التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا (1)

  • رقم الخبر 1742
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص سعى الكاتب في هذه المقالة إلى إعطاء لمحة عامّة وموجزة حول التعليم الإسلامي والعربي في هذه القارة، فهي ليست دراسة علمية تفصيلية، إنما هي إطار عام، يعطي إشارات وموجهات لأولئك الذين تنقصهم الخلفية الكافية عن التعليم الإسلامي في إفريقيا.


التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا، مشكلاته وآفاقه

حين نتحدث عن التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا فنحن نتحدث عن قارة بأكملها، قارة تتكوّن من دول عدة تختلف في لغاتها، وفي أوضاعها الدينية والاقتصادية، وتختلف في أنظمتها التعليمية.

كما أن التعليم الإسلامي والعربي جزء من النشاط الدعوي، وهو الآخر يتفاوت تبعاً لنسبة المسلمين في هذه الدول، وتبعاً للفرص المتاحة للمؤسسات العاملة في الميدان الدعوي.

ومن هنا؛ فإنّ هذه المقالة ستركز في القضايا العامّة والمشتركة، ولن تتناول التفاصيل إلا في إطار القضايا الكلية وما يخدمها.

تتّسم مثل هذه الموضوعات بضآلة المعلومات، وضعف الثقة في كثير من المتاح منها، وبرغم ما أجري من دراسات حول التعليم الإسلامي في إفريقيا فإنّ كثيراً منها دون المستوى المطلوب، والمتاح منها للباحثين قليل، كحال كثير من الدراسات العلمية في عالمنا الإسلامي.

سعى الكاتب في هذه المقالة إلى إعطاء لمحة عامّة وموجزة حول التعليم الإسلامي والعربي في هذه القارة، فهي ليست دراسة علمية تفصيلية، إنما هي إطار عام، يعطي إشارات وموجهات لأولئك الذين تنقصهم الخلفية الكافية عن التعليم الإسلامي في إفريقيا.

 

1- مشكلات عامّة في التعليم الإفريقي:

لا ينفصل الحديث عن التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا عن التعليم في إفريقيا بصفة عامّة، ومن هنا فالاطلاع على هذا الواقع هو الخطوة الأولى لكلّ دارس للتعليم الإسلامي والعربي.

فالتعليم الإسلامي والعربي الذي يتم عبر جهود فردية في الغالب، أو ترعاه مؤسسات ذات إمكانات محدودة، لا يمكن أن يقارن بالتعليم الذي ترعاه دول تملك إمكانات وأجهزة متخصصة، لأنها مهما بدت متواضعة فهي أقوى من حال الأفراد أو المؤسسات الإسلامية العاملة في الساحة الإفريقية.

وما زال التعليم في إفريقيا يعاني منذ عقود التخلف والضعف، فقد جاء في تقرير منظمة اليونسكو حول التعليم الإفريقي: «الكلفة الباهظة لنظم التعليم الحالية في بعض البلدان الإفريقية، بحيث يتعذّر عليها التوسع في حالتها الحاضرة، فثمة بلدان عدة لا تستطيع أن تحقق تعميم التعليم في وقت قريب إذا ظلّ النظام التعليمي على ما هو عليه الآن، (و) عدم استجابة نظم التعليم الحالية في أحيان كثيرة للاحتياجات الاجتماعية والمهنية للأفراد والمجتمع، (و) عدم ملاءمة العديد من نظم التعليم الإفريقية – المنسوخة من نماذج مستوردة – لعادات الحياة الإفريقية وتقاليدها»(1).

وفي عام 1980م- كما يذكر «رومير»- لم تتمكن إلا دول قليلة من تحقيق تعميم التعليم الابتدائي، حيث لم يتحقق إلا في الكونغو ومدغشقر وتوغو(2).

وفي تقرير حديث أعدته الأمم المتحدة تبدو الدول الإفريقية أقلّ الدول تحقيقاً لانتشار التعليم الابتدائي كما يتضح من الإحصائية الآتية(3):

ويظهر من هذه الإحصائية أن قريباً من (40%) من الأطفال في الدول الإفريقية لا يلتحقون بالتعليم الابتدائي، وهذا يعني أنهم لا يتلقّون أدنى قدر من التعليم.

ومع ضعف هذا الانتشار في التعليم الابتدائي؛ فإنّ التعليم العالي يمثّل كلفة باهظة ستكون في الغالب على حساب التعليم الأساسي، فكلفة إعداد خريج جامعي تفوق 80 إلى 400 مرة كلفة إيصال تلميذ إلى نهاية التعليم الابتدائي(4).

والأمر ليس قاصراً على ضعف استيعاب مؤسسات التعليم وإمكاناتها، بل هو يمثل مدى انتشار ثقافة التعليم، ومدى اقتناع الأهالي بجدوى إرسال أولادهم للمدارس، وهذا الواقع لا ينفصل عنه التعليم الإسلامي.

وتعاني هذه القارة التخلف التقني الذي له أثره البالغ على تخلّف التعليم، فأكثر من (23%) من سكانها الذين يصل عددهم 841 مليون نسمة لم يحملوا سماعة هاتف طوال حياتهم، وأكثر من (76%) منهم لم يتعاملوا مع جهاز كمبيوتر ولو على سبيل المشاهدة فقط.

وتشير كلّ إحصائيات منظمة اليونسكو واليونيسيف والاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن دولاً بأكملها في إفريقيا ليس لديها أكثر من 5 آلاف خط تليفون و 1000 جهاز(5).

ويقول أحد التقارير الإخبارية: يبدو أن مشكلة التعليم معقدة، وتحتاج إلى أن تنفق الحكومات في دول العالم الثالث حصّة أكبر من ميزانياتها على التعليم(6).

 

(1 1) التغريب:

لقد اصطبغ التعليم في إفريقيا بصبغة تغريبية، تسعى لطمس هوية الأفارقة وتحويلهم إلى إنجليز أو فرنسيين، ويسجّل أحد الرؤساء الأفارقة- وهو الرئيس أحمد سيكوتوري- هذه الشهادة بقوله: «كان التعليم الذي قدّم لنا يسعى أساساً لاستيعابنا، والقضاء على شخصيتنا، وصبغنا بالصبغة الغربية.. ذلك التعليم قدّم لنا حضارتنا وثقافتنا ومفاهيمنا الاجتماعية والفلسفية باعتبارها مظاهر لحياة همجية وبدائية لا تعي كثيراً، وذلك لكي يخلقوا فينا كثيراً من العقد التي تؤدي بنا إلى أن نصبح فرنسيين أكثر من الفرنسيين»(7).

ويقول أحد الباحثين: «وإذ الأمر كذلك؛ فإن من المؤسف اليوم أن يجد المرء النّظم التعليمية في كثير من أقطار القارة- إن لم يكن كلّ أقطارها- تتبنّى مرجعيات النّظم التعليمية الغربية أو الشرقية.. والأمرُّ من ذلك أن تجد دولاً كثيرة تؤكّد على هذه المرجعيات في دساتيرها العامة والخاصة، دونما تفكير في واقعيتها وملاءمتها لواقع القارة وظروفها الراهنة.. وقد أبعد تبنّي تلك النّظم بمرجعياتها عن العملية التعليمية، المبادئ والقيم الضرورية، التي تعتبر زاد الحضارات وغذاءها، بل لم تعد المدارس والجامعات والكليات والمعاهد العليا المنتشرة في القارة أماكن لتلقين النشء والطلاب قيمة الصدق والعدالة والاستقامة، والرحمة والسماحة والإتقان، والأمانة والوفاء وحبّ الخير والإيثار، ولذلك فلا غرو أن تغيب هذه الأخلاق والمبادئ السامية التي تهدي الضال، وترشد المحتار، وتسدَّد بها الحياة الهانئة المستقرة السعيدة»(8).

والشعور بأزمة التغريب في التعليم الإفريقي ليس قاصراً على الكتاب المسلمين، بل نطق بذلك العديد من الغربيين، يقول «كي زرب»: «غير أن البلدان النامية لم يتح لها الوقت الكافي لكي تتساءل بطريقة نقدية عن نمط التربية الأكثر مواءمة لاحتياجاتها التنموية، فقد اكتفت بمواصلة النظام الذي خلفته السلطة الاستعمارية مع تطويره، هكذا اعتمد معظمها نظاماً تربوياً استعمارياً مستورداً وضعيف التكيف مع احتياجاتها، حتى إذا بلغت الثمانينيات كانت أشبه بمعرض تجاري دولي يحوي تشكيلة منوعة من النماذج والإيديولوجيات المستوردة من أوروبا وأمريكا الشمالية، والشيء المؤكد أن إفريقيا أصبحت ما يسمّيه أحد الباحثين: مقبرة التجارب الدولية»(9).

ويصف «أيندلي» الدول الإفريقية بأنها: «تلتهم التربية الغربية بنهم لا يسهّل الهضم المناسب الكفيل بضمان الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع»(10).

ويرى «مزروي» أن الجامعة الإفريقية أشبه بشركة ثقافية متعددة الجنسيات، نظراً لما توحي به من تبعية فكرية، ويخشى «نيرري» أنّ يكون الهدف الرئيس للتربية في إفريقيا تحويل الأفارقة إلى سود أوروبيين أو أمريكيين، ويرى «أيندلي» أن الجامعات الإفريقية خاملة ثقافياً، تمثّل طبقة من الأفارقة ذات طلاء إنكليزي أو فرنسي أو إمريكي(11).

 

(2 1) الاعتماد على اللغات الأجنبية:

إنّ لغة التعليم في سائر أقطار القارة- ما عدا الدول العربية- لغة أجنبية وافدة، أحلّها المستغلون غداة استيلائهم على القارة محلّ اللغات التي كانت توحِّد أفراد الممالك والإمبراطوريات التي أبادوها، وقضوا عليها قضاءً مبرماً.

وما من شك أن وافدية لغة التعليم عن المتعلم وغربتها تشكّل في حدّ ذاتها عقبة كأداء في استيعاب المعلومات والمعارف، وذلك لأنّ المتعلم يصرف جزءاً من سنوات عمره الدراسي سعياً وراء إجادة اللغة، بدلاً من البدء بتلقي المعلومات والمعارف الأولية، كما أنّ ثقافة المتعلّم تظلّ موجهة ومرشدة من قبل المعلومات والمعارف التي يتلقاها من خلال المراجع والمؤلفات المكتوبة بتلك اللغة، الأمر الذي يجعله في نهاية المطاف شخصية اتكالية، غير قادرة على الفكاك عن عقدة الشعور الدائم بالنقص والإعجاب المستمر بالناطقين بتلك اللغة، وربما هالته الثقافة المضمّنة في تلك المراجع، فعندئذ يلوذ بتقمصها وابتلاعها، والدفاع عنها حتى آخر رمق من نفسه(12).

وقد أدى ذلك إلى سعي كثير من الأفارقة وراء الانسلاخ من لغاتهم وافتخارهم بالانتساب للإنجليزية والفرنسية، فهذا أحد أعضاء البرلمان الغاني يقول: «إنّي أريد القول بأنّ الإنجليز قد تركوا لنا أشياء قد لا تناسبنا اليوم، ولكن لغتهم التي تركوها ربطت كلّ القبائل بعضها ببعض، وكذلك ربطت الثقافات المتعددة لسكان غانا، بحيث جعلت من غانا أمة واحدة، وأظن أنه آن الأوان لأن ننمّي الإنجليزية ونضيف إليها، ونجعلها لغتنا لأنها الشيء الوحيد الذي يجمعنا معاً كشعب واحد»(13).

 

(3 1) ضعف ارتباط مخرجات التعليم بسوق العمل:

يعاني التعليم الإفريقي بصفة عامّة ضعف الارتباط بسوق العمل، فالتعليم القائم صنعه ووضع خطوطه المستعمرون الذين على أحسن أحوالهم جاؤوا من بيئات تختلف عن البيئات الإفريقية، ولم يكن الأمر لدى كثير منهم يتطلب بذل جهد في موءامة النّظم التعليمية مع احتياج هذه البلاد وطبيعتها.

وبالرغم من مخرجات هذا التعليم فإنه ما زال بعيد الصلة بواقع القارة وهمومها، يقول سانو: «إن نظرة متفحصة في واقع نتاج النّظم التعليمية تؤكد للمرء وافديتها وغربتها، إذ أنها فشلت حتى هذه اللحظة، عبر تلك العقول التي أنتجتها وتقمّصت مبادئها ومناهج حياتها، في إحداث أي تقدّم، بَلْهَ أيّ تطور لأيّة بقعةٍ من بقاع القارة.. فعلى الرغم من مضي عقود زمنية على تطبيقها في القارة، غير أنها لم تقدر على إنتاج أجيال قادرة على انتشال القارة من حالتها الراهنة المتخلفة، ولكنها عمَّقت جراحها، واستنزفت خيراتها، ولم تتمكن تلك الأجيال المعدَّة، حسب توجيهات ومبادئ تلك النّظم، من الانتقال بالمجتمعات الإفريقية، غرباً وشرقاً، من دركات التخلف إلى درجات التقدم والرقي والتطور. وكلّ ما يمكن قوله هو: إنّ هذه النّظم عملت على إعداد أجيال تعاني ألواناً من التضارب والتناقض والتصارع في توجهاتها وخططها وتصوراتها، مما عطل الجهود، وشلّ الكثير منها، بدلاً من مساهمتها في حلّ مشكلات المجتمع، ووقف عائقاً أو عطّل حيناً من الدهر ذلك التقدّم وحلول مشكلات المجتمع.. ولم تعد هذه النّظم قادرة على توفير القوى البشرية لحركة الحياة في المجتمع، وبالتالي فإنها تعاني في حد ذاتها مشكلات التخلف.. وتعمِّق الهوة الثقافية القائمة في القارة بين التربية والواقع»(14).

 

2- مدخل حول التعليم الإسلامي:

كان الاهتمام بالتعليم الإسلامي في إفريقيا قديم قدم الإسلام فيها، إذ كان من شأن المسلمين الاعتناء بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي للبلاد المفتوحة أو التي يدخل أهلها طوعاً في الإسلام.

لمّا استولت سلالة «انجاي» على عرش «جلف»(15) بلغوا في أسلمة شؤون العرش أن من شروط المرشّح للعرش أن يكون حافظاً للقرآن، وكان «أنجا جان انجاي» أول ملك مسلم علا عرش «جلف»، ومن الملوك الذين أسلموا «واراجابي»، وفي السودان الغربي أسلم كثير من حكامه على يد الدعاة المسلمين ومنهم «لتجور جوب»، وحمل مَن كان باقياً في الكفر من أهل «كجور» على الإسلام، وأمر بإقامة مسجد في كلّ قرية، كما أمر بتعليم صبيانها على مقرئ هو إمام مسجد القرية.

وقد تحدّث الرحالة الغربيون عن ذلك التعليم، فأشار الرحالة «غاداموستو» في القرن الخامس عشر الميلادي إلى حضور معلمين عرب حول ملك السنغال وحاشيته يعلّمونه العلوم الشرعية، وأشار «أندريه ألوارش» في القرن السادس عشر إلى نشاط الشيوخ المعلمين، ووصف كلٌّ من «لويس مورو شابونوا» و «مونغوا بارك» أساليب التعليم وطرقه ومناهجه(16).

يقول المستشرق الإنجليزي «تريمينجهام» Trimingham في كتابه (تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا): «إن من أبرز خصائص انتشار الإسلام وثقافته في غرب إفريقيا والعالم أجمع هي التعليم المسجدي، أو التعليم في المساجد، وذلك في الخطوات الأولى التي يقوم بها أنصار الدعوة الإسلامية، وهذا النوع من التعليم اتبعه سكان «كانم» منذ اعتناقهم لهذا الدين»(17).

وقد زار الرحالة المشهور ابن بطوطة مملكة مالي عام 752هـ / 1352م، وكتب عنها، ومما نقل عنه قوله: «لقد عجبت بشدّة عنايتهم بحفظ القرآن، وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقّهم التقصير في حفظه، فلا تُفك عنهم حتى يحفظوه، ولقد دخلت على القاضي يوم العيد وأولاده مقيدون، فقلت: ألا تسرحهم؟ فقال: لا أفعل حتى يحفظوا القرآن».

 

3- جوانب مضيئة في التعليم الإسلامي:

بالرغم من كلّ مظاهر الضعف والقصور التي يتّسم بها التعليم الإسلامي في إفريقيا؛ فقد حقّق هذا التعليم منجزات عدة للمسلين في هذه القارة، ومن ذلك:

 

(1 3) نشر اللغة العربية:

اللغة العربية أساس فهم الدين الإسلامي، ومن خلالها يفهم المسلم القرآن والسنّة، ويستطيع التواصل مع مصادر العلم الشرعي والثقافة الإسلامية، كما يستطيع المسلم الذي يفهم العربية التواصل مع الدعاة الذين يفدون إلى القارة والاستماع لخطبهم وأحاديثهم ووعيها.

وتشترك مؤسسات التعليم الإسلامي بأنواعها في الاعتناء بتعليم اللغة العربية للمنتمين إليها من خلال دروس تعليم اللغة العربية، ومن خلال تعليم العلوم الشرعية باللغة العربية.

والضعف اللغوي ليس خاصاً بالمتعلمين الأفارقة في اللغة العربية، فزملاؤهم في المدارس الحكومية يعانون الضعف في اللغات الفرنسية والإنجليزية، وإن كانوا أحسن حالاً من المنتسبين للمدارس العربية والإسلامية.

وقد أدّى هذا الجهد إلى بقاء اللغة العربية لغة حية في القارة، فهي- كما يقول سعودي-: «تغطي كلّ إفريقية الشمالية وشمال الشرق، ومساحة ضخمة من الصحراء الكبرى حتى إقليم السفانا، وتصل إلى منحنى نهر النيجر، وإلى نهر السنغال، ويتكلمها ما يزيد على مائة وعشرين مليون نسمة، أو نحو ثلث سكان القارة الإفريقية»(18).

وفي السنغال- على سبيل الثمال- لا تزال ملامح اللغة العربية جلية في عدد من مجالات الحياة العامّة، فمنذ عهد قريب كانت الإرشادات تُكتب بمختلف أنواعها بالعربية، بل كانت تُخط بالحرف العربي وباستخدام اللغات المحلية(19).

وقد أكد بعض الكتاب الأوروبيين ارتباط إفريقيا بالعربية لغة وحضارة بقوله: «إننا إذا نزعنا الوثائق التاريخية المكتوبة باللغة العربية لا يبقى ثمة تاريخ يُعتد به لإفريقيا السوداء».

وتعتز فئة ممن تعلّموا العربية بدراستهم لها، فيقول الأستاذ آدم الألوري: «أشكر آباءنا الذين منعونا من دخول المدارس الإنجليزية، بل أجبرونا على تعلم العربية مع كثرة مشاكلها وعقباتها وعراقيلها، ولولا عملهم هذا لشغر اليوم المكان الذي شغلناه في المجتمع الإسلامي، وسنظل على العهد والميثاق الذي تعهدنا، وهو التزود بالإنجليزية لاستعمالها عند الضرورة غير التفاخر بها لمباهاة الناس، إننا راقون مثقفون متحضرون»(20).

 

(2 3) نشر العلوم الشرعية:

كما أسهم التعليم الإسلامي في نشر العلوم الشرعية بين أبناء القارة، وأهمّها حفظ القرآن الكريم والاعتناء به، بالإضافة إلى سائر العلوم الشرعية، وبرغم ما يعانيه تعليم العلوم الشرعية في إفريقيا من ضعف كمّي ونوعي، ومن انتشار للبدع والمخالفات، فقد حقّق هذا التعليم إنجازاً يُحسب له.

ولن نستطيع أن ندرك إسهام التعليم الإسلامي في نشر اللغة والعربية والعلوم الشرعية ما لم نتصور خلو البلاد الإفريقية منه؛ إذ هو القناة الرئيسة في تعليم المسلمين لغتهم وأمور دينهم.

 

(3 3) الحفاظ على الهوية:

أسهم التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا في الحفاظ على هوية المسلمين وبقائهم متمسكين بالانتساب لدينهم؛ ذلك أن التعليم الحكومي السائد في إفريقيا إمّا أن يكون علمانيا لا دينياً، وإمّا أن يكون كنسياً.

وحين يكون التعليم النظامي وحده هو مصدر تعلّم أولاد المسلمين فهذا سيقود بالتدريج إلى ذوبان هويتهم وانسلاخهم من دينهم؛ فالأبوان في الغالب غير قادرين على تعليم ما يملكانه من خلفية شرعية محدودة، ووسائل التعلّم الذاتي غير متاحة، ولو أتيحت فثقافة المجتمع وإمكانات الناس لا تسمح لهم بالإفادة منها.

 

(4 3) إعداد طائفة من أبناء المسلمين للدراسات الشرعية:

لقد أسهم التعليم العربي والإسلامي في إعداد طائفة من المسلمين الأفارقة للدراسات الشرعية والعربية، فقد تخرج في الجامعات الإسلامية العديد من الطلاب الأفارقة، ومعظمهم في الجامعة الإسلامية في المدينة، وفي جامعة الأزهر، ومعظم الذين التحقوا بالجامعات الإسلامية كانوا من مخرجات مؤسسات التعليم العربية والإسلامية في بلادهم.

وقد كان لهؤلاء ولا يزال أثر بالغ في نشر العلم الشرعي والدعوة في بلادهم، فمعظم الدعاة الميدانين وقادة الجمعيات الإسلامية المحلية، والعاملين في مكاتب المؤسسات الدعوية، ونسبة من القائمين على المدارس الإسلامية ومؤسسات التعليم الشرعي هم من خريجي الجامعات الشرعية.

وبرغم ما يعانيه هؤلاء من ضآلة فرص العمل، وانحصارها في ميادين محدودة في معظم الدول الإفريقية، فإنّ لهم الأثر البارز في إحياء الدعوة ونشرها، وفي تجديد الدين ومواجهة البدع والخرافات وتيارات التصوّف الغالية.

 

(5 3) سعة الانتشار:

لقد حقّق التعليم الإسلامي، برغم ضعف إمكاناته وقدراته، انتشاراً عظيماً في مجتمعات المسلمين الأفارقة، وعلى سبيل المثال بلغ عدد المدارس القرآنية في مالي – حسب إحصائية وزارة التربية والتعليم لعام 1983م حوالي (1673) مدرسة قرآنية، يتعلّم فيها (55877) تلميذاً وتلميذة، على يد (2409) معلّمين ومعلّمات(21).

وفي عام 2001م وصل عدد المدارس الإسلامية المسجّلة لدى السلطات التعليمية في مالي (802) مدرسة، من بينها (30) مدرسة ثانوية- 12 منها في باماكو-، ووصل عدد التلاميذ إلى (100000) تلميذ وتلميذة(22).

وتوجد في مدينة «كانو» في شمال نيجيريا، حسب الإحصائية التي قدّمت عام 1405هـ، حوالي (3024) مدرسة قرآنية، بها (168.000)، ونحو ألفي مدرسة في مدينة «صكتو»، وتقدّر نسبة المدارس التي تنشأ سنوياً بمائة وخمسين مدرسة في كلٍّ من «سوكوتو» و «كانو»(23).

وفي عام 1999م بلغ عدد المدارس الفرنسية في بوركينافاسو (266) مدرسة، وعدد المدارس العربية والإسلامية (254) مدرسة؛ أي ما يمثل (49%)(24).

وتقول بعض الإحصاءات إنه في عام 1900م كان يدرس في مملكة «سوكوتو» حوالي ربع ميلون طالب في عشرين ألف مدرسة قرآنية.

وفي منتصف الثمانينيات كان في شمال نيجيريا أكثر من 37 ألف مدرسة قرآنية، في حين كانت المدارس النظامية الابتدائية تقلّ عن خمسة آلاف مدرسة(25).

وحين أمّم التعليم في أوغندا عام 1963م كان للمسلمين (180) مدرسة ابتدائية، وثماني مدارس متوسطة، ومدرسة واحدة ثانوية عليا، وكلية لتدريب المعلمين(26).

وفي عام 1938م بلغ عدد معملي المدارس القرآنية في كويت ديفوار (829) معلماً، وعدد الطلاب (5403) طلاب(27).

وقد أسّست «جمعية العون المباشر» (لجنة مسلمي إفريقيا سابقاً) 840 مدرسة، يدرس بها أكثر من نصف مليون طالب إفريقي، كما دفعت اللجنة رسوماً دراسية عن 95 ألف طالب إفريقي، بالإضافة إلى ترجمة وطباعة 6.5 ملايين كتيّب بـ 18 لغة، كما قدّمت أكثر من 200 منحة دراسية لما بعد الجامعة للدراسات العليا في الدول الغربية، لدراسة الطب والهندسة والتكنولوجيا والعلوم، وهناك أيضاً عشرات رياض الأطفال، و 4 مراكز ثقافية اجتماعية، و 8 مراكز كمقر للجنة، و 13 سكناً للمدرسين والطلاب، و 24 مبنى آخر(28).

ويحرص كثير من الآباء المسلمين على إرسال أولادهم للكتاتيب والمدارس الإسلامية، ويمنحون المعلمين الصلاحية التامّة لفعل ما يرونه سبيلاً لتحفيظهم القرآن وتعليمهم الدين، ففي السنغال عندما يأتي الأب بابنه إلى معلّم القرآن يقول: «لا أطلب منك سوى القرآن أو جثته»(29).

 

الإحالات والهوامش:

(1) مجلة التربية الجديدة، ع 8 / س 3- أبريل 1976م.

(2) مجلة مستقبليات، ص 276، المجلد الثاني والعشرون / العدد الثاني- 1992م.

(3) انظر: المصدر: http://www.un.org/arabic/millenniumgoals/goal_2.htm

(4) مجلة مستقبليات، ص 278.

(5) انظر: http://information-technologies.arabhs.com/ifrecia.html

(6) انظر: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_724000/724995.stm

(7) عويس، عبدالحليم: مشكلات التعليم في إفريقيا غير العربية، مجلة البحوث الإسلامية، ج 27 / ص 249.

(8) سانو، قطب مصطفى (1419هـ): النظم التعليمية الوافدة في إفريقيا، قراءة في البديل الحضاري، ص 64.

(9) مجلة مستقبليات، ص 275.

(10) مجلة مستقبليات، ص 275.

(11) مجلة مستقبليات، ص 278.

(12) سانو، ص 77 – 78.

(13) سعودي، محمد عبدالغني (1980م): قضايا إفريقية، سلسلة عالم المعرفة، ع 34- سنة 1980م، ص 175.

(14) سانو، ص 87- 88.

(15) «جلف»: اسم قديم كان يُطلق على منطقة تشمل ما يُسمّى حالياً بإقليم «لوغا» وبعض مناطق إقليم «سين لوي» و «جربل» في السنغال.

(16) إمباكي، خديم محمد سعيد (1419هـ): التعليم الإسلامي في إفريقيا: الواقع والمأمول في السنغال، بحث غير منشور، ص 5.

(17) العباسي، ص 8.

(18) سعودي، ص 143.

(19) سيلا، عبدالقادر محمد (1406هـ): المسلمون في السنغال: معالم الحاضر وآفاق المستقبل، سلسلة كتاب الأمة. العدد 12، ص 146.

(20) انظر:  http://www.islamonline.net/arabic/famous/2004/08/article01.SHTML

(21) فوفانا، رقية: التعليم الإسلامي في مالي، بحث غير منشور، ص 34.

(22) رقية فوفانا، ص 36.

(23) خليفة، صلاح الدين: التعليم الإسلامي في نيجيريا، بحث غير منشور.

(24) فوفانا، محمد: التعليم الإسلامي في بوركينافاسو، بحث غير منشور.

(25) محمد، الطيب زين العابدين: الأوضاع التعليمية للأقليات المسلمة في إفريقيا، مجلة دراسات إفريقية، ص 42، نقلاً عن: ندوة التعليم الإسلامي.

(26) زين العابدين، ص 46.

(27) يوسف، بامبا (2002م): مشكلات التعليم الإسلامي في كوت ديفوار، دراسة تحليلية تقويمية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة إفريقيا العالمية، ص 39.

(28) انظر: http://www.islamonline.net/arabic/famous/2003/09/article02.SHTML

(29) بامبا.

بقلم: د. محمد بن عبدالله الدويش/ أكاديمي و باحث مناهج في إدارة تطوير الخطط والمناهج في جامعة الإمام محمد بن سعود – رئيس اللجنة التعليمية في المنتدى الإسلامي – الرياض.

 

استمر هذه المناقشة ...