التعليم الإسلامي والعربي في إفريقيا (3)

  • رقم الخبر 1747
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص على الرغم من الصعوبات والعقبات، ومن السلبيات والمشكلات التي يعانيها التعليم الإسلامي في إفريقيا، فيبقى التعليم الإسلامي منارة مضيئة من منارات العمل الإسلامي، وتبقى له آثاره الحميدة في نشر العلم الشرعي والدعوة إلى الإسلام وحفظه، في هذه القارة المستهدفة بتيار التنصير.


 

10- الطالب:

لقد أدّى ضعف ارتباط مخرجات التعليم الإسلامي بسوق العمل، وضعف إمكانات هذا التعليم، إلى أن يقبل على المدارس الإسلامية الطلاب ذوي الدافعية المنخفضة في الإنجاز، أو ممن ينتمون في الغالب إلى أسر فقيرة أو غير متعلّمة.

يقول الأستاذ ديابي إبراهيم: «أصبحت مدارسنا الإسلامية مأوى للأولاد من الأسر الفقيرة الذين لا يستطيعون سداد تكاليف الدراسة في المدارس العمومية، وكذلك مأوى للأولاد المشاغبين العاصين لأمر أوليائهم»(51)، وجاء في دراسة «بامبا»: يرى (95%) من مديري المدارس أن هروب التلاميذ إحدى مشكلات مدارسهم.

وحين يعيش المتعلّم في أجواء المدارس الإسلامية ويقارن واقعه بزملائه في المدارس العامّة، في المناهج والمعلمين والمباني المدرسية والنظام المدرسي، فإنه يشعر في الغالب بالنظرة الدونية، ويرى أنه أقلّ حالاً وشأناً من الآخرين مما يزيد من إهماله وضعف دافعيته.

ولئن كنّا نلاحظ اليوم في المجتمعات العربية أن النظرة السائدة لدى معظم الآباء أن غير المتميزين هم الذين يتجهون للتخصّصات الشرعية، وحين يتجه إليها من يملك قدراً من التفوق والتحصيل المتميز يواجه بسيل من اللوم والتأنيب، فإذا كان هذا الواقع في البلاد العربية، مع الاعتراف بالتعليم الشرعي فيها، فكيف بتلك البلاد؟! وهذا في النهاية يترك أثره في المنتج، الذي يمثّل الثمرة العملية لهذه المدارس.

 

11- الهدر التربوي:

تعاني المدارس الإسلامية ضعفاً في الكفاية الداخلية، وزيادة في الهدر التربوي، ففي الدراسة التي أجراها عبدالله سانا بعنوان (مدخل لقضايا المسلمين في غرب إفريقيا في المجتمع الإسلامي)؛ توصّل الباحث إلى أنّ (70%) من الطلاب قضوا أكثر من 17 إلى 18 سنة في التعليم المشتّت في بلادهم قبل حضورهم إلى الجامعات الإسلامية.

كما دلّت الدراسة على أن فترة إعداد هؤلاء الطلاب للالتحاق بالجامعات الإسلامية تترواح ما بين 3 إلى 6 سنوات من تاريخ وصولهم إليها، وأن متوسط السنوات التي يقضيها هؤلاء في التعليم ابتداءً من بدء تعليمهم إلى نهاية المرحلة الجامعية يبلغ (25) سنة، ومتوسط أعمارهم عند تخرجهم بالشهادة الجامعية (29- 34) عاماً.

 

12- تمويل التعليم الإسلامي:

تعاني المدارس الإسلامية الإفريقية ضعفاً في مصادر التمويل، فقليل منها يتلقّى الدعم الحكومي، وتتمثّل مصادر التمويل لهذه المدارس فيما يأتي:

1- ما يدفعه الطلاب من رسوم، ومع ذلك فهي رسوم قليلة، ونسبة كبيرة منهم لا تلتزم بذلك، ففي دراسة «بامبا» حول التعليم الإسلامي في ساحل العاج رأى (90%) من المديرين أن عدم دفع الرسوم الدراسية من مشكلات التعليم الإسلامي.

وبرغم قلّة هذه الرسوم وضعف تحصيلها فهي تمثّل نسبة كبيرة من مصادر تمويل هذه المدارس، فقد دلت دراسة بامبا على أنّ (73%) من المدارس الإسلامية في ساحل العاج تعتمد على الرسوم الدراسية كمصدر لدخلها الرئيس.

2- التبرعات النقدية من المحسنين، إمّا من البلاد نفسها – وهذا نادر-، وإمّا من البلاد الإسلامية الأخرى- وهو الأغلب-.

وتتسم التبرعات بالقلّة وضعف الاستمرار، فمصاريف المدارس مستمرة بصفة دورية، وكثير من المتبرعين يكتفي بمبلغ مقطوع يدفعه مرة واحدة.

3- الكفالة من مؤسسات ومحسنين، وتعني أن يتولى المتبرع مصاريف المدرسة كافة، سواء كان فرداً أو مؤسسة، إلا أن المدارس التي تعتمد على هذا النوع من الدعم قليلة.

وقد أدت الظروف التي يعيشها العمل الخيري بعد أحداث سبتمبر إلى تقلّص كثير من أبوب الدعم الخارجي لهذه المدارس، سواء كان مقطوعاً أو كفالة دائمة.

4- الأوقاف والاستثمارات، وهي نادرة جدّاً، يقول الأستاذ سماكي إبراهيم: «مدارسنا تعتمد على الرسوم الدراسية التي يدفعها التلاميذ كمصدر للدخل الوحيد، وليس عندها أي مشروع استثماري لتطوير بنيتها الأساسية وتحسين دخل الأساتذة العاملين فيها»(52).

وأفادت دراسة «بامبا»، حول التعليم الإسلامي في ساحل العاج، أنه لا يوجد إلا مدرستان فقط لهما استثمارات مالية، وفي دراسته أيضاً رأى (90%) من المديرين أن التمويل يُعَدّ مشكلة من مشكلات التعليم الإسلامي.

وقد ترك هذا الضعف في التمويل لدى المدارس الإسلامية آثاراً سلبية؛ أهمّها: ضعف قدرتها على توظيف العناصر المتميزة والفاعلة، وضعف قدرتها على توفير المستلزمات الدراسية للمتعلمين فيها، وضعف مبانيها المدرسية.

ويصف الشيخ محمد سعيد كمارا مدير الشؤون الدينية في غينيا حال المدارس الإسلامية في غرب إفريقيا بقوله: «إن حالتها المادية والمعنوية مزرية، لدرجة أصبحت معها أبعد ما تكون عن العصر ومتطلباته ومسايرة روحه، فهي لا تتوافر فيها المرافق الحيوية والأساسية، سواء من حيث البنايات أو التجهيزات الضرورية، أضف إلى هذا ما تتخبط فيه من مشاكل التسيير الإداري والمراقبة التربوية وانعدام التخطيط التربوي؛ فهذه المدارس ضعيفة التمويل لأنها تعتمد فقط على عطايا المحسنين والمتصدقين من أهل البلدة»(53).

كما أدّى هذا الوضع المتردي إلى اضطرار المدارس للجوء إلى حلول غير شرعية وغير مقنعة، ومن ذلك اختلاط الطلاب والطالبات حتى في المراحل العليا، وفي بعض المدارس لجأت المدرسة إلى تخصيص يوم للبنين ويوم للبنات!

كما أدّى هذا في بعض المدارس إلى اعتماد المعلّم على تلامذته، وهذا له آثاره السلبية، ففي زنجبار: «لا يحصل المعلّم على رسوم أو دخل منظّم، ولكنه يجد بعض الشيء (النقود) عند دخول التلميذ الجديد فى مدرسته، كما يجد شيئاً قليلاً إذا أتمّ التلميذ نصف المصحف، وإذا أكمل القرآن، كذلك يطبخ التلميذ «المديدة» ويوزعها لزملائه، وتوجد طرق أخرى تساعد المعلّم على رفع دخله، منها أن تعد زوجته بعض المطبوخات، كالفول السوداني والفطيرة، لتبيعها للتلاميذ الذين يشترونها إجلالاً لمعلّمهم»(54).

وأحياناً يقدّم التلاميذ خدمات عينية للمعلم، ففي زنجبار: «يعمل التلاميذ عادة كلّ الأعمال المنزلية لمعلّميهم، مثل جلب المياه، غسل ملابس المعلّم في كلّ يوم خميس، والطبخ للبنات، وتنظيف البيت كلّ صباح، وزراعة المحصولات في حقل المعلّم، وجلب الحطب»(55).

 

13- مشكلات الخريجين:

يعاني خريجو المدارس الإسلامية، وبالأخص المدارس التي تقتصر على تدريس العلوم العربية والإسلامية، مشكلات ما بعد التخرج.

وتتمثل أبرز هذه المشكلات فيما يأتي:

1- قلّة الجهات التي تتيح لهم مواصلة التعليم، فمعظم جامعات الدول الإفريقية لا تقبل هؤلاء الخريجين، وليس أمام معظم الخريجين إلا الانتظار على أمل أن تُتاح لأحدهم منحة دراسية في إحدى الدول العربية، وهذه المنح لا تستوعب إلا النزر اليسير من هؤلاء الخريجين.

2- قلّة فرص العمل المتاحة أمامهم، فمعظم الوظائف المتاحة في المؤسسات والشركات تتطلب إتقان اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، كما تتطلب إتقان مهارات وقدرات لا توجد في الغالب لدى هؤلاء، ومن هنا يتجه هؤلاء للعمل في المدارس الإسلامية برواتب ضئيلة، أو يعملون في أعمال حرفية يتساوون فيها مع الأميين، بل ربما فاقهم الأميّون في ذلك لطول خبرتهم في هذه الأعمال.

ويشعر الأساتذة الأفارقة والعاملون في ميدان التعليم الإسلامي بهذه المعاناة، يقول عبدالرحمن كوني: «كلّ صباح تموج الشوارع بتلاميذ المدارس القرآنية يذهبون ويعودون، ونتساءل ما مصير هؤلاء الشباب الذين يقفون على أعتاب المستقبل؟ وماذا يكون وضعهم الاجتماعي بعد بضع سنوات»(56).

ومن هنا لجأت بعض المدارس إلى النظام المزدوج الذي يدرّس المنهجين الشرعي والرسمي – وسبق الحديث عن ذلك-، لكن هذا النظام له سلبيات أخرى، تتمثّل في ضعف الخريج في أحد المجالين، وفي صعوبة تمويله، كما أن القائمين على هذه المدارس يضطرون لأوضاع كثيرة غير مقنعة لهم، ومن أبرزها الاعتماد على المعلّمين النصارى، ففي إحدى المدارس التي تتبع هذا النظام يوجد سبعة معلّمون، خمسة منهم نصارى، والسادس قادياني، والسابع مسلم سنّي، فيقول لنا مدير هذه المدرسة إني: لا أملك إلا معلّماً ونصف.

ولجأت بعض المدارس إلى إضافة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وإضافة بعض المواد من المنهج الحكومي، إلا أن مستوى تدريس هذه المقررات وضعف إمكانات المدارس حال دون تحقيق ذلك لأهدافه.

 

14- السلطات الرسمية والتعليم الإسلامي:

واجه التعليم الإسلامي معاناة مع السلطات الرسمية في البلاد الإفريقية، وبالأخص في فترات الاستعمار الذي لم تتخلّص منه تلك الدول إلا منذ عقود قليلة.

وقد واجه الاستعمار- على اختلاف دوله – التعليم الإسلامي، وسعى لمحاصرته ومضايقته، وتنوعت أساليب الحكومات الاستعمارية في مواجهة التعليم الإسلامي، وشملت هذه الأساليب:

 

(1 14) الامتناع عن التصريح لها:

حين تكون الظروف مواتية للمستعمرين عن الامتناع عن التصريح للمدارس القرآنية فإنهم لا يترددون في ذلك، ففي عام 1926م منع مفتش الشؤون الإدارية أحد المعلّمين في المدارس القرآنية في مدينة «دالو» من فتح مدرسته، وقال: «لن نسمح بتمكين وتطوير الجمعيات الإسلامية والمدارس القرآنية في الأماكن التي الإسلام فيها مجهول لدى أهلها»(57).

يقول «أرنور ويبر» رئيس مصلحة الشؤون الإسلامية لمدينة «دكار»: «يجب أن تكون سياسة فرنسا صارمة في إفريقيا الغربية، ويجب وضع حدٍّ لنشاط معلّمي المدارس الإسلامية والكتاتيب والمرابطين في البلاد، وتساهلنا مع هؤلاء يعني أن نهيئ بأنفسنا اعتناق الأفارقة التدريجي للإسلام، وبهذا نكون قد أخذنا بيد الإسلام ودفعنا عجلة تقدّمه إلى الأمام»(58).

 

(2 14) إصدار قوانين صارمة للتصريح لها وتنظيمها:

ومن ذلك أن الحاكم الفرنسي «في السنغال «فيدرب» أصدر بتاريخ 22 يونيو 1857م القرار رقم 96 يتضمن عدة بنود للهيمنة على الكتاتيب القرآنية والمراكز التعليمية الإسلامية، وجاء فيه:

1- لا يسمح من الآن فصاعداً فتح مدرسة إسلامية أو التدريس فيها إلا بعد الحصول على إذن من الحاكم.

2- على جميع الشيوخ الراغبين في فتح مدارس إسلامية تقديم طلبات بهذا الخصوص إلى الحاكم.

3- تقوم لجنة مكوّنة من طرف الحاكم، وتتألف من رئيس البلدية ومعلّم يرشحه الحاكم، بإجراء امتحان على المعلّمين الراغبين في فتح مدارس.

4- تقوم اللجنة المذكورة بالرقابة على المدارس الإسلامية، وعلى المدرسين في هذه المدارس أن يرفعوا كلّ ثلاثة شهور تقارير عن أسماء وأعمار تلاميذهم.

5- على جميع المدرسين في المدارس الإسلامية أن يرسلوا تلاميذهم الذين يبلغون من العمر 12 سنة فزائداً إلى الدروس المسائية في المدارس الفرنسية التي تديرها الإرساليات المسيحية.

6- يحال كلّ من يخالف ما ورد في هذا القرار إلى المحكمة، وعند إدانته تطبق عليه العقوبة المنصوص عليها في المرسوم الملكي الصادر في 26/4/1845م.

7- سيوزع هذا القرار على جميع المعنيين، وسيتم نشره في الجريدة الرسمية للمستعمرة(59).

وبعد مرور أربعين سنة من تطبيق سياسة مكافحة التعليم الإسلامي دون جدوى؛ أصدرت الإدارة الاستعمارية قرارات أخرى أشد صرامة ضد المدارس القرآنية والعربية، فبتاريخ 9 مايو 1896م أصدر الحاكم الفرنسي قراراً يتضمّن ست عشرة مادة، نذكر منها:

مادة 1: إن فتح أية مدرسة إسلامية يتطلب تصريحاً من الحاكم العام.

مادة 2: يعتمد على هذا التصريح بعد اقتراح من مدير الشؤون الداخلية وبعد موافقة السلطات البلدية، وعلى الراغبين في الحصول على التصاريح توجيه طلباتهم إلى الإدارة الداخلية مرفقة بما يلي:

أ- شهادة قضائية تثبت عدم إدانته في قضية.

ب- شهادة حسن السيرة والسلوك من بلدية المدينة.

ت- شهادة ميلاد.

مادة 3: لا بد أن يجتاز المرشحون امتحاناً خاصاً أمام لجنة مكوّنة من رئيس البلدية والقاضي ومدرس للعربية أو مواطن معروف له إلمام باللغة العربية.

وجاء بعد ذلك في:

مادة 5: يتم إغلاق المدارس بقرار من الحاكم العام؛ بناءً على محضر من الشرطة العامة واقتراح من مدير الشؤون الداخلية.

مادة 10: لا يمكن للمدارس الإسلامية الخاصة من الآن فصاعداً قبول تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 6 و 15 سنة أثناء أوقات الدراسة في المدارس العمومية.

مادة 11: كلّ مَن يفتح مدرسة خاصة بدون تصريح أو يواصل في تشغيلها بعد سحب التصريح سيعاقب بغرامة مالية تتراوح بين 1 و 15 فرنك، وسجن لمدة تتراوح بين 1 و 5 أيام.

مادة 13: ستعلن عن هذه اللائحة بالفرنسية والعربية في جميع المدارس الإسلامية.

مادة 15: يبدأ تطبيق جميع البنود الواردة في هذا القرار مع بداية العام الدراسي القادم 1896م(60).

وفي تاريخ 22 أغسطس 1910م وجّه الحاكم العام لمستعمرات فرنسا في غرب إفريقيا (وليام بونتي William ponty) رسالة خاصة إلى مفتش التعليم الرسمي والإسلامي، قال فيها: «لا ينبغي أن نضيع أية فرصة لنشر لغتنا، وتخفيض عدد التلاميذ الذين يذهبون إلى المدارس القرآنية فقط، وقد أخبرتني أنه حتى في «سين لويس» فعدد التلاميذ الذين يتابعون دراستهم في مدارس المدينة الأربع لا يزيد على 500 تلميذ، في حين أن أكثر من 1.300 تلميذ يتجمّعون حول الشيوخ في المدارس القرآنية، ولا يجوز أن ندعم المدارس القرآنية، بل علينا أن نتجنب كلّ ما يعزز نشر دين لا يؤمن معتنقوه بمبادئنا، ولا تروقهم الأفكار الجديدة التي ندعو إليها»(61).

 

(3 14) سياسة الاحتواء والمهادنة:

ومن الأساليب التي سلكها المستعمر مهادنة التعليم الإسلامي تمهيداً لاحتوائه، يقول «جورج هاردي» المفتش الفرنسي لشؤون التعليم: «لقد كانت هناك قناعة بأنه لا يوجد في غرب إفريقيا كما يوجد في الجزائر وتونس والمغرب الأقصى ثقافة إسلامية، وهذا يدفعنا إلى القيام ببعض تنازلات لهذه الحضارة التي سبقت حضارتنا، ولكي يتم تسهيل قبول تعليمنا الفرنسي لدى الأهالي فقد كان علينا أن نقبل التعليم الإسلامي العربي، حيث يكون واسطة بين المدارس القرآنية والمدارس الفرنسية، وتستهدف العمل على نسيان الأولى وقبول الثانية»(62).

ويقول خبير التربية في المخابرات المركزية في الحكومة الاستعمارية السنغال: «إن نسبة الإقبال على مدارسنا على مستوى القطر السنغالي تدعو للسخرية، وإنه لمن المؤسف أن لا يرتاد مدارسنا المنتشرة في الريف سوى بضعة تلاميذ، بينما تستقطب المدارس القرآنية مئات الطلاب... لا بد من فعل شيء بطريقة غير مباشرة؛ لأن أي تدخّل حكومي قد يأتي بنتائج وخيمة»(63).

 

(4 14) الحكومات المحلية والتعليم الإسلامي:

انتهت مرحلة الاستعمار العسكري في دول إفريقيا، وإن بقيت كثير من آثاره ونتائج قوانينه وإجراءاته، فكثير منها لا يزال معمولاً بها، والأنظمة التعليمية التي رسّخها لا يزال لها حضور وتأثير في الساحة الإفريقية.

والأمر في كثير من الدول الإفريقية كما تصفه الكاتبة «إيف ديسار»: «البيض لا يزالون في إفريقيا، ولا يزالون يقومون بدور هام، لقد تخلوا على الأقلّ في الظاهر – في السنغال مثلاً- تخلوا عن امتيازاتهم، ولكن وجودهم لا يزال عاملاً بارزاً، إن لم نقل أساسياً، في مختلف الإدارات، فهم يؤثرون على سياسة الاستيراد والتصدير، ويمتلكون ويدرون أكبر البيوتات التجارية نشاطاً، أمّا التربية والنشاطات الثقافية والاجتماعية فإنها لا تزال كما كانت في السابق مرتبطة بهم»(64).

بل ما زالت بعض الدول الاستعمارية تمارس قدراً من السلطة على مستعمراتها السابقة، فمنظمة الدول الفرنكفونية – على سبيل المثال- ترعاها فرنسا، وتمارس عليها إملاءات ومواقف عدة، وفي بعض الدول التي لا تملك سفارات في البلدان العربية ترعى الدولة الاستعمارية السابقة شؤونها، وتمنح سفارات تلك الدول تأشيرات الدخول إلى هذه الدولة، وكثيراً ما حرم بعض الدعاة الدخول إلى بعض الدول الإفريقية لامتناع الدولة الاستعمارية منح التأشيرة.

وتتفاوت مواقف الحكومات المحلية في إفريقيا من التعليم الإسلامي، لكن الغالب هو الموقف السلبي المتمثّل في عدم الاعتراف بهذه المدارس وشهاداتها، وعدم منحها أي مساعدات مالية، بل مضايقتها وإغلاقها في بعض الدول، برغم أن هذه المدارس لها أثرها في التقليل من الجريمة والبطالة، وفي محاربة الإيدز، ومظاهر الانحراف، والتفكّك الاجتماعي.

ومع ذلك فهناك فرص عديدة في بعض الدول الإفريقية، كوحدات التعليم الإسلامي والعربي الموجودة في عدد من وزارات التربية في الدول الإفريقية، كما أن بعض الحكومات تمنح تسهيلات عدة للمدارس بشرط أن تقدم حدّاً أدنى من التعليم الحكومي، وبعضها تمنح فرصاً لطلاب المدارس الإسلامية في الدخول في اختبارات الثانوية العامّة.

والمؤمّل من العاملين في ميدان التعليم الإسلامي السعي للتعرف على الفرص القائمة في بلادهم والإفادة منها، بل السعي لتغيير القوانين التي تضايق التعليم الإسلامي وتسهم في محاصرته.

 

15- خاتمة:

وعلى الرغم من هذه الصعوبات والعقبات، ومن السلبيات والمشكلات التي يعانيها التعليم الإسلامي في إفريقيا، فيبقى التعليم الإسلامي منارة مضيئة من منارات العمل الإسلامي، وتبقى له آثاره الحميدة في نشر العلم الشرعي والدعوة إلى الإسلام وحفظه، في هذه القارة المستهدفة بتيار التنصير.

وتبقى كثير من مظاهر ضعفه وقصوره جزءاً من مظاهر قصور العمل الدعوي الإسلامي، وجزءاً من طبيعة الحياة الإفريقية بصعوبتها ومعاناتها.

ومع ذلك؛ نتطلع للمزيد، وأمنيتنا أن يسعى التعليم الإسلامي لمراجعة واقعه وتقويمه، وأن تنشأ اتحادات وتكتلات للمدارس الإسلامية والعربية تسعى لتبادل التجارب والخبرات، ولتوحيد كثير من الجهود المبذولة في هذا الميدان المهمّ من ميادين العمل الإسلامي.

 

الإحالات والهوامش:

(51) بامبا، ص 136.

(52) بامبا، ص 146.

(53) زين العابدين.

(54) زيدي، ص 10.

(55) زيدي، ص 11.

(56) بامبا، ص 82.

(57) بامبا، ص 27.

(58) بامبا، ص 49، نقلاً عن مجلة العربي- ربيع الأول 1402ه، ص 9.

(59) إمباكي، نقلاً عن الوثائق الإدارية للسنغال، رقم 82 أكتوبر 1857م، الفقرات 445 – 446.

(60) إمباكي، نقلاً عن الأرشيف الوطني للسنغال، مايو 1898م، الرقم 474 و 475.

(61) إمباكي، نقلاً عن الأرشيف الوطني للسنغال، 76 F / 92 J.

(62) بامبا، ص 47، نقلاً عن زيادة الكاميروني، خليل محمد: التعليم الإسلامي في الكاميرون.

(63) ساتي، مهدي (1415هـ): اللغة العربي وصراع الثقافات في السنغال، مجلة دراسات إفريقية، العدد الثاني عشر- رمضان 1415هـ، ص 174.

(64) ساتي، ص 178.

 

د. محمد بن عبدالله الدويش/ أكاديمي و باحث مناهج في إدارة تطوير الخطط والمناهج في جامعة الإمام محمد بن سعود – رئيس اللجنة التعليمية في المنتدى الإسلامي – الرياض.