التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا (2)

  • رقم الخبر 1744
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص للتعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا أنماط عدة، اشار فی هذه المقاله بأهمها.


4- أنماط التعليم الإسلامي:

للتعليم الإسلامي والعربي أنماط عدة، من أهمها:

 

(1 4) الكتاتيب:

وهي من أول أنماط التعليم وأشهرها، وهي أبسط مؤسسات التعليم، ويلتحق بها العديد من أولاد المسلمين ذكوراً وإناثاً.

وتركز الكتاتيب في تعليم المتعلمين مبادئ القراءة والكتابة، بالإضافة إلى حفظ أجزاء من القرآن الكريم، والغالب أن تكون الكتاتيب في المسجد، وقد تكون تحت أحد الأشجار أو في سطوح أحد المباني.

ويتمّ التعليم فيها بصورة تقليدية، والمعلّم هو كلّ شيء في هذه الكتاتيب، ولا يفتقر في الغالب إلى إعداد وتأهيل، فيكفي إتقانه للقراءة والكتابة وقدرته على تلاوة القرآن الكريم وحفظ أجزاء منه.

ويلتحق بها المتعلّمون في سنٍّ مبكرة جداً، وفي أحيان كثيرة قبل الالتحاق بالمدرسة، ومنهم من يواصل التعليم فيها حتى يتمّ حفظ القرآن، ومنهم من يتوقف ويكمل تعليمه في المدارس النظامية.

وتشترك المجتمعات الإسلامية الإفريقية في الاهتمام بتعليم أولادها القرآن الكريم، لكنها تتفاوت في درجة هذا الاهتمام، ففي ببعض المجتمعات لا يلتحق الطالب بالمدرسة إلا بعد إتمام حفظ القرآن الكريم كاملاً، بينما ينقطع في غيرها عند وصول سنّ الدراسة.

 

(2 4) المدارس العربية والإسلامية:

وهي مدارس تعنى بتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية، وقد تضيف بعض المقررات اليسيرة، وبخاصة في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية حسب اللغة السائدة في الدولة.

وتنتشر هذه المدارس في معظم دول إفريقيا، سواء ذات الأغلبية المسلمة أو التي يمثّل المسلمون فيها أقليات.

ويمثّل هذا النمط من التعليم أكثر مؤسسات التعليم انتشاراً وأوسعها تأثيراً في نشر الللغة العربية والعلم الشرعي؛ باعتبار تركيزها في هذا الجانب واعتنائها به.

ويتفاوت واقع هذه المدارس كمّاً وكيفاً باعتبارات عدة؛ من أهمها درجة الاعتراف بهذا النوع من التعليم، ففي نيجيريا- على سبيل المثال-، حيث تعترف الجامعات بالعديد من هذه المدارس، تتمتع هذه المدارس بقوة وانتشار يختلف عن الدول الأخرى التي لا تعترف بهذا النوع من التعليم، ولا يتاح لخريجيه فرصة المواصلة في الجامعات.

 

(3 4) المدارس المزدوجة:

نشأ هذا النمط من التعليم علاجاً لما يعانيه خريجو المدارس العربية والإسلامية من صعوبة مواصلة الدراسة في الجامعات، ولعدم اعتراف كثير من مؤسسات القطاع العام والخاص بشهادات هذه المدارس.

وتقوم هذه المدارس على تدريس المتعلمين المناهج التي يدرسها طلاب المدارس العامة، وتضيف لذلك تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية.

وتمتاز بأنها تتيح لخريجها الفرص نفسها التي تتاح لخريجي المدارس العامة، لكنها تواجه صعوبات عدة؛ أهمها التمويل، فتكاليفها أضعاف المدارس الإسلامية، كما أن الجمع فيها بين نظامي التعليم يضيف عبئاً زائداً على المتعلمين، وكثيراً ما يؤثر في تحصيله في التعليم النظامي أو في التعليم الشرعي.

 

(4 4) المدارس الجزئية:

وتقوم هذه المدارس على أساس تقديم تعليمٍ موازٍ للمدارس العامة، ولها تطبيقات عدة:

المدارس الصباحية:

حيث تستفيد هذه المدارس من تأخر بداية اليوم الدراسي للمدارس العامة، فتقوم بتقديم الدروس العربية والشرعية في أول اليوم الدراسي قبل بداية دوام المدارس العامة، ثم يواصل المتعلمون بالمدارس العامة.

المدارس المسائية:

وينتشر هذا النوع من المدارس في الدول التي يتقدّم فيها اليوم الدراسي، فتقوم بتدريس العلوم العربية والشرعية في الفترة المسائية لطلابها الذين يلتحقون في الفترة الصباحية بالمدارس العامة.

لكن هذا النوع من المدارس يعاني من أنه يتلقّى الطالب منهكاً متعباً، كما يقول أحد المعلّمين: الطالب يأتي متعباً ومصاباً بالملل من المدرسة الحكومية؛ فيكف نصنع لترغيبه في العلم الشرعي؟

مدارس نهاية الأسبوع:

وتقوم هذه المدارس على اغتنام إجازة نهاية الأسبوع، والتي تكون يومي السبت والأحد في معظم الدول الإفريقية، فتقدّم المدرسة يوماً دراسياً كاملاً يوم السبت، ونصف يوم في الأحد، بالإضافة إلى الإفادة من إجازات نهاية العام الدراسي أو منتصفه.

 

(5 4) التعليم الجامعي:

تجربة التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا في التعليم الجامعي محدودة وجزئية، لكنها تمثّل إنجازاً يستحق الوقوف عنده.

ومن أبرز مؤسسات التعليم الجامعي الإسلامي في إفريقيا «الجامعة الإسلامية» في النيجر، وتضم عدداً من الكليات العلمية والأدبية، و «الجامعة الإسلامية» في يوغندا، وتضمّ خمس كليات، وقد أسست هاتين الجامعتين «منظمة المؤتمر الإسلامي»، الأولى للناطقين بالفرنسية والثانية للناطقين بالعربية(30).

ومنها أيضاً «جامعة الملك فيصل» في تشاد، كما أسّس بعض المحسنين جامعة أهلية في زنجبار(31).

كما أن «لجنة مسلمي إفريقيا» أسّست كلية للتربية في زنجبار، وقد موّل «البنك الإسلامي للتنمية» كلية للمعلمين في «ممباسا» ولا تزال قائمة.

 

5- فلسفة التعليم الإسلامي وإطاره العام:

يستند أي نظام تعليمي إلى فلسفة واضحة محددة، تمثّل إطاراً يضبط عناصره كافة، وما لم يتحقق ذلك فسوف تتسع دائرة تأثير التطبيقات الفردية على هذا العمل، وستتعدد أهدافه وأنماطه تبعاً لتعدد القائمين عليه وتنوع خلفياتهم الثقافية والعلمية والمذهبية.

وقد أسهمت ظروف نشأة هذا التعليم وتنوع القائمين عليه في فقدانه للرؤية الواضحة والفلسفة المحددة، ومعظم القائمين على هذا التعليم غير قادرين على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية حول هذا المشروع الذي يرعون: ماذا يريدون؟ وماذا يتوقعون من مخرجاته؟ وما مستقبله؟.. إلخ.

لقد نشأ هذا التعليم على يد عدد ممن يلمس منهم الغيرة والصدق والرغبة في إفادة المسلمين، إلا أنهم لم يكونوا يملكون الرؤية الواضحة والفلسفة المحددة لهذا العمل.

يقول الأستاذ أبو بكر فوفانا: «لم يكن مؤسسو هذه المدارس على مستوى فهم المشاكل التربوية التي كانت تواجه المسلمين في تلك الفترة الانتقالية بين نظام الحكم الاستعماري ونظام الحكم الوطني، إضافة إلى جهلهم عن واقع بلادهم واتجاهاته السياسية والثقافة السائدة فيها»(32)، ويقول أيضاً: «تعلمون أن المدارس الإسلامية الحديثة نشأت في أواخر الخميسنيات على أيدي الجيل الأول من خريجي الدول العربية من مصر والمغرب وتونس والسعودية، فلم يكن تكوينهم العلمي على أساس إنشاء هذه المدارس وإدارتها، كما أنهم لم يكونوا على مستوى التحدي، فيؤخذ على هذه المدارس أنها: لم تكن محددة الأهداف، فهل تستقطب كل أبناء المسلمين أم بعضهم؟ لم تكن معالم منهج هذه المدارس محددة، فهي تختلف من مدرسة لأخرى، لم يكن لها نظام تربوي شامل يجمع بين الجوانب الروحية والجسمية والعقلية كما كان الحال في المدارس التقليدية (الكتاتيب)»(33).

 

(1 5) الاقتصار على العلوم الشرعية واللغة العربية:

تركز المدارس الإسلامية والعربية – وخصوصاً في النمط الأول الذي سبق الحديث عنه- في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية دون غيرها من العلوم، ولا شك في أهمية هذه العلوم، وأنها من ضرورات الحياة لدى المسلمين، مما يتطلب أن تتصدى لها فئة من المسلمين وتتفرغ لها وتعتني بها.

وليس ثمة حرج في اقتصار الداعية والمصلح على مجال من مجالات العمل الدعوي يجيده وينجح فيه أكثر من غيره، لكن الأمر الذي نحن بصدده يتجاوز ذلك، إنه توجيه للطالب للمسلم، وقرار يؤثر في مستقبل حياته، وفرق بين أن يكون التعليم الشرعي مهمّاً وضرورياً، وبين أن نرى أنه هو الخيار الوحيد، وفرق بين أن يتجه فئة من أفراد المسلمين إلى التعليم الشرعي ويتخصصون فيه، وبين أن نرى أنه هو وحده الطريق المتاح للمسلم الجاد.

وكما أن المسلمين في تلك البلاد بحاجة إلى داعية وطالب علم شرعي متخصص؛ فهم بحاجة إلى قيادات إسلامية تخوض مجالات الحياة العامة، وتسهم في تحقيق مصالح المسلمين والنهوض بواقعهم، وقد أدى هذا الأمر – كما يقول الصويان- إلى أن: «أصبح الأطباء والمهندسون والإعلاميون والاقتصاديون من غير المسلمين، أو ممن تربى في المدارس العلمانية أو التنصيرية، وهذا الأمر أوجد هوة واسعة بين تلك المدارس وبين القطاعات الرسمية، مما جعل المسلمين المتميزين بعيدين تماماً عن قيادة المجتمع من الناحيتين الفكرية والإدارية»(34).

ويؤيد ما ذكره الصويان ما كشفه تقرير صادر عن «مكتب العالم الثالث للإغاثة» بمدينة «كانو» النيجيرية؛ أن نسبة الطلاب المسلمين في الجامعات النيجيرية الفيدرالية لم يتجاوز 20% من التعداد الكلّي.

وذكر التقرير أن تدنّي نسبة مستوى التعليم الأساسي والتعليم ما قبل الجامعي، في مناطق المسلمين عموماً وبالمدارس الحكومية، جعل نسبة الطلاب المسلمين في الجامعات ضعيفة.

في بوركينافاسو: فالمسلمون برغم كونهم يمثلون 70% من مجموع السكان البالغ عددهم نحو 12 مليون نسمه؛ فإنهم لا يتمتعون بأهمية الوضع السياسي نفسها التي يتمتع به النصارى(35)، فهم يتولون 4 وزارات من مجموع 26 وزارة ليست على درجة الأهمية نفسها وتأثير الوزارات التي يتولاها النصارى، كما أن عدد المسلمين في مجلس النواب لا يتجاوز 20 نائباً من مجموع 115 نائباً(36).

وفي تشاد: عدد الطلاب في المدارس الابتدائية 589768 طالباً وطالبة، نسبة المسلمين منهم فقط 10%، والبقية من النصارى والوثنيين، وعدد المدارس الثانوية 78 مدرسة، 9 مدارس منها عربية فقط، ولذا نسبة المتعلمين من النصارى حوالي 84,6%، وتقدم للامتحان للشهادة الثانوية في عام 2002م: 24239 طالب وطالبة، نجح منهم فقط 6836؛ أي ما نسبته 7% من المسلمين فقط، ولم ينجح منهم من المدارس العربية سوى 293 طالباً، ولذا لا نستغرب إذا علمنا أن نسبة الموظفين من النصارى في الوظائف الحكومية تبلغ 90%، بينما نسبة المسلمين في تشاد من حيث العدد أكثر من 80%(37).

واقتصار التعليم الإسلامي على هذا المجال وحده يكرّس نظرة سلبية لدى المسلمين تجاه قضايا الحياة المعاصرة، فيرون أن كون الفرد متديناً يقتضي بالضرورة كونه متخصصاً في العلوم الشرعية، وأنّ التدين يتنافى مع التفاعل مع معطيات الحضارة المادية.

 

6- المناهج:

تُعَدّ المناهج التعليمية من أبرز مشكلات التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا، وتكاد هذه المشكلة تتصدر أي مقالة أو دراسة تتناول التعليم الإسلامي.

وقد توصل الباحث بامبا في دراسته حول التعليم الإسلامي في ساحل العاج إلى افتقار المحتوى للأهداف التربوية، وعدم مراعاته لميول الدارسين ورغباتهم والفروق الفردية بينهم (بنسبة 80%)، وعدم واقعيته وشموليته، وأنه لا يوافق بين الثقافة العربية والإسلامية والثقافة المحلية للدارسين مع الحفاظ على هويتهم، ولا يرتبط بالأنشطة اللاصفية.

وهذه النتائج لا تكاد تختلف في بقية الدول الإفريقية إلا في التفاصيل.

وحين يتاح لك اللقاء بفئة من المهتمين بالتعليم الإسلامي من معلّمين وإداريين فأول مايثيره لديك هؤلاء هي قضية المناهج؛ فهي شغلهم الشاغل.

وتتمثل أبرز إشكالات المناهج في المدارس العربية الإسلامية فيما يأتي:

 

(1 6) لا توجد مناهج أعدت للبيئة الإفريقية:

من أهم أسس بناء المنهج واقع المجتمع والمتعلّم، والاتفاق في بعض ما يحتاج إليه المتعلّم من محتوى في المنهج لا يسوّغ بحال استيراد مناهج وضعت لبيئة أخرى، والبيئة الإفريقية لها خصوصياتها وطبيعتها، من حيث النظام القبلي السائد فيها، وواقع المسلمين في كلّ بلد باعتبارهم أقلية أو أغلبية، ومن حيث كون اللغة العربية لغة ثانية لدى المتعلمين، ناهيك عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذه الظروف لها أثرها في بناء المنهج.

ومع تفاوت برامج التعليم ومؤسساته ومناهجه فإنه لا تكاد توجد مناهج خاصة أعدت للبيئة الإفريقية بطبيعتها وخصائصها، فضلاً عن بيئة كلّ مجتمع ودولة.

 

(2 6) غياب عناصر المنهج الأخرى:

المنهج يتكون من عناصر عدة مترابطة، ولها أثرها في تحقيق وظيفته، فيحتاج المنهج إلى إطار وفلسفة عامة، وأهداف، ومحتوى، وطرائق تدريس، وأنشطة، وتقنيات تعليمية، وهذه العناصر ضرورية ولا غنى عنها لأي منهج دراسي.

إلا أن الواقع القائم في المدارس العربية والإسلامية في البيئة الإفريقية؛ يختزل المنهج في محتوى الكتاب المدرسي الذي أعد سلفاً لبيئة أخرى غير بيئة المتعلّم.

 

(3 6) الترقيع في المناهج:

يتم اختيار محتوى المنهج المدرسي – أو بعبارة أدق الكتاب المدرسي- وفقاً للظروف المتاحة، فأحياناً يعتمد ذلك على خلفية مدير المدرسة أو المعلّم، وأحياناً على مدى توفر هذا الكتاب لدى القائمين على المدرسة.

ولا يقف الأمر عند مجرد الاختيار العشوائي لأي كتاب مدرسي؛ بل إنّ كثيراً من المدارس تعاني خليطاً غير متجانس من الكتب المدرسية، فكما يقول الصويان: «تجد في المدرسة الواحدة بل في الفصل الواحد منهجاً من وزارة المعارف السعودية، ومنهجاً آخر من مناهج المعاهد العلمية، وثالثاً من الأزهر، ورابعاً من الكويت.. وهكذا، لينتج خليطاً غير متجانس من المقررات المبعثرة التي قد لا يربطها رابط»(38).

 

(4 6) عدم توفّر الكتاب المدرسي:

بالرغم من أهمية الكتاب المدرسي ومحوريته في التعليم الإسلامي في إفريقيا، وكونه يمثّل المنهج الفعلي، فإنه في الغالب الأعم لا يُتاح للمتعلّمين، فالموجود من الكتاب المدرسي نسخة واحدة يمكلها المعلّم، وفي المدارس التي تملك إمكانات أعلى – وهي نادرة- يطالب المتعلّم بإعادة الكتاب للمدرسة، ويصرف في العام القادم لمتعلّم آخر، وهذا له أثره السلبي في تحصيل المتعلّم، كما أنه يؤدي إلى أن يصرف المعلّمون وقتاً طويلاً في الكتابة على السبورة، ويقوم المتعلّمون بالنقل منها في كراساتهم، ويتفاوت المعلمون في مقدار ما يكتبونه على السبورة تبعاً لنشاطهم وحماسهم، كما يتفاوت المتعلّمون في مقدار ما يستطيعون تدوينه.

كما أنه يقود إلى إطالة وقت الحصة الدراسية، فقد بلغت في بعض المدارس التي زارها الكاتب إلى ساعة وعشرين ودقيقة.

 

(5 6) صعوبة المناهج على المتعلّمين:

نظراً لأن المناهج التي تُدرَّس في المدارس الإسلامية الإفريقية أُعدّت لبيئات أخرى، وهي في الأغلب لدول إسلامية ناطقة بالعربية، وقد تكون أُعدت لمعاهد ومدارس شرعية متخصّصة، فقد أدّى ذلك إلى أن تكون أعلى من مستوى المتعلّم الإفريقي.

وقد دخلت أحد الفصول والمعلّم يتحدث عن تاريخ التدوين في علوم القرآن الكريم بتفصيلات يصعب على المتعلّم استيعابها، كما أنها أعلى من حاجة المتعلم.

ويحكي الصويان عن موقف مشابه فيقول: «رأيت أحد المدرسين يُعلِّم تلاميذه مسألة التعصيب في علم المواريث من كتاب مقرر في المعاهد العلمية السعودية.. مع أني أجزم بأنّ كثيراً من الطلاب لم يتعلّم في تلك المرحلة أساسيات العبادات والمعاملات»(39).

 

7- الإدارة المدرسية:

إذا استثنينا المدارس التابعة لمؤسسات دعوية فإنّ الإدارة – كما يقول إمباكي- ترتبط غالباً بظروف النشأة، ومن هنا فإنّ كثيراً من المدارس الإسلامية تدار من قبل المؤسّس أو مَن يعينه من أقربائه أو أولاده أو أحد تلامذته السابقين، ويتم اختيار الموظفين الآخرين في الإطار نفسه غالباً(40).

ويشير العديد ممن تناولوا مشكلات التعليم الإسلامي الإفريقي إلى هذه المشكلة، فيقول ديابي خليل إبراهيم (مدير التعليم العربي بساحل العاج ومدرس بمدرسة بؤاكي كراموكو): «ترجع مشكلة التعليم الإسلامي إلى: فقدان التنظيم أو النظام في إدارة شؤون المدارس، حيث يتحكم فيها قانون الفوضى، فليس هناك منهج تعليمي موحّد، ولا إدارة تعليمية يقظة، فكلّ شيء يدور في محيط مدير المدرسة فقط»(41).

وبعضهم- كما يقول الأستاذ سفاتي لاسينا-: «لا يمارس العمل الإداري الفعلي إلا إذا اقترب الشهر من نهايته؛ وذلك للإشراف على جمع الاشتراكات الشهرية»(42)، ويقول سماكي قاسم: «مفهوم الإدارة المدرسية مفقود تماماً في مدارسنا الإسلامية، فهي تدار بصورة عشوائية تماماً»(43).

 

8- الإشراف التربوي:

يمثّل الإشراف التربوي الفاعل عنصراً مهماً في تطوير التعليم والارتقاء به، وفي متابعة سير العملية التعليمية وتحقيقها لأهدافها، ونظراً لطبيعة التعليم الإسلامي الإفريقي واستقلالية معظم مدارسه فإن الدور الإشرافي نادر، حتى على مستوى الرقابة والتفتيش، يقول أحد الباحثين: «ولا يوجد في المدارس العربية الإسلامية النظامية في بوركينا إلى يومنا هذا مشرفون تربويون يشرفون على التعليم ويوجهونه ويخططون له، وغياب المشرفين التربويين أدى إلى اختلاف برامج المدارس وشهاداتها»(44).

والأمر ليس قاصراً على بوركينا بل هو في عامّة الدول الإفريقية، فمعظم المدارس الإسلامية تعاني ضعف القدرة على تعيين المعلّم والمدير المؤهل، فضلاً عن العاملين في ميدان الإشراف التربوي.

 

9- المعلّمون:

لو أتيح بناء فلسفة واضحة للتعليم الإسلامي في إفريقيا، وإعداد مناهج تلائم تلك البيئة فنجاح ذلك كلّه يتوقف على وجود المعلم القادر على تنفيذ هذا المنهج، لكن واقع المعلّمين في المدارس الإسلامية الإفريقية لا يتلاءم مع حجم التحديات التي تواجه التعليم الإسلامي.

وتتمثل أبرز مشكلات المعلمين في التعليم الإسلامي الإفريقي فيما يأتي:

 

(1 9) ضعف الإعداد:

يعاني المعلمون في المدارس الإسلامية الإفريقية ضعف الإعداد بشقّيه التخصّصي والمهني، فهناك أعداد غير يسيرة منهم تعليمهم دون المستوى الجامعي، كما أن الجامعيين منهم لم يُعدّوا في كليات التربية أو إعداد المعلمين، إضافة إلى ضعف المستوى العلمي لدى كثير منهم.

وقد دلّت دراسة «غنمي سعيد» على أن ثلاثة أرباع المعلمين في المدراس الإسلامية في بوركينافاسو من ذوي المستويات الدنيا في التعليم(45)، وفي دراسة «بامبا» رأى (80%) من المديرين أن المعلّم المدرّب المؤهل إحدى مشكلات مدارسهم.

وصاحب القرار في تعيين المعلّم وقبول مؤهله هو مدير المدرسة، وكثيراً ما يراعي اعتبارات لا صلة لها بتأهيل المعلّم، يقول الأستاذ «سفاتي لاسينا»: «فلا تستغرب أن ترى مديراً لمدرسة ما يعين بعضاً من خريجي المدرسة الابتدائية أو الإعدادية لتولّي مهمة التدريس مقابل أجر زهيد»(46).

 

(2 9) التخصص:

نظراً لعدم لوجود معايير وأدوات لاختيار المعلمين في المدارس الإسلامية الإفريقية فكثيراً ما يتولّى المعلّم غير المتخصص التدريس، فقد يتولّى خريج اللغة العربية تدريس العلوم الشرعية، أو خريج الكليات الشرعية تدريس اللغة العربية، بل في بعض المدارس يتولّى تدريس العلوم الشرعية أو اللغة العربية خريجو القانون والزراعة والإدارة وغيرها من التخصّصات، وفي بعض المدارس التي تقدّم مقررات في الرياضيات والعلوم قد يتولّى تدريس ذلك بعض خريجي الكليات الشرعية.

 

(3 9) النمو أثناء الخدمة:

تعنى المؤسسات المعاصرة بإعداد العاملين فيها وتدريبهم، وتستثمر المؤسسات التجارية استثمارات هائلة في ميدان التدريب وتنمية العاملين، إنّ حصول الفرد على مؤهّلٍ ما ليس نهاية المطاف في ميدان الإعداد، وسيبقى بحاجة إلى مزيد من التدريب والتأهيل، ولئن كان تطور الحياة وتسارع وتيرة التغيير عاملاً يؤكد أهمية تدريب الموظف وتأهيله؛ فالأمر أكثر أهمية فيما يتعلق بالمعلّم.

لكن المعلّم في المدارس الإسلامية الإفريقية نادراً ما تُتاح له فرص التدريب أثناء الخدمة، وغاية ما يُتاح لبعضهم دورات عامّة تنظّمها بعض المؤسسات الدعوية، ويغلب عليها الطابع الإلقائي التقليدي، وقلّما تعنى بالاتجاهات الحديثة أو تطوير الأداء الفعلي للمعلّم.

 

(4 9) ضعف الإعداد اللغوي:

النسبة العظمى من المعلمين في المدارس الإسلامية الإفريقية هم من تُعَدّ اللغة العربية لغة ثانية لهم، وكثير منهم تعلّم اللغة في وقت متأخر من عمره، فضلاً عن ضعف مستوى التعليم الذي تلقّاه.

وقد ظهر أثر ذلك في عدد من المعلمين في المدارس الإسلامية الإفريقية، تقول إحدى الباحثات عن المعلم في مالي: «وكما تجد معلّم اللغة العربية في المدارس الإسلامية لا يجيد التحدث باللغة العربية أو التعبير عن نفسه بصورة مفهومة، أو ليس لديه قدرة على فهم المتحدث باللغة العربية، أو قراءة نصٍّ لم يسبق أن درسه على يد شيخ أو معلّم»(47).

وهذه نماذج من تعبيرات بعض مديري المدارس ومعلميها، وبعض الدارسين في مرحلة الماجستير، وتجاوز الباحث توثيقها دفعاً للحرج ومراعاة لمشاعر إخواننا من هؤلاء: «فتؤخذ على هذه المدارس أنها»، «لم يكن معالم منهج هذه المدارس محددة»، «أن أهداف هذه المدارس الدينية هو تعليم الناشئة»، «فالتعليم في مدارسنا الإسلامية ليست هادفة لتكوين الكوادر الموظفين»، «في الأجهزة اتخاذ القرارات الحاسمة»، «أما جدول رقم... يمكن إرجاع نتائجها إلى»، «أما جدول رقم... وقد يعزى نتائجها إلى»، «بسبب هذه المشكلات النابعة عن البعد وعن التمسك بالمباديء الإسلامية الحق».

وهذا الضعف اللغوي لدى المعلمين سيترك أثره في المتعلمين، ويزداد الأمر إذا أضيف لذلك ضعف امتلاكهم لمهارات التدريس.

 

(5 9) ضعف الاستقرار الوظيفي:

نظراً للعوائد المالية الضعيفة التي يتلقاها المعلّمون في هذه المدارس، والتي لا تتناسب مع احتياجاتهم، فكثير منهم يعاني عدم الاستقرار الوظيفي، ولا يمتلك الدافع والحافز نحو العطاء والاستمرار في هذه المهنة، بل إنّ كثيراً منهم- كما تقول رقية فوفانا-: «يرون أن التدريس وسيلة لقضاء فترة انتظار الحصول على منحة دراسية لمتابعة دراستهم في إحدى الدول العربية»(48).

وهذا يؤدي إلى كثرة خروج المعلّمين وتركهم لهذه المدارس التي لا تقدّم لهم رواتب ملائمة، فضلاً عن الضمان الاجتماعي والحقوق التقاعدية، وحالات الخروج وترك العمل ترتبط بالفرص التي تُتاح له، ومن ثمّ فهي كثيراً ما تحصل في أثناء العام الدراسي مما يربك المدارس، وقد يضطرها للاستعانة بكفاءات أقلّ تأهيلاً سداً للخلل.

أما الذين يبقون في سلك التعليم فضعف العوائد التي يتلقونها تؤدي بهم إلى غياب الطموح، وتقلّل من قدرتهم على الارتقاء بأنفسهم وتطوير خبراتهم؛ فأحدهم لا يجد ما يشتري به كتاباً أو مجلة، فضلاً عن التعامل مع شبكة الإنترنت، أو الالتحاق ببرامج تأهيلية وتدريبية.

وحين يقارن المعلّم في المدارس الإسلامية نفسه بالمعلّم الحكومي فالبون شاسع، ويصوّر لنا أحد الباحثين الأفارقة معاناة معلّم اللغة العربية في المدارس الحكومية بقوله: «أمّا معلمو العربية في المدارس الحكومية فعلى الرغم من كونهم موظفين تابعين للدولة فإنهم لا يحسدون على حالتهم المهنية، لأنهم مهمّشون إدارياً، ومحرومون من الحقوق والامتيازات التي يحظى بها زملاؤهم المفرنسون من ترقيات وحقوق الأقدمية؛ فالتعليمات الرسمية والبلاغات الإدارية والمنشورات والقرارات الوزارية فرنسية في الأوراق، ينضاف إليها ندوات ومحاضرات وأسبوعيات في التربية وعلم النفس وطرق التدريس.. فإذا ما لم يكن المعلّم متقناً الفرنسية بدرجة تمكّنه من الاستفادة من كلّ هذه والإسهام فيها بنصيب سيظلّ يعاني مشكلات اجتماعية نفسية تتلخص في الشعور القائل بأنه مهمّش، فكيف بمعلّمي المدارس الإسلامية؟!».

 

(6 9) أساليب العقاب والتعامل مع المتعلّمين:

تسود لدى العديد من المعلّمين أساليب العقاب القاسية والتعامل الصارم مع المتعلّمين، ففي زنجبار «توجد طرق كثيرة لمعاقبة التلاميذ فى هذه المدارس، أشهرها استخدام العصا في كثير من الأوقات، ووضع الحجر فوق رأس التلميذ أو تحت ذقنه؛ إذا كان مكثراً للكلام في وقت الدراسة، أو كثير الحركات والالتفات، فإذا سقط الحجر قبض على التلميذ وربطت رجلاه بحبل قوي إلى أن ينتهى اليوم الدراسي»(49).

ويقول أحد الباحثين الأفارقة: «أول ما يلاحظ الطفل في أيامه الأولى فيها هو أنّ معلّمه عبوس وصارم، وهذا يخالف ما تعوّده فى البيت، فهنا يحدث صراع نفسي، وقد يمنعه من أن يتمتع بصحة نفسية جيدة، وينمو نمواً سليماً متوازناً»(50).

وقد لاحظ الكاتب في العديد من زياراته للمدارس الإسلامية ممارسة المعلّمين وإدارة المدارس لأساليب قاسية وصارمة في عقاب المتعلّمين والتعامل معهم.

الإحالات والهوامش:

(30) انظر: http://new.meshkat.net/contents.php?catid=   5&artid=5041.

(31) زين العابدي، ص 47.

(32) بامبا، ص 149.

(33) بامبا، ص 149.

(34) الصويان، أحمد بن عبدالرحمن (1412هـ): التعليم في إفريقيا، مجلة البيان، عدد 41.

(35) انظر: http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/alhadath2000-may-20/alhadath15.asp

(36) انظر:  http://www.islamonline.net/Arabic/news/2003-11/01/article07.shtml

(37) انظر:  http://www.makkah-chad.com/aboutchad.htm

(38) الصويان.

(39) الصويان.

(40) خديم إمباكي، ص 14.

(41) بامبا، ص 136.

(42) بامبا، ص 140.

(43) بامبا، ص 146.

(44) محمد فوفانا، ص 19.

(45) دراسات إفريقية، ع 12، 1415هـ.

(46) بامبا، ص 140.

(47) رقية فوفانا، ص 54.

(48) رقية فوفانا، ص 54.

(49) زيدي، عيسى الحاج: التعليم الإسلامي في زنجبار، بحث غير منشور، ص 10.

(50) زيدي، ص 10.

بقلم: د. محمد بن عبدالله الدويش/ أكاديمي و باحث مناهج في إدارة تطوير الخطط والمناهج في جامعة الإمام محمد بن سعود – رئيس اللجنة التعليمية في المنتدى الإسلامي – الرياض.

 

استمر هذه المناقشة ...