نبذة عن تاريخ الطرق الصوفية في الجزائر (الجزءالثانی)

  • رقم الخبر 1733
  • المصدر: فی طریق الاصلاح

المخلص هذا آخر ما أردنا تسطيره في هذه النبذة التاريخية التي تكشف حقيقة هذه الطرق الصوفية وأسباب تفرقها وتعددها، وتبين لنا كذلك مصدرها وكيفية وفودها إلى هذه البلاد.


خامسا: الشاذلية

تنسب هذه الطريقة إلى أبي الحسن الشاذلي الذي سبق أن تحدثنا عنه وقد عرفنا شيخه وسنده، فقد كان ينتسب إلى ابن مشيش لكن سرعان ما استقل عنه وأصبح يستمد من عالم الروحانيات مباشرة.

وقد انتشرت طريقته عن طريق خليفته أبي العباس أحمد المرسي (ت: 686) الذي كان يقول عن نفسه: «والله لو حُجب عني رسول الله e طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين»، ثم عن طريق تلميذ هذا الأخير ابن عطاء الله السكندري (ت:709).

ومن خصائص هذه الطريقة في الذكر اليومي في الصباح والمساء الاستغفار 100 مرة والصلاة على الرسول e 100مرة وتكرار الشهادة 100مرة. وحضور الحضرة مرة في الأسبوع على الأقل، وزيارة المقدم والحديث إليه مرة في الشهر على الأقل. كما أن للشاذلي أورادا وأحزابا تنسب إليه يتلوها أتباعه ويتقربون بها إلى الله عز وجل.

ولهذه الطريق أكثر من عشرين فرعا منشقا عنها الذي وجد منها في الجزائر: الزروقية واليوسفية والعيساوية والكرزازية والشيخية، والناصرية، والطيبية، والزيانية والحنصالية والحبيبية والمدنية، والدرقاوية إضافة إلى السنوسية التي تعتبر مستقلة عنها تماما.

 

1- الزروقية

تنسب إلى الشيخ أحمد الرزوق الفاسي (ت:899هـ=1494) وهو فقيه أقام في الجزائر وبجاية وقسنطينة قبل أن ينتقل إلى مصراته بليبيا حيث كانت وفاته، وهو لم يؤسس طريقة وإنما ترك أفكارا ومؤلفات في آداب المريد، ثم أسس أتباعه هذه الطريقة ونسبوها إلى شيخهم، كما نسبوا إليه أشعارا إن لم تكن شركا فليس في الدنيا شرك، ومن تلك الأشعار المشار إليها ما جاء في البستان لابن مريم(ص:48-49) أنه قال:

وألهمت أسرارا وأعطيت حكمة** وحزت مقامات العلى المستنيرة

وإذا كنت في هم وضيق وعاهة** وقلب كسير ثم سقم وفاقة

توجه لقرب وأسرع بخطوة ** فناد أيازروق ءات بسرعة

فكم كربة تجلى إذا ذكر اسمنا** وكم ثمرة تجنى بأفراد صحبتي

مريدي  فلا  تخف ولا تخشى ظالماً** فأنك ملحوظ بعين لعناية

وإني للمريد لا شك حاضر** أشاهده في كل حين ولحظة

وألحظه ما دام يرعى مودتي** يلازم حزبي ثم وردي وحضرتي

أنا لمريدي جامع لشتاته** إذا مسه جور الزمان بنكبة

وقفت بباب الله وحدي موحدا** ونوديت يا زروق ادخل لحضرتي

وقال لي أنت القطب في الأرض كلها** وكل عبيد الله صاروا رعيتي

وتصرفت بإذن من له الأمر كله** وقربني المولى وفزت بنظرة

وجالت خيولي في الأرضين كلها** فأهل السما والأرض تعرف سطوتي

وإني ولي الله غوث عباده** وسيف القضاء للظالم المتعنت

يا سامعا قولي هذا فحاذرا** وسلم لأهل الله في كل حالة

وما قلت هذا القول فخرا وإنما** أذنت به لتعلموا بحقيقتي

ومنهم من ينسب هذه التائية إلى محمد بن عيسى المكناسي صاحب الطريقة العيساوية الآتي ذكره مع تغيير اسم زروق حيث ورد فيها بابن عيسى.

وقد كان للطريقة الزروقية في الحقبة الاستعمارية أتباع في قسنطينة وتلمسان وبجاية، وقد قدر مريدها آنذاك وإلى نهاية القرن التاسع عشر ب 2.7 ألف مريد.

 

2- اليوسفية

نسبة إلى أحمد بن يوسف الملياني (ت:931هـ=1525) وهو من تلاميذ أحمد الزروق، وقد كان له أتباع في مليانة وتلمسان، ولكن خلفاءه من أحفاده التحقوا بالإدارة الفرنسية إثر الاحتلال مما تسبب في قتلهم على التوالي في سنوات (1872م و1881م و1895م) ولعل ذلك كان سبب اندثار هذه الطريقة التي قدر أتباعها في نهاية القرن التاسع عشر بـ 1.4 ألف.

 

3- العيساوية

وهي طريقة أسسها محمد بن عيسى (ت:933هـ= 1526) دفين مكناس وانحرف بها عن الشاذلية الجزولية، وقد اشتهرت بأعمالها السحرية والحركات البهلوانية، وهم يزعمون أن أعمالهم معجزات إلهية، وقد عُدَّ أتباعها في الجزائر في نهاية القرن التاسع عشر بـ3.5 ألف موزعين على 13 زاوية، في وزرة بالمدية والرمشي قرب تلمسان وقسنطينة وعنابة، ولا يزال لها أتباع في الجزائر إلى يومنا هذا.

 

4- الحنصالية

مؤسسها سعيد بن يوسف الحنصالي (ت: 1114=1702) من دادس بالمغرب الأقصى، وهي من فروع الشاذلية، ويقوم أتباعها بأعمال تشبه أعمال العيساوية وهم يزعمون الإفادة في العثور على الأشياء المسروقة والدلالة على المجرمين، ويقرأون جماعة القصيدة الدمياطية (الزمياطي) التي هي سحر خالص فيصيبهم نوع من الصرع والجنون.

وكان لها أتباع في قسنطينة ووهران ومجموع زواياها 18 زاوية وأتباعها يقرون بـ4 آلاف مريد.

 

5- الكرزازية (الأحمدية)

أسسها أحمد بن موسى الحسني مولى كرزاز (ت:1016=1608) قرب توات بأدرار، تتلمذ على أحمد بن يوسف الملياني وأتباعه يقولون إنه أذن له في تأسيس طريقة، ووردها متميز بما يأتي: لا اله إلا الله محمد رسول الله 10مرات عقب كل صلاة، والصلاة على النبي e 80 مرة عقب صلاة عصر الجمعة، وقراءة حزب الفلاح المعروف للشاذلي عقب صلاة الصبح و المغرب، وبسم الله الرحمن الرحيم 100 مرة عقب صلاة العشاء، و 200 عقب صلاة الصبح، والصلاة على النبي eعند المصافحة، وإقامة الذكر المعروف بالسماع الذي يقال بالمسجد في الشتاء عقب صلاة الصبح وفي الصيف كل خميس.

أتباع هذه الطريقة يزعمون أنهم لا يقبلون في صفوفهم إلا متعلما، وليس لهذه الطريقة أتباع إلا في منطقة توات وفي تلمسان وما جاورها.

كان ولاؤهم للمغرب، ثم عرفوا بالعمالة للفرنسيين ظهر ذلك جليا لما سلم أحمد بن الكبير بو حجاجة بعض الهاربين إليه من ثورة بوعمامة، ولما توفي عام 1896 بادر خليفته عبد الرحمن بن محمد بإعلام الفرنسيين ووعدهم بالسير على منهاج سلفه. في نهاية القرن التاسع عشر كان لها 3 آلاف مريد.

 

6- الناصرية

وهي طريقة شاذلية موجودة في المغرب، أسسها محمد بن ناصر الدرعي (ت:1085=1674) وسنده إلى الشاذلي عن طريق الشيخ أحمد الزروق وعن طريق الجزولي، وأشار أبو القاسم سعد الله إلى وجود أتباع لها في الجزائر في الحقبة الاستعمارية، ومن فروعها الطريقة الزيانية الآتي ذكرها.

 

7- الزيانية

أسسها محمد بن عبد الرحمن بن بوزيان (ت:1145=1733) في القنادسة بعدما تلقى الطريقة الناصرية في المغرب التي تميزت بتقسيم أذكار الطريقة إلى ثلاث فئات ذكر خاصة بالمتعلمين وذكر العوام وذكر النساء، وتميز بورد خاص فيه: تلاوة حزب من القرآن خمس مرات في اليوم وقراءة دلائل الخيرات مرة كل يوم أو مرة في كل جمعة، والورد اليومي للمبتدئين وهو الورد الشاذلي العام

أستغفر الله العظيم وأتوب إليه 100 مرة، واللهم صلي على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما 100 مرة، لا إله إلا الله 1000 مرة وعلى رأس كل مئة يأتي محمد رسول الله، وإن كان المريد لا يقدر على تمام الألف يقول لا إله إلا الله 100 مرة محمد رسول الله.

وقد كان أتباع هذه الطريقة موالين لفرنسا وهم أول من خان الشيخ بوعمامة عام 1881، وكانت من الطرق التي أيدت فرنسا في الحرب العالمية الأولى وأصدرت بيانا مليئا بعبارات التملق لفرنسا والاحتقار لألمانيا وتركيا.

 

8- الطيبية الوزانية

تأسست الطريقة الوزانية في المغرب (عام1059 هـ=1659) على يد عبد الله بن إبراهيم الشريف الوزاني الإدريسي (ت:1089) واسمى الطيبية نسبة إلى حفيدة الطيب بن محمد.

ولهذه الطريقة عدة فروع في جميع جهات الجزائر، حيث كان لها إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر 20 زاوية و22 ألف مريد، ولها في الجزائر مقدمين أما شيخها الرئيسي فمقره في المغرب ولا يكون إلا من أشراف وزان.

ابتدأت علاقتهم بالفرنسيين في عهد بوجو الذي طلب من المغاربة عن طريقهم الكف مساندة المقاومة، وتمتنت هذه العلاقة أكثر بعد زواج أحد مقدمي الطريقة بامرأة فرنسية.

 

9- الطريقة الشيخية

نسبة إلى أولاد سيدي الشيخ، ومؤسس هذه الطريقة هو عبد القادر بو سماحة دفين البيض (ت:1023=1615)، ويزعم أصحابها أنها طريقة مستمدة من الشاذلية والقادرية والصديقية والبكرية في آن واحد، وقد كان مؤسسها قادريا أول الأمر ثم انتحل الشاذلية وأوصى أولاده بذلك.

وحسب الإحصاءات الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر فإنه كان لها أربعة زوايا وعشرة آلاف مريد.

وموقفها من فرنسا كان مختلفا من زاوية إلى أخرى، وبعض المواقف كان مخزيا حيث اعتذروا للأمير عبد القادر ولم يساندوه ثم خانوا محمد بن عبد الله شريف ورقلة وسلموه لفرنسا وتحالف بعضهم مع الطريقة الطيبية لتعبيد الطريق لفرنسا في الصحراء، وفي1881 أعلن الشيخ بوعمامة ثورته بعدما أسس زاوية خاصة به، وقد استمر جهاده إلى 1908.

 

10- الشابية

أسسها بالقيروان أحمد بن مخلوف (ت:887هـ=1482)، وقد ذكر أن أتباع هذه الطريقة قاوموا الأتراك فشردوهم في البلاد ومنهم من انتقل إلى شرق الجزائر كعنابة وخنشلة وسوق أهراس، وأشار الدكتور سعد الله إلى وجود أتباع لها في العهد العثماني.

 

11- الدرقاوية

مؤسس هذه الطريقة هو محمد العربي الدرقاوي (ت:1239=1823) نسبة إلى قبيلة درقة بفاس.

تميز أتباع طريقته بلباس المرقع وحمل السبحة والعصا ويفضلون العزلة ويمشون حفاة، وقد كان لهذه الطريقة عشر زوايا في الجزائر و9.5 من المريدين إلى نهاية القرن التاسع عشر، ومن أهم زواياها زاوية أولاد الأكراد بتيارت التي أسسها عدة بن غلام الله (ت:1283=1867).

وعن الطريقة الدرقاوية تفرعت عدة طرق أخرى منها:

 

1- المدنية

تأسست عام 1820 على محمد بن حمزة المدني تلميذ الدرقاوي في طرابلس، ولها في الجزائر زاويتان إحداهما في الوسط والأخرى في الغرب، وقدر أتباعها بـ1.6 ألف من المريدين في نهاية القرن التاسع عشر.

 

2- الشاذلية الجديدة

مؤسسها هو الموسوم بن محمد بو رقية كان درقاويا أخذ الطريقة عن عدة غلام الله ثم أنشأ زاويته في قصر البخاري عام (1865)، وزعم أنه الوحيد المتلزم بالطريقة الشاذلية، وبرز أثناء ثورة أولاد سيدي الشيخ (1864) وثورة المقراني (1871) حيث راسل الإخوان الطرقيين يحرم عليهم الانضمام إلى الثورة ويلعن كل من يتدخل في السياسة، وبقي خلفاؤه على الولاء المطلق لفرنسا.

وقد كان له 11 زاوية و14ألف مريد في نهاية القرن التاسع عشر.

وبعد وفاته عام (1883) انقسمت طريقته إلى زوايا مستقلة منها زواية عنابة وزاوية ثنية الحد، وزاوية قدور بن محمد المستغانمي (ت:1905) الذي أدخل على الطريقة بعض تعاليم التيجانية، وزاوية العطاف لمحمد بن الشرقي (ت: 1923).

 

3- الهبرية

أسسها محمد الهبري الإدريسي (ت:1901) في الريف المغربي، وزعم أنه يريد تجديد الطريقة الدرقاوية، ومن أقواله:" لا يدخل طريقتنا إلاّ من كان مكتوبا من السعداء في اللوح المحفوظ أو شريفا"، وكان له أتباع في الغرب الجزائري خلفه ولده محمد الهبري الصغير (ت:1939) الذي كان مواليا لفرنسا.

 

4- البلقايدية

أسسها محمد بلقايد المولود عام 1911 بتلمسان، وهو يدعي النسب الشريف، كان هبريا وأعلن انفصاله عن شيخه بعد استقلال الجزائر، وهو يزعم أنه لم يعلن ولايته إلا بعد وفاة أولاد شيخه محمد الهبري الصغير تأدبا معهم، ولكن هذا غير صحيح لأن آخر أولاد شيخه إنما توفي عام 2000م، وتوفي هو قبله بسنتين أي عام 1998، حيث خلفه ولده عبد اللطيف التي أسس زاوية في وهران.

5- العليوية

مؤسسها هو أحمد بن مصطفى بن عليوة (ت:1934) استقل عن الدرقاوية عام 1910م وأسس زوايته في مستغانم، وقد كان أميا لا يكتب بشهادته على نفسه وجميع من ينسب إليه من كتابات هي لأصحابه، والجديد في طريقته الجهر بعقيدة الحلول والاتحاد، ولذلك هي تعتبر مستقلة تماما عن الطريقة الدرقاوية، ومن تعالميها الخلوة مدة أربعين يوما لا يكف فيها عن ذكر الله تعالى، ويذكر فيها الشهادة 75 ألف مرة.

وقد أيدتها فرنسا ظاهرا وباطنا، كما دخل فيها فرنسيون كثيرون ادعوا الإسلام، وكانت طريقته من أشد الطرق عداء لدعوة جمعية العلماء المسلمين.

 

6- طريقة الشيخ البودالي

ومن فروع الدرقاوية المستقلة عنها طريقة الشيخ البودالي بفرندة (تيارت) ذكرها الدكتور سعد الله.

 

7- الحبيبية

تنسب إلى محمد بن الحبيب الأمغاري الفاسي والمدفون بمكناس (ت:1391=1972) ولها أتباع بالأغواط والبليدة وتلمسان.

 

هذا آخر ما أردنا تسطيره في هذه النبذة التاريخية التي تكشف حقيقة هذه الطرق الصوفية وأسباب تفرقها وتعددها، وتبين لنا كذلك مصدرها وكيفية وفودها إلى هذه البلاد، نسأل الله تعالى أن ينفع بها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ملاحظة: بالنسبة للإحصاءات المنقولة فهي إحصاءات تقريبية لبعض الفرنسيين نقلها عنهم الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي.

 

الكاتب: الشّيخ محمّد حاج عيسى