الإسلام والمسلمون في جنوب إفريقيا (الجزء الثانی)

  • رقم الخبر 1757
  • المصدر: قراءات إفريقية

المخلص المسلمون في جنوب إفريقيا، من الناحية الدينية، ليسوا منفصلين عن واقع العالم الإسلامي، فمسلمو جنوب إفريقيا لهم اتجاهات شتى، أغلبها متوارث من بلادهم الأصلية، واستمروا متمسّكين بها إلى يومنا هذا.


الوضع الديني:

المسلمون في جنوب إفريقيا، من الناحية الدينية، ليسوا منفصلين عن واقع العالم الإسلامي، فمسلمو جنوب إفريقيا لهم اتجاهات شتى، أغلبها متوارث من بلادهم الأصلية، واستمروا متمسّكين بها إلى يومنا هذا.

ولعلّ من أبرزها وأكثرها شيوعاً ما يأتي:

 

أ- الصوفية:

جاءت الصوفية مع الموجات الأولى من المسلمين، وكانوا من أتباع «الطريقة القادرية»(6) غالباً، وممّا اشتهروا به: عملية إدخال السكاكين وقطع أنفسهم بها من دون أن يُرى لذلك أثرٌ أو جرح، ويسمّون هذه العملية: «راتب» أو «رتيب»، وعملية أخرى تسمّى: «الحداد»، حيث ينشدون أورادهم ويتمايلون، هذا غير تعظيمهم للقبور، وبخاصّة قبور الشيوخ الأوائل الذين كانوا في «الموج الأول» لدخول المسلمين جنوب إفريقيا، ويعتكفون عندها لأيام، وخاصّة في الأيام المصادفة لعيد الصليب النصراني.

وهناك أتباع «الديوبندية الصوفية»، وقرينتها «البريلوية»، دخلت كلتاهما جنوب إفريقيا عن طريق مَن جاء من شبه القارة الهندية في «الموج الثاني»، وبينهما مشاحنةٌ وعداوةٌ وبغضاءُ تاريخية.

«الديوبندية»: منسوبة إلى مدرسة دار العلوم في ديوبند بالهند، ويُعدّ شيوخ هذه المدرسة هُم المؤسّسون للفرقة الديوبندية، يقول أحد زعماء هذه الفرقة في جنوب إفريقيا: «كثيرٌ من شبابنا يظنّون بأنّ الديوبندية مجرد قرية في الهند أو مدرسة دينية، لا، ليس الأمر كذلك، فإنّ الديوبندية منهجٌ نسلكه في فَهْم الدين كما تلقيناه من أكابرنا»(7).

أما «البَريلويّة»: فَهُم أتباع «أحمد رضا» من الهند، وَهُم أشدُّ غلوّاً في صوفيتهم من الديوبندية، فعبادة القبور والاستغاثة بأصحابها والتضرّع إليهم بالدعاء- الذي هو حقّ الله تعالى- تُعدّ عندهم ركناً من أركان إيمانهم. وقد تجدّد نشاطهم في الوقت الحاضر، فَلَهُم قنواتٌ فضائية تبثّ ضلالهم، ويُنشؤون المراكز الدعوية والمساجد ويسمّونها: «فيضان رضا»، كما أنّ لهم برامج خيرية: من الإطعام والكسوة والمنح الدراسية.. وغيرها كثير.

ولأنّ الهيمنة الدينية- سبقت الإشارة إليها- متركّزة في الديوبندية والبريلوية؛ فقد أسّسا مجلساً باسم: «مجلس اتحاد علماء جنوب إفريقيا»، وجعلوا كلّ جمعيات «علمائهم» أعضاء بهذا المجلس الاتحادي، ولكن السيادة فيه للديوبندية.

«الجماعة الغولانية»: وقد دخل البلاد حديثاً جماعةٌ صوفيةٌ أخرى من تركيا، يُطلق عليهم: «الجماعة الغولانية»، نسبةً إلى رئيسهم «فتح الله غولان» المقيم في أمريكا، فأول ما بدؤوا به عند وصولهم: إنشاء المعاهد المهنية والمدارس النظامية الخاصّة؛ فاغترّ بهم كثيرٌ من السذّج من المسلمين، وقد بنوا أكبر جامع في جنوب القارة الإفريقية في جوهانسبرغ، وسمّوه «مَسْجِد النظامية».

«الطريقة التيجانية»: وفي الآونة الأخيرة؛ انتشرت ظاهرةٌ جديدةٌ وسط المسلمين من الأهالي الأصليّين، وهي الانضمام لـ«الطريقة التيجانية» الصوفية، بحجّة أنها صوفيةٌ إفريقيةٌ فتناسب الأفارقة، ولا شك في أن هذا ردّ فعلٍ لمقاومة الهيمنة الدينية لكلٍّ من الديوبندية والبريلوية ذواتي الأصل الهندي، وأنّ الطابع الهندي يستوحشه الطابع الإفريقي، ولا يخفى ما في هذا من بقايا الجاهلية؛ من وزن الدين والحقّ بميزان العنصرية، وإنما يوزن الحقّ بكتاب الله وسنّة رَسُوله صلى الله عليه وسلم.

 

ب- الشيعة:

أصبح للشيعة نشاطٌ كبيرٌ في الآونة الأخيرة، بإشراف جمعية أهل البيت في جنوب إفريقيا (AFOSA)، كما يُلاحظ تزايد مراكزهم (الحسينيّات)، خصوصاً في المدن الكبيرة، كما في «دربان» في حي أتاوا، وكيب تاون، وقد استغلوا وسائل شتّي لنشر مذهبهم، منها: المنح الدراسية للدراسات العليا في الجامعات الإيرانية، وقد عُقدت اتفاقيات متنوعة بين جنوب إفريقيا وإيران، وهذا سيفتح الأبواب على مصاريعها لبثّ التشيّع تحت واجهة الدّعم الثقافي، وتركّزت جهود الشيعة في دعوة الأهالي الأصليّين، وبخاصّة شريحة الشباب المثقّفة.

ويلاحظ أنّ بعض دعاة الشيعة في البلاد اتخذوا الصوفية ذريعةً لنشر الفكر الشّيعي بين العامّة من حيث لا يشعرون، باستغلال التشابه بين عقائد الصوفية والشيعة، من تعظيم القبور، والغلوّ في أئمتهم، ودعاء الأموات، وغيرها من العقائد الهدّامة الضّالة.

 

المؤسّسات والهيئات:

توجد في جنوب إفريقيا مؤسّساتٌ وهيئاتٌ دينية، تخدم مجالات مختلفة للمسلمين، وللناس كافّة من حين آخر، وليس هناك رابطٌ يربط مؤسّسات المسلمين، أو مجلسٌ عامٌّ تندرج تحته تلك المؤسّسات، فكلّ مؤسّسة للمسلمين، في الدعوة أو التعليم أو العمل الخيري في جنوب إفريقيا، تخدم– بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر– معتقداتها ومنهجها كقاعدة أساسية.

ولنذكر بعض أبرز هذه المؤسّسات، والمجالات التي تعمل فيها:

هيئة الحلال الوطنية بجنوب إفريقيا

ديوبندي/ حنفي

مراقبة التزام شركات الإنتاج والمطاعم بضواط الحلال، وقد أصبحت أكثر نفوذاً من منافسيها، واكتسبت ثقةً العامّة المسلمين.

جمعية العلماء بجنوب إفريقيا

ديوبندي/ حنفي

في أول إنشائها عام 1923م كانت في ولاية ترانسفال، أصبحت الآن خوتانج، ومقرّها جوهانسبرج، وليس من المبالغة القول بأنّ هذه الجمعية لها نفوذٌ وهيمنةٌ أكبر من منافيسها.

مجلس المسلمين للقضاء

أشعري صوفي/ شافعي

أُنشئ في كيب تاون عام 1945م، لخدمة المسلمين في المنطقة، وليكون صوتاً وممثلاً لهم في المنطقة الغربية.

جمعية العلماء السنّية

بريلوية/ حنفي

أُسّست لخدمة البريلوية، عام 1979م، في دربان.

وقف الواقفين

خيري

يُعدّ أكبر مؤسّسة خيرية بجنوب إفريقيا، ولهم نشاطٌ دولي، ويحظى باعتراف كبيرٍ من الحكومة. يذكر مؤسّسها «امتياز سليمان»، الذي ترك ممارسة الطب للتفرغ لها، أنه أنشأها بأمر شيخ صوفيّ قابله في إحدى رحلاته في تركيا.

 

التعليم الديني:

مَن يدخل جنوب إفريقيا يُذهل ممّا يرى من كثرة المراكز التعليمية والمعاهد الدينية الفاخرة المليئة بالطلاب الوافدين من أنحاء العالم. وكما اتضح آنفاً: أنّ كلّ الأنشطة الدينية في جنوب إفريقيا تمشي على الخطوط الطائفية المذهبية، وكذلك المراكز التعليمية الدينية، وقد اشتهرت مراكز التعليم العالي باسم «دُور العلوم»، وهي بمنزلة الكليات الشرعية في العالم الإسلامي العربي، وبرنامج التعليم في هذه المراكز ليس معترفاً به عند وزارة التعليم العالي، وهي تعمل بوصفها مراكز ثقافية دينية.

برامج التعليم في دُور العلوم تشمل: تحفيظ القرآن الكريم واللغة العربية والدراسات الشرعية، ويستغرق برنامج تعلّم اللغة العربية والدراسات الشرعية معاً: ست سنوات في الغالب. إلا أنّ اللغة العربية لا تحظى بالاهتمام اللائق بها؛ بوصفها لغة الدين الإسلامي الجامعة للمسلمين الناطقين بلغات مختلفة، وذلك لأنّ دُور العلوم هذه قد أعطت اهتماماً عجيباً للغة الأردو من الهند، ويرجع ذلك إلى أنّ أكابر مذاهبهم من الهند يكتبون بالأردو، بل قد صرّح بعض مَن استضيف من الهند، «ضيف شرف» في إحدى حفلات التخرّج، بأنه لا ينبغي الاهتمام باللغة العربية كثيراً؛ لأنها تُعرِّض شبابهم للأفكار الوهابية! وزعم أحدهم– وهو مدير أحد هذه الدُّور– بأنّ العلم الدينيّ فيما دوِّن وصنّف بلغة الأردو. لذلك قلّما يوجد خرّيج فيها يتقن العربية ويعتزّ بها أكثر من اللغة الأردية، بل هناك مَن يزعم بأنّ الأردو والفارسية لغتان إسلاميتان بجانب اللغة العربية.

وبسبب هذا؛ فإنّ التعليم الدينيّ في جنوب إفريقيا يتّصف بالتعصّب المذهبي والعنصري إلى حدٍّ ما، مما يعود على فَهْم الدين الإسلامي بالتشوّه، واتساع أسباب التفرّق، وإن لم يظهر لأول وهلة، ولا عجب في أن يوجد ضعفٌ شديدٌ في المستوى الديني العِلْمي في جنوب إفريقيا.

ومن أشهر هذه المعاهد في جنوب إفريقيا:

دار العلوم نيكاسل/ ديوبندية/ حنفية/ شافعية/ مدينة نيوكاسل. وهي من أقدم المعاهد الدينية

دار العلوم آزدفيل/ ديوبندية/ حنفية/ غرب مدينة جوهانسبرج

دار العلوم زكريا/ ديوبندية/ حنفية/ جنوب مدينة جوهانسبرج

دار العلوم اسبنجو بيش/ ديوبندية/ حنفية/ مدينة دربان

دار العلوم بريتوريا/ بريلوية/ حنفية/ غرب مدينة بريتوريا

 

الإعلام:

أنشا المسلمون في جنوب إفريقيا قنوات فضائية وإذاعية، تبثّ على مدار الساعة، ومن أبرزها:

قنوات أي تي في (ITV) الفضائية/ بالاشتراك

إذاعة سي أي أي (Cii)/ مدينة جوهانسبرج

إذاعة إسلام/ مدينة جوهانسبرج

إذاعة 786/ مدينة كيب تاون

إذاعة الأنصار/ مدينة دربان

 

الدعوة الإسلامية:

عند وصول المسلمين الأول إلى جنوب إفريقيا نظر الأهالي الأصليّون إلى الإسلام بوصفه ثقافة قَوْم وافدين لا تهمّهم في شيء، كما كان حالهم مع كلّ دينٍ جديدٍ وافدٍ إليهم، ولذلك فقد انتشر بين الأهالي الأصليّين أنّ الإسلام دين الهنود أو الملايو لزمنٍ طويل، وازداد الأمر تعقّداً وحيرةً لمّا قررت حكومة التمييز العنصري إسكان النّاس حسب عِرْقياتهم فسدَّت باب الاحتكاك، ما أدى إلى استقرار هذه النظرية. ولمّا كثرت الجالية المسلمة المهاجرة من دول إفريقية أخرى إلى جنوب إفريقيا، أخذ هذا التصوّر الخاطئ يتغيّر شيئاً فشيئاً؛ لمّا رأوا بني جلدتهم من القارة قد ترسّخ الإسلام فيهم.

ومما ينبغي الانتباه إليه، أنّ من نَظَرَ إلى تقاليد الأهالي الأصليّين القومية يُفاجأ بوجود تشابهٍ عجيبٍ بينها والتعاليم الإسلامية، الأمر الذي يُثبت وصول الإسلام من قبلُ إلى القوم، وأنّ هذه التقاليد في الحقيقة هي من بقايا الإسلام، ولمّا اطلّع أحد كبار الكفار على هذه الحقيقة؛ أقرَّ بأنّ مَن أراد الرجوع إلى ملّة آبائهم الأقدمين فليُسلِموا.

ومن هذه التقاليد المحليّة المشابهة لتعاليم الإسلام:

- التيامن: في الأكل والشّرب والأخذ والعطاء والمصافحة، ويستقبحون استخدام اليسرى في هذه الأمور، بل ينكرون استخدامها أشدّ الإنكار، ويرون ذلك من سوء الأدب وقلّة الاحترام، وخصوصاً إذا صدرت من صغير إلى كبير، ويسمّون اليد اليسرى «يد القرود»، فلا يليق بالإنسان مشابهة الحيوان.

- تحريم الزنا، فما كانوا يسمحون للزناة بالعيش معهم، لذلك كان عقاب الزنا عندهم: الإعدام للمُحصَن وغير المُحصَن، وينسبون مولود الزنا إلى أمّه لا إلى أبيه، وهم حريصون على حفظ الأنساب.

- النهي عن المشي في نَعْلٍ واحدة: كما هو الحال في الإسلام، لحديث رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً» رواه البخاري وغيره.

وغير هذه كثيرة جدّاً، ويوجد هذا التشابه عند كلّ قبائل الأفارقة في جنوب إفريقيا، ولا شك في أنّ هذا الوضع أرضٌ خصبة لزرع بذور الدعوة الإسلامية.

ويلاحظ أنّ كثيراً من الجمعيات الدعوية بدأت تتلاشى عن الساحة، ولم تبق إلا مؤسّساتٌ معدودة، مثل المركز العالمي لتبليغ الإسلام (IPCI) لمؤسّسها أحمد ديدات، مع أنّ دعوتها كانت تتركز في الطائفة النصرانية، وقد فقدت حيويتها بعد وفاة مؤسّسها– غفر اللهُ له.

وقد أُنشئت جمعيات دعوية أخرى خلال الأعوام العشرين الماضية، تستهدف الأهالي الأصليّين في نشاطها الدعوي، ويلاحظ أنّ الطابع الغالب على العمل الدعوي لهذه الجمعيات: الاقتصار على صنفٍ واحدٍ من الكفار، ألا وهم النصارى، بانغماسهم في مقارنة الأديان، ومن ثَمّ بقي الكثير من الكفار في تيهٍ من أمرهم فيما يتعلق بالإسلام، فكلّما تتم دعوتهم إلى محاضرةٍ إسلامية يتم إغراقهم في كمٍّ كبير من أخطاء كتابهم المقدس والتناقضات و... إلا أنهم يخرجون وهم ما زالوا جاهلين بحقيقة الإسلام وما يدعو إليه من التوحيد والمبادئ الكريمة، بل حاقدين عليه بما وُجِهُوا به من فضيحةٍ وخزي، فيتعصبون لباطلهم بغياً بغير علم، وهذا هو الواقع المجرّب في السّاحة، وهنا تتجلّى حكمة الله تعالى حينما قال: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، كما يتحتّم التزام الكيفية الدعوية التي رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

ومن أبرز أسباب اعتناق الإسلام: بساطة الرسالة الإسلامية على العقول وسهولة فهمها، وإعجابهم بما يدعو إليه الإسلام من مكارم الأخلاق، والتشابه الموجود بين التعاليم الإسلامية وبعض ما عندهم من تقاليد، وبعض التجارب الشخصية التي قد يمرّ بها الإنسان في طريقه إلى الهداية.

وفي الآونة الأخيرة؛ سقطت الكثير من الشبهات التي كانت تحول بين النّاس والإسلام، إلا أنه نشأ في مكانها شبهاتٌ أخرى، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 25]، مثل: دعوى أنّ في الإسلام أحكاماً يصعب تطبيقها، والتأثّر بما يُذاع عبر الإعلام ممّا يشوه صورة الإسلام، والجهل هو أصل أغلب هذه الشبهات الحائلة بين النّاس ورجوعهم إلى فطرتهم؛ ما يحتّم على الداعية دراسة الواقع قبل تبليغ الرسالة الإسلامية.

 

التحدّيات أمام مسلمي جنوب إفريقيا:

من أبرز التحدّيات والمشكلات لدى مسلمي جنوب إفريقيا، ما يأتي:

أ- الغزو الثقافي الغربي: تُعدّ دولة جنوب إفريقيا دولة أوروبية في إفريقيا دون مبالغة، فالطابع الغالب فيها طابع المدنية الغربية، التي تفرض الأساليب والوسائل المادّية بصرف النظر عن شرعيتها أو إنسانيتها، هذا الوضع يشكّل تهديداً ثقافيّاً على المسلمين، من تدمير الهوية الإسلامية ومبادئها، واستبدال المبادئ الغربية بها، وفي الوقت نفسه يعوق العمل الدعوي تجاه الأهالي الأصليّين؛ إذ يُبعدهم عن تقاليدهم الأصلية القريبة من التعاليم الإسلامية جدّاً، فبعد التغريب يصعب دعوتهم إلى الإسلام.

ب- الخلط بين المأثور الديني والموروث الثقافي: لا بد من الاعتراف بأنّ المسلمين الوافدين إلى جنوب إفريقيا، قديماً وحديثاً، قد حملوا معهم عاداتهم وأعرافهم من بلدانهم الأصلية، فعجزوا عن التمييز بين ما هو ديني يُطلب الالتزام بها، وما هو عُرفي لا ضررَ في تركه، ولعلّ هذا يرجع إلى ما تمّت الإشارة إليه من ضعف التعليم الديني، وتصدّر غير أكفاء في توجيه مجتمع المسلمين.

ج- الانتماء العِرْقي، والتعامل على أساس طبقي قَبَلي: تأثّر المسلمون بنظام التمييز العنصري، فغلب الانتماء العِرْقي على كثيرٍ منهم، إلى جانب ما توارثوه من الانتماء المتعصّب من بلدانهم، فلا يُستغرب في هذه الأيام أن يُقال: هذا مَسْجِد الهنود أو الصوماليّين أو الأوغانديّين، والشيء نفسه فيما يتعلق بالتزاوج، ويوجد- مثلاً- في بعض المدن: مسلمون يصلّون العيد في جماعتَيْن متجاورتَيْن، بينهما شارع فقط، تصلي كلّ منهما مع أهل عِرْقها، وإلى الله المشتكى!

 

الخاتمة:

يمكن تلخيص أهمّ ما توصّلت إليه الدراسة فيما يأتي:

- يرجع تاريخ وصول الإسلام والمسلمين إلى هذه البلاد إلى أكثر من ثلاثمائة سنة؛ عند التحقيق.

- يتمتع مسلمو جنوب إفريقيا بوضعٍ نادرٍ للأقليات المسلمة في العالم، حيث تجمّع في حقّهم كلّ العناصر التي تضمن– بعد الله تعالى– البيئة الخصبة لممارسة الإسلام ونشره، وهي: الضمان السياسي والإمكانية الاقتصادية والبيئة الاجتماعية، فيجب استغلال هذه الفرصة لصالحهم.

- يحتاج مسلمو جنوب إفريقيا إلى دعاة وقيادات أكفاء، مؤهلين بالمنهج الصحيح والعقيدة السليمة، وإلى مراكز تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية، ترسّخ الهوية الإسلامية؛ بعيداً عن التأثيرات القومية والتقاليد الموروثة.

 

الهوامش والاحالات:

(6) نسبةً إلى عبد القادر الجيلاني، الذي نسبوه إلى مذهبهم البدعي ظلماً وزوراً؛ وإلا فقد كان- رحمه الله- إماماً من أئمة السنّة.

(7) كلمة «زبير بيات» في دربان.

 

الکاتب: عادل جعفر مولتشوا/ المدير العام لجمعية أواسا – بريتوريا - جمهورية جنوب إفريقيا.