حركة التنصير في غرب إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى (2)

  • رقم الخبر 1698
  • المصدر: منارات إفريقية

المخلص التنصير حركة قديمة في جذورها، وخطيرة في أهدافها، دينية في ظاهرها، دنيوية في باطنها، تعادي الإسلام والمسلمين، وتكيد لهم بكل ما تملك من القوى الخفية والعلنية، والحيل الفكرية والعملية.


وسائل التنصير:

لم يدع وسيلة مهما كانت إلاّ واستغلها لتحقيق أغراضه، وتتخذ هذه الوسائل شكلاً علنياً صريحاً في بعض صوره وأنواعه، إلاّ أنّها تكون سرية مختفية أحياناً، حسب المكان والمجتمع المستهدفين منم قبل المنصرين، وسنعرض بعضاً من تلك الوسائل بشكليها العلني والسري – إن شاء الله تعالى – في النقاط الآتية:-

- التنصير العلمي القائم على النقاش أو على السفسطة والتشكيك.

- التنصير القسري، ويتمثل في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش واختطاف الأطفال والقرصنة البحرية وإحراق المسلمين الأفارقة الرافضين للتنصير.

- الدعم المادي، وهو من أكبر وسائل التنصير، وقد ورد في إحصائية نشرت سنة 1995م، أن ميزانية التنصير في العالم سنوياً حوالي مائة وأربعة وستين مليار دولار أمريكي (164,000,000,000)، وقفز ذلك الرقم سنة 1992م إلى مائة وواحد وثمانين مليار دولار أمريكي (181,000,000,000)، والفارق الزمني بين الرقمين هو سنتان، والفرق الرقمي بينهما سبعة عشر مليار دولار أمريكي (17,000,000,000)، وهذه الزيادة في غضون سنتين فقط، وتُوجّهُ نسبة 37% من هذه الميزانية المالية الضخمة إلى تنصير القارة الإفريقية."15"

- الجمعيات التنصيرية، الخاصة بالقارة الإفريقية ، ونذكر منها:-

أ‌- جمعية لندن التنصيرية، تأسست سنة 1765م

ب‌-جمعية طبع الإنجيل البريطانية، تأسست سنة 1804م.

ت‌-جمعية تنصير الشباب الإفريقي، أنشئت سنة 1967م. هذه نماذج فقط من الجمعيات التنصيرية المتعددة والمتنوعة الاتجاهات والتخصصات في القارة الإفريقية، على سبيل المثال لا الحصر.

 

وسائل التنصير السرية:

1- البعثات الدبلوماسية عن طريق السفارات أو القنصليات والملحقات الثقافية والتجارية، لأن العاملين في تلك المؤسسات يدبون على التنصير قبل الانخراط في السلك الدبلوماسي (16).

2- المكتشفون الجغرافيون في البلدان الإفريقية، حيث يمارسون عملية التنصير.

3- بعثات التطبيب ذات الطابع الطبي والصحي وتعمل على خدمة النصرانية، والتنصير من خلال إنشاء المستشفيات والمستوصفات، فيستغل الطبيب المنصر حال الفقير المريض فيوهمه أن المسيح هو الذي يشفيه، وتنصح المنصّرة "إبراهاريس" طبيباً منصّراً بانتهاز فرصة التطبيب باعتبارها أثمن فرصة للتنصير على الإطلاق.

4- بعثات التعليم والبحث العلمي والتدريب المهني، من خلال إنشاء المدارس ومراكز التدريب والورش التي تخضع لبرامج نظرية تدمج فيها دروس ثقافية نصرانية.

5- بعثات الإغاثة حيث يحمل المنصرون المؤن والملابس إلى الفقراء يقدمونها على أنها نعمة من عيسى عليه السلام، فتسهل عملية اصطياد من لم يعصمه الله تعالى. ونعرف نماذج من ذلك حصلت في مالي والنيجر، ولا تزال تتزايد إلى الآن.

6- وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وتلفزيون وسينما، فكلها تُسهم في عملية التنصير، إضافة إلى الوسائل الإعلامية الصريحة، ففي غرب أفريقيا تُشتهر الإذاعة المسيحية التي تبث من "مْروفيا" عاصمة ليبيريا، وفي وسطها في كاميرون تبث أخرى بعدة لهجات إفريقية، وتلفظ في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا. ونشاهد عياناً وجود مُذيعين باللهجات المحلية وكثيراً ما تلتقط أسماعُنا حروفاً من حديثهم المشؤوم عبر الإذاعة فنمتنع عن الإصغاء لهم، تجهيلاً لهم وتنفيراً من كلامهم، لا خوفاً من الانجراف مع تيارهم المنحرف ما دمنا متحصنين بحصن من الدين الحنيف ومتنهلين من معين عقيدة أهل الإسلام الصافي الضافي الذي لا يكدّر بقطرات من أفواه أتباع دين دائر بين النسخ والتحريف.

 

سبل مواجهة التنصير:

لم يقف المسلمون في القارة الإفريقية أسوة بإخوتهم في بقية العالم الإسلامي، مكتوفي الأيدي أمام الحملات التنصيرية، بل كانت هناك مواجهة مستمر رغم تساهل بعض المسلمين، على أن المواجهة لا تتوقف عند حماية المسلمين من غائلة التنصير؛ بل ينبغي أن تتعدّ ذلك إلى الدرء والتصدي، على ألاّ تخرج المواجهة عن الإطار المسموح به شرعاً، لأن اتخاذ المنصرين وسائل غير نزيهة في الهجوم لا يبرر اتخاذ المسلمين وسائل غير نزيهة في الدّفاع، فالله تعالى طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً، ومن وسائل المواجهة الدعوة إلى الله بحيث نسعى إلى هداية هؤلاء المنصّرين أو بعضٍ منهم في الوقت الذي نخص فيه مجتمعنا من التنصير، ولا يعني الصراع بيننا وبينهم وجود تنافس على الإطلاق، لعدم النّدّية بين الحق والباطل ولا بين ما ندعو إليه وما يدعون إليه، وإنّما هناك في الحالتين ضدّيّة لا نّديّة.

ومن وسائل المواجهة للحملات التنصيرية في المجتمعات الإفريقية المسلمة ما يأتي:

*- الدعوة إلى الله على بصيرة، حتى نقدم البديل للمسلمين وغيرهم الذي نعتقد أنّه الحق، وهو الإسلام، وبأساليب متعددة ومتنوعة، منها الدعوة المباشرة، والإغاثة والمناهج الدراسية، وكل ما يحقق الهدف ولا يتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحة.

*- مشاركة الحكومات في محاربة التنصير بعدم تقديم تسهيلات للمنصرين والوافدين على بلاد الإسلام من غير المسلمين، إلاّ بعد التأكد من عدم ممارستهم أنشطة ضارة تتعارض مع شريعة وثقافة البلاد، وبمراقبة البعثات الدبلوماسية حتى لا تخرج عن وظائفها لتضليل المجتمع.

*- تكثيف الجهود من قبل المنظمات وهيئات الإغاثة الإسلامية وتعددها نوعيّاً إن تعذر كميّاً.

*- اهتمام العلماء وأساتذة الجامعات وطلبة العلم بهذه الظاهرة للتأثير في المجتمعات الإفريقية بأنشطتهم الثقافية والعلمية كالمحاضرات والمؤلفات والرسائل القصيرة.

*- التصدّي من قبل التجّار والموسيرن المسلمين سواءٌ في أماكن عملهم أو في البلاد التي يتعاملون بها، فكما انتشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عن طريق رجال الأعمال والتجار، يمكن أن تستمر تلك الوسيلة في المواجهة مع اختلاف الأساليب.

*- إسهام الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحث العلميّ والمدارس والجامعات والهيئات الإسلامية في وضع برامج وخطط لمواجهة التنصير وخاصة في غرب إفريقيا.

 

الخاتمة والتوصيات:

التنصير حركة قديمة في جذورها، وخطيرة في أهدافها، دينية في ظاهرها، دنيوية في باطنها، تعادي الإسلام والمسلمين، وتكيد لهم بكل ما تملك من القوى الخفية والعلنية، والحيل الفكرية والعملية، لزعزعة ثقتهم بالرسول محمد صلى الله علية وسلم وبالقرآن الكريم، ونزع عقيدتهم لاستتباعهم والسيطرة عليهم وعلى أفكارهم، مستخدمة في ذلك وسائل سرية وقسرية، وتتخذ الطابع الإنسانيّ أحياناً، وتستر – كثيراً- بغطاء دينٍ دائرٍ بين النسخ والتبديل وتُلوّح بشعارات برّاقة مزخرفة.

وتستهدف القضاء على الإسلام أو محاصرته والحدّ من انتشاره على وجه أقـلّ ويؤازرها اليهود عبر تعاقب وتطوّر فتراتها وأساليبها، بجامع المعاداة والحسد للرسول صلى الله عليه وسلم المختار والأخير، وكتابه الحكيم المحروس من التبديل والتحريف، والناسخ لما قبله، ولأمته الآمنة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وقد استغلت الحملات التنصيرية ظواهر كالفقر والمرض والقحط وأضاعاً كالتخلف والجهالة والانعزال في غرب إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، لتحقيق أغراضها تحت ما يسمى بالخدمات الإنسانية، إلاّ أنها لم تحقق نجاحاً يتماشى مع وسائلها المتعددة ويتناسب مع اجتهادها ودأبها واستمرارها، وذلك بفضل الله ثم بمواجهة بعض أبناء المنطقة لهذه الظاهرة المحدقة الخطيرة، بأقلامهم وألسنتهم وأسنتهم حسب طبيعة عمل كلٍّ ومجال نشاطه ومكان إقامته، وقدر طاقته، وحدود خبرته وفترة حياته.

ولعلّ من أهم الوسائل التي تساعد على هذه المواجهة بشكل فعال هـي:

1- التوعية بخطر التنصير وتوضيح وسائله وأهدافه، للمجتمعات في غرب إفريقيا.

2- تأسيس هيئة إسلامية في غرب إفريقيا لمواجهة التنصير والرصد لأنشطته.

3- إنشاء مجلة متخصصة في الدراسات العلمية التنصيرية بالمنطقة تنشرها إحدى المؤسسات الإسلامية.

4- التكثيف من اعمال الإغاثة في المنطقة وتقديم البديل الصالح في مجال الطب والتعليم والإغاثة.

5- الدعم المادي والمعنوي من قبل الحكومات في دول غرب إفريقيا، وتقديم تسهيلات بهذا الصدد.

6- الاهتمام من قبل المؤسسات الإسلامية العالمية والإقليمية بالمنطقة وبخصوص مواجهة التنصير.

7- العلم بعقيدة المنصرين وأصول عقائدهم.

8- عقد مؤتمرات وندوات وطنية ودولية دورية لمناقشة القضية والبحث عن السبل المناسبة لمواجهتها.

 

المراجع والمصادر:

15- حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر (ص 347-348، العــــــدد 6)، د. إبراهيم النملة/ التنصير في الأدبيات العربية.

16- حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر (ص 350-351، العدد 6)، إبراهيم الزين صغيرون/ لمحات تاريخية عن انتشار الإسلام في أغندا.

 

إعداد وتقديم/ أ. أحمد خميس نوح المغراوي الأزوادي