التاريخ الإسلامي في غرب إفريقيا (الجزءالثالث)

  • رقم الخبر 1660
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص تلك نبذ مهمة من مظاهر الجانب التشويهي المختلفة لتاريخ الإسلام في غرب إفريقيا ولأثره في الإصلاح الديني والاجتماعي والثقافي والحضاري، والدوافع المتنوعة إلى هذا التشويه من قِبل مثقفين غربيين ومن تأثر بهم من أبناء المنطقة وغيرهم، ودعاة الزنجية، والقوميون العرب...


‏ ثانياً: أسباب هذا التشويه ودوافعه:

1- جهل كثير من أبناء الإسلام بالحضارة الإسلامية في المنطقة:

والجهل بدور شعوبها في الحركة الإصلاحية والعلمية والثقافية، وعلاقاتها السياسية والدينية والاقتصادية بالعالم الخارجي في القرون الوسطى الأوروبية إلى سيطرة الاحتلال الأوروبي على المنطقة

وبعض مَن يهتم بها ينظر إليها بعين العدوّ، ويتزود بمعلوماته المشوّهة على أنها مسلّمات أو بدهيات لا تحتاج إلى تمحيص وتحقيق، ذلك العدوّ الذي لا يزال ينقب في الأرض عسى أن يعثر على آثار فيها إيماءة إلى أسبقية المسيحية إلى المنطقة، أو إلى عدم التأثير الإسلامي فيها، ولا يتورع عندما تضيّق الأدلة التاريخية والنقلية عليه الخناق عن وَسْم الإسلام فيها بنحو «إسلام أسود»، أو «إسلام سطحي».

‏وقد يعتمد ذلك المهتم على تقارير عجلى من زيارات خاطفة لا تستند إلى سند معرفي صحيح في تاريخ الإسلام بالمنطقة، ولا مخالطة قوية للمسلمين، وقد تقتصر الزيارة فقط على جزء من مدينة أو مسجد أو مدرسة إسلامية، أو على لقاء بعض المسلمين الذين قد يقدّمون لهم صورة الإسلام في البلد من وجهة نظرهم فقط، وقد تتوافق هذه الزيارة مع مناسبة معينة لطائفة تقوم على بدع وخرافات ومخالفات دينية، ومن ثم يصدر الزائر حكماً عاماً مبرماً على الإسلام والمسلمين جميعاً.

والغريب مع هذا كله أن هذه التقارير العجلى قد يُنظر إليها على أنها بحوث علمية منقّحة، أو دراسات ميدانية، ثم تُستغل كوثائق إدانة لا تحتاج إلى تثبّت وتبيّن وتدقيق.

 

‏2- ما يسود وسائل الإعلام من تشويه متعمّد للقارة بتصويرها- كلّها- بصورة غابة:

ومما وطّد ذلك الجهل المعاصر ما يسود وسائل الإعلام من تشويه متعمّد للقارة بتصويرها- كلّها- في صورة غابة من المرضى عقلياً وجسمياً وحضارة وثقافة ومعيشة، أو غابة للمتقاتلين لأتفه سبب، ولسان الحال يقول- في مقدّمة سهلة-: إذا كان هذا شأنهم في القرن العشرين أو الحادي والعشرين فما عسى أن تجد عنهم في القرون الأوروبية الوسطى؟! وتكون النتيجة الحتمية لهذه المقدّمة: عليك بعالم غير إفريقيا.

قريب من السبب السابق ما تجده لدى بعض القوميين العرب المعاصرين من التجاهل بمحاولة إنكار وجود أية علامة للحضارة في المنطقة قبل مجيء الإسلام وقيام إمبراطورياتها فيها شأن بعض الغربيين، إما جهلاً، أو محاولة لطمس فضل ودور أبنائها، يقول د. صالح أبو دياك: «‏من الواضح أن مصادر التاريخ الإفريقي لجنوب الصحراء الكبرى قليلة، نظراً لتأخر انتشار الحضارة في هذا الجزء من العالم»(74).

واذا كان أبو القاسم بن حوقل البغدادي (ت 379هـ/ 988م) ذكر- كما نقل عنه د. أبو دياك- أن سكان السودان الغربي مهملون، لا يستحقون إفراد ممالكهم بما ذكر به سائر الممالك(75)، فقد قال بنقيض قوله تماماً مَن قبله، ومَن عاصره، ومَن جاء بعده، ففي العصور التاريخية المختلفة ظهرت في ربوع تلك القارة عشرات من المجتمعات الإنسانية التي كانت لها حضارات وثقافات مختلفة، ولكنها حضارات إفريقية الأصل والجذور، ويمكن دراستها دراسة تحليلية لمقارنتها بالحضارات الأخرى القديمة التي كانت تزاملها في الزمان، وان اختلفت معها في المكان(76).

واليعقوبي أبو العباس أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر الكاتب العباسي (ت 284هـ)(77) في حديثه عن ممالك السودان الغربي التي كوّنها الأفارقة في غرب إفريقيا، وعن عظم شأنها وقوتها(78)، يقول عن سنغاي: «ثم مملكة الكَوْكَوْ (والكوكو اسم المدينة)، ودون هذه عدة ممالك يعطونه الطاعة، ويقرّون له بالرئاسة على أنهم ملوك بلدانهم»، ولمّا أحصى ثماني ممالك- منها مملكة صنهاجة وأورور، ووصف بعضها بأنها واسعة – أضاف: «فهذه كلها تُنسب إلى مملكة الكَوْكَوْ... ثم مملكة غانا، وملكها- أيضاً- عظيم الشأن، وفي بلاده معادن الذهب، وتحت يده عدة ملوك»(79)، وأشار إلى مملكة مالي، ولم يذكر عنها شيئاً(80).

‏ويذكر معاصر ابن حوقل؛ المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 349ه/ 957م) أن السودان «بعد تجاوزهم نيل مصر، وتفرقهم في الأرض، سار فريق منهم نحو المغرب (أي غرب إفريقيا) وهم أنواع كثيرة... وكَوْكَوْ، وغانا، وغير ذلك من أنواع السودان»(81).

‏وقد ورد مثل هذا عن الإدريسي أبو عبد الله محمد بن محمد (ت 65ه)(82)، ونقله القلقشندي أبو العباس أحمد بن علي (ت 821ه/ 1418م) عن صاحب الروض المعطار(83).

وكلّ ذلك يردّ- أيضاً- على ما زعمه الحسن بن محمد الوزان (ت 957ه/ 1550م) من أن المؤرخين والجغرافيين القدماء- أي الذين سبقوه، وكتبوا عن إفريقيا أمثال: البكري، والمسعودي- لا يعرفون شيئاً عن بلاد السودان ما عدا الواحات وغانا، وأن هذه البلاد اكتشفت عام 380ه- باعتناق «لمتونة» البربرية وكلّ «ليبيا» للإسلام(84).

 

‏3- أهداف الدارسين التي كثيراً ما تصوّر التاريخ بتصورات تتوافق مع تصورات مسبقة خدمة لأهداف محدّدة معلومة:

من أسباب ذلك التشويه أهداف الدارسين ومبتغاهم التي كثيراً ما تلوّن الحقائق بألوان من الرغائب، فتصوّرها تصويراً يتوافق مع تصورات مسبقة خدمة لأهداف محدّدة معلومة، «هي عند أصحاب النوايا الخبيثة خطة مدروسة، ومناهج مرسومة، نابعة من قلوب تطفح بالبغضاء للإسلام وأهله وشعوبه وأرضه، ابتغاء تشويه الفكر الإسلامي وتطبيقه في ماضيه»(85).

أو ينطلق بعض الدارسين من مبادئ وطنية للدولة التي ينتمي إليها، ومن نظريات سياسية وفلسفات فكرية اعتنقها، ويريد تفسير أحداث التاريخ بها، وما أكثر ما تجد في هذا من الغرائب المضحكة المبكية، ومن الأحكام المسبقة، وليّ الحقائق الثابتة، قال د. زبادية عن أمثالهم: «في الواقع كثيراً ما تمكّنت في توجيههم مآرب أو مبادئ معينة، فجاءت أبحاثهم لا تقنع الباحث النزيه»(86).

هذا إن لم تشوّه التاريخ وحقائقه- مثلاً- مسوّغات الغزو المغربي لإمبراطورية «سنغاي الإسلامية» في غرب إفريقيا عام (999ه/ 1590م)، فليست المسوّغات التي ذكرها د. عبد الهادي التازي عاطفية فحسب، وليست التفسيرات التي قدّمها اتباعاً للهوى وليّاً للحقائق فقط، بل وصلت إلى درجة التشكيك في الهدف الحقيقي من أداء الناس لفروض دينهم كالحج، إذ جعل الهدف الحقيقي لحجّ الملك «أسكيا محمد» سياسياً، يتمثّل في الحصول على لقب «خليفة على السودان» من الخليفة العباسي(87)!

فكأن الحجّ لا يكون خالصاً لله إلا إذا كان من شخص عادي مغمور، أو كأنّه لمّا ينزل قوله تعالى: )وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)  وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ( (الحج: 26 – 28).

وتارة يجعل د. التازي تعميق الشعور العربي في المنطقة آثاراً إيجابية لهذا الغزو، ومن مسوّغاته لذلك الغزو: تخوّف المغرب من تدخّل أجنبي أعجمي- يقصد الدولة العثمانية- في المنطقة، وتثبيت العلاقات العربية الإفريقية(88)، في حين يتغافل عن الوثائق المغربية التي أفادت التعاون بين منصور الذهبي (1578م- 1603م) وبين ملوك إسبانيا وبريطانيا والبرتغال على إسقاط إمبراطورية (سنغاي الإسلامية)، وعن الهدايا التي أغدقوه بها، ويتجاهل أن معظم قواد هذا الجيش إسبان، إما نصارى، وإما يهود متنصِّرون، ودلّت في الواقع على التوطيد لمرتزقة أوروبيين إسبان تلك حالهم(89).

تأمل أيها القارئ! تصوير شيخ الإسلام ابن تيمية لنفوذ النصارى في المغرب قبل هذا الغزو بأكثر من قرنين ونصف ليزول عنك الاستغراب، ففي وصف أحوال العالم الإسلامي في أيامه، وبعد ذكر اليمن والحجاز وشمال إفريقيا، يقول: «وأما المغرب الأقصى؛ فمع استيلاء الإفرنج على أكثر بلادهم لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم»(90).

ولقد أخذت إسبانيا تهتم بـ «تنبكتو» و «غاو»، وبباحثي تاريخ المنطقة، من أبنائهما خاصة، كي يُعنوا بتاريخ أولئك، بل تبنّت أحدهم، وهو «إسماعيل جاجي حيدرة» الذي يعيش فيها، ووفّرت له كلّ الوسائل ليكتب بالإسبانية بحوثاً ودراسات تتعلق بهم- إن حقاً أو باطلاً – وبتاريخهم في الأجزاء الشرقية والشمالية من مالي(91)، والتي يزورهما (أي الأجزاء الشرقية والشمالية) في السنة آلاف السياح الإسبان وغيرهم من الأوروبيين والأمريكان.

في آخر سفر لي إلى هذه المدينة الغالية «تنبكتو» صيف عام 2000م، وفي رحلة العودة بالسيارة إلى مدينة دونزا، على بعد مائتي كيلو متراً على الطريق المعبّدة التي تربط جنوب مالي بشمالها، وشرقها بغربها، وما أدراك ما في السفر بالسيارة إلى هذه المدينة التي أصبحت كأنها «جزيرة برية»! إن السفر إليها إذا لم يتمّ جواً – رحلتان في الأسبوع – فيا لها من معاناة، ومشقّة سفر مضاعفة نفسياً وبدنياً! فكلّ الطرق البرية إلى هذه المدينة العزيزة صحراوية بمعنى الكلمة، ودليلك الخبير بها آثار السيارات.

أما السفر إليها عبر نهر النيجر فلا يمكن إلا في أغسطس إلى نهاية السنة – غالباً –، ومع ذلك كلّه ترى وفود السياح الغربيين إليها بالآلاف في رحلات برية، وفي حرّ الصيف والرياح الموسمية الحارة المصحوبة بالغبار في أغلب الأوقات، وأحياناً بأمطار موسمية تسقي الزرع، وتزيد ماء النهر، وتلطف الجو والنفس وعناء استنطاق التاريخ، وقد تعفي رسوم الطريق السالكة.

كان معنا في هذه الرحلة بعض السياح الإسبان، فذكروا لنا أن إسبانيا تعدّ لأن يزور «تنبكتو» في عام 2001م ثلاثة آلاف سائح إسباني، فلما استكثرنا هذا العدد، وسألنا عن السبب، جاء الجواب: لاستعادة ذكريات أجدادهم الذين استولوا على هذه المنطقة، وكوّنوا في هذه المدينة مرتكزاً لسيادتهم قبل الاستعمار الفرنسي.

ثم أنعم النظر في التنافس الأوروبي والأمريكي – بل تعصبهما – ليكون لكلّ واحد منهما أي أثر تاريخي في هذه المنطقة الإسلامية، وبخاصة هذه المدينة التاريخية العلمية، مع التنقيب عن أثارة من علم يومئ إلى ذلك، حيث توجد في هذه المدينة بيوت كُتب على أحدها: «هنا سكن أول بريطاني وصل إلى تنبكتو عام 1242هـ/ 1826م، ودفع حياته ثمناً لتنبكتو»، وفي الواقع لم يدفع حياته ثمناً لهذه المدينة بل قُتل لأنه خالف العادات والتقاليد الإسلامية، وبيت آخر كُتب عليه: «هنا كان يسكن أول فرنسي وصل إلى تنبكتو عام 1828م»، أي عام 1244هـ، دخلها عن طريق موريتانيا بعد أن تسمّى بـ «عبد الله»، ولبس لباس المسلمين كيلا يناله ما نال البريطاني قبله.

فلِمَ لا يعرف الأمريكيون المكان الذي نزل فيه أول أمريكي زار المدينة عام 1905م! وهكذا جاؤوا ووضعوا لافتة على أحد الأماكن البارزة والمهمة، وكتبوا عليها: «هنا مرّ أول أمريكي دخل تنبكتو»، وكان دخلها آتياً من الجزائر.

أرأيت كيف التعصب لمجرد ورود إشارة إلى أي أثر أو أثارة من علم عنه! أرأيت كيف أن مجرد المرور بها مدعاة إلى الاهتمام والفخر ونوع من إرضاء الغرور! فكيف بإسبانيا التي لا يخلو كتاب تاريخ عن المنطقة من ذكر جهود الإسبان في إسقاط إمبراطورية «سنغاي الإسلامية» على يد الجيش المغربي!

أما د. زبادية فقد جعل حجّ «أسيكا محمد» سياحة استطلاعية، الغرض منها: اكتساب خبرات بالاطلاع على أحوال ممالك الشرق وطرق تسييرها، وضمان الأمور المعنوية من وراء الحجّ في أعين شعبه(92)، والحق أنه «ليس بغريب على الرجل أن يستهدي بتعاليم الإسلام في نظم حكمه، فقد كان مسلماً مخلصاً، وتقياً ورعاً، وأمعن في إحاطة نفسه ببطانة من العلماء، يأكلون ويشربون معه، ويستشيرهم في كلّ الأمور عن رأي القرآن والسنّة، حتى أصبحت هذه السياسة الإسلامية سياسة مقرّرة لخلفائه»(93).

وأما د. علي القاسمي فقد ضرب بعرض الحائط الأسباب الحقيقية(94) التي تحدّث عنها نخبة – كما يقول هو – من الباحثين المتخصصين المرموقين، «قدموا من إسبانيا وأمريكا وبريطانيا وكندا ومصر، ومن البلاد الإفريقية المعنية: السنغال، وغينيا، والكاميرون، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، ونيجيريا، إضافة إلى باحثين وأساتذة من عدد من الجامعات المغربية».

قدموا للمشاركة في ندوة دولية بمراكش، أقامها معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس في 23-25 أكتوبر 1992م، لا يجمعهم سوى البحث عن الحقيقة، ولا يمكن تواطؤهم على الكذب، لكن تجاهل الحقائق، أو تلوينها بالرغائب والهوى وبالمبادئ الوطنية والقومية، يُعمي.

يقول حماه الله ولد السالم: «الممالك السودانية المسلمة في غرب إفريقيا – إمبراطورية مالي، ثم مملكة سنغاي – كانت تشرف سياسياً على الأجزاء الجنوبية الشرقية من موريتانيا الحالية وأحوازها»(95)، فما الدولة التي كانت مسؤولة عن الجوانب الدينية، والإدارية الاجتماعية، والاقتصادية، وأين مملكة غانا، وقد كانت عاصمتها وأبرز مراكز قوتها في موريتانيا الحالية؟ استمع إليه يحدّد لك «المجال الشنقيطي»: «نعني بالمجال الشنقيطي: منطقة أوسع من الحدود السياسية لموريتانيا اليوم، حيث تشمل عدة مناطق من غرب الصحراء الكبرى، يشترك سكانها ونخبها العلمية مع مختلف مناطق موريتانيا الحالية في اللغة، والتقاليد والعادات، والمؤثرات التاريخية الواحدة، وهذه المحددات تمثّل «فضاءً ثقافياً»، أصبح سكانه يعرفون بالشناقطة، نسبة إلى بلادهم التي تُعرف باسم «بلاد شنقيط»، ثم رسم خريطة وهمية لهذا المجال»(96).

لكن ماذا عن الجماعات الأخرى التي يجمعها الإسلام، ثم لكلّ جماعة لغتها والمحددات التي ذكرتها، كسنغاي، والطوارق، والفلاتة، والسونينكي (السراكولي)، علماً بأن الأخيرتين تكوّنان نسبة كبيرة في موريتانيا الحالية، والسونينكي- كما تقدّم- هي التي أسّست مملكة غانا، وكان مركزها معظم أراضي موريتانيا الحالية.

ثم إنّ الشناقطة- ويقصد بها المجموعة العربية: الحسانيين والكونتا(97)- نسبتهم قليلة في مناطق مالي والنيجر والسنغال التي جعلها ضمن «المجال الشنقيطي» قديماً وحديثاً، ففي هذه المناطق من مالي والنيجر يغلب سنغاي ثم الطوارق، وفي مناطق السنغال وجنوب موريتانيا يغلب السونينكي والفلاتة.

أما الإقليم في جنوب الصحراء الجزائرية (توات)؛ فأستغرب جعله فقط ضمن «المجال الشنقيطي»، متجاهلاً غيره من أقاليم الجنوب الجزائري على الأقل(98)، لعلّه أدرك أن غالبية سكانها من الطوارق، وهم البربر في الجزائر والمغرب.

ويقول: «خضعت عدة مدن شنقيطية، مثل: ولاتة وتنبكتو، لإمبراطورية مالي، ثم لوريثتها مملكة السنغاي، قبل أن تنهار الأخيرة أمام الزحف المغربي المظفّر على تنبكتو سنة 1591‏م»(99).

سأكتفي بإحالته هو والقارئ الكريم على ما تقدّم من مصادر ومراجع(100)، للتأمل في الأسباب الحقيقية لما سمّاه: «الانهيار أمام الزحف المغربي المظفّر»، ‏وفي آثاره ‏السيئة على المنطقة دينياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ثم أقول: إذا كانت مدينة شنقيط قد تأسّست- كما يقول هو- عام (660هـ/ 1261‏م)(101)؛ فأين كان الشناقطة قبل هذا التاريخ، وكيف تكون ولاتة وتنبكتو من مدن شنقيط، وكلتاهما أقدم منها، وقد تأسّست الأولى من القرن الأول الهجري تقريباً، والأخرى عام (480‏هـ/ 1087م)؟!

وإمعاناً منه في الغبن يزعم أن ركب الحاج الشنقيطي كان عشوائياً في ظلّ تلك الممالك السودانية الإسلامية(102)، وأوقع نفسه في التناقض والغبن حين قال: «إن أول من حجّ من أهل مدينة شنقيط- حسب الروايات المحلية- هو جدّ الفقيه الشنقيطي أحمد بن أحمد بن الحاج العلوي، الملقّب «أكَد الحاج» (‏ت 1086‏هـ/ 1675‏م)»(103)، أي بعد سقوط آخر تلك الممالك والإمبراطوريات!! أيعقل هذا من مدينة تأسّست في التاريخ المذكور آنفاً، وفي ظلّ ممالك إسلامية متوالية، ينطلق منها ركب الحجّ في اتجاهات مختلفة ومن جميع شعوبها، وشهد بذلك القاصي قبل الداني، والعدوّ قبل الصديق! أجزم أنك ظلمت أهلها في أحد أركان دينهم، كما ظلمت التاريخ الإسلامي في المنطقة، لكنه نتيجة السعي في الغبن، فهو يعمي عن الحق، نسأل الله العفو والعافية!

 

وفي الختام:

تلك نبذ مهمة من مظاهر الجانب التشويهي المختلفة لتاريخ الإسلام في غرب إفريقيا ولأثره في الإصلاح الديني والاجتماعي والثقافي والحضاري، والدوافع المتنوعة إلى هذا التشويه من قِبل مثقفين غربيين ومن تأثر بهم من أبناء المنطقة وغيرهم، ودعاة الزنجية، والقوميون العرب... إلخ.

اقترنت تلك المظاهر والدوافع بالردّ على الشبهات، وتفنيد حجج المغرضين، وكشف أباطيلهم، وتبيين الحقائق ودعمها بالأدلة، فذهب الزبد جفاء، وبقي ما ينفع الناس والدين والتاريخ والحضارة، حيث تأكّد أثر الإسلام القوي في حياة شعوب المنطقة من جميع النواحي منذ دخلها في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وزرع بذرته في أرضها الخصبة، فنمت واستوت على سوقها، وبرز جهود شعوبها في انتشار الإسلام وترسيخ قدمه فيها، فأغاظ الكفار والمنافقين والحاقدين، فرموه عن سهم واحد، لكنّ الله سلم وثبّت.

وحيث إن مجتمعها لم يكن ملائكياً- وحاشاه-؛ فقد كان يعكّر طوائف صفوه في أطوار وأماكن مختلفة، بسبب ضعف الوازع والنازع الدينيين، فالأول يبعث على ملازمة الشرائع، والآخر يمنع من مخالفتها، وضعفهما، في أي وقت ومكان وعند أي جنس، يعني وقوع بعض أفراده في المعاصي والمخالفات الشرعية بدرجات متفاوتة، وبقاء الكثرة على الحق، فمن الإجحاف أن يصير الإسلام بذلك «نموذجاً إفريقياً» أو «إسلاماً سطحياً» لم يحدث تأثيراً أو إصلاحاً، كما يريد له أولئك القوم على اختلاف دوافعهم، فتلك سنّة الله في خلقه، ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة على قلب أتقى رجل، لكن لله في خلقه شؤون، وللناس في النظر إلى إفريقيا عيون، يعلو كثيراً منها غشاوة، وقلوب يرين عليها الهوى، وعقول لا تقودها البصيرة، وأقلام تسيل بالباطل.

فالحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

الإحالات والهوامش:

(74) مجلة: دراسات (الأردن) (العلوم الإنسانية والاجتماعية)، مجلد 23 ‏عدد 2 ربيع الأول 1417ه/ آب 1996‏م، ص 253، ‏بحث: مؤثرات الحضارة الإسلامية في السودان الغربي من القرن الخامس إلى القرن العاشر الهجري.

(75) انظر: المرجع السابق، ص 253، ‏نقلاً عن صورة الأرض، لابن حوقل، ص 19، لم يتيسر لي الوقوف عليه في هذه العجالة.

(76) الإسلام في ممالك وإمبراطوريات إفريقيا السوداء، جون جوزيف، ص 15، وانظر: ص 34‏، ترجمة مختار السويفي، دار الكتاب المصري، القاهرة- ط 1 ‏عام 1404ه/ 1984م.

(77) تاريخ الوفاة المذكور هو الذي عليه أكثر الباحثين، وقيل 292هـ، ورجحه الزركلي، انظر: الأعلام،  (1/ 95)‏، وقد تجول اليعقوبي في الشمال الإفريقي، وبخاصة أيام الدولة الرستمية.

(78) جاء ذلك في حديثه عن السودان وهجرتهم قبل الميلاد بآلاف السنين من شرق إفريقيا، وأنهم بعد عبور نهر النيل توقفوا، فاتجه قوم نحو الجنوب، وآخرون نحو الغرب، وكوّنوا لهم ممالك منها ما ذكر أعلاه. وما ورد لديه يكشف حقائق كثيرة عن أقدم هذه الممالك وضرورة إعادة ترتيبها تاريخياً، وقد ناقشت الأمر في بحث آخر، أسأل الله التوفيق والسداد في إظهاره.

(79) تاريخ اليعقوبي، (1/ 193، 194).

(80) انظر: المصدر نفسه، (1/ 193).

(81) مروج الذهب للمسعودي، (1/ 329)، دار الكتاب اللبناني، ط 1- عام 1982م.

(82) انظر كتابه: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، (1/ 28)، ‏طبعة جامعة نابولي/ إيطاليا.

(83) انظر: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، (5/ 285)، ‏نسخة مصور عن الطبعة الأميرية، بدون. والروض المعطار في خبر الأقطار، لأبي عبد الله محمد بن عبد المنعم الحميري (ت 776ه)ـ.

(84) انظر: وصف إفريقيا، ص 533، ‏ترجمة د. عبد الرحمن حميدة، ط 1- عام 1399ه- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتناقله عدد من الباحثين من غير تمحيص، انظر: مملكة سنغاي في عهد الأسقيين، ص 87/ ‏هامش 1 ‏، و 136‏، نقلاً عن بوفيل  Bovill E.w في كتابه: the golden trade of M،  ‏ص 56‏، جامعة أكسفورد 1957م.

(85) انتشار الإسلام في غربي إفريقيا، ص 45‏.

(86) مملكة سنغاي في عهد الأسقيين، ص 8، ‏ولم يسلم منها، انظر: ص 25، 29، 38، 81، 101.

(87) انظر بحثه: المغرب في خدمة التقارب الإفريقي العربي، ص 106، العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية، تونس، عام 1985م.

(88) انظر: المرجع السابق، ص 110، 111، 114، 119.

(89) انظر: بداية الحكم المغربي، ص 105، 106، 140، 144، 146، 147، 377، 569، وتاريخ إفريقيا السوداء من أمس إلى غد، ج. كي. زير بو (1/ 331)، ترجمه عن الفرنسية يوسف الشام، منشورات وزارة الثقافة السورية عام 1994م، والحضارات الإفريقية، دينينز بوليم، ص 73، ترجمه عن الفرنسية نسيم نصر، منشورات هويدات، بيروت- باريس ط 3- ‏عام 1988م، والمد الإسلامي في إفريقيا، ص 47‏. وانظر الأسباب الحقيقية وآثارها السيئة من جميع النواحي في: بداية الحكم المغربي، 117، 131، 132، 134، 157، 161، 572، وإمبراطورية سنغاي د. إبراهيم طرخان، ص 98، 100‏، مجلة كلية الآداب، جامعة الرياض (سابقاً)، مجلد 8 ‏عام 1981م، وبحث: العلاقات السياسية بين المغرب الأقصى وإمبراطورية سنغاي بغرب إفريقيا، د. محمد النقيرة، في: مجلة جامعة الإمام، كلية الشريعة بالأحساء عدد 1-  ‏سنة 1- ‏عام 1401ه، 1402ه، ص 640، 642‏، والحركة العلمية والثقافية والإصلاحية في السودان الغربي د. أبو بكر إسماعيل ميغا، ص 230، 258، ط 1 – عام 1417ه/ 1997م، مكتبة التوبة بالرياض.

وقد تلقبوا في المراحل الأخيرة بألقاب مشهورة في المنطقة، انظر: مقال سينان أندرياميرلدو في مجلة «إفريقيا الفتاة» (مرجع سابق)، وانظر: استعمال النصارى قديماً وحديثاً لبعض الألقاب والأسماء الإسلامية المشهورة تخفياً وراءها، في: الإسلام في الدولة العلمانية مالي، الشيخ شيرنو هادي عمر تيام، ص 107، 108، ط 1 عام 1414ه/ 1993م، بماكو/ مالي.

(90) مجموع الفتاوى، (28/ 532)‏، وانظر: في قوة اليهود والنصارى أيام الدولة المرينية (591 – 957ه/ 1195م – 1550م)، وأيام السعديين والمنصور الذهبي: مجلة الاجتهاد عدد 34- ‏سنة 9‏، شتاء وربيع 1417ه/ 1997م، ص 93، 94، 99، ‏بحث: «دور يهود الجنوب المغربي في تجارة القوافل الصحراوية، محمد أرحو، وبداية الحكم المغربي، ص 157، 191.‏

(91) انظر عن جهوده: مقال سينان أندرياميرلدو في مجلة «إفريقيا الفتاة» (مرجع سابق، هامش 91‏).

(92) انظر: مملكة سنغاي في عهد الأسقيين، ص 36.

(93) حركة التجارة والإسلام، ص 239، وانظر: ما قاله عنه محمود كعت في تاريخ الفتاش، ص 59.

(94) انظر بحثه: العلاقات بين المغرب وإفريقيا جنوبي الصحراء، وكيف نفسر أحداث التاريخ؟ مجلة: التاريخي العربي، (المغرب) عدد 5- شتاء 1418هـ/ 1998 م، ص 249 – 258.

(95) أوضاع الحجاز في الرحلات الحجية الشنقيطية، الدارة- عدد 4 سنة 22 عام 1417هـ، ص 29.

(96) المرجع نفسه، ص 52 ‏/ هامش 1، 64.

(97) انظر: المرجع السابق، ص 56 ‏/ هامش 20‏.

(98) انظر: المرجع السابق، ص 55 ‏/ هامش 15‏، والخريطة، ص 63.

(99) المرجع نفسه، ص 53 ‏/ هامش 9، وقد تقدّم في هذه الدراسة أن ما ورد لدى اليعقوبي، في حديثه عن ممالك سنغاي وغانا ومالي، يكشف حقائق كثيرة عن أقدم هذه الممالك، وضرورة إعادة ترتيبها تاريخياً، وناقشت الأمر بتفصيل في بحث آخر، أسأل الله التوفيق والسداد في إظهاره.

(100) انظر: ص 16/ هامش 2.

(101) انظر: الدارة (مرجع سابق)، ص 54 ‏/ هامش 1‏.

(102) انظر: المرجع السابق، ص 29.

(103) انظر: المرجع نفسه، ص 30.

 

بقلم: هارون المهدي ميغا (باحث- جمهورية مالي، قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي – كلية اللغة العربية بالرياض/ جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية).