‏هـ/ 1059‏م)، حتى بعد قرنين من عصر المرابطين(64).

‏فهل هذه الأمور جديدة نزل إليهم بها الوحي، وبم كان سكان المنطقة يلتزمون من تعاليم الإسلام قبل ابن ياسين؟! ثم كيف نعلّل التزام المسلمين بهذه الأمور في أجزاء العالم الإسلامي الأخرى التي لم يصلها تأثير المرابطين؟! وكيف يصح ذلك وقد كان لبرقة والقيروان الدور الأساس في انتقال التأثيرات الإسلامية إلى هذا الجزء من بلاد السودان؟! إذ كانت تربطهما بـ «كوكيا»(65) طريق صحراوي مروراً بـ «تاد مكة»(66)، فكان الفقهاء والدعاة يرتادونها، لذلك كلّه كان طبيعيأ أن يعتنق أهل سنغاي الإسلام قبل غيرهم من السودانيين والطوارق(67)، وقال المهلبي (ت 380هـ) فيما نقله عنه ياقوت الحموي (ت 626ه/ 1229‏م): «إن الإسلام انتشر بين أكثر أهل كَوْكَوْ (سنغاي)- وهم أمّة من السودان- وأصبح ملك البلاد يظاهر رعيته به، وجميعهم مسلمون»(68).

يقول أحد الباحثين: «ففي الوقت الذي تمّ فيه تحوّل (صنهاجة) للإسلام في القرن (3هـ/ 9م)- كما أخبرنا ابن خلدون- كان دعاة إفريقيا وفقهاؤها- المالكيون وغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى- يمارسون نشاطهم بين بلاد كَوْكَوْ»(69).

 

6- محاولة حصر معاناة المسلمين في المنطقة في قبيلة أو شعب:

ومثل ذلك الغلو: محاولة حصر معاناة المسلمين في المنطقة بمكايد أعدائهم داخلياً وخارجياً في قبيلة أو شعب، كما أراد أبو بكر عبد القادر سيسي في بحثه بمجلة البيان(70)، وفيه طمس لعدة حقائق(71)، ومبالغات لا ينبغي أن نقع فيها مهما أردنا تصوير المعاناة، عافى الله جميع المسلمين منها في كلّ مكان.

فمثلاً ما تعرّض له المسلمون في أحداث ليبيريا وسيراليون لم تطل أبناء «الماندغ» فقط، وبخاصة سيراليون- كما أراد الكاتب أن يصوّره(72)-، فأين «الفلاتة» وغيرهم من القبائل الإسلامية فيها، بخلاف ساحل العاج الذي يغلب فيه المسلمون من «الماندغ»، مع أنه قد عانى فيها- أيضاً – وثنيون، كما هو حال الكثير من جالية الموسي من بوركينافاسو، والهوسا أكبر تجمع بشري في غرب إفريقيا، وليس «الماندغ»، فهم في نيجيريا وحدها يقاربون خمسين مليوناً أو يزيدون، وهل صحيح «أن الشعب المضطهد كلّهم مسلمون»(73)؟! لا يمكن التصديق بوجود مثل هذا الشعب على وجه الأرض!!

ثم أين نسبة الوثنيين والنصارى منهم في كلّ الدول التي يوجدون فيها؟ وماذا عن أبناء هذا الشعب الذين تواطؤوا مع الآخرين في اضطهاده، وخصوصاً في ساحل العاج، وماذا عساهم أن يكونوا؟ وهل صحيح أن بين لغة «الماندغ» وبين الإسلام «التلازم الشرطي المنعكس في إفريقيا الغربية، ومن ثم معلوم بديهة أن تقليل نسبة الناطقين بهذه اللغة معناه مباشرة تقليل نسبة المسلمين في إفريقيا الغربية»، إن كان مثل هذا ممكناً- ولا يبدو كذلك- أفليست اللغة العربية أولى به، إذ بها المصادر الأولى للتعاليم الإسلامية، ولا يتم أداء بعض فروض الإسلام إلا بها؟!

أنا على يقين أنه لو تناول غيره من قبيلة أخرى- ممن ينظر هذه النظرة الضيقة-، وينطلق من هذه العاطفية، لحصر ما ذكره في غير قبيلة «الماندغ»، مثل «الفلاتة»، و «السنغاي»، و «السونينكي» (وهي مع الماندغ)، و «الهوسا»، و «صوصو»، و «الولوف»، أبرز شعوب الإسلام في المنطقة.

 

الإحالات والهوامش:

(36) المد الإسلامي في إفريقيا، محمد جلال عباس، ص 75، المختار الإسلامي، القاهرة، ط 1- عام 1398هـ/ 1978م، أرخ تاريخ كتاب مقدمته بـ «كانو، نيجيريا، 25/8/1975م».

(37) المرجع نفسه، ص 73- 74، وكذلك زعم انتشار الإسلام في المنطقة على يد الخوارج أو الشيعة أو الأشعرية، وقد عرضت لذلك كله بتفصيل ومناقشة أوسع في بحث آخر لما ينشر، بعنوان «مدخل إلى دراسة مذهب أهل السنة والجماعة، نهضت الحديثة والمعاصرة في غرب إفريقيا، الروافد والمعوقات والحلول».

(38) انظر: المد الإسلامي، ص 111.

(39) انظر: المرجع نفسه، ص 112- 113.

(40) انظر: الحضارة الإسلامية العربية في غرب إفريقيا سماتها وانتشارها، د. شوقي الجمل، ص 61، مجلة الدراسات الإفريقية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، عدد 8 سنة 1979م- بحث. والإسلام والمجتمع السوداني، ص 203- 205.

(41) الإسلام والمجتمع الإسلامي.

(42) انظر: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، ص 175، 187 وما بعدها.

(43) انظر: تاريخ ابن خلدون، ص 2479، دار ابن حزم، ط 1- عام 1424هـ/ 2003م.

(44) انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، (5/ 419)، دار صادر، بيروت، عام 1399هـ/ 1979م، والبيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، وابن عذاري المراكشي، (1/ 28)، تحقيق ومراجعة ج زس ز كولان و زإز ليفي ز بروفنسال، دار الثقافة بيروت، بدون، وتقع «كاوار» حالياً ضمن حدود جمهورية النيجر ناحية الشرق من حدودها مع تشاد.

(45) الإسلام في نيجيريا، آدم عبد الله الآلوري، ص 17- 18، نقلاً من كتاب تزيين الورقات، لعبد الله بن فودي، لم أتمكن من الوقوف عليه.

(46) الإسلام في نيجيريا، آدم عبد الله الآلوري، ص 18- 19.

(47) السابق نفسه، ص 19، وقد نقل د. عبد الفتاح الغنيمي مثل هذا عن البكري، وأن الخليفة عمر بن عبد العزيز كان قد أرسل عام 91هـ جيشاً عربياً إسلامياً لفتح تلك الأنحاء، وأن ذرية هذا الجيش قد استقرت في تلك البلاد. انظر: حركة المد الإسلامي في غربي إفريقيا، ص 225، مكتبة نهضة الشرق، مصر، بدون ت، ن.

(48) انظر: مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (28/532)، عالم الكتب- الرياض، عام 1412هـ- 1991م.

(49) انظر: الحضارة الإسلامية العربية في غرب إفريقيا سماتها وانتشارها، د. شوقي الجمل، ص 44.

(50) اقرأ – مثلاً-: الحكم المغربي في السودان الغربي، د. محمد الغربي، وكان في الأصل رسالة دكتوراه أشرف عليه د. نقولا زيادة، ودور المرابطين في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، د. عصمت دندش، دار الغرب الإسلامي- بيروت ط 1- عام 1408هـ/ 1988م، وبحث: المغرب في خدمة التقارب الإفريقي العربي، د. عبد الهادي التازي، وبحث: العلاقات بين المغرب وإفريقيا جنوبي الصحراء كيف نفسر أحداث التاريخ؟ د. علي القاسمي.

(51) بداية الحكم المغربي، ص 13.

(52) المرجع نفسه، ص 750‏.

(53) انتشار الإسلام في غربي إفريقيا، ص 44.

(54) انظر: تاريخ السودان، ص 12، 13‏.

(55) انظر: بداية الحكم المغربي، ص 13، 568، 569، 571.

(56) انظر: المرجع نفسه، ص 611، 612.

(57) انظر: إفريقيا الغربية في ظل الإسلام، ص 8‏.

(58) انظر:   les noirs de L, afrique, dealfosse M. payte paris 1922. P 157، وانظر: مملكة سنغاي في عهد الأسقيين، ص 10‏.

(59) كما عند ليو بولد سنغور رئيس السنغال الأسبق ورفاقه عن الحضارة الزنجية الإفريقية، انظر: تقريره الذي قدّمه للمؤتمر الثاني للكتاب والفنانين الأفارقة في روما، 29 ‏مارس- 1 ‏أبريل عام 1959م، بعنوان: العناصر الأساسية المكونة لحضارة ذات أصول زنجية إفريقية، ترجمه إلى العربية ونشره مع دراسة نقدية له د. Elemenets constitufs d, une civilistaions d , inspiration africaine   عبد الله أحمد بشير بولا في كتاب بعنوان: العناصر الأساسية المكونة للحضارة الزنجية الإفريقية أم للفكر الإفريقي المغترب؟ منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية، سبها، عام 1988م.

(60) دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1 ‏- عام 1408ه/ 1988م.

(61) انظر: تاريخ المسلمين في إفريقيا ومشكلاتهم، د. شوقي الجمل، ود. عبد الله إبراهيم- 85 ‏، دار الثقافة للنشروالتوزيع، القاهرة، 1996م.

(62) انظر: تناقضها في أسباب الغزو، ص 112، من الكتاب نفسه.

(63) تجارة القوافل د. العراقي (مرجع سابق)، ص 156‏، وانظر مثل ذلك في: حركة التجارة والإسلام، ص 170- 171.

(64) انظر: دور المرابطين في نشر الإسلام- ص 147 ‏، 148، 149‏، وانظر: ص 24 ‏، 70 ‏، 112 ‏، 294، ممن قام بتفنيد هذا الغلو د. محمد عبد الله النقيرة في كتابه: التأثير الإسلامي في غرب إفريقيا، ط 1- عام 1408‏هـ/ 1988‏م. ود. مسعود الوازني في بحثه: التواصل الإنساني وأثره في وحدة العقيدة بين شمال الصحراء وبلدان السودان الغربي حتى عصر المرابطين، د حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر- عدد 2 ‏عام- 1417‏هـ، ص 192، 193 ‏، 194، ‏وجبر الله الأمين ومدبولي عثمان في: حزام المواجهة حرب التنصير في إفريقيا- 23 ‏، 37‏، 48، دار الذخائر، الدمام، ط 1- عام 1414‏هـ/ 1993م، وحركة التجارة والإسلام- 170، 171 ‏، 176، 179.

(65) عاصمة سنغاي الأولى، وتقع إلى جنوب مدينة غاو، وتشتهر الآن بـاسم «بنتيا».

(66) انظر: عن هذا الطريق الصحراوي: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب – 181، وتقع هذه المدينة في شمال مالي ضمن الإقليم الثامن «كيدال» جنوب شرق مدينة غاو حوالي 400 ‏كم تقريباً، إضافة إلى طريق آخر يمر بجنوب غاو إلى مدينة أغاديس في جمهورية النيجر الحالية.

(67) انظر: الإسلام والمجتمع السوداني، ص 102، 103، 105.

(68) انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، (4/ 562)، ‏مادة (كوكو) تحقيق فريد الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1- عام 1410هـ/ 1990م.

(69) الإسلام والمجتمع السوداني، ص 105.

(70) السنة 18- عدد 193 ‏رمضان 1424هـ/ نوفمبر 2003م، ص 78، 86 ‏«اضطهاد القبيلة المسلمة العملاقة»، وهو يقصد بها (الماندغ)، وتسمّى أيضاً: البمباره – والجولا.

(71) انظر: البيان، ص 78.

(72) انظر: المرجع نفسه، ص 82.

(73) انظر: المرجع السابق، ص 80.

 

بقلم: هارون المهدي ميغا (باحث- جمهورية مالي، قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي – كلية اللغة العربية بالرياض/ جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية).