التاریخ الاجتماعی لجبال النوبة (الجزء الثالث)

  • رقم الخبر 1677
  • المصدر: مرکز افریقیه للدراسات و البحوث السیاسیه

المخلص ساهمت بعض الأحداث والعوامل التاریخیة فی فترة الاحتلال الانجلیزی للسودان مع عوامل وظروف راهنة فی خرق النسیج الاجتماعی بین سکان المنطقة.


الفرض الثانی

ساهمت بعض الأحداث والعوامل التاریخیة فی فترة الاحتلال الانجلیزی للسودان مع عوامل وظروف راهنة فی خرق النسیج الاجتماعی بین سکان المنطقة.

 

الاحتلال البریطانی وبدعة (سیاسة النوبا)

ان الاحتلال البریطانی الذی جثم على السودان فی الفترة ما بین (1898-1956م) وما صحبه من تبشیر مسیحی یعتبر من العوامل التی عملت على توتر العلاقات الاجتماعیة بین السکان فی منطقة جبال النوبا والمناطق المماثلة لها فی السودان. فی حین أن هده السیاسة، لم یکن لها أثر کبیر فی نقل الثقافة الأوربیة المسیحیة فی المنطقة بالقدر الذی أرید له، وبما یتناسب بالجهود التی بذلت فیه والوقت الذی استغرقه.

فقد عملت حکومة الاحتلال البریطانیة بکل ما فی وسعها للوقوف فی سبیل تقدم القبائل العربیة فی منطقة جبال النوبا، والحیلولة دون اختلاطهم بالجماعات النوباویة خوفاً من انتشار الإسلام وثقافته فی المنطقة. وقد عبر مفتش الجبال عن ذلک فی صراحة بقوله: (.. إننا نحاول بکل وسعنا أن نباعد بین العرب والنوبا..). وکذلک وصفت إرسالیة السودان المتحدة (S. U. M) منطقة الجبال الشرقیة بأنها: (.. صخور بارزة وسط بحر ممتد من الظلام المحمدی..). ولهذا فقد سعت الحکومة البریطانیة لوضع الحواجز والعراقیل فی وجه الأثر العربی والإسلامی فی الجبال واتخذت لذلک بعض الإجراءات وسنت بعض القوانین ورکزت کل مجهوداتها لتنفیذها.

ویذکر أنه عندما احتل البریطانیون السودان 1898م لم یکن حینها موقع یجد فیه الإنسان العربی نفسه غریباً. فقد انتشر هؤلاء العرب المسلمون فی کل الجبال بمواشیهم وخبروها جیداً. وکان من أهداف السیاسة البریطانیة المحتلة تجاه کل الدول التی استعمرتها وبصفة خاصة السودان ونیجیریا، تقسیمها إلى مجموعات قبلیة على أساس عرقی وثقافی ودینی، لتحکم قبضتها علیها من خلال التفرقة. وعلى هذا حاولت الإدارة البریطانیة فصل المجموعات الزنجیة السوداء کمناطق وثنیة وعزلتها بقدر الإمکان عن بقیة أجزاء السودان وجبال الأنقسنا فی النیل الأزرق وجبال النوبا جنوب کردفان. وکان الهدف من هذا جعل هذه المناطق وحدات عرقیة تعمل على تطویرها وفق العادات والتقالید والمعتقدات الموروثة فیها. بل قد کانت تخطط الإدارة البریطانیة لفصل هذه المناطق وضمها إداریاً لأحدى دول وسط إفریقی.

وسنرى فی الصفحات القادمة إن شاء الله إن الإدارة البریطانیة فی السودان قد عملت من حیث تدری أو لا تدری على إضرام قوة التعرب والأسلمة ومن ثم نشر الثقافة العربیة والإسلامیة بین النوبا ثم حاولت نقض عزلتها من بعد قوة أنکاثاً.

فقد انشغلت الإدارة البریطانیة حتى عام 1920م وما بعدها بقلیل بقمع الحرکات الثوریة وسط النوبا، فوجهت عدة حملات عسکریة تأدیبیة لبعض الجماعات النوباویة وأوقفت بذلک إلى حد کبیر المناوشات التی کانت تقع أحیاناً بین العرب والنوبا من جهة والحروب الداخلیة التی کانت تشب بین مختلف الجماعات النوباویة من جهة أخرى. واعترف النوبا بقوة الحکومة وبدأوا - بتشجیع أو إجبار من الحکومة - فی النزول من قمم الجبال لیمارسوا الزراعة فی السهول، حیث یستقر العرب، فاختلطوا بهم، وبدأت اللغة العربیة تنتشر کلغة تخاطب بینهم. ومما دفع بعملیة نشر الثقافة العربیة الإسلامیة أیضاً، إدخال زراعة القطن فی المنطقة وتحدیث الاقتصاد المحلی، الأمر الذی جعل النوبا یدرکون قیمة النقود، بعد أن کانوا یتبادلون السلع والخدمات عن طریق المقایضة. وبدأ بعض النوبا یعملون بالأجر النقدی فی مزارع العرب، ویجدون أعمالاً خدمیة فی المدن. الأمر الذی شجعهم على ترک قراهم والنزول إلى المدن حیث یقیم العرب والمسلمون.

فشعرت الحکومة بتفاقم "المشکلة" وحاولت الحد من الهجرة الداخلیة، واتخذت لمواجهة "المشکلة" - سیاسة أسمتها "سیاسة الترییف" - من الریف - وحاولت إرغام النوبا على السکن فی القرى ومنعهم من السکن فی المدن. فوجد النوبا أنفسهم مضطرین للهجرة خارج الإقلیم للبحث عن العمل فی المدن الأخرى فی الأعمال العسکریة والصحة وما إلى ذلک، بعد أن عرفوا قیمة النقود. ثم حاولت الحکومة مرة أخرى منعهم من الهجرة خارج الإقلیم وتقیید تعینهم فی الخدمة العسکریة وإرجاعهم إلى إقلیمهم، ففرضت سیاسة أسمتها "سیاسة النوبا" "Nuba Policy". ولکن على الرغم من کل هذه الإجراءات لم تفلح الحکومة فی وضع حد من انتشار الثقافة العربیة والاسلامیة الأمر الذی جعل أحد المسئولین الإداریین یتساءل (... هل یستطیع الإنسان النوباوی أن یحافظ على ثقافته وتقالیده فی وجه هذه الظروف الجدیدة؟ وما هی الخطوات التی یمکن للحکومة أن نتخذها لمساعدته فی ذلک..؟).

ولکی نناقش هذه السیاسة "سیاسة النوبا" وما تمخض عنها من نتائج، یجدر بنا أن نتتبع منشأ "المشکلة" والأسباب التی عملت على تفاقمها، حتى أقلقت حکومة الاحتلال البریطانیة وجعلتها تبحث جاهده عن الحلول والعلاج المناسب لها فمن أسباب میلاد "المشکلة" ما یلی:

 

1/ إدخال الإدارة البریطانیة الاحتلالیة زراعة القطن فی المنطقة:

ذکرنا آنفاً أن النوبا بعد أن شعروا بالأمن فی المنطقة، وذلک بعد أن قمعت الحکومة البریطانیة الثورات ووضعت حداً للغارات فی الجبال، وشعروا بقوتها نزلوا من قمم الجبال للزراعة فی السهول جنباً إلى جنب مع العرب، وقد کانوا قبلاً یزرعون فی منحدرات الجبال الذرة والفول السودانی واللوبیا والقلیل من السمسم. ثم فکرت الحکومة البریطانیة فی تطویر مصادر الإنتاج فی الإقلیم. وذلک لتهیئة المواطنین للشعور بقیمة النقد والربح بدلاً من الاکتفاء الذاتی الذی کان سائداً قبلئذ. هذا ما کانت تصرح به الحکومة، أما الهدف الأساسی من تلک المشاریع - والذی لم تصرح به الحکومة - هو أن ینشغل أبناء النوبا عن السفر خارج الإقلیم بحثاً عن العمل فی المدن الکبیرة، ویعودون بثقافات عربیة وإسلامیة، وهذا ما لم یکن یرضی الحکومة. ومما ساعد على إنشاء تلک المشاریع: صلاحیة الأرض فی المنطقة الجبلیة وکفایة الأمطار، وعدم وجود غابات کثیفة فی المنطقة، وطول فترة الجفاف فی الصیف التی تساعد على جنی القطن بطریقة جیدة لکل ذلک فکرت الحکومة فی إدخال مشاریع آلیة والتوسع فی زراعة القطن "للتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة فی جبال النوبا". وبدأ العمل فعلاً فی تنفیذ هذه الفکرة 1925م. وأحضرت الماکینات الأمریکیة الصنع وتوزع الخبراء الزراعیون الإنجلیز فی أنحاء الإقلیم لمساعدة المکاتب الإداریة بالنصح وإسداء المشورة الفنیة فی الزراعة.

وفتحت الحکومة "باب المشارکة الشعبیة للمواطنین" فی هذه المشاریع وشرعت فی عمل الطرق البریة لربط المناطق ببعضها، ودخلت العربات "اللواری" لترحیل القطن. وأنشأت محالج القطن فی کادوقلی وتلودی 1926-1938م. وأخرى فی لقاوة والدلنج وأم برمبیطة وکالوقی وأبی جبیهة 1938م. وعقد مؤتمرات فی دلاَّمی فی فبرایر 1935م وفبرایر 1936م. لمناقشة کافة الوسائل التی تتعلق بالقطن من إنتاج وترحیل وتسویق وحلج ومصادر المیاه...الخ.

ولهذا الاهتمام الزائد من قبل الحکومة بمشاریع القطن أقبل المواطنون على زراعته. ومما اضطرهم إلى ذالک أیضاً الضرائب الشخصیة "الدقنیة" التی فرضتها الحکومة على المواطنین، فکان علیهم - خاصة عرب البقارة والحوازمة - أن یدفعوا هذه الضریبة ببیع بعض من مواشیهم إذا لم یزرعوا القطن للحصول على النقد، ولهذا فضلوا زراعة القطن بدلاً عن بیع حیواناتهم فتزاید الطلب على زراعة القطن، وارتفع السعر وتوسعت الرقعة المزروعة حتى بلغت فی موسم 1937/1938م نحو 104.000 فداناً وأنتجت حوالی 365.000 قنطـاراً من القطن.

وبذلت حکومة الاحتلال البریطانیة أقصى ما فی وسعها لجعل النوبا المستفیدین الأوائل من هذه المشاریع "حتى لا تستغلهم الجماعات العربیة والإفریقیة والتجار الذین جذبتهم مشاریع القطن فی المنطقة" على حد قول حاکم کردفان فقسمت الأرض إلى مجالات ثلاث، واحتفظت بثلاثة أرباع المساحة الخصبة للنوبا. وذلک وفق "سیاسة الأرض" التی اختطها "جیلان" والتی تقضی بأن یتحصل کل من یرید الدخول هذا الإقلیم من غیر النوبا على إذن من مفتش المنطقة. کما تمنع غیر النوبا من المرور عبر المناطق الزراعیة بمواشیهم.

وحدد مناطق معینة "لفرقان" غیر النوبا. وفرضت هذه السیاسة على غیر النوبا ضریبة شخصیة سنویة بمثابة إیجار لهذه الأرض سواء أن کانت للزراعة أو الرعی. ووضعت الحکومة عقوبات صارمة لکل من یخالف هذه السیاسة بالرعی أو الزراعة أو السکن فی المناطق المخصصة للنوب.

ولکن بالرغم من هذه الجهود التی بذلتها الحکومة الاستعماریة فی سبیل الاحتفاظ بالأرض الزراعیة للنوبا. إلا أن النوبا لم یستفیدوا منها الاستفادة المرجوة. وکانت النتیجة أن أکبر الإنتاج من القطن کان من مزارع غیر النوبا. إذ أن النوبا مالوا لزراعة الذرة أکثر من القطن وذلک لأنهم اعتادوا على زراعة الذرة منذ أمد بعید للاستهلاک المحلی و"لأنهم تقلیدیون لا یمیلون للتجدید" هکذا وصفهم "نورثکوت" ولم یزرعوا إلا القلیل من القطن لکی یتمکنوا من دفع الضرائب ولتوفیر قلیل من النقد للترفیه أما العرب فلم تمنعهم عاداتهم البدویة - الرعی والترحال - من الاستقرار لزراعته.

حتى أنه فی عام 1928م لم یبق إلا 30% فقط من العرب فی الجبال الشرقیة رحلاً یتجولون بمواشیهم ناحیة الشمال بینما استقر البقیة لزراعة القطن.

بجانب هذا فإن النوبا یفضلون السکن بالقرب من الجبال حیث توجد مصادر المیاه فی معظم شهور السنة، على السکن فی السهول حیث الأرض الزراعیة الطینیة، التی یصعب فیها بناء المساکن.

وکان على من یرید الزراعة فی السهول، أن یقطع یومیاً مسافة تقدر نحو عشرین میلاً بین المزرعة والمنزل. لکل هذه الأسباب ترک أغلب النوبا الأراضی الزراعیة التی حاولت الحکومة جهدها أن تحتکرها لهم، لیستولى علیها العرب بالشراء أو الإیجار أو غیره. وفضلوا العمل لفترات قصیرة فی مزارع العرب بالأجر، لیقوموا بجمیع الأعمال الزراعیة فیها من نظافة وترحیل، والعمل فی المحالج بین شهری أکتوبر ومایو للحصول على النقد بما یکفیهم من دفع الضریبة فقط. وهذا ما جعل "جیلان" ینقم على "الجلابة" ویصفهم بأنهم (.. طفیلیون یعیشون على مجهود الغیر).

خلاصة القول أن العرب عرفوا قیمة القطن النقدیة فأقبلوا على استثمار کل الأراضی التی منحت لهم والتی اشتروها أو استأجروها من النوبا. أمَّا النوبا فلم یدرکوا ذلک وفشلوا فی استخدام الأراضی التی حجزتها لهم الحکومة فتخلوا عنها للعرب وأصبحوا یعملون فیها بالأجر.

 

وتمرکزوا فی المدن حیث توجد الأعمال الیومیة فی المحالج وغیرها وبذلک تهیأ لهم الاختلاط بالعرب المسلمین بصورة أوسع والتعامل معهم والتشرب من ثقافتهم ودخول بعضهم فی الدین الإسلامی، وبذلک کان میلاد "المشکلة" التی أرقت نوم الإنجلیز.

 

2/ هجرة النوبا من الریف إلى المدن:

لا شک أن زراعة القطن کانت عاملاً فعالاً فی تغیر نمط الاقتصاد المحلی فی إقلیم النوبا، إذ قد فتحت الطرق التجاریة المحلیة وانتعشت التجارة بزیادة دخول المزارعین، وتبع إصلاح الطرق دخول العربات "اللواری" غیر أن التغییر الرئیسی والملاحظ بوضوح قیام المراکز المدنیة الضخمة، فنمت المدن الإداریة مثل کادوقلی وتلودی والدلنج وازدادت إلى ثلاث أضعاف حجمها قبل إدخال مشاریع القطن. وکان السبب فی هذا التوسع هو الهجرات الجماعیة لمئات الشباب من النوبا من الأریاف إلى المدن للبحث عن العمل. وکان لذلک أثره الواضح فی التغیر الاجتماعی - الثقافی لدى النوبا بتعرضهم للثقافة العربیة والأسلامیة الأمر الذی جعل الحکومة تعمل للحد من هذه الهجرات باتخاذ بعض الإجراءات منها:

فصل النوبا عن العرب المسلمین وخاصة "الجلابة" فی السکن. ففی کادوقلی مثلاً عین مکان لسکن "الجلابة" سمی بدیم الجلابة ومکان آخر للنوبا سمی "بالملکیة". وجعلت سلطات الحکومة تقوم بحملات تفتیشیة من وقت لآخر لتنفیذ هذه الأوامر. ومنعت الجلابة من وضع رادیوهات فی محالهم التجاریة، لأن هذا یجلب النوبا ویحبب لهم البقاء فی هذه الأماکن لفترات طویلة. وفی عام 1933م حولت الحکومة النوبا کلیة من "الملکیة" إلى جبل "اللیرا" "Alira" على بعد ثلاثة أمیال من المدینة.

ألغت الحکومة الإمدادات الجدیدة فی المدن "أو ما یعرف الآن بالسکن العشوائی" وشجعت قیام القرى والأریاف على مسافات معقولة من المدن بحیث یمکن للنوبا أن یسکنوا فیها ویعملوا فی المدن وذلک "حفاظاً" على قبیلتهم من الذوبان على حد تعبیر جیلان.

 

3/ الهجرة خارج المنطقة:

کان لتلک الإجراءات التی فرضتها حکومة الاحتلال البریطانیة للحد من الهجرة من الریف على مدن الإقلیم أثر فعال فی وقف هذه الهجرة الداخلیة وفی الحفاظ على الروح القبلیة والثقافة المحلیة إلى حد ما. ولکنها کانت ذات أثر عکسی فی تشجیع شباب النوبا على الهجرة إلى خارج الإقلیم فهاجر أعداد کبیرة إلى مدن وسط السودان وإلى مدن الشمال الأخرى والخرطوم وذلک لأن زراعة القطن والعمل "بالیومیات" قد جعلهم یعرفون قیمة النقد کما أسلفنا، وأصبح من الصعوبة بمکان أن یعیشوا فی قراهم على النمط القدیم بعد أن ألفوا بعض الضروریات والکمالیات الحیاتیة. وقد أزعجت هذه الهجرات الجماعیة إلى مدن الشمال السلطات الإداریة أیما إزعاج. فالحکومة کانت تعلم أن مثل هذه الهجرات أکبر معین للمد الإسلامی والثقافة العربیة. ولهذا أوقفت هذه الهجرات وبررت هذا الإجراء بأنها ترید الحفاظ على الرباط القبلی. "وأن هذه الهجرات تذیب روح الأعراف والتقالید القبلیة لدى الشباب الذین یقضون فترات طویلة بعیداً عن أهلهم وذویهم". کما یقول جیلان وأن خطورة هذه الهجرات تکمن فی فقد المهاجرین الصلة بعاداتهم وتقالیدهم. کما وسیکون لهم أثراً "سیئاً" على أهلهم عند عودتهم وعلى المجموعة ککل..(. بل عملت على محاصرتهم فی إقلیمهم. فکتب "جیلان" حاکم کردفان آنذاک خطاباً للسکرتیر الإداری یطلب منه توجیه جمیع حکام الأقالیم الأخرى بإرجاع کل من یوجد من النوبا فی أقالیمهم وعدم تشجیع النوبا على السکن فی تلک الأقالیم. وقد کان هناک عدد کبیر من أبناء النوبا یعملون فی الخرطوم فی أعمال الیومیة وآخرون یعملون کجنود أو خدم مع الجنود فی حامیة شندی، ولذلک اتخذت الحکومة عدة إجراءات وتدابیر لإعادتهم إلى الجبال بعد صیحة "جیلان".

 

4/ تجنید النوبا فی الخدمة العسکریة:

کانت الخدمة العسکریة هی الأخرى باباً ینفذ منه الإسلام والثقافة العربیة إلى النوبا. وقد عرف النوبا العمل والتجنید فی الخدمة العسکریة منذ عهد الفونج أبان حکم بادی أبی دقن (1642-1677م) عندما قدر عدد النوبا الذین أخذوا الجنود فی قوات سنار بعد هزیمة الفونج لملک تقلی بحوالی 400 شخصاً کانوا یؤخذون سنویاً کضریبة.

وفی بدایة القرن الثامن عشر قدر عدد النوبا العاملین فی الخدمة العسکریة بحوالی الخمسة عشر ألفاً فی الجیش السناری. وفی أیام "الترکیة" أصبح عدد الجنود من النوبا فی الجیش الترکی بنحو الخمسین ألفاً. ثم قلَّ هذا العدد فی عهد المهدیة. وکانوا یسمون حینها "بالجهادیة". وعندما مثل الاحتلال الإنجلیزی، وبعد واقعة أم درمان الشهیرة 1896م. حاول الإنجلیز بناء جیش قوی من الجنود السودانیین، ولکنهم لم یجدوا الترحیب من النوبا، وذلک لأن بعض الملوک - المک رحال مک کادوقلی مثلاً - قد تدخلوا بتحریض جماعتهم من الانخراط فی الجیش. ولکن باندلاع الحرب العالمیة الأولى 1914م، اضطرت الحکومة البریطانیة على تجنید النوبا إجباریاً للحاجة الماسة إلیهم فی وحدة قوات السودان.

ولکن بعد انتهاء الحرب العالمیة الأولى انتبهت الحکومة البریطانیة الى اختلاط النوبا بغیرهم من العرب المسلمین قد أدى تشربهم الثقافة العربیة والإسلامیة "والتی سوف ینقلونها بالتالی إلى أهلهم" وهذا ما یناقض سیاسة الحکومة. ولذلک طلب حاکم کردفان "جیلان" إلى إرجاع الجنود "النوبا" إلى إقلیمهم وعلل ذلک بأن بقاءهم فی الشمال یفقدهم ذاتیتهم ویذیب ثقافتهم.

ولکن بالرغم من ذلک فقد ظلت "حامیة شندی" تجند من النوبا سنویاً وظل النوبا، یرغبون فی ذلک طالما فتح لهم هذا الباب.

وعندما خلف "نیوبولد" "جیلان" حاکماً على کردفان 1932م سار على خطى سلفه فی تنفیذ "سیاسة النوبا" ولکنه کان أکثر جدیة منه فأصدر قراراً بمنع تجنید النوبا خارج إقلیمهم وقصر ذلک على حامیتی "کادوقلی" و"الدلنج" فقط.

وبحلول عام 1934م أصبحت حامیة شندی وقفاً على العرب وحدهم وأعید کل النوبا إلى وطنهم. وقام "نیوبولد" بتصنیف النوبا العائدین من شندی إلى ثلاث فئات هی: (1) مسلمون. (2) صابئون. (3) باقون على وثنیتهم. وعملت السلطات الإداریة على ضوء هذا التصنیف على حمل الفئة الأولى والثانیة تحت ضغوط شدیدة للرجوع إلى وثنیتهم. ولکن دون جدوى بعد أن وقر الإسلام فی قلوبهم. وشعرت الحکومة الاحتلالیة "بحجم المشکلة".

وفی سبیل وضع صفات علاجیة لهذه "المشکلة" قامت الحکومة بإجراء بحوث میدانیة ومسوح کشفیة لقیاس حجم المشکلة والتماس مداخل المجتمع ومن ثم إیجاد طرق لعلاجها وهدف من ذلک إلى تمکین ثقافة نوباویة تقوم على أساس الثقافة والعادات والتقالید النوباویة لتقف فی وجه التعرب "الزائف" أو على الأقل وقف انتشار التعرب حتى یصل الشعب النوباوی إلى مستوى یمکنه من اختیار ما یروقه وما یناسبه من ثقافة بأعین مفتوحة. ولکن هل ترک النوبا وشأنهم لاختیار ما یناسبهم من ثقافة ودین، بالطبع لا وإنما کان التساؤل الملح دائماً هو: (... وهل سنترک فرصة خلق مدنیة من هذا العرق (النوبا) تُشرِّف دیننا ومفاهیمنا الإداریة تفلت من أیدینا..؟).

لصناعة تلک المدنیة قامت حکومة الاحتلال البریطانیة بتشجیع التبشیر المسیحی، ووضع السدود المنیعة ضد الإسلام والثقافة العربیة فی المنطقة. لذلک قام حاکم کردفان "ماجور نورثکوت" فی منتصف عام 1927م بإجراء مسح عام على الجبال ورسم خریطة بذلک قسم فیها النوبا إلى وحدات إداریة وفق المراکز التی تقع فی نطاقه، وذلک حسب درجة تأثرهم بالعرب وثقافتهم والإسلام والثقافة الإسلامیة. والمراکز هی: الدلنج وکادوقلی وتلودی وهیبان ودلامی ورشاد.

على ضوء نتائج هذه البحوث عملت حکومة الاحتلال البریطانیة بکل ما فی وسعها للحد من تعرب وأسلمة النوبا باتخاذ سیاسة صارمة ومستمرة، أطلقت علیها اسم "سیاسة النوبا Nuba Policy" کما أسلفنا. وتشمل تلک السیاسة:

(1) سیاسة الأرض والتی تقضی أن تحتفظ الحکومة بثلاثة أرباع الأراضی الزراعیة للنوبا "الخلص".

(2) سیاسة الترییف وتقتضی إرغام النوبا على السکن فی قراهم بدلاً عن المدن.

(3) حظر الهجرة الخارجیة عن المنطقة بالنسبة للنوبا.

(4) وضع شروط لالتحاق النوبا بالخدمة العسکریة.

(5) اتخاذ سیاسة تعلیمیة محددة للنوبا.

(6) وتوجت الحکومة تلک السیاسة بفرض "قانون المناطق المقفولة على منطقة الجبال".

ولکن هناک عدة عقبات وقفت فی سبیل تلک السیاسة من أن تحد من انتشار الثقافة العربیة والاسلامیة وسط النوبا. ومن تلک العقبات:

الاختلافات العرقیة واللغویة الشدیدة بین الجماعات النوباویة المختلفة.

تداخل النوبا والعرب الذی دام أزماناً طویلة فتأثر النوبا بهم کثیراً فی کثیر من المجالات الثقافیة والاجتماعیة.

 

(5) قانون المناطق المقفولة:

فی عام 1932م – وهو العام الذی تولى فیه "نیوبولد" إدارة النوبا – أعلنت الحکومة جبال النوبا منطقة مقفولة، یحرم دخولها على العرب والمسلمین وسکان شمال السودان قاطبة إلا بإذن خاص، واستمر هذا القانون حتى عام 1949م.

وصدرت التعلیمات بموجب هذا القانون من السکرتیر الإداری لجمیع مفتشی المنطقة بإجلاء الموظفین الشمالیین تدریجیاً واستبدالهم بأبناء النوبا. ویخول هذا القانون لمفتشی المناطق طرد أی شخص بما فی ذلک النوبا – من المنطقة إذا سلک سلوکاً غیر "حمید" لم ترض عنه الحکومة. ویفرض هذا القانون على کل من یود مزاولة التجارة – باستثناء الأهالی العاملین فی بلدهم – حمل تصریح تجاری ممهور بتوقیع مفتش مرکز المنطقة القادم منها، ومفتش المنطقة التی یود التجارة فیها فی جبال النوب.

کل هذه الإجراءات – کما قلنا – کان الهدف منها تعزیز سیاسة حکومة الاحتلال تجاه هذه المناطق ضد التأثیر المتوقع والحادث فعلاً من قبل المسلمین العرب السودانیین والمصریین على حد سواء. وقد صرح السکرتیر الإداری "ماکمایکل" بذلک فی إحدى نشراته الدوریة السریة حیث قال: "... لقد أصبح هدف الحکومة الآن تشجیع التجار المسیحیین من الإغریق والسوریین بقدر الإمکان لدخول المنطقة بدلاً عن "الجلابة" والعرب من شمال السودان... وعلى هذا یحظر الجلابة من الاتجار فی المنطقة إلا "خیارهم" فقط والمهتمین بالتجارة فحسب، والذین یسلکون سلوکاً قانونیاً... على أن تحصر تجارتهم فی المدن والطرق الرئیسیة". بحیث تسهل مراقبتهم، وقد برر السکرتیر الإداری هذا الأمر بهدفین:

(1) الحفاظ على الأمن العام.

(2) حمایة النوبا من التسخیر والاستغلال. وذلک "لقصورهم عن حمایة أنفسهم".

 

غیر أنَّ الهدف الأساسی من کل هذا، کما هو واضح، حمایة النوبا أثر الثقافة العربیة والإسلامیة، وإفساح المجال للتبشیر المسیحی، ویتضح ذلک من خلال صیاغة النشرة نفسها.

وکما رفعت قیمة الرخص التجاریة السنویة فی هذه المناطق إلى خمسین جنیهاً على الداخلین من غیر أهل المنطقة والجلابة. وهذا بالطبع مبلغ ضخم إذا ما قیس بزمانه.

ومن جهة أخرى فإن هذا القانون یستثنى المبشرین المسیحیین من تلک القیود، بل ویعمل على تشجیعهم على العمل فی المنطقة. ویقسم هذا القانون السودانیین إلى قسمین: العرب "المسلمون" وغیر العرب "الوثنیون". وذلک لکی یستثنى للکنیسة التعامل مع القسم الأخیر لتشکیله وصیاغته وفق سیاستها - الحکومة والکنیسة - الدینیة والإداریة. أما العرب فقد کانت الحکومة ترید تطویقهم، على ضوء هذا التقسیم ومنعهم الاختلاط بالنوبا.

ولکن الوضع الاجتماعی فی الجبال قد أوجد عوامل عاقت تنفیذ تلک السیاسیة، فلم تستطع الحکومة استبدال الموظفین الشمالیین العاملین فی الجبال بابناء النوبا، وذلک لعدم وجود عدد کاف من أبناء النوبا المتعلمین یمکن أن یحلوا محل الشمالیین، رغم أنها قد شرعت منذ أوائل الثلاثینات فی تدریب أبناء النوبا لتولی هذا العمل ثم أن معاملة العرب الوطنیین المقیمین فی الجبال معاملة الأجانب جعلتهم یستنکرون هذا القانون الجائر ویرفعون أصواتهم عالیة بهذا الاحتجاج، من ذلک فقد رفع تجار تلودی فی 26/5/1932م عریضة یستنکرون فیها فرض الضربیة التجاریة السنویة علیهم ویطالبون بإعفائهم منه. بالإضافة إلى أن "قانون المناطق المقفولة" قانون غریب ومستهجن، بکل المقاییس والأعراف الدولیة.

ورغم ذلک فقد ظل لفترة طویلة دون أن یجد الانتقاد الصریح من أحد حتى کانت عریضة تلودی بمثابة الکوة التی انطلقت منها الشرارة ومن ثم تحرکت التجریدة الأولى ضد هذا القانون، فکتبت جریدة "النیل الیومیة" فی 14/9/1936م مقالاً مفادة: (... لقد تغیرت روح العرب السودانیین هذه الأیام فأصبحوا یرون أن جمیع المواطنین السودانیین أخوة، أشقاء، وأضحوا یصرحون بأن القوانین التی تقسم السودانیین إلى قسمین مختلفین تعد قوانین جائرة وظالمة..). وبذا رأى حاکم إقلیم الجبال ألاَّ مناص من إلغاء هذا القانون، بل قد وصل السکرتیر الإداری نفسه إلى هذه القناعة وتکشف له أن قانون المناطق المقفولة أصبح غیر مجد وأنه لا یمکن الدفاع عنه، ولابد من إلغائه فأعلن: (... أن کل مواطن سودانی یسکن فی مدیریة ما لأکثر من خمس سنوات یعد مواطناً أصلیاً فیها..).

ولکی تجد حکومة الاحتلال البریطانیة تبریراً منطقیاً لإلغاء هذا القانون، مثلما فعلت عند فرضه، أعلن الحاکم العام: (...أن التبریر القانونی لقانون المناطق المقفولة أصبح غیر کافٍ، بل مقید وجائر، إذا ما قورن بالتقدم الذی أحرز فی کثیر من المجالات فی المناطق المختلفة، منذ إعلانه..). وهذا یعنی فی نظر الحاکم العام – أن النوبا قد أصبحوا قادرین على رعایة أنفسهم وحمایة ثقافتهم من الذوبان، وبالتالی فقد أضحى ألا توجس من مسألة الأمن العام، فتلک هی المبررات التی ساقتها الحکومة عند فرضها هذا القانون.

وبذلک سمح لجمیع السودانیین بالدخول والعمل بالتجارة فی أی من المدیریات یرغبون دون قید أو شرط، عدا مدیریات جنوب السودان.

وتحت ضغوط المتعلمین من أبناء شمال السودان اضطرت الحکومة للتخلی عن سیاسة الفصل بین العرب والنوبا والعدول إلى سیاسة الوحدة وظهر ذلک فی تجمیع العرب والنوبا فی وحدات إداریة واحدة فی مجالس شمال وجنوب الجبال فکتب حاکم کردفان لمفتش الجبال: (... أن سیاسة الحکومة اقتضت بناء وحدات إداریة على أساس جغرافی، ولیس على الأساس القبلی). کما کان سائداً من قبل.

وکذلک فقد لعبت الحرب العالمیة الثانیة 1945م دوراً کبیراً فی تعدیل سیاسة الحکومة تجاه النوبا، إذ قد جندت الحکومة آلاف النوبا، واختلطوا بالعرب واشترکوا فی حرب "الأحلاف" فی شمال إفریقیا وفی اریتریا، وتعرضوا بذلک لتأثیر الحضارات الأخرى. ورفع الحظر عن هجرة النوبا إلى شمال السودان. کما فتحت وحدات النوبا العسکریة فی الدلنج وکادوقلی لتعیین العرب.

بقلم: د. صدیق عطا المنان التوم، أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعیة - جامعة أم درمان الإسلامیة.

 

* تستمر هذه المناقشة ...