التاریخ الاجتماعی لجبال النوبة (الجزء الثانی)

  • رقم الخبر 1672
  • المصدر: مرکز افریقیه للدراسات و البحوث السیاسیه

المخلص یقسم "نادل" النوبا إلى أربعة عشر جماعة عرقیة نشیر إلیها فیما یلی...


مهما یکن من أمر فان النوبا، یملثون الیوم الأغلبیة من سکان ولایة جنوب کردفان بحدودها المعروفة. ویشاطرهم السکن فیها القبائل العربیة وجماعات أخرى مثل "الداجو" و"البرنو" وغیرهم ممن استوطن هذه المنطقة منذ أمد بعید.

غیر أن النوبا أنفسهم یتفرعون داخلیاً إلى جماعات کثیرة تختلف فی اللغة وفی بعض الأنماط الثقافیة، وإن کانت تجمعهم کلمة "النوبا" التی تشیر إلى ذلک التجمع الجغرافی أو الإقلیمی لأناس یعیشون فی بیئة مشترکة. ولذلک یتعذر إطلاق کلمة "قبیلة" لهذا "التجمع ". ومن الملاحظ أیضاً أن إطلاق هذا الاسم "نوبا" على هذه الجماعات غالباً ما یحدث من الجماعات الأخرى داخل وخارج المنطقة. وأما المجموعات نفسها فقد ارتبطت کل مجموعة منها باسم منطقتها أو قلاعها الصخریة، وسمیت بتلک القلاع أو تلک المنطقة.

ولهذا لا تحمل هذه الأسماء معنى قبلیاً وإنما تعنی "ناس ..." فکلمة "نیمانج" تعنی "ناس الجبال السبعة أو تعنی هذه الأسماء الأماکن والمواقع التی ترتبط بها.

ویؤید هذا التباین ما لاحظه "سلیجمان" فی دراسته للقبائل الوثنیة فی السودان، حیث أکد وجود التباین والاختلاف اللغوی والتمایز العرقی لدى الجماعات النوباویة المتجاورة جغرافیاً والتی لا تفصل بینها سوى أمیال قلیلة أحیاناً، کما هو الحال عند جماعة "النیمانج" و"جماعة الدلنج" اللتین تتکلمان لغات مختلفة تماماً. وکما لاحظ وجود أکثر من مجموعة فی سلسلة جبلیة واحدة "کالمورون Moron" و"التیمین Temien" ویتحدثون لغات مختلفة، ولا توجد علاقات اتصال بینهم بالرغم من وجود سمات ثقافیة مشترکة تشیر إلى وجود صلة قدیمة بینهم فی الماضی. وهنا یبدو أثر البیئة الطبیعیة والجغرافیة واضحاً .

ولکنا نقول إنه قد یکون صحیحاً عدم وجود صلات أو علاقات اتصال بین هاتین الجماعتین فی الماضی عندما أجرى "سلیجمان" دراسته فی الثلاثینات، ولکن الیوم نجد علاقات اتصال واسعة بینهما تصل إلى حد المصاهرة والانصهار.

غیر أن "نادل" یرجع ذلک لاختلاف بین الجماعات النوباویة وتباینهم اللغوی إلى حیاة العزلة التی عاشتها الجماعات لفترة طویلة من الزمن، ولقلة - إن لم یکن انعدام - الاتحاد السیاسی والاتصال بین الجماعات . ویقسم "نادل" النوبا إلى أربعة عشر جماعة عرقیة نشیر إلیها فیما یلی:

(1) جماعة الأوتورو (Otoro):

تعیش هذه الجماعة فی المنطقة الواقعة جنوبی هیبان فی الجبال الشرقیة من جبال النوبا. وهی کبرى الجماعات التی تسکن هذه المنطقة. وثمة وجه شبه بین أوتورو و"التیرا". ولعل هذا التشابه یشیر إلى وجود علاقة ورابطة عرقیة بین هذه الجماعات الثلاثة. ولکنَّ لا أحد یجزم على وجه الدقة، لماذا تفرقت هذه الجماعات ذات الأصل الواحد .

(2) جماعة التیرا (Tera):

یسکن التیرا فی الجبال الواقعة شرق منطقة أوتورو وتسمى تلک الجبال باسمهم "جبال التیرا" وهی سلسلة ممتدة من الجبال ینتشرون فیها. ولکنهم یتمرکزون بصفة غالبة حول "جبل تیرا الأخضر" وهو موطن رئاستهم. وینقسمون إلى جماعات فرعیة صغیرة هی: "أم دردو" و"الموند" و"اللموند". وهی أسماء للأماکن التی یعیشون فیها.

یرى کبار السن منهم أن "التیرا" و"جربان" و"تیمین" و"تیسی أم ضنب" "کادوقلی" و"شجو" (کادوقلی) وأغلبیة سکان تلودی، أنها فروع ذات أصل واحد قدم من أفریقیا الوسطى وتوزع بین الجبال .

فإذا صحت هذه الروایة فیمکن القول إن تفرقهم بین هذه الجبال ولمدة طویلة من الزمن جاء بذلک التباین اللغوی والثقافی بین هذه الجماعات.

وأیاً کان الأمر فإنه یبدو أن التیرا قد تعرضوا خلال ماضیهم لعملیات انصهار مع غیرهم من الجماعات فی المنطقة. ومن ثم لم یحتفظوا بعنصرهم نقیاً، وإنما اختلطوا ببعض الجماعات الأخرى عن طریق المصاهرة، خاصة مع العرب الذین اتحدوا معهم فی حلف سیاسی مکونین جماعة تحمل اسم لوریوا Loriyo و"لیقین legen".

(3) جماعة المورو (Moro):

المورو جماعة أخرى لها صلة ثقافیة ولغویة بالتیرا ولکن لم تکن توجد فی الماضی روابط زواج أو مصاهرة بینهما، عدا تلک التی کانت بین "التیرالموند" و"المورو".

یسکن المورو ثلاث هضاب تقع شمال وشمال شرق تلودی تفصل بینها أرض سهلیة خصبة وینقسم المورو إلى ثلاث بطون هی: "لیبو Lebu" وهؤلاء نزح بعضهم بعیداً ناحیة الشرق، ومن ثم عرفوا لدى العرب باسم "أم دورین Um Dorayin" والبطن الثانی هم "کاین Kayin" وهؤلاء یسکنون فی الحافة الشمالیة للهضبة. والبطن الثالث هم "أورین Orayin" وهؤلاء کانوا فی الماضی یسکنون السلسلة المنخفضة - الجبال الجنوبیة للهضبة - وأن اسمهم هذا مستمد من اسم ذلک المکان.

وفی بدایة القرن الماضی استقر المورو فی موطنهم الحالی فی جبال "أبی لیلة" و"أم راکوبة" و"أم جبر الله" و"کوراک" . وهی کما یبدوا أسماء عربیة، أطلقها علیهم العرب الذین اختلطوا بهم.

(4) کرنقو (Korongo):

إلى الجنوب من جبال المورو وإلى الشرق من تلودی تقع سلسلة جبال منخفضة نسبیاً، هی مقر جماعة الکرنقو والمساکین وهی آخر جبال تقع قبل السهول الواسعة الممتدة حتى وادی النیل شمالاً. وتفصل بینهما وبین جبال "المساکین" التی تقع إلى الشمال منها سهول ضیقة نسبیاً.

ویتداخل الکرنقو و"المساکین" فی منطقة واحدة. ویبدو أن هناک وشائح عرقیة بین الجماعتین. وقد أطلق العرب علیهم هذا الاسم "کرنقو" اشتقاقاً من اسم الجبل "Dogrongo" کما یذهب نادل . وهم یسکنون هذا الجبل الذی یقع فی منطقة المساکین.

(5) المساکتن:

ینقسم المساکین إلى مجموعتین هما: "المساکین الطوال" و "المساکین القصار".

وقد یتبادر إلى الذهن من اشتراک الجماعتین فی الاسم "القصار والطوال" أنهما من أصل واحد. ولکن فی الحقیقة أن کلاً منهما یتحدث لغة مختلفة عن الأخرى. وأن کلاً منهما ینتمی إلى أصل مختلف . وقد ذکرنا أن هناک علاقة رحمیة بین "المساکین الطوال" و"الکرنقو" ذلک بأنتمائهما بطن واحد هی "الکلاقو Kalago" أو الکلاقوا Kalagwa.

 (6) جماعة التولشی (Tullishi):

تقع جبال التلشی على الحدود الغربیة لجبال النوبا. وهذه الجبال یسکنها عدد قلیل نسبیاً من السکان. ویعتقد التلشی أن هذه الجبال هی موطن أجدادهم الأصلی، ولهذا فهم – حتى عهد قریب -لا یبارحون هذه الجبال إلا لماماً.

ویذکر الدکتور أحمد عثمان أنه کان یحکم التلشی سلاطین من عائلة "التاردی Tardi" ویرى أنها ذات أصل مختلف عن جماعة التلشی . ویظهر من کلمة "سلطان" نفسها أن هذه العائلة ذات صلة بالعرب. أو تدل على تأثیر العرب علیها. ویحافظ التلشیون على عادة "الختان" منذ القدم. وهی عادة عربیة أصیلة. وهذا یدعم الزعم القائل بأن التلشیون کانوا فی زمن من الأزمان على صلات مع العرب. غیر أن شعب التلشی لا یسعفنا فی تأکید أو نفی هذه المقولة. بمعرفة تاریخهم. ولکنهم یؤکدون أن جدهم الأول هو السلطان "کولولا" Kulula.

وینکر التلشیون أی علاقة دم بالجماعات النوباویة الأخرى حتى أولئک الذین تربطهم بهم علاقة نسب ومصاهرة "کالکامدان" Kamadan. أو "الترجک" . ویعزون العلاقة الثقافیة والتشابه فی اللغة ووشائج المصاهرة للتداخل بینهم وبین تلک الجماعات فی الماضی والحاضر.

(7) جماعة الکوالیب:

یسکن الکوالیب فی جوار جغرافی مع النمانج والدلنج إلا أنه لا تجمع بینهم علاقات وروابط ثقافیة سوى بعض السمات الرئیسیة للنظم الدینیة . وحتى عهد قریب لا توجد علاقات مصاهرة بالرغم من الجوار والتداخل بینهم.

ینقسم الکوالیب إلى جماعتین: الجماعة الجنوبیة وتسکن جبال "نایکور" (Nyukur) وأمبیر و"دلامی" و"میل" Meyl. والمجموعة الشمالیة وهی تتمرکز حول "دلامی".

والکوالیب کغیرهم من الجماعات النوباویة تنقلوا کثیراً بین الجبال قبل أن یستقروا فی موطنهم الحالی . ولکنهم لا یعرفون موطنهم الأصلی ولا الأحداث التاریخیة التی شکلت تحرکاتهم . غیر أن الیوزباشی أحمد خیر السید(*) یذهب إلى أن الموطن الأصلی للکوالب هو الصومال، ویعتمد فی ذلک على الروایة التی حکاها له الکجور "جرو Juru" ویقول إنهم نزحوا من هناک من زمن بعید ویعلل ذلک بالتشابه اللغوی فی نطق ومعنى بعض الکلمات "مثل کلمة "الماء" و"اللبن"" فی لغة الکوالیب والصومال.

فإذا ما علمنا أن الیوزباشی أحمد خیر السید هذا رجل مسلم وله إلمام واسع بتعالیم الإسلام وثقافته، فإن فی نقله لهذه الروایة من الکجور "جرو" واعتقاده فیها، فإن فی هذا دلالة وأیة دلالة على مکانة الکجور فی مجتمع الجبال على اختلاف دیاناتهم حتى عهد قریب .

(8) جماعة الدلنج:

تقع جبال الدلنج على بعد ستین میلاً تقریباً غرب "دلامی". وقد اختلط جماعة الدلنج مع الجماعات النوباویة الأخرى "کالغلفان" وغیرهم ممن استوطن بجوارهم. ویعزى "نادل" ذلک لطلبهم الأمن والسلام. ولکنا نلاحظ أن الدلنج من الجماعات النوباویة الکبیرة التی یطلب منها الحمایة لا لأن تطلب هی الحمایة من غیرها.

وتطلق کلمة "أجانج" Agang لتجمع بین جماعة "الدلنج" وجماعة "والی" و"أم سعیدة" و"والی أم کرم" ویقال أن هذه الجماعة الثمانیة من أصل واحد نزح من موطنه الأصلی فی وادی حلفا شمال السودان، إلى منطقة الدلنج . ولعل ظاهرة التشابه اللغوی بین هذه الجماعات و"نوبة" وادی حلفا تدعم هذا الزعم.

(9) جماعة النیمانج:

تقع جبال "النیمانج" غرب الدلنج مباشرة. ویطلق على جماعة النیمانج على أنفسهم اسم "أما" Ama ویعنی فی لغتهم "ناس الجبال السبع". ویعتقد النمانج أن موطن أسلافهم الأصلی کان فی جهة ما ناحیة الغرب خلف جبل "التیما" و"أبی جُنَک".

ویزعم "صانع المطر کرومید Kurumede"* الذی ینتمی إلى جماعة النمانج أن أسلافه قد نزلوا من السماء . وبالطبع فإن ذلک الزعم مبالغة فی إضفاء طابع الاعتزاز والتقدیر والقدسیة على الأسلاف.

(10) جماعة الکدرو (Kadero):

یسکن الکدرو فی جبال تسمى باسمهم تقع على الحافة الشمالیة من جبال النوبا إلى الشرق من الدلنج وشمال غرب دلامی.

لیس للکدرو اسم قبلی جامع یشمل کل الجماعة، وإنما لکل فرع اسم مستمد من الموضع أو المکان الذی یسکنه، فمثلاً فرع "کرتالة" یسکن جبل "کرتالة" وکذلک "الدابتا" وبقیة الفروع ولکن یختلف الکدرو وفروعهم عن بقیة جماعات النوبا الأخرى فی اختلاطهم وانصهارهم مع الجماعات العربیة التی تساکنهم المنطقة "کالغدیات" والجعلیین وغیرهم.

وعلى هذا یمکن القول إن رابطة الدم - إن وجدت - لیست ذات أثر کبیر فی وحدة جماعة الکدرو، بل أن وحدتهم وانتماءهم نجده دائماً للسان والثقافة والموقع الجغرافی مع القوم الذین یساکنوهم الموقع.

(11) جماعة الافییتی Alfitti:

(12) جماعة الدیتی Ditti:

یسکن جماعة "الافییتی" و"الدیتی" على جبل "الدایر" الذی یقع على الناحیة الشرقیة من جبال النوبا.

غیر أننا لم نقف على أصل جماعة "الدیتی" وخاصة وأن لغتهم لم تصنف بعد مع من أی لغات النوبا العشرة آنفة الذکر.

أما "الأفیتی" فقد درس کوزر "Kuaczer" لغتهم وحاول أن یصنفها مع لغة "الدلنج". وذهب إلى أنهم فرع من فروع جماعة الدلنج، واستند فی ذلک على مبررات منها: وجود نظام الکجور عند الافیتی، وتشابه عادة دفن الموتى وطقوسها بین الجماعتین. ولکن لنا أن نقول إن نظام الکجور لیس وقفاً على جماعة الدلنج وحدها من جماعات النوبا بل نجدها عند الکثیر - إن لم نقل کل - من القبائل الزنجیة السودانیة لیس فی منطقة الجبال فحسب. وإنما عند غیرها کالدینکا مثلاً. وعلى کل فإن جماعة الافیتی والدیتی لا تزال تحتاج إلى مزید من الدراسة لمعرفة أصلها. وخاصة أنهما قد اختلطا مع القبائل العربیة الأخرى فی المنطقة.

یتضح من هذا أن النوبا قد عاشوا لفترة فی الزمان الماضی، ولم یکن یجمعهم أصل واحد، فیتحدثون لغات عدة صنفت إلى عشر مجموعات متفرعة إلى لهجات کثیرة قدرها البعض بحوالی خمسین لهجة.

ولا یعرف على وجه الدقة متى اتخذت الجماعات النوباویة المختلفة مناطقها الحالیة سکناً لها، کما لا یعرف موطنهم الأصلی الذی قدموا منه. وأن کل ما یقال فی هذا الصدد لا یعدو أن یکون روایات شفهیة لا ترقى لمستوى التحقیق العلمی. ولا یجد الباحث وثائق أساسیة یستند إلیها فی ذلک.

ولعل هذا ما دعا "نادل" للقول إن مصطلح "نوبا" ما هو ألاَّ نتاج لأخلاط القبائل العربیة بالعنصر الأفریقی، وینفی أن یکون هناک عنصر قائم بذاته یسمى "نوبا" هذا، ولم یجد "سلیجمان" إلا أن یصنف النوبا ضمن "الانقسنا" فی جنوب الفونج .

وأیاً کان الأمر فإن مصطلح نوبا لا یدل على أی مظهر قبلی أو سلالی ولکن قد یدل على أصل إقلیمی أو موقعی أو نحو ذلک.

(13) جماعة الداجو Daju:

الداجو قوم لیس بعرب کما أنهم لیسوا نوبا ولکنهم أقرب فی الشبه إلى النوبا، ولا سیما سماتهم الفیزقیة. ولعل هذا ما جعل "نادل" یصنفهم کإحدى جماعات النوبا الأربعة عشر.

ویذهب "ماکمایکل" إلى أن الداجو قد انحدروا من عرب الحجاز وأنهم دخلوا السودان واستقروا فی جبل "خضر" "Kidir" أحد جبال النوبا والذی یقع جنوب خط عرض 11ْ شرق تلودی. ویرى أنهم طردوا من هذا الجبل إلى الغرب واستقروا فی دارفور ومنها إلى "ودای" حیث أقاموا سلطنة هنالک فی غرب أفریقیا. إلاَّ أنه لم یحدد تاریخیاً بذلک.

ویؤکد کبار السن منهم هذا القول ویزعمون بأنهم قد کانت لهم سلطنة وسیادة فی أواسط دارفور، ولکنهم طردوا وأجلوا عنها بواسطة شعب "التنجور" فی القرن السادس عشر المیلادی . واستقروا حول مدینة "لقاوة" فی مناطق "الدار الکبیرة" و"کدونج" Kidong و"أرنبة" و"السلیک" و"التمانیک" و"جامانیوک" و"نایکری" و"جبل مهیلا" وکل هذه المناطق تسمى جبال الداجو الآن. وکما سکن بعض الداجو شمال کردفان ناحیة "خور طقت" و"التوى" شرق مدینة الأبیض. ولا تزال بقیة منهم فی دارفور .

فالداجو قوم مسلمون متمسکون بتعالیم الإسلام وذوو أخلاق حمیدة. ویلاحظ أن داجو کردفان وداجو دارفور یتحدثون لغة واحدة مع اختلاف طفیف فی اللهجات، مما یرجح أنهم کانوا یعیشون فی موطن واحد. وأن الداجو بمختلف جماعاتهم فی کردفان ودارفور ما زالوا یحتفظون بحسن الولاء والوفاء لسلطان "الدار الکبیرة" مکان رئاستهم وتمرکزهم .

(14) تقلی Tegali:

تاریخ مملکة تقلی أوضح نسبیاً من تاریخ سکان الجبال الآخرین. وخاصة بعد حکم عائلة محمد الجعلی فی النصف الثانی من القرن السادس عشر المیلادی.

وقد قام "إلیس R. J. Elles" بدراسة شاملة عن مملکة تقلی خاصة للفترة ما قبل سنة 1821م وبالرغم من أنها قد اعتمدت على الروایات الشفهیة إلاَّ أنها تعد بحق دراسة شاملة وعمیقة، أعدها بعد فحص دقیق. وبجانب ما قام به إلیس "هنالک دراسة أعدها "ماکمایکل" تعد مساهمة مفیدة وخاصة فیما یتعلق بشجرة العائلة المالکة.

کان یطلق اسم "تقلی" على المنطقة الواقعة فی الجزء الشمالی الشرقی من جبال النوبا والتی تمتد جنوباً لتضم جبال رشاد وشمالاً حتى "خور أبی حبل" وتلال کردفان. وشرقاً حتى جبل "أبی دوم"، وتحدها غرباً جبال "الکجاکجة". وتضم هذه المساحة قرى ذات ماضی عریق هی "کرایة" و"الهوى Hoi" و"طاسى" و"السنادرة" و"جولیة" حیث قامت مملکة تقلی الإسلامیة فی النصف الأول من القرن السادس عشر المیلادی. وکان لها أثر کبیر فی الدعوة الإسلامیة ونشر الثقافة العربیة فی إقلیم الجبال. ویذکر أن سکان هذه المنطقة کانت تدین بالوثنیة، ولکن لم یبق میها شیء تقریباً، أو بالأحرى انصهرت مع العنصر الوافد مکونة سلالة جدیدة أقرب ما تکون للعنصر العربی هی شعب تقلی.

ومن ثم أصبح نظام الوراثة "أبویاً" بعد أن کان "أمیاً" على عادة "الهمج" وغیرها من القبائل الإفریقیة الوثنیة آنذاک. وبذلک تحول الحکم من السکان الأصلیین إلى العنصر الوافد وهم عرب مسلمون ینتمون إلى قبیلة "الجعلیین" وکان ذلک إیذاناً بمیلاد مملکة تقلی الإسلامیة . وتوسعت رقعة المملکة وبسطت نفوذها على کثیر من مناطق جبال النوبا واستطاعت أن تضرب بسهم وافر فی نشر الدعوة الإسلامیة والثقافة العربیة فی المنطقة والمناطق المجاورة وشجعت العلماء والدعاة ورجال الطرق الصوفیة على بث التعالیم الدینیة وإقامة الخلاوی لتحفیظ القرآن الکریم وتدریس علومه واستمر أحفاد ملوک تقلی یکونون زعامات محلیة حتى الیوم.

 

ثانیاً: القبائل العربیة وعلاقاتهم الاجتماعیة مع المجموعات الأخرى

العرب هم المجموعة الثانیة فی جبال النوبا من حیث الحجم. فالقبائل العربیة فی الجبال - إذا استثنینا تقلی وبعض الجماعات القبیلة الصغیرة من الجعلیین وشیبون - کلها عرب البقارة.

کما یوجد فی الحافة الشمالیة من المنطقة بعض جماعات البدیریة والغدیات الذین اختلطوا بالنوبا وتصاهروا معهم.

ویزعم البقارة إنهم ینتمون إلى عرب جهنیة فی الجزیرة العربیة. مهما یکن من أمر فإن البقارة من أهم المجموعات العربیة التی استقرت فی منطقة الجبال. وأکبرها حجما وهم: الحوازمة والمسیریة وأولاد إحمید. إضافة إلى الکواهلة وبنی هلبة ومجموعات صغیرة أخرى تسکن حول منطقة تقلى بجانب البدیریة والغدیات فی شمال الجبال.

وکان وصول العناصر العربیة إلى منطقة الجبال قد أدى إلى علاقات مع السکان المحلیین لها طابعاً عدائیاً فی البدایة ثم خفت حدة العداء شیئاً فشیئاً بعد استقرار البقارة. کما برز نشاط تجاری أسهم فی تغیر الصراع إلى نوع من التعاون حول سبل العیش فالبقارة یحتاجون إلى الغلال والحبوب ویحتاج النوبا إلى النقود، الأمر الذی أدى دوراً کبیراً فی عملیات الانتشار الثقافی والتعایش السلمی فی المنطقة.

ومن أهم تلک المجموعات ما سنتناوله فیما یلی:

الحوازمة:

الحوازمة من أکثر قبائل البقارة اختلاطاً بغیرهم حیث سکنوا فی شرق ووسط الجبال، ولم تخلو منطقة من الجبال منهم عدا المناطق التی تنتشر فیها المجموعات العربیة الأخرى لا سیما الحمر. وهذا یعزی لتحرکاتهم الموسمیة التی أتاحت لهم الاجتماع بغیرهم. إذ یقضی الحوازمة غالب وقتهم بین شعاب جبال النوبا ویندفعون فی فترة الأمطار إلى جهات الشمال، الأمر الذی أسهم فی انتشار الثقافة العربیة فی المنطقة.

وتنقسم الحوازمة إلى "خشوم بیوت" رئیسة هی "عبد العال" و"عبد العلی" و"الحلفا" بفتح الحال واللام، و"الرواوقة" وهناک قسم من الرواوقة یسمى "أولاد النوبا " وذلک لاختلاطهم بالدم النوباوی، وکذلک أسماؤهم مثل "کالکدری" و"کوکو" و"کانقو". ویذهب "ماکمایکل" إلى أن الحوازمة تفرعوا من "المسیریة". وبالطبع فإن "ماکمایکل" یقصد الحوازمة العنصر العربی ولیس کل الحوازمة إذ أنهم قبیلة کبیرة جداً اختلطت مع کثیر من الجماعات الزنجیة السودانیة.

ولعله لکبر جماعة الحوازمة فی المنطقة کانت القبائل الأولى تکَّون معها أحلافاً شفهیة منذ أیام "الفونج" تکفل لها الحمایة وحق المرعى تحت اسم الحوازمة.

قد أتاحت تلک الأحلاف والاتفاقات فرص التفاعل بین الجماعات العربیة والنوباویة، والتزاوج. ومن ثم نقل السمات الثقافیة بینهم. واهتمت المجموعات العربیة بتشجیع المجموعات النوباویة على الانضمام إلى تلک الأحلاف والاتفاقات. فنأخذ مجموعة الکوالیب مثلاً فی منطقة "أم برمبیطة" أصبحت جزءاً من الحوازمة، وانصهرت معها وتصاهرت معها حتى أصبحت من الصعوبة التمییز بینهما.

وإذا أخذنا مثالاً آخر هو الرواوقة کأحد أکبر خشوم بیوت الحوازمة نجد أثرها الواضح فی المنطقة من حیث تفاعلهم مع مجتمع النوبا. فقد استقروا فی منطقة کادوقلی وتکونت مجموعتهم من ست عمودیات هی: عمودیة دار جامع، وعمودیة أولاد النوبا، وعمودیة الفلاته، وعمودیة الدیلیمیة وعمودیتا الشوابنة. فاستطاعت من خلال هذه العمودیات أن تتعایش سلمیاً منذ قدومها إلى المنطقة وتقیم أحلافاً واتفاقات مع المجموعات النوباویة التی تساکنها المنطقة: ویذکر الأمیر عثمان بلال أمیر الرواوقة: أنهم قاتلوا فی أکثر من موقعة إلى جانب حلفائهم من القبائل النوباویة سواء کان فی الحروبات القبلیة القدیمة أو أبان مناهضة الاستعمار البریطانی .

وأما عمودیة دار جامع وهی تتمرکز فی منطقة الجبال الوسطى،(2) منطقة کادوقلی - وهذه عقدت عدة أحلاف مع الجماعات النوباویة وکان أول حلف مع جماعتی "کادوقلی" و"میری" وهذا الحلف أدى إلى الصلح بین هاتین الجماعتین المتناحرتین "کادوقلی" و"میری". ثم تحالفتا مع "أم لوبة" و"وکیقا تمیرو" و"کیقا الخیل" و"أبو سنون" و"کمدا" و"شات" وکان من نتاج تلک الأحلاف أن تجاوزت الجوانب الاقتصادیة والدفاعیة لیشمل الجوانب الاجتماعیة ممثلاً فی الأواصر والمصاهرة بین هذه المجموعات. وکان من ثمار ونتائج تلک الأحلاف:

مشارکة دار جامع ومساندتها لثورة "الفکی علی المیراوی" ضد المستعمر البریطانی.

مشارکة جماعة کادوقلی ومیری ودار جامع فی مبایعة الإمام المهدی.

عندما تحول بعض أفراد دار جامع من الرعی واتجهوا للزراعة قاسمتهم أحلافهم الأراضی الزراعیة الخصبة لاستثمارها وفلاحتها.

(2) المسیریة:

المسیریة من قبائل البقارة التی استوطنت منطقة جبال النوبا منذ القدم وهی قبیلة ذات أصل واحد تفرعت إلى قسمین هما: المسیریة الزرق والمسیریة الحمر من ثم أصبح کل فرع عبارة عن قبیلة قائمة بذاتها یختلف عن القسم الآخر فی کثیر من الصفات والممیزات حتى اللون واللسان.

فیسکن المسیریة الحمر فی مساحة ممتدة تقع جنوب غرب کردفان ویجوبونها فی تحرکاتهم الموسمیة ویجتمعون بالحمر "فتح الحاء والمیم" فی غرب کردفان فی فصل الأمطار. أما فی فصل الجفاف فیتحرکون جنوباً إلى أراضی الدینکا. فیبدأوا الترحال فی شهر نوفمبر حتى مایو ثم یقفلون راجعین بسبب الباعوض وذابة "التسی تسی". وتتمثل مناطق رعی المسیریة الحمر فیک منطقة میری وکرسی، وأبی سنون، وکانقا، وبحیرة کیلیک، وماسنقا، ولیما، وکیقا الخیل، ویظلون فی هذه المناطق حتى بدایة فصل الأمطار یرجعون إلى کیلیک لیمارسون الزراعة.

وأما المسیریة الزرق فیتمرکزون حول لقاوة والفولة، وتشمل مناطق مرعاهم "أوریا" وکمدا، الداجو، الدار الکبیرة، وسلجی، وأبوجٌنک ودمیک.

ولذا یمکن القول أن المسیریة بشقیها الحمر والزرق من أکثر القبائل العربیة اختلاطاً بغیرهم من الجماعات المحلیة فی المنطقة، فتزاوجوا وتصاهروا واختلط الدم النوباوی بالعربی حتى صعب تمیزهم عن البعض.

ویقال أن المسیریة کانت قبیلة کبیرة جداً وذات قوة وبأس شدید تسیطر على أراضی المرعی حتى حدود دارفور. وقد دخلوا شمال دارفور أیام "التنجور" ومن ثم دعاهم السلطان "عبد الکریم الجامع" إلى "ودَّای" واعتمد علیهم فی هزیمة "التنجور " بقیادة ملکهم "داؤود" 1652م.

وکما اعتمد السلطان تیراب فی دارفور فی حربه مع "المسبعات" بقیادة سلطانهم " هاشم" 1785م. وهذا یدل على قوتهم الحربیة، وهی من خصائص البداوة المعروفة.

ثم نزحوا بعد ذلک من دارفور تحت ضغوط التقلبات الاقتصادیة والتهرب من دفع الضرائب والأتاوات للسلاطین وهاجموا النوبا فی وادی "شلنقو" و"ورنیة" وتمرکزوا فی وادی "الغلة". وکان جزء منهم قد سکن فی أقصى الشرق من جبال النوبا فی منتصف القرن الثامن عشر المیلادی وتمرکز حول "شرکیلا" . ولکن بعد قیام حلف الحوازمة والبدریة وجماعة آخرین اضطروا للنزوح إلى وادی "السنط" و"المافرا"ووادی الغلة و"المجلد".

وتنقسم المسیریة إلى عدة خشوم بیوت منها:" أولاد أم سالم" و"الغزایة" و"الدیراوى" و"الغنیات" و"أولاد أبونعمان "و"أولاد هیبان" .

(3) الکواهلة:

الکواهلة ضمن مجموعات العرب التی استقرت فی المنطقة وقد ترکز وجودها فی المنطقة الشرقیة من الجبال، ولاسیما فی مناطق کالوقی واللیری، وبلولة والترتر، والبتیرة. والکواهلة کسائر المجموعات العربیة درجوا على القیام بجولات رعویة داخل منطقة الجبال.

وقد امتد أثر الکواهلة إلى کثیر من المجموعات النوباویة لا سیما قبائل تیرا اللیری ولفوفا وطلسه ولبمیرة وکرندی ولیمابرة. وبرز أثرهم بصورة واضحة فی منطقة اللیری لما أسسوه من علاقات زواج ومصاهرة مع المجموعات فی هذه المنطقة. وقد شکل وجود هذا العنصر العربی الأرضیة التی قام علیها نشاط الشیخ البرناوی فی منطقة الجبال .

(4) أولاد إحیمد:

فی بادئ الأمر سکن أولاد إحمید حول تلودی. ویرى "ماکمایکل" أنهم نتاج لتصاهر العرب والنوبا وتقلی. ویدلل على الرأی هذا بأسمائهم التی تدل على أنهم جزئیاً عرب وجزئیاً نوبا. غیر أن أولاد أحمید أنفسهم یزعمون أنهم من الجعلیین.

تعتبر أبو جبیهة مقراً لأولاد إحمید. وهم ینتشرون فی مناطق الصرارة والحلوف وجدید "وملم الکور". وقد اعتادوا الرعی فی جبل ترکی فی منطقة تقلی وانصهروا مع المجموعات النوباویة الموجودة فی تلک المنطقة وعقدوا تحالفات مع بعضها خاصة قبائل "کاونارو".

(5) کنانة:

انتشرت قبیلة کنانة فی الأجزاء الشرقیة من جبال النوبا خاصة مناطق اللیری، وأبو جبیهة، وکالوقی، والترتر "العباسیة تقلی"، ویمتد نشاطها إلى داخل الجبال عبر جولات الرعی المؤسمیة. أسسوا علاقات متینة مع مجموعات النوبا الأخرى ومع قبائل تقلی ورشاد.

(6) البدیریة:

البدیریة من القبائل العربیة التی تنتمی إلى الجعلیین وقد نزحوا من شمال السودان فی القرن الرابع عشر المیلادی واستقروا فی المنطقة الواقعة شمال الأبیض أولاً ثم إلى جنوب کردفان. وقد اختلط البدیریة بغیرهم من السکان الأمر الذی جعلهم أکثر شبهاً بالنوبا فی تقاطیعهم بالرغم من أن لسانهم یتحدث العربیة. ومثلهم فی ذلک الفدیات الذین تزاوجوا مع النوبا وانصهروا معهم.

(7) الشوابنة:

الشوابنة عنصر عربی ینضوی تحت الاسم "شیبون". وقد تکونت نتیجة لانصهار مجموعات کثیرة استقرت فی جبل "جبل شیبون" منذ فترة طویلة، فاختلطت بالمجموعات النوباویة. وقد وفدت تلک المجموعات من جهة تقلی وتمثلت فی مجموعات: المسلمة، والجلابة، والحسیلاب، والجمیعاب، والجندیاب، بجانب الحوازمة الذین یشکلون غالبیة مجموعات الشوابنة.

نتیجة لانصهار هذه المجموعات غدت السمة العربیة هی الغالبة على مجموعات الشوابنة ولا سیما فی السحنة واللغة والثقافة والتقالید أما السمة النوباویة فقد انحصرت إلى حد کبیر فی الدماء. وقد استقرت مجموعة الشوابنة الیوم بالقرب من کادوقلی فی منطقة السَّمة نتیجة لشح المیاه فی جبل شیبون . والبعض الآخر استقر فی شمال تلودی فی منطقة "مندری". وبعضهم فی منطقة "أندرافی" جنوب غرب "أم برمبیطة".

 

ثالثاً: المجموعات الأخرى القادمة من غرب أفریقیا:

کما وفدت إلى منطقة جبال النوبا بجانب البقارة مجموعات أخرى، خاصة رعاة الإبل الذین کانت رحلاتهم إلى جبال النوبا الموسمیة وعلى رأس هؤلاء الشنابلة.

وهناک مجموعات وفدت من غرب أفریقیا وسکنت فی مناطق متفرقة من جبال النوبا عملت بالزراعة وتجد جماعة کبیرة منهم تسکن فی قریة "البرداب" بالقرب من کادوقلی حیث استقروا فیها منذ العشرینات من هذا القرن. وکان قد عین الشیخ الشریف عبد الله رئیساً لمحکمتهم الأهلیة . ولا نجد تفسیراً لسبب هجرتهم واستقرارهم فی هذه المنطقة. ولکن ربما کانوا فی طریقهم إلى الحجاز لأداء فریضة الحج ومن ثم استقروا فی السودان شأنهم فی ذلک شأن الکثیر من سکان غرب إفریقیا. أو کان ذلک نتاجاً لظروف اقتصادیة أو سیاسیة أجبرتهم على الهجرة من بلادهم إلى أرض السودان الشاسعة الخصبة. ومما ساعد على ذلک خلو حدود السودان الغربیة من الموانع الطبیعیة.

وهم قوم مسلمون، غیر أنهم لم یفلحوا فی التأثیر فی غیرهم من السکان کما فعل عرب البقارة.

خلاصة القول أن القبائل العربیة التی نزحت إلى منطقة الجبال منذ القدم - وخاصة البقارة کانت ترعى الإبل وتجوب بها المنطقة بین کردفان ودارفور حتى حدود المدیریة الشمالیة ثم تحولوا مع الظروف الجغرافیة والطبیعیة إلى تربیة الأبقار والزراعة .

ونرى أن دراسة والتاریخ الاجتماعی للنوبا أمر ذو أهمیة کبیرة، خاصة إذا أردنا معرفة بعض الظواهر التی تتعلق بالأخلاق والعقیدة وعملیات التعایش السلمی ولا سیما فإن الإسلام قد انتشر ومعه الثقافة العربیة عندما دخلت القبائل العربیة المسلمة. وفی الحقیقة أن الثقافة العربیة الإسلامیة کان تأثیرها کفیلاً لإحداث هذا التغیر سواء تمثل فی تعدیل بعض الموروثات الثقافیة للمجتمع النوباویة أو انتقال السمات الثقافیة الجدیدة. وباختصار یمکن القول أن هناک نوع من التکیف الثقافی حادث الآن تتفاوت درجاته سواء کان نتیجة الانتشار أو الاستعارة الثقافیة من حیث تأثیره فی الوجه الخارجی أو السطحی للثقافة أو فی لب الثقافة أو جوهرها.

 

اتضح من هدا التتبع للتاریخ الاجتماعی فی المنطقة؛ أن البیئة الآیکولوجیة، والمتمثلة فی السافنا الغنیة والغابات الکثیفة أحیاناً والخیران والقمم الجبلیة العالیة التی تتخللها السهول الخصبة الواسعة، وما إلى ذلک، أثر بشکل واضح على علاقات السکان واتصالاتهم فیما بینهم من جهة والعالم الخارجی من جهة أخرى الأمر الذی أدى بدوره إلى عزلة النوبا، لبعض الوقت وخلق ثقافات فرعیة محلیة للوحدات العشائریة العدیدة، وتباین لغاتهم وتعدادها وقد حصرها بعض الدارسین فی نحو خمسین لغة. وهذا فی حدِّ ذاته عمَّق بدوره من عزلتهم لبعض الوقت.

جملة القول، أن المنطقة تسکنها ثلاث مجموعات سکانیة رئیسة هی النوبا والقبائل العربیة والمجموعات الأخرى القادمة من غرب أفریقیا، وتعیش هذه المجموعات فی شبه تخصیص مهنی وتتقاسم المنطقة جغرافیاً، تحرسها بعلاقات اجتماعیة ودیة وتحالفات قبلیة من أجل السلام والمناصرة والمشارکة فی دفع الدیات حتى عهد قریب. وأفضت تلک العلاقات الودیة فی النهایة إلى التزاوج والمصاهرات بین کل الجماعات، وقد وجد هذا دعماً وسنداً من عادة الزواج الخارجی (exogamy) لدى بعض الجماعات. ومن هنا یمکن القول أن الهویة فی شکلها العرقی أو الجهوی أو الدینی لم تکن تهدد النسیج الاجتماعی، فلکل من الدیانات الثلاث أتباعها بدرجات متفاوتة: الاسلام والمسیحیة والوثنیة، وبحسب طبیعة السکان، فان التسامح الدینی کان سائداً قبل الاحتلال البریطانی حتى على مستوى الأسرة الواحدة. وأما على المهن وتقسیم العمل بین الجماعات فکانت الهویة مصدر قوة وتکامل للنسیج الاجتماعی فبینما تمتهن الجماعات النوباویة الزراعة یمتهن العرب الرحل الرعی ویتولى " الجلابة " التجارة .

بقلم: د. صدیق عطا المنان التوم، أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعیة - جامعة أم درمان الإسلامیة

 

* تستمر هذه المناقشة ...