نبذة عن تاريخ الطرق الصوفية في الجزائر (الجزءالاول)

  • رقم الخبر 1730
  • المصدر: فی طریق الاصلاح

المخلص هذا مقال مقتضب أحاول أن أتناول فيه تاريخ دخول بدعة التصوف إلى بلادنا، وأن أعرف بالطرق الصوفية التي انتشرت في الجزائر أثناء عصور الانحطاط، وقد قسمت هذا المقال إلى مرحلتين تاريخيتين: البدايات الأولى للتصوف في الجزائر، ثم مرحلة التصوف الشعبي وهي المرحلة التي ظهرت فيها الطرق الصوفية.


المطلب الأول: بدايات التصوف في الجزائر

أولا: عصر الفاطميين(296-567)

لقد كان أول ما عرفت الجزائر بدعة التصوف في عصر بني عبيد الذين ادعوا النسب الفاطمي، حيث كانوا يفسرون الإسلام ونصوصه وتعاليمه تفسيرا باطنيا يلتقي مع بدعة التصوف المأخوذة من الفكر اليوناني لفظا ومعنى، حيث إن كلمة الصوفية مشتقة من كلمة (سوفيا) اليونانية التي تعني الحكمة، كما قاله البيروني ويؤكده مضمون التصوف المختلط بالفلسفة والمتفق معها في غايتها فقال الجرجاني:«الفلسفة التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية، لتحصيل السعادة الأبدية"، وقال الكاشاني: "التصوف: هو التخلق بالأخلاق الإلهية". ولذلك قال ابن عربي:«ومن شروط المنعوت بالتصوف: أن يكون حكيما ذا حكمة. وإن لم يكن فلا حظ له من هذا اللقب». وقد بين ابن خلدون في مقدمته  أن الصوفية كانوا مخالطين للإسماعلية الباطنية "فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم".

وفي تأكيد هذه الحقيقة التاريخية يقول الشيخ أبو يعلى الزواوي في كتابه الإسلام الصحيح (156-طبعة دار الحبر) إن الدولة الفاطمية الباطنية قد "سممت الأمة الإسلامية" بمعتقداتها ومخترعاتها وكفرياتها وادعاء علم الغيب والعلم الباطني.

ويؤكدها أيضا الشيخ مبارك الميلي في تاريخ الجزائر (720) لكن مع بيان موقف العلماء المسلمين من فكرهم وعقائدهم فقال رحمه الله:«وقد عرفت الجزائر التصوف زمن بني عبيد، لكن العلماء أنكروا عليهم وكفروهم، حتى قال محمد بن عمار الكلاعي الميورقي يوصي ابنه في قصيدة

وطاعة من إليه الأمر فالزم     وإن جاروا وكانوا مسلمين

فإن كفروا ككفر بني عبيد    فلا تسكن ديار الكافرين».

 

ثانيا: عصر المرابطين (480-541)

واستمر رفض العلماء المالكية وغيرهم للعقائد الصوفية بعد زوال دولة بني عبيد عن المغرب العربي وظهر هذا الرفض جليا بما اشتهر من فتاوى المالكية بإحراق كتب الغزالي لما دخلت المغرب وعلى رأسها إحياء علوم الدين، وأمر ابن تاشفين بذلك، والعلماء إنما أنكروا هذه الكتب لا لما تضمنته من مواعظ ورقائق ولكن لما تضمنته من تعاليم التصوف الفلسفي المضاد لشريعة الإسلام، ولذلك قيل إن الغزالي أمرضه الشفاء لابن سينا. على أن رفض العلماء لإحياء الغزالي لم يكن قاصرا على المالكية المغاربة، بل شمل علماء المشرق من شافعية وغيرهم فقد أنكروا على الغزالي ما في كتبه من فلسفة وتصوف غال، وقد أشار إلى ذلك الغزالي نفسه في مقدمة كتابه منهاج العابدين (ص:56) لكن الغزالي (الذي  دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر كما قال ابن العربي) أرجع سبب قدح القادحين إلى أن الإحياء احتوى دقائق اعتاصت على أفهامهم.

 

ثالثا: عصر الموحدين (515-668)

«وبقي الأمر على ذلك حتى جاءت دولة الموحدين التي نشرت كتب الغزالي» كما قال الشيخ مبارك الميلي رحمه الله، ونشر الموحدين لكتب الغزالي أمر مشهور في التاريخ على أنه لم يكن مقتصرا على كتب السلوك بل شمل نشر كتب أصول الفقه وأصول الدين، لأن ابن تومرت كان قد تتلمذ على الغزالي وتأثر به. ويؤكد الشيخ الميلي رحمه الله على دور الدولة الموحدية في نشر بدعة التصوف فيقول:« فلم يكن يومئذ بالمغرب شأن للصوفية إلى أن جاءت الدولة المؤمنية ونشرت المعارف ونصرت الفلسفة، فظهر من الصوفية رجال ذوو علم طار صيتهم في الآفاق».

ويقول الشيخ أبو يعلى الزواوي في الإسلام الصحيح (ص:161): «فإذا تأملت أيها الواقف في استمرار الدولتين المخزيتين العبيدية والموحدية قرونا كثيرة كما تقدم زال عنك التعجب وظهر لك سبب الضلال وسبب شغف الناس بالأولياء الأموات والأقطاب والأغواث والأبدال والمجاذيب وسائر المتصرفين في الغيب على اعتقادهم الغيب والباطن، وأن جميع ما يقع في الكون بتصرفهم وقضائهم».

 

أعلام التصوف في المرحلة الموحدية

ذكر الشيخ الميلي في كلمته التي نقلناها أنه ظهر من الصوفية في عهد الموحدين رجال ذوو علم طار صيتهم في الآفاق، ولذلك عرف التصوف في أول مراحله بأنه تصوف علمي لا يصل إلى فهمه إلا من له باع في الفلسفة فبقي تصوفا علميا أو تصوفا خاصا بالنخبة كما يعبر عنه في الاصطلاح المعاصر، ومن هؤلاء المشاهير الذين عرفتهم الجزائر:

أولا: أبو مدين شعيب الأندلسي دفين تلمسان المتوفى سنة 591 هـ(1194م) قرأ على ابن حرزهم وغيره، وأخذ التصوف عن أبي يعزى يلنور بن ميمون(ت:572) (وهو من المغرب الأقصى)، ويقال إنه لقي في عرفة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكان قد استوطن بجاية ودرس فيها رسالة القشيري وغيرها، ولما كثر أتباعه وذاع صيته استقدمه يعقوب بن يوسف المنصور الموحدي(ت:595) إلى مراكش فلما بلغ تلمسان توفي بها.

 

 

ثانيا: عبد السلام بن مشيش (ت 625هـ= 1228م) وهو عبد السلام بن سليمان المعروف بمشيش، أخذ طريق التصوف عن أبي مدين شعيب و عبد الرحمن بن حسن العطّار الشهير بالزيات، من آثارها دعاء المشيشية مات مقتولا في شمال المغرب الأقصى.

ثالثا: أبو الحسن الشاذلي (ت:655=1258) وهو علي بن عبد الله المغربي الأصلنسب إلى شاذلة وهي قرية بتونس لإقامته بها، أخذ التصوف عن ابن مشيش في المغرب وأقام مدة في تونس ثم انتقل إلى الاسكندرية بمصر حيث نشر مذهبه وصار له أتباع عرفوا بالدراويش وبالفقراء والدرويش كلمة فارسية معناها القانع والفقير، وله أحزاب تتلى منها حزب البحر، وتوفي بأرض الحجاز، وإليه تنسب الطريقة الشاذلية وسيأتي الحديث عنها وعن طوائفها الكثيرة في الجزائر.

رابعا: محي الدين بن عربي الأندلسي (ت:633=1240)، ولد في مرسية بالأندلس ودرس بإشبيلية الفلسفة، وقد كان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات ويستعمل في كلامه عبارات غامضة وأحيانا يستعمل عبارات صريحة في الكفر والقول بالاتحاد كقوله:«التثليث أساس الوجود ومع أن الله في اعتقادنا فرد فأول عدد فردي ثلاثة لا واحد»، زعم أن الولاية أعلى رتبة من النبوة وأنه خاتم الأولياء، وأتباعه يلقبونه بالشيخ الأكبر رحل إلى المشرق وأقام في بجاية مدة واستقر في دمشق وتوفي بها.

خامسا: عبد الحق بن سبعين (ت:669=1269) فيلسوف أندلسي، أخذ التصوف عن أبي إسحق إبراهيم بن يوسف بن محمد بن الدهاق، وانتقل إلى سبتة ثم طرد منها فسكن بجاية مدة وأقرأ بها ثم لحق بالمشرق وبقي بمكة إلى وفاته، ومن كلامه:« شعيب عبد عمل ونحن عبيد حضرة». وهو من القائلين بوحدة الوجود.

 

من أعلام التصوف العملي (الزهد) بعد الموحدين

وبعد عصر الموحدين لا شك أن هذا الفكر الغالي والمنحرف قد وجد من يتبناه، كما وجد إلى جانب ذلك من عرف الزهد أو ما يسمى عند البعض بالتصوف السني أو التصوف العملي لا الفلسفي، وتبنى هذا الاتجاه جمهرة من الفقهاء العلماء البعيدين كل البعد عن الفلسفة وزنادقتها، كما نجد ذلك في كتب تراجم المغاربة عموما؛ فإنهم كانوا مائلين إلى الزهد في الدنيا مع صلاح ظاهر وورع تام، دون إيغال في التعبد والترهب أو ولوج في باب الشركيات.

ومن أعلام هذا الاتجاه الشيخ الفقيه الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الثعالبي (ت 875هـ =1471) ولد في مدينة يسر وطلب العلم في بلده ثم في بجاية فلقي بها أكابر أهل العلم في زمانه ولم يقنع فرحل إلى تونس ثم مصر ثم تركيا ثم الحجاز وقفل راجعا إلى وطنه بعد رحلة طويلة في طلب العلم واستقر بالجزائر العاصمة حيث عكف على نشر العلم تدريسا وتأليفا، فتخرج على يديه كثير من العلماء، من أشهرهم: محمد بن يوسف السنوسي ومحمد المغيلي التلمساني ومحمد بن مرزوق الكفيف وأحمد الزروق وأحمد بن عبد الله الزواوي.

وإلى عصر هذا الشيخ الذي اشتهر بالزهد وكثرت مؤلفاته في الوعظ والرقائق لم تنتشر الطرق الصوفية، وإنما انتشرت هذه الطرق في عصر تلاميذه أي في القرن العاشر الهجري.

 

المطلب الثاني: ظهور الطرقالصوفية أو التصوف الشعبي

ابتداء من القرن العاشر الهجري بدأ يظهر ما يسمى بالطرق الصوفية، الذي قام على مبدأ تحزيب الأتباع وإعطاءهم العهود والمواثيق للشيوخ، حتى يلتزموا بطاعة الله وطاعة الشيخ، وقد رتب من أسس هذه الأحزاب ترتيبا يتدرج فيه المسلم الذي يريد الوصول إلى درجة الإحسان في العبادة وإلى ما هو أعلى منها!!؟، وهو ترتيب ما أنزل الله به من سلطان؛ فمن حضر وهو يريد الدخول إلى طريقة الشيخ يسمى تلميذا، فإذا دخل وكان في أول الطريق يسمى مريدا، فإذا طال به العهد واختاره الله لحبه صار فقيرا، فإن تقدم به الحال إلى ما يسمى بالمكاشفات فهو السالك، وإن وصل إلى مرحلة الفناء وفقدان الوعي والانجذاب إلى الله تعالى فهو المجذوب.

وجعل كل شيخ يزعم أن له طريقا موصلا إلى الله تعالى لأتباعه أورادا وأذكارا يلتزمونها ويتميزون بها عن أهل الطريقة الأخرى، وربما جعل بعضهم لأتباعه هيئة معينة في اللباس والعمامة والسبحة ونحو ذلك.

وتعميم هذا الفكر على عامة الناس شجع كثيرا من الدجاجلة ومدعي الزهد والعبادة على الانتساب للتصوف، فأصبحوا يؤسسون لأنفسهم أو لشيوخ معروفين بالزهد قد ماتوا طرقا صوفية يكتسبون بها الأتباع والأرزاق، لأن أمر الطرق لم يعد قاصرا على اتباع منهج معين في الذكر مع معاهدة الشيخ على لزوم الاستقامة؛ بل ترقى إلى تقديم القرابين وخدمة الشيخ وأولاده مقابل إعطاءه الضمان للمريد (أو ما يشبه صكوك الغفران)، وتعدى الأمر إلى الدعاية إلى عبادة القبور من أجل كسب الأرزاق وجمع الزكوات. وكثير من هؤلاء الدجاجلة قد عادوا في تصوفهم إلى التصوف الفلسفي الأصيل المبني على إنكار الشريعة ودعوى الحلول والاتحاد.

وفي وصف هذه الحال يقول الشيخ عبد الرحمن الأخضري (ت:983=1575)

آه على طريقة الكمال= أفسدها طوائف الضلال

آه على طريق أهل الله= آه على طريق حزب الله

طريقة أفسدها أهل البدع= فتركت مهجورة لا تتبع

طريقة أفسدها الفجار= فكثروا وانتشروا وثاروا

وظهرت في جملة البلاد= طائفة البلع والازدراد

 

ووافقه على هذا الوصف الأخير شيخ مكي اسمه شهاب الدين المرشدي فقال فيما نقل عنه الميلي:

 صوفية العصر والأوان=صوفية العصر والأواني

وسئل أحد شيوخ القادرية في طرابلس الشام عن كثرة الطرق وتعدد شيوخها فقال:« تغيير شكل لأجل الأكل».

وهذا بيان لهذه الطرق مع جهد يسير في ترتيبها والتعريف بها وقد اعتمدت في ذلك على تاريخ الجزائر الثقافي لأبي القاسم سعد الله إضافة إلى بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بهذه الطرق، وقد أخرت الطريقة الشاذلية لكثرة فروعها وانقسامها على نفسها.

 

أولا: القادرية

تنسب هذه الطريق إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت:561هـ) الفقيه البغدادي الزاهد المعروف صاحب الغنية وغيرها، وقد كان لهذه الطريقة التي ظهرت في المشرق عدة فروع تتصل بالزاوية الأم ببغداد.

وكان للطريقة القادرية في الجزائر عدة زوايا في زمورة والشلف وتيارت والوادي وورقلة والأوراس وكنتة، وقد أبلغها الدكتور سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي إلى 33 زاوية في نهاية القرن التاسع عشر ينتمي إليها 25 ألف مريد.

ولهذه الطريقة ورد تتميز به منه ما يتعلق بالذكر بعد الصلوات ومنه ورد يومي، ويلاحظ أن هذه الأوراد في أصلها مشروعة، لكن اعترتها البدعية من ناحية التخصيص بالأوقات والتحديد بالأعداد، كقول لا إله إلا الله 500 مرة في اليوم، والصلاة على النبي 121 مرة في اليوم، والاستغفار بعد الصلاة 100مرة مع أن المأثور عن النبي e هو الاستغفار ثلاثا.

وهنا ملاحظة حول جهاد الأمير عبد القادر فإنه لا علاقة له بالانتماء للقادرية، لأنه قد سانده فيه الرحمانيون والدرقاويون، بينما نجد من رموز القادرية من لم يحارب فرنسا بل حارب معها كمقدم زاوية ورقلة الذي قتل وهو يحارب مع الفرنسيين إخوانه الجزائريين سنة 1895.

ولقد ظلت فرنسا راضية عن هذه الطريقة وزواياها بعد ذلك؛ حتى التحق شيخها في وادي سوف الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي بركب الحركة الإصلاحية وتبرأ من بدع وخرافات وضلالات الطرقية، وحول زاويته إلى معهد لتعليم الإسلام واللغة العربية، فقلبت له فرنسا ظهر المجن وأغلقت زاويته ورمت به في غياهب السجون؛ ذلك أنها كانت تشجع زوايا الدجل والدروشة، وترى في زوايا العلم والمعرفة خطرا على وجودها ومناهضة لسياسة التجهيل والتغريب التي كانت تنتهجها.

 

ومن فروع القادرية التي كان لها وجود في الجزائر:

1- العمارية

نسبة إلى الولي الصالح عمار بوسنة (كان في القرن الثاني عشر في ضواحي عنابة) ومؤسسها هو مبارك بن يوسف المغربي وهو عميل من عملاء فرنسا سمى نفسه خديم سيدي عمار وطريقته الطريقة العمارية؛ وقد أسس هذه الطريقة بتشجيع من فرنسا التي بنت زاوية قرب قالمة لتنطلق منها دعوته كما ساعدته بالدعاية لطريقته بإقامة الحفالات في المدن وفي المقاهي، وعن طريق تكوين فرق بهلوانية متجولة تنتقل في الأرياف، وفي سنة 1882 تمكن من وضع ذكر طريقته المستقل عن الذكر القادري بإعانة شيخ قادري تونسي عميل أيضا، وذكره هذا يتميز باختلافه حسب أيام الأسبوع إذ منه "لا حول ولا قوة إلا بالله" يوم الأحد، و"لا إله إلا الله" يوم الإثنين وهكذا.

وقد بلغت الزوايا التابعة له 26 زاوية كانت تستقطب 7 آلاف مريد إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

 

2- البوعلية

نسبة إلى البوعلي (ت:610هـ) من نفطة في تونس وكان لها أتباع في العهد الفرنسي في الشرق الجزائري وزاوية لها مقدم في خنشلة، وحسب بعض المؤرخين الفرنسيين فإنها كانت تعتمد على الرقص والشعوذة مثل طريقة العيساوة.

 

3- البكائية

وهى من الطرق التي تفرعت عن الطريقة القادرية، ومؤسسها أحمد البكاي الكنتي في منطقة كنتة بتوات (في نهاية القرن الخامس عشر)، وكان لولده عمر (ت:960=1553) دور في نشر القادرية في غرب إفريقيا.

 

ثانيا: الرحمانية

مؤسس هذه الطريقة هو محمد بن عبد الرحمن الأزهري (ت:1208هـ=1793 م) وكان قد جلب الطريقة الخلوتية من المشرق وطورها فنسبت إليه، وذلك في سنة (1188هـ=1774م)، وكان لهذه الطريقة 220 زاوية تضم ما بين 130 إلى 160ألف مريد قبل نهاية القرن التاسع عشر، ولذلك كانت تعتبر من أوسع الطرق انتشارا في الجزائر أثناء الحقبة الاستعمارية، وقد تراجع ذلك النفوذ كثيرا بفضل الدعوة الإصلاحية المباركة التي نشرتها جمعية العلماء المسلمين.

وشيخها المعروف بصاحب القبرين أحدهما في موطنه ومقر زاويته ببني إسماعيل دائرة بوغني ببلاد القبائل، والثاني في مقبرة سيدي امحمد بالعاصمة. ولزاويته فروع في الشرق والجنوب من أشهرها زاوية الهامل ببو سعادة التي تحمل لواء الطريقة في هذه الأيام، ومنها زاوية الحملاوي وباشتارزي في قسنطينة وخنقة سيدي ناجي ببسكرة.

 

ثالثا: التجانية

تنتسب إلى مؤسسها أحمد بن محمد التجاني (ت:1230هـ =1814)، وهو من مواليد عين ماضي بالأغواط عام (1150=1737)، وارتحل إلى فاس وتلمسان وتونس والقاهرة ومكة والمدينة وبغداد وأخذ الطريقة القادرية والطيبية والرحمانية والناصرية والمدنية والخلوتية، وفي عام 1196م قرر إنشاء طريقة خاصة به، وكان يومها بفاس المغربية، ثم اتخذ عين ماضي مقرا للخلافة العامة للطريقة التي صار لها أتباع في وسط وغرب إفريقيا، وقد أحصى لها الفرنسيون في الجزائر نهاية القرن التاسع عشر 32 زاوية و25 ألف مريد.

وتتميز هذه الطريقة بصلاة الفاتح التي يزعم التيجاني أن الرسول صلى الله عليه وسلم علمه إياها في المنام وأنها من كلام الله تعالى وقراءتها خير من قراءة القرآن وأن من داوم على قراءتها دخل الجنة بغير حساب، ولأجل هذا أفتى الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى بكفر من انتمى إليها بناء على هذه العقائد الباطلة.

 

رابعا: السنوسية الطكوكية

الطريقة السنوسية تنسب إلى محمد بن علي السنوسي المستغانمي (ت:1859) الذي أخذ مجموعة من الطرق في الجزائر والمغرب ومنها الشاذلية، ثم استقر في ليبيا وأسس عام 1843 هذه الطريقة التي تنسب إليه، وشرع في الدعوة إليها من هناك فأسس في حياته 22 زاوية منها زاوية جغبوب التي توفي بها. وهي طريقة صوفية لا تختلف عن بقية الطرق بأذكارها المبتدعة وحضرتها المستقبحة. وبعض الناس يبالغ في الثناء عليها وربما وصفها بالسلفية لاعتماد صاحبها على رواية الحديث النبوي وخروجه في بعض المسائل الفقهية عن اختيارات خليل صاحب المختصر، وكذلك بناء على مواقف أتباعها تجاه الاستعمار الأوروبي، وذلك لا يخرجها عن حقيقتها الصوفية في السلوك والاعتقاد.

وقد اتبعت هذه الطريقة سياسة حاولت من خلالها استيعاب مريدي الطرق الأخرى؛ فأباحت تعدد المشايخ والانتماء، ولذلك كثر أتباعها في إفريقيا وآسيا، وليس لها في الجزائر إلا زاوية واحدة سمحت فرنسا بتأسيسها (عام 1859) وبقائها وهي زواية ابن طكوك في مستغانم.

 

الكاتب: الشّيخ محمّد حاج عيسى

* تستمر هذه المناقشة ...