التشيع في إفريقية

  • رقم الخبر 1786
  • المصدر: الموسوعة التونسية

المخلص أنف عبيد الله الإقامة برقّادة القيروان لما كان يوجس من مقاومة أهل القيروان السّنة. فخرج سنة 300هـ/913م في طلب موضع لبناء مدينة تأويه وتصون أهل بيته. فأتى تونس وقرطاجنّة.


لم تكن الدعوة العبيديّة دعوة طارئة على إفريقية والمغرب، بل استطاع التشيع أن ينفذ إليها بإحكام عن طريق اثنين من الدعاة توجها إليها قبل أبي عبد الله الداعي الصنعاني بنحو مائة وخمس وثلاثين سنة، يسمّى أحدهما أبا سفيان، ويسمّى الاخر الحلواني، وكان ذلك سنة145هـ/762م. وقد وصل الداعي أبو عبد الله إلى بلد كتامة سنة 280هـ/893م.

قال القاضي النعمان: "قدم إلى المغرب في سنة خمس وأربعين ومائة رجلان من المشرق، قيل إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمد (ص) [يقصد الإمام جعفر الصادق] بعث بهما وأمرهما أنّ يبسطا ظاهر علم الأئمّة من آل محمد، صلوات الله عليهم، وينشرا فضلهم. وأمرهما أنّ يتجاوزا إفريقية على حدود البربر، ثم أنّ يفترقا فينزل كلّ واحد منهما ناحية. فلمّا صارا إلى مرماجنّة [قرب سبيبة] نزل أحدهما، وكان يعرف بأبي سفيان، بها موضع يقال له تالا [وهي تالة]، فابتنى مسجدا وتزوج امرأة واشترى أمة وعبدا... وكان له من الفضل والعبادة والذكر في الناحية ما قد اشتهر به ذكره. وكان أهل تلك النواحي يأتونه ويسمعون فضائل أهل البيت، صلوات الله عليهم، منه، ويأخذونها عنه. فمن قبله تشيّع من تشيّع من أهل مرماجنّة، وهي دار شيعة، وهو كان سبب تشيّعهم.

وكذلك أهل الأربس [شرقي الكاف]. ويقال إنّه كان أيضا سبب تشيّع أهل نفطة. وذلك أنّ قوما منهم كانوا يختلفون بالتّمر إلى تلك الناحية ويشترون القمح منها. وكانوا يأتونه ويسمعون منه ويأخذون عنه... وكانت له في الفضل والعبادة أخبار كثيرة. وأمّا الثاني فكان يعرف بالحلواني، وأنّه تقدّم حتى وصل إلى سوجمار فنزل موضعا منه يقال له الناظور [قرب بجاية]، فبنى مسجدا وتزوج امرأة واشترى عبدا وأمة. وكان في العبادة والفضل والعلم علما في موضعه، وتشيّع كثير من النّاس على يديه من كتامة ونفزة وسماتة.

وكان يقول لهم: بعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب فإنما تأتيان أرضا بورا فاحرثاها واكرباها وذلّلاها إلى أن يأتيها صاحب البذر فيجدها مذلّلة فيبذر حبّه فيها. فكان بين دخولهما المغرب ودخول صاحب البذر - وهو أبو عبد الله - مائة وخمس وثلاثون سنة..." (افتتاح الدعوة. - تحقيق وداد القاضي، بيروت 1970، ص 54 - 58).

وقد بالغ مؤلّف "الافتتاح" في التنويه بعلم الدّاعيين وامتداد نفوذهما. ولم يفسّر اتفاقهما في هذا الرمز: بناء مسجد والزواج بامرأة واشتراء أمة وعبد. ولعلّه يؤول بفهم جديد للدين وتنظيم جديد للمجتمع، دون الاكتفاء بالمعنى السطحى وهو إظهار التقوى لجلب المريدين وإعداد المكان للدعوة. وفعلا قد وجد أبو عبد الله الطريق ممهّدة بفضل المتشيّعين من حجيج كتامة على يد الحلواني، فاصطحبهم من مكّة إلى سوجمار. وفي باغاية وجد أبو عبد الله بني معاد، وكان فيهم تشيّع قديم. ولعلّ ذلك التمهيد المبكّر قد تناول بترويج الأساطير والأشعار شحن النفوس والأذهان بترقّب ظهور المهدي وداعيه وبما يصحبه من علامات كظهور النجم ذي الذنب، فازدادت النفوس إلى صاحب البذر تطلّعا وإلى الحدث تشوّفا.

وكان أبو عبد الله قد تلقّى المذهب في اليمن على يد ناشره هناك أبي القاسم الحسن بن فرح بن حوشب النجّار سنة 270هـ/883م. فلما بلغه نعي الحلواني وأبي سفيان، قال لأبي عبد الله: "إنّ أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا وليس لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهّدة لك". (الكامل: 6/127، البيان: 1/124).

وكان نزول أبي عبد الله في بلاد كتامة بإيكجان عند بني سكتان، سنة 280هـ/893م. وهناك أقبل الناس عليه وأعجبوا بتقواه وعلمه، فعرّفوه بالصنعاني وشهروه بالمشرقي، وسمّاهم إخوانا وجاهرهم بمذهبه قائلا: "أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني". فظلّ الكتاميون على إعجابهم به، بينما اتّهمه بعض الناس وجاؤوه بالعلماء لمناظرته بنيّة تكفيره واستباحة دمه. ولكنّ الكتاميين حموه من موسى بن عبّاس صاحب ميلة. وخاف من أن يعزله أمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب المعروف بإبراهيم الثاني (237 - 289هـ/852هـ - 902م) فتحالف مع رؤساء القبائل على الكيد للدّاعي.

وتعدّدت المكائد دون النيل منه فخرج في جيش من كتامة ولهيصة يريد القيروان التي انشغل عنها إبراهيم الثاني بصقليّة سنة 289هـ/902م فمات فيها تاركا القيروان لابنه زيادة الله الثالث. وتواصلت غزوات أبي عبد الله للدّاعي رغم مواجهات أبي حوال محمد بن عبد الله بن إبراهيم قائد الجيش الأغلبي (ت 290هـ/903م) في ناحية تونس، وخلفه مدلج بن زكرياء (ت 293هـ/906م) في ناحية الأربس، وعاملها أبي المقارع حسن بن أحمد بن نافذ وصاحبيه شبيب بن أبي شدّاد القمودي وخفاجة العبسي، وهارون بن الطبني في باغاية. ولم تنفع الأموال التي فرّقها زيادة الله الأغلبي بالصحاف لاغراء الناس على التصدّي للدّاعي، فخرج بنفسه إلى الأربس أوّل سنة 295هـ/908م، لكنّه سرعان ما تراجع إلى رقادة في أهل بيته مقدّما إبراهيم بن أبي الأغلب عليه في قيادة الجيش. (الافتتاح: 178 - 181).

وافتتح أبو عبد الله باغاية ومجّانة [الجريصة] وقالمة ومسكيانة وتبسّة ومدبرة ومرماجنّة صلحا، وأوربة عنوة. واحتلّ إبراهيم بن أبي الأغلب تيفاش. وبعد أنّ احتلّ أبو عبد الله الڨصرين وقمّودة متوجّها إلى رقّادة خرج ابن الأغلب من الأربس إلى القيروان، فاعترضه الداعي بدار مدين وهزمه في أوّل جمادى الأولى سنة 296هـ/909م، وقتل الخارجين عن طاعته كبني ماجن. ثم افتتح قسطيلية [توزر] وقفصة والأربس، واتّجه نحو دقّةالتي بين الأربس وسبيبة [غير سميّتها التي قرب تبرسق] فخشي زيادة الله على نفسه وفرّ ليلا بأهل بيته وخدمه وأمواله إلى المشرق، فمات في القدس.

وكانت معركة الأربس - اعتبارا لقيمتها الاستراتيجية - مصيريّة بالنسبة إلى الطرفين. قال أبو عبيد البكري (ت 487هـ/1094م) في "المسالك والممالك": "إليها سار إبراهيم بن الأغلب [قائد جيش زيادة الله] حين خرج من القيروان في سنة 296هـ/909م، وزحف إليها أبو عبد الله الشيعي ونازلها، وبها جمهور أجناد إفريقية مع إبراهيم بن الأغلب، ففرّ عنها في جماعة من القوّاد والجند إلى طرابلس، ودخلها الشيعي عنوة، ولجأ أهلها ومن بقي فيها من فلّ الجند إلى جامعها، فركب بعض الناس بعضا، فقتلهم الشيعي أجمعين، حتى كانت الدماء تسيح من أبواب الجامع كسيلان الماء بوابل الغيث. وكان في المسجد ألوف. وكان ذلك من أوّل العصر إلى آخر الليل. وإلى هذا الوقت كانت ولاية بني الأغلب لافريقيّة، ثم انقرضت..."

ثم زحف أبو عبد الله على القيروان دون مواجهة فدخل رقّادة التي هجرها بنو الأغلب. وبعد إجراء بعض التراتيب لوضع حجر الأساس للدولة الفاطمية استخلف على إفريقية أخاه أبا العباس محمد بن أحمد وأبا زاكي تمّام بن معارك، وقصد سجلماسة في رمضان من نفس السنة، 296هـ/909م، ليخرج المهدي وابن القائم من سجن أليسع بن مدرار. وكان قد بشّرهما من قبل بفتوحاته، واستقدمهما من المشرق إلى المغرب متسترين. (الافتتاح: 235 - 236).

ودخل المهدي القيروان يوم الخميس 20 ربيع الآخر سنة 297/جانفي 910م، فاستقبلهم شيوخها معربين عن ولائهم. ويبدو أنّ عبيد الله المهدي قد خشي على سلطته - وهي في أوّل عهدها - من نفوذ أبي عبد الله الدّاعي، فاتّهمه وتخلّص منه ومن أخيه أبي العباس وغيرهما قتلا، كلّ ذلك في منتصف جمادى الآخرة سنة 298هـ/فيفري 911م (الافتتاح: ص 269 - 265 الكامل: 6 - 135/134 البيان المغرب: 1/ 163- 164). وقد أشار ابن الأثير إلى الفتنة التي قامت في القيروان بمشاركة مهمّة من الكتاميين الأوفياء للدّاعي المخدوع، على إثر اغتياله وأخيه (الكامل: 6/135) . لكنّ المهدي استطاع القضاء عليها، وبذلك استتبّت إفريقية له وحده.

 

السلطة السياسية

أنف عبيد الله الإقامة برقّادة القيروان لما كان يوجس من مقاومة أهل القيروان السّنة. فخرج سنة 300هـ/913م في طلب موضع لبناء مدينة تأويه وتصون أهل بيته. فأتى تونس وقرطاجنّة. وطاف بالسّاحل التّونسي إلى أن وقع اختياره على شبه جزيرة جمّة بين سوسة وصفاقس. فأمر ببناء مدينة في ذلك الموضع سمّاها "المهديّة" نسبة إليه. ولمّا اكتمل بناؤها حصّنها بأقوى ما يكون. ثمّ انتقل إليها بمن معه سنة 308هـ/920م. واتّخذها مقرّا لكرسيّه. ولم يزل عبيد الله مظفّرا مطاعا إلى أن وافاه الأجل في ربيع الأوّل322 هـ/فيفري934 م. فقام بالأمر بعده وليّ عهده القائم بأمر الله الذّي يكنّى أبا القاسم واسمه نزار.

اعتنى القائم بأمر الله من أوّل ولايته بشأن الأسطول. فجهّز سفنا عظيمة شحنها بالجنود. وسيّرها تحت قيادة يعقوب بن إسحاق إلى بلاد الرّوم. فافتتح مدنا وقلاعا كثيرة منها جنوة. وغزا كرسكا وسردانية وغيرهما. وبذلك علا صيت المسلمين في البحر. وخشيتهم إفرنج السّواحل. وكان إنشاء هذا الأسطول بدار صناعة المهديّة. ومنها خرج للغزو. وثار على القائم بالله سنة 326هـ/938م رجل من الخوارج يسمّى أبا يزيد مخلد بن كيداد ويدعى (صاحب الحمار)، ظهر بالجريد، ثمّ تحوّل إلى جبال أوراس بأرض الجزائر لمناعتها.

وكان نكّاريّا يستحلّ الدّماء. فأخذ يدعو إلى السّنة والانكار على مذهب الشّيعة، إلى أن استمال أمما من البربر. وتلقّب بشيخ المؤمنين. ولمّا تمكّن صاحب الحمار من القبائل البربريّة زحف إلى إفريقيّة في جيش يبلغ المائة ألف. ووالى الهزائم على أتباع العبيدي. وامتلك تونس والقيروان. وضّيق على القائم بأمر الله. وحاصره في الأخير بالمهديّة. فاستعان هذا بكتامة وصنهاجة. فأقبلوا في الدّفاع عن ملكه. وأبلوا البلاء الكبير. وفي هذه الأثناء توفيّ القائم بأمر الله في شوّال334 هـ/ماي946 م والحرب قائمة على قدم وساق.

فتولّى الحكم بعده ابنه إسماعيل المنصور الذي اتبّع الثّائر أبا يزيد الخارجي إلى أن أوقع به بأرض كتامة فقضى على انتفاضته سنة 336هـ/947م. ولمّا رجع المنصور إلى إفريقيّة دخل القيروان. وأمر بإنشاء مدينة بالقرب منها سمّاها "المنصوريّة" إعلانا لانتصاره سنة 337هـ/948م. ثمّ حوّل نظره إلى شؤون البلاد. فشحن أسطولا لأرض الافرنج. وأمّر عليه القائد "رشيق". فأتيح له فتح كبير، وهو الذّي استعمل على صقليّة بني أبي الحسن المشهورين بالكلبيّين، فاتصّلت إمارتهم بها زمنا طويلا.

وتوفيّ إسماعيل المنصور في شعبان سنة 341 هـ/جانفي953م. ودفن في قصره بالمنصوريّة. لقد قام البرابرة بنصرة العبيديين. فراعى الخلفاء الشّيعة حقوق أنصارهم البربر. وأسندوا إليهم أسمى المراتب من قيادة الجنود ورئاسة المصالح الدّوليّة. ولم يمض وقت طويل حتّى قامت سلطة القبائل البربريّة مثل كتامة وصنهاجة وزناتة وهوّارة. وزاد نفوذها لقوّة عصبيّتها. وحين استقلّ عبيد الله المهدّي بخلافة إفريقيّة وتسبّب في انقسام الدّولة الاسلاميّة، صارت دول الاسلام ثلاثا:

1 - الخلافة العباّسيّة بالمشرق وقاعدتها بغداد.

2 - الخلافة الأمويّة المجدّدة بالأندلس وقاعدتها قرطبة.

3 - الخلافة العبيديّة الفاطميّة بإفريقيّة ثمّ بمصر والشّام والحجاز واليمن وقاعدتها القاهرة. فكان ذلك من أكبر الدّواعي لتفريق كلمة الاسلام.

فالمنصور الشّيعي عندما توفّي جلس على كرسّي الخلافة ابنه المعزّ لدين الله الفاطمي الّذي استهلّ ولايته بإرسال جيش إلى المغرب الأقصى بأمر قائد جيشه جوهر الكاتب. فأخضع المغرب سنة 342هـ/953م. واستولى على فاس عاصمة الأدارسة. وبذلك اتّسعت مملكة الشّيعة الفاطميّين من البحر المحيط إلى برقة.

وفي سنة 358هـ/969م، سيّر المعزّ لدين الله الفاطميّ القائد جوهر في جيش كثيف إلى مصر، لمّا بلغه من اضطراب أحوالها واختلال أمورها، بعد وفاة كافور الأخشيدي. وما كاد يصل خبر مسيره إلى العساكر الاخشيديّة حتّى تفرّقوا هاربين. فدخل جوهر الصّقلي مصر دون مقاومة. وخطب بها لسيّده المعزّ. وقد اختطّ بهذه المناسبة مدينة سمّاها القاهرة المعزّية إعلانا لانتصاره. فأصبحت الدّيار المصريّة تابعة للدّولة العبيديّة.

ولمّا قرّر المعزّ لدين الله الفاطمّي الانتقال إلى مصر، قام الشّاعر ابن هانئ الأندلسي بتقريظه في قصيدة جاء في أوّلها قوله:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهّار

وانتهى بذلك الحكم الشّيعي بتونس، تاركا بعض الأساطير الشّيعيّة وبعض الأعراف الشّعبيّة، كالاحتفاء بعاشوراء وإشعال النّار وغيرها كثير.

 

التنازع المذهبي

لقد حاول الشّيعة أيّام بقائهم في تونس حمل النّاس على اتّباع مذهبهم. وسلكوا بذلك طرق البطش والتّرهيب. وأراقوا دماء مخالفيهم في الرأي لارغامهم على اعتناق مبادئهم. فحدث التّصادم بين السّنيّين والشّيعة وخاصّة أتباع المذهب المالكي الذّين قاوموهم بشدّة وثبتوا أمامهم وذبّوا عن مذهبهم إلى أن أرغموهم على التّراجع وسلوك طريق الجدل والحجاج وإقامة المناظرات بين علماء الشّيعة وعلماء المالكيّة السّنة.

ولقد أورد قاسم بن ناجي القيرواني في معالم الايمان [ج2،ص:55،ط.المكتبة العتيقة ومكتبة الخانجي] صورا من المناظرات، وخاصّة تلك التّي وقعت بين أبي عبد الله الصّنعاني الشّيعي وسعيد بن الحدّاد السّني.

وكان الصّنعانيّ من الأغنياء. ويؤوّل النّصوص الشّرعيّة طبقا لأفكاره الدّينيّة وتمشّيه السّياسي. قال أبو عبد الله الصّنعانّي الشّيعي لسعيد بن الحدّاد في إحدى هذه المناظرات: " ما بال النّاس لا يكونون عبيدا لنا (يعني أهل البيت) ، وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: "من كنت مولاه فعلّي مولاه"، فأجابه سعيد بن الحدّاد بأنّ النّبي لم يردْ بالولاية ولاية رقّ إنّما ولاية الدّين، وتلا قوله تعالى "ما كان لبشرٍ أنْ يُؤتيه الله الكتاب والحكمة، ثمّ يقول للنّاس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن كونوا ربّانيّين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأْمركم أن تتّخذوا الملائكة والنّبيّين أربابا، أيأمركم بالكُفر بعد إذ أنتم مُسلمون . قائلا له :فما لم يجعله الله لنبّي لا يمكن أن يجعله لغير نبّي، وعلّي لم يكن نبيّا إنّما كان وزيرا.

بيّن ابن ناجي أنّ هذه المناظرات لم يحصل منها الاقناع لأحذ الجانبين وكلّ منهما متمسّك برأيه، معتّز بمذهبه. واختلف فقهاء الشّيعة والسّنة أيضا في الكثير من الفروع الفقهيّة منها زواج نكاح المتعة. وهو أن يتزوّج الرّجل بامرأة إلى أجل مسمّى. فأهل السّنة يرون عدم حليّة هذا الزّواج الاعتيادي. فنكاح المتعة لا توارث فيه بين الزّوجين ولا يحتاج إلى طلاق. بل إنّ العلاقة الزّوجيّة تنتهي بانتهاء الأجل المتّفق عليه بين الطّرفين.

ومن المناظرات التّي جرت بين الشّيعة ومالكيّة القيروان، ما وقع بين عبد الله الشّيعي وسعيد ابن الحدّاد في مستند إقامة الحدّ على شارب الخمر. قال الشّيعي لفقهاء القيروان: "أين يوجد حدّ الخمر في كتاب الله، فأجابه ابن الحدّاد يكون حدّ الخمر إنّما أخذ قياسا على حدّ القذف، لأنّ السّكران إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فوجب عليه ما يؤول أمره إليه وهو حدّ القذف" (ابن ناجي :معالم الايمان، الجزء الثاني، ص 207) لكن هذا التّنازع المذهبي تقلّص تدريجيّا بانتقال المعزّ لدين الله إلى القاهرة. وواصل فقهاء القيروان تبنّي الفقه المالكي وتقلّص المذهب الشّيعي تدريجيّا من البلاد التّونسيّة ومن سائر بلدان المغرب. ولم يقتد أهل تونس إلاّ بمذهبين سنّيين هما : المذهب المالكي والمذهب الحنفي.

 

المجدوب عبد العزيز، الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985.