الإسلام والمسلمون في وسط إفريقيا (1)

  • رقم الخبر 1780
  • المصدر: کتاب «الإسلام والمسلمون فى وسط أفريقيا»

المخلص سوف أتناول في هذا الموضوع تاريخ الإسلام والمسلمين في هذه القارة ومتى كان دخول الإسلام والعوامل التي سهلت دخول الإسلام إلى قارة أفريقيا والمراحل التي دخل من خلالها الإسلام إلى هذه القارة. والآثار التي ترتبت على دخول الإسلام قارة إفريقيا.


مقدمة

تعد إفريقيا القارة المسلمة الأولى إذ عدد المسلمين فيها حوالي 52% من جملة السكان ولذلك جدير بنا أن نقدم دراسة تلقي الضوء على هذه القارة المسلمة. وسوف أتناول في هذا الموضوع تاريخ الإسلام والمسلمين في هذه القارة ومتى كان دخول الإسلام والعوامل التي سهلت دخول الإسلام إلى قارة أفريقيا والمراحل التي دخل من خلالها الإسلام إلى هذه القارة. والآثار التي ترتبت على دخول الإسلام قارة إفريقيا.

وسوف ارجع في ذلك كله إلى مراجع وثيقة الصلة بهذا العنوان "الإسلام والمسلمون في إفريقيا"

 

أصالة الإسلام في قارة أفريقيا

وصل الإسلام إفريقيا مبكراً، وكانت أول لمسة إسلامية لأديم إفريقيا عندما هاجر فريق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة واختيار الحبشة أمر له مغزاه، ثم فتح الله على المسلمين مصر بعد عشر سنوات من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم فتح الشمال الإفريقي قبل اكتمال القرن الهجري الأول، وأشرف الإسلام على المحيط الأطلنطي غرباً.

وهناك محور اخر سلكته الدعوة الاسلامية في شرقي القارة الاقريقية، ولم يكن أقل نشاطاً من المحور الاول فان كان الجهاد سمة المحور الشمالي لانتشار الاسلام والدعوة الاسلامية، فالهجرة والتجارة والسلم من ابرز صفات المحور الثاني في بث الدعوة الاسلامية عبر شرق افريقيا، وبعد ان تمكنت الدعوة من قلوب شعوب الشمال والشرق الاقريقي اخذت تنتقل على ايدي ابناء هذه القارة الى افاق جديدة، فعبر الاسلام الصحراء الكبرى في افريقيا ووصل الى الغابات الاستوائية على الساحل الغربي للقارة، كما توغل من الشرق الافريقي الى الوسط.

وكان التجار المسلمين ابرز وسائل الدعوة واهم وسائل التوصيل للاشعاع الجديد للاسلام فيما يلى الصحراء الكبرى جنوباً، كذلك كانوا عبر ادخال تنزانيا وكينيا وموزمبيق، واسهم معهم بعض الدعاة تطوعاً بجهدهم فكانت مرحلة التهيؤ ثم بدات مرحلة الازدهار وتصحيح المسار بظهور مصلحين من ابناء افريقيا الذين تلقوا دراساتهم بالشرق او الغرب أو ممن تلقوا العلوم الاسلامية محليا في مناطق تمركز الثقافة الاسلامية وبرز من هؤلاء عبد الله الزيلعى وأحمد القرين وغيرهم من شرقي افريقيا ومنهم عبد الله بن ياسين وعثمان أبن فوديو وعمر الفوتي واحمدو شيخو واحمدوا صمدو واحمدوا بيلو في الغرب الافريقي. ومهما تعددت اهدافهم واختلفت غاياتهم الا انها كانت وسائل لنشر الدعوة الاسلامية ربما كان الامر يحتاج لتصحيح مساراتهم او توجيه او تنقية من شوائب علقت ببعضها، لتكون خالصة للدعوة الاسلامية.

 

أسباب ادت الى انتشار الاسلام في افريقيا

لقد اصبح الاسلام الدين الاعظم من حيث الذين اعتنقوه واصبحوا مسلمين.وانتشر انتشاراً واسعاً في هذه القارة وساد النصف الشمالي منها باكمله، وانتشر انتشارا واسعاً وظاهراً في النصف الجنوبي.وكان هذا الانتشار حصيلة جملة من الاسباب نذكر منها:

1- الجوار الجغرافي واتصال الرقعة الأرضية:

تلتحم افريقيا بآسيا(مقر الوحي) في اقصى الجزء الشمالي شرقي افريقيا من خلال برزخ السويس، ويمثل هذا الالتحام المعبر البري الوحيد بين القارتين ومن خلاله عبرت الهجرات من اسيا الى افريقيا، واتجهت الى شمال وشمال شرقي القارة الافريقية.

وإذا كان البحر الاحمر بطوله 3384 كيلومتراً يمثل فاصلاً مائيا مع(التجاوز) بين القارتين، فإن ضيق السعة بين شاطئيه والذي يبلغ 240 كيلو متراً مما يسهل العبور بين جنوب غربي اسيا وشرقي افريقيا. لذا اتخذته الهجرة البشرية معبرا نحو افريقيا،مما صبغ الحياة البشرية في شرقي افريقيا وشمالا بسمات اسيوية لهذا تنتفي صفات الفصل بين اسيا وافريقيا نفيا تاماً وحتى من خلال اوسع المناطق عرضا في البحر الاحمر تتناثر الجزر مما يسهل مهمة العبور، فجزر فرسان لا تبعد عن الساحل السعودي اكثر من 60 كيلومترا، وبينهما جزر دهلك ضعف هذه المسافة وبين جزر دهلك والشاطئ الاريتري مسافة لاتزيد عن 40 كيلومترا مما يقرب من سعة التباعد بين الشاطئين الافريقي والاسيوي لذا مثلت هذه المنطقة معبرا للهجرات ثالثا بين القارتين.

فاصبحت المعابر الثلاثة من خلال مسافة لا تتجاوز 2500 كيلومترا يضاف الى هذا معبران اخران احدهما بين القصير على الشاطئ السعودي المصري والوجه على الشاطئ السعودي او بين القصير وينبع أو الجار الميناء القديم.

والثاني بين عيذاب وجدة على الشاطئ الاسيوي، فتصبح المعابر خمسة من خلال البحر الاحمر،وهذا يجعل دور البحر الاحمر حلقة اتصال اكثر من كونه مانعا طبيعيا، لذا لعب دورا هاما في نقل الاسلام والتجارة بين القارتين ومازال دوره في النقل غير خفي، فاصبح منذ فجر الاسلام بحيرة اسلامية خالصة. واخد اسماء عربية مثل بحر الجار وبحر القلزم، وبحر جدة، وبحر ينبع،وبحر اليمن.

ولقد سهلت معابر البحر الاحمر انتقال الاسلام الى شمال وشمال شرقي افريقيا، وثمة مدخل اخر بين شبه الجزيرة وشرقي افريقيا تمثل في المحيط الهندي فعن طريقه انتقل المسلمون بالسفن الشراعية الى ساحل افريقيا الشرقي وانتشر الاسلام في القرن الافريقي واخذ يتدرج في الانتشار على طول الساحل حتى وصل نهاية ساحل موزمبيق فنشأت إمارات اسلامية فيما يطلق عليه الجغرافيون العرب بحر الزنج وحصيلة هذا المعبر انتشار الاسلام في الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق وملاوي وزامبيا وزمبابوي وأوغندا وزائيري وهكذا لعب الجوار دوراً هاما في انتقال الاسلام الى افريقيا.

 

2- بساطة تعاليم الاسلام

من أهم اسباب انتشار الاسلام عبر ربوع افريقيا بساطة تعاليمه وسهولة فهمه ويسر الدعوة إليه،فكل مسلم يعتبر داعية، فلا توجد تعقيدات المسيحية، وما يكتنفها من غموض مما يجعلها صعبة الفهم بالنسبة للافريقي، والعكس يسرت تعاليم الاسلام وسموها بالبشر ومساواتها بين الناس امورا سهلت مهمة الدعوة للاسلام ولا تتطلب "رجال كهنوت" وانما الامر لايحتاج أكثر من داعية فطن يقظ ملم بقواعد الاسلام ويجيد توصيلها.

3- ارتبطت المسيحية بالاستعمار الغربي وتجارة الرقيق وممارسة جميع انواع القسوة في نقل الملايين من الافريقيين الى العالم الجديد طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر، وماقصة تحرير العبيد الا دليلا على عقدة الذنب الذي ارتكبته الحضارة الغربية في حق الافارقة.

4- عدالة الاسلام ومساواته بين الناس، وبغضه للتفرقة العنصرية، وهي عقدة الافارقة، حيث مارسها البيض ويمارسون جميع الوانها في جنوب افريقيا تحت ظلال المسيحية مما يجعل الأخوة في كنف التنصير ليست الا اكذوبة لمسها الافريقي واقتنع بها.

5- انتشار الدعوة الاسلامية لايسخر لمصالح فئة معينة، أو يحقق مكاسب لكتل سياسية متصارعة وليست للدعوة الاسلامية أهداف غير انتشار الاسلام وهذا يخالف تماماً ما تقوم به بعثات التنصير من حماية للمصالح الاستعمارية وخدمة للمستثمرين وبث رذائل الحضارة الغربية وحرمان الافارقة من جني ثمرات الجوانب الايجابية لها فطيلة قرن ونصف لم تسع البعثات التنصيرية لتطوير إقتصاديات افريقيا وإنما تركت هذا لاستغلال الافراد والهيئات التي سخرت الافارقة لمنافعهم وما المدارس التي شيدتها البعثات التنصيرية أو المستشفيات التي بنتها إلا لعلاج وتعليم من تنصر او من تطمع في اعتناقه المسيحية.

وهذا جردها من الاهتمام بالقيم الروحية، وجعل المبشرين طلائع الاستعمار القديم والحديث، وإنتشار الخمور وشيوع الرذائل ماهي الا جوانب سلبية انتشرت واستشرت في المجتمع الافريقي كحصيلة للحضارة الغربية، وما النجاح الذي حققته البعثات التنصيرية في بعض مناطق افريقيا الا نتيجة استغلال فقر الشعوب، وأقبل الوثنيون عليها سعياً وراء النفوذ في ظل الاستعمار أو بحثا عن التعليم أوالعلاج في مناطق حرمت منه، وليست امامهم غير مدارس الارساليات أو مستشفياتها.

6- يقدم الاسلام للقبائل الافريقية قوة الشعور بالوحدة، ويؤلف بين قلوب ابنائها،وهذا منبعث من عقيدة التوحيد، واحكام صلة الفرد بالله، فالوثني الافريقي ينتقل بعد اسلامه الى أحضان الجماعة المسلمة، ويصبح عضوا في مجتمع متماسك يشعر الفرد فيه بذاته وكرامته وفي هذا انتقال حضاري من البدائية والصراع القبلي الى الوحدة والتكتل والعمل الجماعي في صالح القبيلة والامة وليس هناك تمييز بين الالوان.

 

مراحل دخول الاسلام لافريقيا الغربية

يمكن القول ان الاسلام في انتشاره بين شعوب افريقيا الغربية مر بثلاث مراحل رئيسية:-

المرحلة الاولى:

تبدأ عام 640م وتنتهي حوالي 1050م تم في تلك الفترة فتح المسلمين شمالي افريقيا وادخالها في دينهم، وفي بقاع امتدت من ساحل البحر المتوسط شمالا الى السودان جنوبي الصحراء الكبرى.

بعد ان تم فتح مصر اتجه العرب المسلمون الى الغرب واستطاعوا ان يحرزوا نصراً على الجيوش الرومانية ومن ساعدهم من الاهالي ولا سيما البربر ولكن وقف هؤلاء طويلا في وجه المسلمين وكانت سنة 730م اخر وقفة لهم بعد مقاومتهم العنيدة حيث اوصتهم زعيمتهم الكاهنة بان يسلموا ويجتنبوا القتال. أما هي فقد اختارت لنفسها ان تموت وهي تحارب الى جانب مواطنيها. وعقد صلح بين العرب والبربر شريطة ان يقدم الاخيرون اثنى عشر الف محارب الى صفوف الجيش المسلم.وبانضمامهم امل القواد ان يدخلوهم في الاسلام. ومن هؤلاء البربر تألف قسم كبير من الجيش الذي ابحر من افريقيا عام 711م لفتح اسبانيا بقيادة طارق بن زياد البربري.

وعني موسى بن نصير باختيار العلماء والفقهاء من العرب ليفسروا للبربر ايات القران ويعلموهم مافرضه الدين الجديد من واجبات.ولا يمكن القول بان دخول البربر في الاسلام كان سريعا،بل كان عمل قرون عديدة، ولم ترسخ قدم الاسلام بينهم الا بعد ان اتخذ شكل حركة قومية واصبح مرتبطا بتولي البربر الحكم.

وكان ينطوي ظهور المرابطين(في القرن الحادي عشر) على حركة قومية عظيمه جذبت عددا كبيرا من قبائل البربر نحو الاندماج في الامة الاسلامية وذلك عندما قام في مستهل القرن الحادي عشر الميلادي يحيى بن ابراهيم شيخ قبيلة صنهاجه إحدى قبائل الصحراء بعد عودته من تأدية فريضة الحج للبحث عن شيخ فاضل ليعاونه في تعليم قبيلته اصول الدين ثم وجد اخيرا في عبد الله ابن ابراهيم الشخص المناسب الذي يليه لهذا العمل.

وجاب عبد الله الدعوة وكرس نفسه لهداية هؤلاء الناس لكن العنف الذي كان يستخدمه معهم حولهم عنه وشعر انه اخفق في رسالته وقرر ان يهجر هذا الشعب ويقصر جهوده في هداية شعوب السودان الي الاسلام وفي طليعتها شعب غانة ولما استحث على الا يترك عملا كان قد زاوله من قبل لجأ مع من جمعتهم حوله دعوته من تلاميذ الي جزيرة في نهر السنغال حيث بنوا بها رباطاً واسلموا انفسهم فيه لعبادة متصلة. أما هؤلاء البربر الذين هجرهم فقد شعروا بوخزة الضمير وجاءوا اليه والي جزيرته يلتمسون منه العفو، ويبدون استعدادهم لتلقي التعاليم الدينية، وعلي هذا النحو تجمعت حوله هناك جماعة صلبة من تلاميذه اخذت في النمو حتى بلغت حوالي الف شخص.

ورأي بعد ذلك عبد الله بن ياسين وقد بارك الله في عمله، ان يطلب الي اتباعه ان ينقلوا العلم الي غيرهم من الناس والخروج الي محيط افسح ومن ثم ذهب كل رجل الي قبيلته وعشيرته للوعظ والارشاد، ولكنهم لم ينجحوا في هذه السبيل واخيراً قاد اتباعه في سنة 1042م وكان قد اطلق عليهم المرابطين، وهاجم القبائل المجاورة وارغمها علي قبول الاسلام وكان النجاح حليفه.

ومات عبد الله بن ياسين في عام 1059م ولكن حركته النبيلة التي كان قد بدأها لم تمت بموته بل جاءت قبائل كثيرة من البربر لتزيد في جموع ابناء وطنهم المسلمين وتدفقوا من الصحراء علي افريقيا الشمالية ثم فرضوا سيادتهم عي اسبانيا.

 

المرحلة الثانية:

كان الاسلام قد توقف قليلاً في أخريات القرن العاشر بسبب ثورات البربر وحروب الروم وفتن ملوك المغرب. ولكنه في القرن الحادي عشر استأنف همته ودخلت في حظيرته قبائل الصحراء وأسست في السودان ممالك ومراكز كبيرة كان لها اثر خطير في نشر الدعوة الاسلامية، ويمكن القول ان هذا الدور كان بين القرن الحادي عشر والسابع عشر وكان مجاله الرئيسي غرب افريقيا والسودان الغربي بين الزنوج. ويكتنف الغموض تاريخ دعوة الاسلام بين الزنوج.

ويظهر ان البربر اول من أدخلوا الاسلام في البلاد الي يرويها نهر السنغال والنيجر حيث اتصلت بممالك وثنية وكان بعضها مثل غانا وسنغاي عريقاً في القدم وكانت القبيلتان البربريتان لمتونة وجدالة اللتان تنتميان الي صنهاجة وتتميزان بحماستهماا الدينية في تحويل الناس الي الاسلام وبمجهودهم اثرت حركة المرابطين في قبائل السودان الوثنية، وكان عهد يوسف بن تاشفين مؤسس مراكش 1062 م وثاني امراء دولة المرابطين حافلاً جداً بدخول الناس في الاسلام.وفي عام 1076م طرد البربر الذين ظلوا وقتاً ينشرون الاسلام في مملكة غانا الاسرة الحاكمة واسلم كثير من افراد الشعب، وفي القرن الثالث عشر فقدت غانا استقلالها الداخلي واحتلاها المندنجو(مالي).

اما عند دخول الاسلام سنغاي فالذي يعرف ان اول ملكوها المسلمين يسمي زاكس من اسرة زا وقد اعتنق الاسلام عام 400 هـ(1090 م ـ 1010 م) واصطلح علي تسميته في لغة سنغاي مسلم دام. وهؤلاء السنغاي من الجنس النوبي ويقال انهم رحلوا عن مصر العليا عند الفتح العربي.

وقد قضي علي دولتهم المنصور السعدي سلطان مراكش الذي مد الي ابعد من منعطف النيجر وجميع البلاد المعروفة الان بغانة وداهومي ونيجريا وكانت هذه السلطنة منقسمة الي اربع ممالك.وكانت قاعتها جني(او دينية وقد تأسست عام 435 هـ ـ 1043 م) مركز التجار والعلماء الوافدين عليها من المغرب الاقصي والجزائر ومصر ولم تكن تنبكتو سوقاً لتجارة اواسط افريقيا فحسب، بل كانت دار علم يقصدها الراغبون في تحصيله وفي عام 1120م كان اهل النيجر قد دخل معظمهم في الدين الاسلامي الحنيف.

وقد اسلم كنبرو ملك جني حوالي القرن السادس الهجري حوالي 1200 م وحذا حذوه سكان المدينة، ثم هدم قصره وشيد مكانه مسجداً عظيماً وقد اثني ابن بطوطة الذي وصل تلك البلاد في اواسط القرن الرابع عشر علي حماسه الزنوج في اداء عباداتهم وفي دراسة القرأن وفي عصره كانت مالي اقوي دولة في السودان الغربي، وكان شأنها قد علا قبل ذلك بقرن وشعبها الذي عرف باسم المندجو كان من انشط الدعاة الي الاسلام، وبواسطتهم انتشر الدين الحنيف بين الجماعات المجاورة.

ومملكة مالي هي التي تعرف فيما كتبه التاريخ المسلم باسم بلاد التكرور وقد تكلم عنها بإفاضة القلقشندي في كتابه، صبح الاعشي، وابن خلدون في كتابه التاريخ الكبير(العبر) وقد جاء فيه انها تشتمل علي خمسة اقاليم كل اقليم منها مملكة بذاتها. الاقليم الاول مالي واقع بين اقليم صوصو واقليم كوكو واقليم غانا واقليم التكرور، وكانت هذه الممالك بين ملوك متفرقة وكان اعظمها مملكة غانا، فلم اسلم الملثمون من البربر تسلطوا عليهم بالغزو حتى دان كثير منهم بالاسلام.

ثم ضعف بذلك ملك غانا واضمحل فتغلب عليهم صوصو المجاورون وكان ملوك مالي قد دخلوا في الاسلام من زمن قديم، وقيل اول من اسلم منهم ملك اسمه(برمندانة) ثم حج بعد اسلامه فاقتفي اثره وسنته في الحج ملوكهم من بعده، ثم جاء منهم ملك اسمه(ماري جاظة)(الامير الاسد) فقوى ملكه وغلب علي صوصو وانتزع ما كان بأيديهم من ملكهم القديم، وملك من بعده(منساولي)،(منسا أي السلطان) ومعني ولي علي وكان من اعظم ملوكهم وحج ايام الملك الظاهر بيبرس ثم ملك بعده اخوة(والي) ثم خليفة وكان احمقاً، فوثب عليه اهل مملكته وقتلوه، ثم ابوبكر وساكبورة وفي ايامه تم فتح بلاد كوكو واضافها الي مملكته واتصل ملكه من البحر المحيط الغربي الي بلاد التكرور، وحج ايام السلطان الناصر محمد بن قلاوون ثم قتل في اثر عودته ومن اهم ملوكهم(منسا موسي) ابن ابي بكر وكان رجلاً صالحاً وملكاً عظيماً له اخبار في العدل تؤثر عنه وعظمت المملكة في ايامه، وكانت كانم اقدم الممالك الاسلامية في غربي افريقيا " نشات في سنغال في حدود القرن الحادي عشر ".

وقد دخل الناس ودخل الدين الحنيف الي كانم عن طريق مصر، وكانم مملكة اسلامية واقعة الي الشمال والشمال الشرقي لبحيرة تشاد وبعد اعتناق الاسلام اصبحت دولة ذات اهمية وبسطت سلطانها علي بعض القبائل في السودان الشرقي الي حدود مصر وبلاد النوبة، ويقال ان ملوك كانم من المسلمين حكموا حوالي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي او النصف الاول من القرن الثاني عشر وفي نهاية القرن الرابع عشر نقل عمر بن ادريس قاعدة بلاده الي غرب بحيرة تشاد في منطقة برنو التي اصبح اسم مملكة كانم معروفاً بها منذ ذلك الحين. كما دخلت دارفور نور الاسلام بجهود احد ملوكها ويدعى سليمان وقد بدأ حكمه 1596 م، ولم ترسخ قدم الاسلام في الممالك الاخرى الواقعة بين كردفان وبحيرة تشاد كوداي وباجرمي الا في القرن السادس عشر الميلادي.

 

المرحلة الثالثة:

وتمتد هذه المرحلة لانتشار الاسلام في افريقيا من عام 1750 م ـ 1901، وفيها نهض الاسلام نهضة قوية علي ايدي مشايخ الطرق او الاخوان وذلك في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ويمتاز هذا الدور بظهور عدد كبير من المصلحين الدينين من الجنس الافريقي نذكر منهم عثمان دانفوديو ومحمد الامين الكانمي والحاج عمر بن ادريس ومحمد المهدي وامام الصمد فالاول يرجع الفضل اليه في نشر الاسلام بين قبائل الهوسا وهو ينتمي الي قبيلة الفولة وهو اسم من اسماء الفولاني.

وكان قد تلقي علومه الدينية في مكة والمدينة وتأثر بالمبادئ الوهابية وبعودته الي بلاده عمل علي نشر لواء الاسلام بين مواطنيه، وكان مبشراً من الطراز الاول ثم اسس دولة في شمال نيجريا والكاميرون وبني مدينة سوكوتو عام 1802 م ودفن فيها عام(1816م ـ 1817 م) هكذا كان انتشار الاسلام في افريقيا الغربية وقامت دول اسلامية كانت ذائعة الصيت وكان لها اثار سياسية واجتماعية وثقافية ولا تزال اثارها باقية بإفريقيا الغربية.

نلاحظ في الدراسات المتعمقة ان الدعوة الاسلامية في افريقيا الغربية قد نجحت اكثر من نجاحها في شرق وقرن افريقيا، وان الدولة الاسلامية والامبراطوريات التي تأسست في الغرب الافريقي عمرت بفترات طويلة وهنئت بالاستقرار والتوسع وهذا يعود للعوامل التالية:

اولاً: إن الدعاة القادمين من شمال افريقيا الي غرب افريقيا كانوا احسن نوعية واكثر نضوجاً ورسوخاً في المعرفة والعلوم الاسلامية من الدعاة القادمين من المحور الجنوبي للجزيرة العربية الي قرن وشرق افريقيا، ومن اربعة عشر عالماً ورحالة وداعية الي الاسلام او مؤرخاً له تشملهم قوائم التاريخ كلهم من مصر وشمال افريقيا ولا يوجد بينهم شخصيات اسلامية قدمت من الجزيرة العربية الي افريقيا سوي الشيخ يوسف اخوان وزملائه الاربعين، ومن هؤلاء العلماء نذكر اليعقوبي وابن حوقل والمسعودي والبكري والادريسي والقرناطي والعمري وابن بطوطة وابن خلدون والقلقشندي والمقريزي وحسن بن محمد الوزان وابن الوزان الفاسي المشهور بالافريقي.

ومن ناحية اخرى كان التاجر القادم من الشمال الافريقي الي غربه اجود سلعة والطف تعاملاً من التاجر القادم من اليمن وعمان، كما كان اكثر تعمقاً للقيم الاسلامية.

وعلي الرغم انه لم يوجد في المقابل في الجزيرة العربية مؤسسات اسلامية مثل الازهر الشريف في مصر ومدن اسلامية مثل القرويين في المغرب، والزيتونة في تونس، ودول اسلامية مثل دولة المرابطين التي كان لها الفضل الاكبر في نشر الاسلام في غرب افريقيا فان مركز مدينتي(زيلع، وهرر) في القرن الافريقي يعادل مكانة مدينتي(كانو في نيجريا وتمبكتو في مالي).

فكما كانت هرر معقلاً للاسلام ومعبراً للدعوة الاسلامية الي عمق القرن الافريقي فان تمبكتو كانت مشعلاً للثقافة الاسلامية ومنفذا للحضارة الاسلامية الي غرب افريقيا، وكما كانت امبراطورية " البرنو " الاسلامية رائدة الدعوة الاسلامية الي الغرب الافريقي كانت الدولة الاسلامية في هرر وزيلع ركناً عتيداً في توسيع وترسيخ المبادئ الاسلامية في طول القرن وعرضه.

انتشر الاسلام كما هو واضح من السرد التاريخي انتشر في كل من الشرق الافريقي والغرب وغطى مساحات واسعة واثر في حياة السكان بكل جوانبها، ونري ان انتشار الاسلام في غرب افريقيا وشمالها إنما قام علي الجهاد في اغلبه، بينما كان انتشار الاسلام في شرق افريقيا قام علي الاتصال والعلاقات الاجتماعية والتجارة، وفي شرق افريقيا كان اثر الاسلام واضحاً علي الساحل حيث قامت ممالك معروفة ومشهورة لم يكتف المسلمون بان يعم الاسلام سواحل بالنسبة الي افريقيا انما توغلوا في الداخل حاملين الدعوة الي سكان الغابات والاحراش باذلين كل غال ونفيس في سبيل نشر الاسلام، وقد اسلمت افريقيا للاسلام. ووجد الافارقة كل سماحة واحترام ومساواة مما اطفي علي افريقيا صفة القارة المسلمة الاولي.

وقد كان للاسلام وللمسلمين اثار واضحة علي القارة الافريقية، وكان التغيير الاجتماعي والسياسي والتربوي واضحا على سكان القاره. سنتناول في هذا البحث معالم التغيير الاجتماعي والسياسي والتربوي تلك المعالم التي تركها الاسلام والمسلمون في القاره الافريقيه. ولا ننسى بأذن الله تعالي ذكر المؤسسات الكبرى التى ساهمت لاسيما في المجال التعليمي والتربوي. مثل الازهر والقيروان والزيتونة ومعاهد التعليم في بلاد التكرور.

 

المصدر: مخلص من کتاب «الإسلام والمسلمون فى وسط أفريقيا»/ نوال عبد العزيز راضى/ دار الفكر العربى للطباعة والنشر.

استمر هذة المناقشة...