التاریخ الاجتماعی لجبال النوبة (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 1669
  • المصدر: مرکز افریقیه للدراسات و البحوث السیاسیه

المخلص تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة إحدى قضایا مجتمع جبال النوبة بجنوب کردفان، تلک القضیة التی دار حولها کثیر من الجدل والنقاش، ونالت من الاهتمام السیاسی المنشغل بإدارة الصراع ومآلاته من وقت وجهد کبیرین وثمینین.


تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة إحدى قضایا مجتمع جبال النوبة بجنوب کردفان، تلک القضیة التی دار حولها کثیر من الجدل والنقاش، ونالت من الاهتمام السیاسی المنشغل بإدارة الصراع ومآلاته من وقت وجهد کبیرین وثمینین. وهی مسألة التداخل الثقافی والتعایش السلمی والعلاقات الاجتماعیة بین الجماعات، وعلاقته بقضیة الهویة وآثارها على مستقبل المنطقة.

لعله من نافلة القول أن من أخطر وأعظم إفرازات الصراع الذی نشب بین الشمال والجنوب السودانی فی منتصف القرن الماضی بروز الهویة کمفهوم وکقضیة ملحة، وهی قضیة تعدت مسرح الصراع ومجاله المکانی لتستوعب کافة أنحاء السودان خاصة الشرق والغرب وجبال النوبا، کما تعدت مظهرها القبلی والعرقی لتتخد أشکالاً أخری منها الجهویة والسیاسیة والدینیة واللغویة والاقتصادیة ...الخ، وأصبحت لها کیانات تنظیمیة معترف بها رسمیاً فی شکل اتحادات وروابط وتنظیمات إداریة، وتتخذ من عاصمة البلاد مقراً لها تدیر منه أنشطتها المختلفة فی دثار خدمی ومظهر إنسانی.

 

أهمیة الدراسة

- کونها جاءت متزامنة مع ما تمر به المنطقة من أحداث وهی تتحرک نحو إکمال بنائها السیاسی، من خلال عملیات المشورة الشعبیة، وإجراء الانتخابات التکمیلیة، ومن ثم الالتفات لعملیات التنمیة بغیة الالتحاق برکب الولایات الشمالیة التی سبقتها فی هدا المضمار.

الظروف التی مرت بها المنطقة من حروب وصراعات وما خلفته من آثار ودمار فی کل شیء.

ما ینتظر البلاد من انفصال وانشطار مجتمعی وسیاسی، ومن ثم وقوع المنطقة اجتماعیاً مع الشمال وسیاسیاً مع الجزء الجنوبی.

الحاجة إلى وقفة مراجعة لدراسة الوضع بکل الموضوعیة للکشف عن الأسباب والعوامل التی قادت إلى هذا الوضع.

البحث عن العلاج الناجح والوصول إلى المخرج السلیم لإلحاق المنطقة برکب الأمة السودانیة.

 

أهمیة الورقة:

أما أهمیة الورقة فتأتی من کونها محاولة لإضاءة عن الموضوع المطروح للنقاش، یتوقع أن تتلوها خطوات وخطوات إن شاء الله.

وعلى الرغم من أنه لیس من أغراض هده الورقة تتبع التطور التاریخی للهویة السودانیة إلا أنه یمکن الإشارة إلیها کإحدى العوامل فی بعض المواضع وکأحد نتائج الصراع فی مواضع أخرى، ذلک لأن الهویة لم تکن فی یوم من الأیام قبل الاحتلال البریطانی للسودان، کقضیة ذات بال فی المنطقة، فالتعایش السلمی کان ماثلاً فی کافة العلاقات الاجتماعیة بین الجماعات والقبائل فی شکل مصاهرات وتحالفات تعقد بینهم من حین لآخر.

وتتناول الورقة القضیة تناولاً نظریاً من خلال منظور التاریخ الاجتماعی للمنطقة، مستخدمة فی ذلک المنهج التاریخی فی تتبع الأحداث التی صنعت ماضی المنطقة، وبما أنها تبحث فی التاریخ الاجتماعی لمجتمع جبال النوبا فإنها تعتمد على المناهج التاریخیة واستخدام أدواتها فی جمع البیانات والمعلومات ومن ثم معالجتها بهدف تحدید القوى الاجتماعیة التاریخیة التی شکلت الحاضر وحددت مسار ظواهره، ذلک لأن البحث الاجتماعی (السیسیولوجی) یعتبر بمعنى ما بحثاً تاریخیاً طالما أن سجلات علماء الاجتماع تتناول أشیاء حدثت فی الماضی أو أمکن ملاحظتها من قبل.

وإن لم تکن الورقة بحثاً فی التاریخ، إلا أنها تستند إلى تحلیل الأحداث التاریخیة للمنطقة، بغیة المساهمة فی وضع وصفات تشخیصیة للمشکلة وتنویر القائمین على الأمر بکیفیة معالجة الصراع فی المنطقة انطلاقاً من المنظور الاجتماعی.

وتبدأ الورقة بمسلمات وبدیهیات تتعلق أولاً بالتاریخ الاجتماعی لمجتمع المنطقة وثانیاً بأثر البیئة الجغرافیة والطبیعیة على سکانها، وثالثاً بقضیة الهویة وما تجره من صراعات، تصل منها إلى افتراضات تحاول البرهنة علیها من خلال السرد والتحلیل للتاریخ الاجتماعی لمجتمع المنطقة.

 

أولاً: المسلمات

التاریخ الاجتماعی لمجتمع الدراسة

- یهتم علماء التاریخ أساساً بتسجیل الماضی ویصفون الحوادث بطریقة موضوعیة ویضعونها فی سیاق زمنی من أجل تقدیم قصة مستمرة من الماضی إلى الحاضر.

- فالتاریخ یبحث فی الظواهر الإنسانیة ویحاول رسم صورة واضحة عن الإنسانیة مستخدماً فی ذلک ماخلفته وراءها من آثار مادیة کالمعابد والتماثیل والأدوات المصنوعة، أو آثار اجتماعیة کالقصص والأدب والدیانات .

- ذلک لأن الظواهر التاریخیة هی ظواهر اجتماعیة فی جوهرها غیر أنها تختلف عنها من حیث أنها محدودة فی الزمان والمکان .

- ثم إن ظواهر الحاضر هی ولیدة الماضی ومرتبطة به، ومن ثم تعتمد قدرتنا التنبؤیة بالمستقبل على مدى فهمنا لظواهر المجتمعات وقیمها ونظمها الاجتماعیة الحاضرة التی تولدت عن ظروفها الماضیة .

 

أثر البیئة الطبیعیة والجغرافیة على العلاقات الاجتماعیة بین وحدات المجتمع

تلعب البیئة الجغرافیة التی تسکن فیها أی جماعة إنسانیة دوراً عظیماً فی تشکیل البیئة الاجتماعیة لتلک الجماعة ومن المسلمات المعترف بها قدیماً وحدیثاً. أن البیئة الجغرافیة وطبیعتها المادیة تؤثر فی السکان وتفاعلاتهم وعلاقاتهم وأنماط سلوکهم وأسالیب حیاتهم. حتى أن بعض المفکرین ذهبوا إلى أن المؤثرات البیئیة هی التی تحدد وتشکل بصورة "حتمیة " الفعالیات والمناشط والعلاقات والنظم والثقافات للجماعات الإنسانیة.

بل ذهبوا إلى أبعد من ذلک بکثیر إلى حد أنهم قالوا إن شکل الإنسان الجسمانی وترکیبه البدنی، وقابلیته العقلیة ومقدار فعالیته المختلفة ما هی إلا نتیجة "حتمیة" من نتائج البیئة الطبیعیة المحیطة به. فالإنسان على ما یرى هؤلاء ما هو إلا صنعة من صنائع البیئة الجغرافیة، تشکله بالقالب الذی تریده، فهو عهد لها وآلة مسخرة بیدها.

صحیح أن للبیئة الطبیعیة أثرها على الإنسان ولکن لا یصل الأمر إلى درجة "الحتمیة وإنما یتناسب هذا الأثر عکسیاً مع درجة تقدم المجتمع فی سلم الحضارات ومدى مقدرته على تسخیر وتطویع البیئة الطبیعیة فی خدمته.

بینما یبدو أثر البیئة واضحاً فی المجتمعات التقلیدیة البسیطة التی لم یتوفر فیها بعد التقدم العلمی والتکنولوجی والثقافی بحیث یتمکن الإنسان من التعدیل والتغییر والتحویر فی الظروف الجغرافیة المحیطة به، ففی هذه المجتمعات - ومجتمع النوبا واحد منها- یبدو أثر البیئة الطبیعیة والجغرافیة قویاً وواضحاً.

مجتمع جبال النوبا - کغیره من المجتمعات - تفاعل مع المظاهر الایکولوجیة المستقرة والمتغیرة فی المنطقة، إلا أن درجات التفاعل قد تباینت زماناً ومکاناً فی شدتها وتأثیرها على البناء الاجتماعی للسکان وأسهمت فی تحدید تحرکاتهم واستقرارهم، وحجم وحداتهم العشائریة، وفی درجة اتصالاتهم وعلاقاتهم الاجتماعیة بغیرهم من المجتمعات، وأثرت فی ثبات وتغیر النظم الاجتماعیة والأنماط الثقافیة لدى النوبا عبر تاریخهم، على نحو ما سنرى إن شاء الله.

 

الهویة

الهویة وأشکالها:

کلمة الهویة، منحوتة من الإجابة على السؤال؛ من هو وماهو؟ والتی تتخذ عدة صور فی تصنیف الناس إلى فئات أو جماعات، فقد یأتی التصنیف بحسب العرق أو بحسب الجهة ومکان السکن، أو بحسب الدین والاعتقاد، أو بحسب المهنة والحالة الاقتصادیة، أو بحسب اللون السیاسی، وما إلى ذلک من فئات وقد اتخذت الهویة کل هذه الأشکال فی منطقة جبال النوبا على نحو ما سنرى إن شاء الله.

 

ثانیاً: الافتراضات

تفترض الدراسة الآتی:

اتسمت العلاقات الاجتماعیة بین سکان منطقة جبال النوبا قبل الاحتلال الإنجلیزی للسودان بالتضامن والتعایش السلمی.

ساهمت بعض الأحداث والعوامل التاریخیة فی فترة الاحتلال الانجلیزی للسودان مع عوامل وظروف راهنة فی خرق النسیج الاجتماعی بین سکان المنطقة.

الصراع (التمرد) الدی نقل مؤخراً لمنطقة جبال النوبا کان أحد أهم نتائج "سیاسة النوبا" التی ابتدعتها الإدارة البریطانیة فترة احتلالها للسودان.

کان للصراع (التمرد) فی الجبال أثره السالب على النسیج الاجتماعی والتنمیة فی المنطقة .

 

الموقع الجغرافی والحدود السیاسیة للمنطقة

یطلق "مصطلح جبال النوباNuba Mountains " أو "Nuba Hills" أو "الجبال Jebal" أو "إقلیم الجبال" فی السودان وفی کردفان على وجه التحدید، على المساحة الجغرافیة التی تقع بین خطی عرض 10-13ْ شمالاً، وخطی 28.5ْ -32ْ درجة شرقاً. وتقدر هذه المساحة بحوالی 30.000 میلاً مربعاً. تتخللها سلسلة من الجبال یبلغ ارتفاعها أحیاناً 50.000 قدماً فوق سطح البحر. وتفصل هذه الجبال أودیة واسعة وسهول فسیحة یقدر ارتفاعها بعشرین ألف 20.000 قدماً فوق سطح البحر.

وکانت هذه المنطقة قبل الاحتلال الترکی للسودان عام 1821م مقسمة إلى "مکوکیات" و"عمودیات" قبلیة صغیرة. ولکن بعد استتباب الأمن واستقراره نسبیاً عملت الحکومة الترکیة على تجمیع تلک المکوکیات والعمودیات فی مدیرة واحدة تدار من مدینة "تلودی"، فی الجزء الجنوبی الشرقی من المنطقة.

وبعد الاحتلال البریطانی للسودان وبالتحدید فی عام 1929م دمجت مدیریة تلودی فی کردفان وأصبحت بذلک جزءاً من کردفان الکبرى، وانتقلت العاصمة إلى مدینة الأبیض وبقیت تلودی "مرکزاً" یدیره مفتش ومأمور .

وبالتقریب فإن "إقلیم الجبال" هذا یحتل الجزء الجنوبی الغربی من "مدیریة کردفان" ذلک اللفظ الذی عرف عند تقسیم السودان إلى مدیریات عام 1947م فی ظل السیاسة الإداریة لحکومة الاحتلال البریطانیة. وهذا التقسیم هو الذی أظهر اللفظ "جنوب کردفان" لأول مرة. وقبل هذا التاریخ کانت هذه المنطقة تعرف "بمنطقة النوبا" ذلک لأنهم یمثلون الأغلبیة العظمى من الجماعات والقبائل التی ارتبطت بهذه المنطقة .

وبعد استقلال السودان وفی ظل السیاسة الإداریة للحکومة الوطنیة فصلت منطقة النوبا عن شمال کردفان لتصبح مدیریة قائمة بذاتها مرة أخرى هی مدیریة جنوب کردفان تدار بمحافظ من مدینة "کادوقلی" واستمرت بذلک إلى بدایة السبعینیات من القرن الماضی .

فی عام 1980م أصبحت کردفان الکبرى مرة أخرى إقلیماً واحداً یضم محافظتی شمال وجنوب کردفان. وقسم قانون الحکم الإقلیمی لسنة 1980م محافظة جنوب کردفان إلى أربع "مناطق" هی: المنطقة الجنوبیة وعاصمتها "کادوقلی ". والمنطقة الشمالیة وعاصمتها "الدلنج" والمنطقة الشرقیة وعاصمتها "رشاد " والمنطقة الغربیة وعاصمتها "الفولة". ثم قسمت منطقة الفولة بعد ذلک إلى منطقتین هما: منطقة النوبا ومنطقة "أبیی" .

وفی إطار النظام الفیدرالی الذی قسم السودان إلى ست وعشرین ولایة أصبحت کردفان الکبرى ثلاث ولایات بموجب المرسوم الدستوری الرابع لسنة 1991م هی ولایة شمال کردفان وولایة جنوب کردفان وولایة غرب کردفان. وبهذا یمکن تحدید منطقة جبال النوبا - وفق هذا التقسیم، وفی ظل النظام الفیدرالی - بولایة جنوب کردفان والتی تحد جغرافیاً خمس ولایات هی: ولایة شمال کردفان من الناحیة الشمالیة، وولایة غرب کردفان من ناحیة الغرب ومن الجنوب تحدها ولایة الوحدة. وتحدها من ناحیة الشرق الحدود الغربیة لولایتی أعالی النیل. والنیل الأبیض.

وهکذا نلاحظ أن السیاسات الإداریة للحکومات المختلفة التی تعاقبت على السودان منذ الاحتلال الترکی وإلى یومنا هذا ظلت تتقلب وتغیر فی خریطة هذه المنطقة إلى أن استقرت على ما هی علیه الآن وهو ما یعرف "بولایة جنوب کردفان " وربما یعزى هذا التغیر المستمر فی التقسیم إلى الظروف الطبیعیة الآیکولوجیة للمنطقة فضلاً عن العوامل السیاسیة والتوجهات الإداریة للحکومات المختلفة.

خلاصة القول من هذا العرض الذی استهدف توضیح الموقع الجغرافی لمنطقة البحث وحدودها المکانیة على خریطة السودان: أتضح أن هذه المنطقة قد خضعت لتغیرات إداریة وسیاسیة کثیرة جداً قبل أن تستقر على ما هی علیه الآن. ولعل بعض ما یفسر عدم الاستقرار التقسیمی لهذه المنطقة هو تباین البیئة الجغرافیة والآیکولوجیة وتنوع خصائصها الطبیعیة.

 

معالجة الفروض

تحاول الورقة هاهنا معالجة الفروض التی انطلقت منها من خلال تتبع التاریخ الاجتماعی لمجتمع جبال النوبا.

 

الفرض الأول:

اتسمت العلاقات الاجتماعیة بین سکان منطقة جبال النوبا قبل الاحتلال الانجلیزی للسودان بالتضامن والتعایش السلمی.

 

سکان جبال النوبا والتاریخ الاجتماعی لعلاقاتهم الاجتماعیة

یسکن إقلیم الجبال خلیط من القبائل هی النوبا وعرب البقارة ومجموعات أخرى توافدت على المنطقة. منذ القدم وهم قبائل "الداجو" و "البرنو" وغیرهم من المجموعات التی قدمت من غرب أفریقیا.

وتشیر بعض الدراسات والبحوث إلى أن النوبا کانوا یسکنون فی قمم الجبال بینما یسکن العرب وبعض المجموعات الأخرى فی السهول. وقد ظل هذا التقسیم حتى عهد قریب. وإن کنا نجد بعض الجماعات النوباویة تفضل السکن على قمم الجبال حتى الآن. وربما یعزى هذا لالتماسهم الأمن والسلام فی هذه القمم التی کانت لهم بمثابة الملجأ الآمن الذی یقیهم من الغارات التی تعرضوا لها فی تاریخهم القدیم من قبل ملوک "الفونج" والجیوش الترکیة وبعض أمراء المهدیة. وأخیراً الحملات التأدیبیة التی کانت تشنها حکومة الاحتلال البریطانیة من حین لآخر على النوبا. هذا فضلاً عن أن فی قمم الجبال توجد مصادر المیاه الثابتة والدائمة على مدى شهور السنة.

غیر أن هنالک عدة أسباب عملت على تشجیع النوبا على النزول إلى السهول من ذلک: أن الزراعة المتواصلة فی مکان واحد على منحدرات الجبال أضعفت خصوبة التربة مما أضطرهم إلى النزول إلى السهول للزراعة فیها . کما یذکر أن الحکومة البریطانیة قد شجعت النوبا للنزول من قمم الجبال بعد عام 1917م وذلک بعد أن استتب لها الأمر وتوفر الأمن والسلام فی ربوع المنطقة. ومن الطبیعی ونتیجة لذلک فقد حدث تزاوج وتآخی بین تلک المجموعات المتباینة عرقیاً وثقافیاً . فولدت بذلک ثقافة جدیدة من القیم والمعاییر الاجتماعیة. وکما عقدت تحالفات عدیدة بین الجماعات المختلفة.

ولما کان النوبا وعرب البقارة هما أکثر الجماعات والقبائل التی تسکن هذه المنطقة، وأن ما حدث من تأثر ثقافی واجتماعی بینهما یعد من أکبر عوامل الاستقرار والتعیش السلمی، فإن الورقة سترکز تسلیط الضوء على هاتین الجماعتین مع الإشارة للجماعات الأخرى بغیة الکشف عن ما نشأ من علاقات بین الجماعات السکانیة وما حدث من تغیرات اجتماعیة وثقافیة. وما صاحب ذلک من أحداث شکلت الواقع الاجتماعی الحالی فی المنطقة.

 

أولاً: جماعات النوبا علاقاتهم الاجتماعیة فی المنطقة

استخدم الاصطلاح "نوبة" أو "نوبا" منذ القدم فی البیئة السودانیة، وحدیثاً عند بعض الباحثین والدارسین لیشیر إلى العنصر الأفریقی الذی یقطن الجزء الجنوبی والجنوبی الشرقی من کردفان. کما استخدم أیضاً لیشیر إلى مجموعة أخرى من سکان شمال السودان فی منطقة دنقلا . وبالتحدید فی المنطقة المتاخمة لحدود السودان الشمالیة مع جمهوریة مصر.

وقد اختلف المحققون حول الاصطلاح أیَّما اختلاف وحول إطلاقه واستخداماته ورسمه کتابة، بحیث یتعذر فی هذا المجال عرض کل آرائهم وتخمیناتهم. ولکن تجدر الإشارة إلى بعضها کأمثلة تبین هذا الاختلاف.

ومثلما کان الاختلاف حول الاصطلاح، کذلک لم یستقر الرأی حول الموطن الأصلی لهذه الجماعات.

فقد أجرى نادل Nadel دراسات انثرویولوجیة على بعض جماعات النوبا فی عام 1938م وما بعدها. واستخدم کلمة Nuba لکل الجماعات الأفریقیة فی الجبال بکردفان وسکان وادی حلفا على السواء .

غیر أن "استفیسون" یلفت النظر إلى ضرورة التفرقة بین هاتین الجماعتین باستعمال اصطلاح "النوبة والنوبیین" على الجماعة الشمالیة واصطلاح "النوبا والنوباویین" على سکان الجبال فی کردفان .

ویقرب من هذا استخدام یوسف فضل اصطلاح "نوبة"على المجموعة الأولى "نوبا" على المجموعة الثانیة . وکما نجد "هیللستون" یستعمل کلمة "Nuba" لتشیر إلى سکان الجبال فی کردفان وکلمة "Nubian" على ساکنی شمال السودان فی المنطقة المتاخمة لحدود مصر الجنوبیة .

ولتحدید المفاهیم وتمییز المصطلحات فإن هذه الورقة تستخدم الاصطلاح "نوبا" بالألف و"Nuba" على الجماعة الإفریقیة من سکان الجبال بکردفان ومن ثم تکون النسبة منها "نوباوی". ویستخدم اصطلاح "نوبة" - بالتاء - و"Nubian" على المجموعة الأخرى فی إقلیم دنقلا فی شمال السودان ومن ثم تکون النسبة منها "نوبی" وذلک منعاً للخلط واللبس.

وأما عن الموطن الأصلی لهذه الجماعة لم یکن بأوضح لدى الباحثین والمحققین منه.

فیرى "نادل" أن نوبا الجبال بجنوب کردفان ما هم إلا نتاج لاختلاط القبائل الزنجیة بالجماعات العربیة والحامیة أو شبه الحامیة النیلیة. وخلص نادل فی دراسة آنفة الذکر إلى أن الموطن الأصلی لهم هو إقلیم دنقلا شمال السودان. ولکنهم اضطروا للنزوح تحت ضغوط الحملات التی کانت یشنها العرب فی الشمال على منطقتهم حتى وصلوا شمال کردفان. وثم نزحوا منها مرة أخرى فارین فی وجه الفونج واستقروا أخیراً فی إقلیم الجبال الذی عرف أخیراً باسمهم.

* تستمر هذه المناقشة

 

بقلم: د. صدیق عطا المنان التوم، أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعیة - جامعة أم درمان الإسلامیة.