الإخوان المسلمون في ليبيا (الجزء الاول)

  • رقم الخبر 1792
  • المصدر: بوابة الحركات الاسلامية

المخلص تعد ليبيا من أول البلاد العربية التي انطلقت إليها جماعة الإخوان المسلمين بعد فلسطين والسودان في منتصف القرن الماضي.


التاريخ والنشأة

تعد ليبيا من أول البلاد العربية التي انطلقت إليها جماعة الإخوان المسلمين بعد فلسطين والسودان في منتصف القرن الماضي، فالتنظيم تمتد جذوره منذ بدايات نشأته الأولى في مصر على يد حسن البنا، عندما عاصره عدد من المهاجرين والطلبة الليبيين بين جنبات الأزهر الشريف وفي أروقته وعلى صفحات الإصدارات الدينية.

ويمكن إرجاع بداية حركة الإخوان المسلمين في ليبيا إلى:

1- عن طريق الطلبة الليبيين الذين كانوا يدرُسون في مصر مهد الدعوة.

2- عن طريق أعضاء هيئة التدريس المصريين من جماعة الإخوان المسلمين، والذين كانوا يدرِّسون في ليبيا.

وهناك واقعةٌ تاريخية تعد هي المدخل لتاريخ نشأة تنظيم الإخوان في ليبيا، وإن كانت مبتورة في بعض جوانبها وتقول الوثائق إنه في الأول من شهر يونيه عام 1949، وعندما أعلن الأمير إدريس السنوسي من قصر المنار في بنغازي استقلال برقة، ألقى الحاكم العسكري البريطاني للإقليم "دي كاندول" كلمة أكد فيها اعتراف بلاده بالأمير إدريس السنوسي رئيساً للحكومة المحلية في برقة وأعتذر عن عدم إمكان تسليم السلطة للأمير، إلا بعد زيارته للندن التي حدد لها يوم 9 يوليو.

وأن دي كاندول ذكر في كتاب له أنه في أوائل يوليو قبل سفر الأمير إدريس بأقل من أسبوع وبينما كان جالسًا في إحدى زياراته المعتادة للأمير، أخبره الأمير بأنه في مساء اليوم السابق سمع طرقاً على النافذة، فلما استوضح الأمر وجد ثلاثة شبان غرباء يطلبون مقابلته بصورة مُلحه: وحين دخلوا عليه قالوا إنهم لاجئون من مصر بعد ما اُتهموا -زوراً- بالاشتراك في جريمة اغتيال النقراشى باشا، ولم يعرف مترجم كتاب دى كاندول الشبان الثلاثة، بأنهم "كانوا من جماعة الإخوان في مصر"، دون أن يذكر أسماء هؤلاء الثلاثة.

ولكن وفي وثيقة أخرى وجد تعريفاً لهم وتأكيداً للواقعة، حيث يقول دي كاندول "بدأ نشاط الإخوان المسلمين بالظهور في ليبيا منذ عام 1949م عندما لجأ إليها ثلاثة من الإخوان المصريين هم: "عز الدين إبراهيم ومحمود يونس الشربيني وجلال الدين إبراهيم سعده" حيث قاموا بالتمهيد للحركة ببث الدعوة لها بين صفوف الشعب الليبي، وقد ساعدهم في ذلك عُمر باشا الكيخيا الذي كان يعمل حينئذ رئيساً لديوان الأمير إدريس السنوسي، واستطاعوا أن يكوّنوا أول شعبة للإخوان في ليبيا تحت اسم: "هيئة الدعوة الإسلامية"

ويُكمل دي كاندول على لسان إدريس السنوسي له "لقد استجاروا بي متوسلين باسم الواجب الإسلامي، ولم أجد بداً من إجابة طلبهم لقد أجرتهم وأمرت بإسكانهم في قصر المنار".

ويكمل دي كاندول "قلت للأمير إدريس بصراحة إن هذا التصرف يضعني في موقف حرج، إذ أنني ما زلت مسئولاً عن الأمن العام والعلاقات الخارجية، فأصر الأمير على أنه لا يملك إلا أن يجير من يلجأ إلى حماه "

 ويضيف الحاكم العسكري البريطاني دي كاندول في كتابه" وحين رجعت إلى بنغازي علمت أن اثنين من كبار ضباط الشرطة المصرية قد وصلا من القاهرة جواً في مطاردة الرجال الثلاثة بعد ما تم اقتفاء أثرهم إلى حدود برقة، وكان من الغريب أننا لم نتلق أي معلومات عن الموضوع من القنصلية المصرية وبالتالي لم يكن بوسعي أن أفعل شيئاً أكثر من رفع تقرير إلى الحكومة البريطانية، وبطبيعة الحال أخفقت عملية البحث عن الأشخاص الثلاثة وعاد الضابطان المصريان إلى القاهرة".

هذه الواقعة تعد الوثيقة الأولى التي تؤرخ لنشأة فرع حركة الإخوان المسلمين في ليبيا، ولذلك فإن دلالة لجوء الإخوان الثلاث إلى الأمير إدريس السنوسي، وموقف الأمير حيالهم رغم ما يمكن أن يترتب على ذلك من سوء علاقته بالحكومة المصرية آنذاك، يؤكد ـ وبما لايدع مجالًا للشك ـ أن اختيار الإخوان اللجوء إلى الأمير إدريس شخصياً يشير إلى معرفة مُسبقة بالحركة السنوسية باعتبارها حركة إصلاح ديني، ووجوب التزام الأمير بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في إجارة المستجير وتأمين المُستأمِن، ثم أن موقف الأمير يشير بطرف بارز إلى تعاطفه معهم، بتأكيده للحاكم العسكري البريطاني بأنهم اتهموا (زوراً)، وقد يكون مرد ذلك موقفًا سياسيًا من حكومة النقراشي باشا، وبالـتأكيد أن الالتزام الأدبي والأخلاقي والديني تجاه جماعة الإخوان المسلمين "المصرية" كان الأكثر تأثيراً على الأمير.

 ويُكمل الحاكم العسكري البريطاني روايته واصفاً رد فعل الحكومة المصرية فيقول: وسرعان ما جاء الرد المصري على تصرف الأمير، ففي اليوم التالي مباشرةً أغلقت الحدود المصرية مع برقة كما أُلقي القبض على اثنين من الشخصيات السنوسية البارزة كانا يزوران مصر، وبعد ذلك طلبت الحكومة المصرية من حكومة بريطانيا تسليم الفارين رسميًا، ولم أجد رداً مناسباً غير الإشارة إلى فروض الإسلام، تاركاً للسفارة البريطانية بالقاهرة أن تُجادل السُلطات المصرية كما تشاء.

ويختم "دي كاندول" حديثه بقوله "وهكذا فإن أول إجراء اتخذه الأمير بعد الاعتراف الرسمي به، أقحمه في صدام مع الحكومة المصرية، وكان رأيي الشخصي أن نُسلّم الرجال المطلوبين، ولكن الأمير إدريس ظل متشبثاً بموقفه" الأمير السنوسي لم يكتف بحمايتهم، بل ساعدهم إلى الانطلاق في الدولة لنشر أفكارهم وتوجهاتهم لليبيين، عن طريق إيجاد عمل لكل عضو منهم، وبدأ ثلاثتهم العمل في "بنغازي" بحماسة وعمل "عز الدين" في مجال التعليم، وعمل "محمود الشربيني" مع "عبد الله عابد السنوسي" بالتجارة، فيما أعطى جلال سعده دروسًا خصوصية في اللغة العربية.

واعتمد عز الدين، على التدريس في المدارس الليلية، ومن خلال العلاقات التي أقامها مع الناس، أعطى صورة عن الإخوان ودعوتهم، واستقطب عدداً من الشباب الليبي، ما ساعد على هذا التنامي في الجماعة، بوفود مدرسين إخوان عملوا بدأب على هذه الدروس، وطرح الإخوان كجماعة تهدي إلى الدين.

يقول "فرج النجار" أحد قيادات الجماعة التاريخية في ليبيا "أذكر في هذا الصدد أن شباب الإخوان في مدينة بنغازي تولوا القيام بخطبة الجمعة في العديد من المساجد في المواقع المهمة من المدينة، ولأول مرة يستمع الناس إلى شباب يخطبون الجمعة ارتجالاً بلا كُتبٍ ولا أوراق مُعدة، ويعرضون لما يهمُّ الناس من أحداث في حياتهم، فقد كان أئمة المساجد يقدمون الخطب من الكتب المعدة لذلك مما ألف الناس سماعه مرات ومرات حتى كادوا يحفظون تلك الخطب، وسرعان ما قام شيخٌ يترأَّس الجامعة الإسلامية في البيضاء، بمقاومة نشاط الإخوان الدعوى من خلال استقدام عددًا من الوعاظ من الأزهر لا بغرض الوعظ والإرشاد، وإنما قطعٌ للطريق على شباب الإخوان، وأصدرت الحكومة أمرًا في عهد الملك إدريس بمنع الخطابة وإلقاء الأحاديث في المساجد إلا لمَن يعهد إليهم من إدارة الأوقاف.

ويقول سليمان عبد القادر المراقب العام للإخوان المسلمين في ليبيا عن هذه المرحلة "انتشر فكر جماعة الإخوان في ليبيا عن طريق الوافدين من المدرسين ممن كانوا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر وأيضا عن طريق بعض الطلبة الذين ذهبوا إلى مصر للدراسة حيث تأثروا هناك بفكر الإخوان المسلمين وما يرفعونه من مبادئ وقيم ونظرة لتحقيق الاستقلال بكل مجالاته وإحياء دور الأمة الإسلامية كأمة ريادية تحمل رسالة للعالمين ولعل أهم العوامل التي ساعدت على دخول فكر الإخوان إلى ليبيا هو لجوء بعض أفراد الجماعة في الخمسينيات نتيجة لبعض الظروف في مصر وطلبوا الأمان في ليبيا وكان لهم نشاط كبير وتأثير في المجتمع الليبي".

وسرعان ما نجح الإخوان في تكوين أول شُعبة مُنظمة للإخوان المسلمين في ليبيا ومارسوا من خلالها نشاطهم بصورة علنية في يوم 5 أكتوبر عام 1954، لتحدث واقعة في نفس العام أثرت إلى حد كبير في نشاط الإخوان في ليبيا، وتمثلت في أول عملية اغتيال سياسي، قام بها الشاب "الشريف محيي الدين السنوسي" ابن عم الملك إدريس السنوسي، بإطلاق الرصاص على ناظر الخاصة الملكية "إبراهيم الشلحي"، الأمر الذي أثار الملك بفقدانه أقرب أصدقائه ومساعديه، والقائم على خدمته منذ سنة 1913، وقد ترتب على هذا الحادث أمران:

الأول: شرخ عميق في الأسرة السنوسية، وإصدار الملك مرسومًا، يُحظر بموجبه على جميع أفراد العائلة السنوسية ممارسة السياسة وتقلّد الوظائف الحكومية العامة.

الثاني: صدور أمر يمنع جماعة الإخوان في ليبيا من ممارسة نشاطهم السياسي، واتخذت بعض إجراءات "حاصرت" قيادته وبعض عناصره الليبية إثر شكوك في ثبوت علاقة للقاتل "الشريف محيي الدين السنوسي" بجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا.

استمرت جماعة الإخوان الليبية، بالرغم من حظرها، في نشاطها "العلني" من خلال طباعة بعض الإصدارات (السياسية - الدينية) المحدودة، وواصلت نشاطها التنظيمي "المصري - الليبي"، ومثل ما كانت ليبيا ملجأ ومأمناً للإخوان طيلة العشرين سنة (1949م - 1969م)، كانت بيئة سياسية واجتماعية حاضنة، وكانت مركزاً للتواصل وخط دفاع أول في مواجهة ما تعرضت له الحركة وما أصابها في مصر قبل "النكسة".

وقد حاولت حكومة الرئيس عبد الناصر في فترات مُتقطعة كثيرة، مُطالبة الحكومة الليبية تسليمها عناصر من جماعة الإخوان، وفي كل مرة يُعرض فيها الأمر على الملك إدريس، كان يرفض الطلب ويُحيل المسئولين في الحكومتين الليبية والمصرية إلى الحظر الدستوري الليبي الذي يمنع تسليم اللاجئين السياسيين.

مع بداية الستنيات ركزت شخصياتٌ بارزة من جماعة الإخوان في ليبيا على عملية البحث في إمكانيّة إنشاء تنظيمٍ يجمع أكبر عدد من الأشخاص المقتنعين بأفكارهم، حتى انتهت المشاورات والاتّصالات إلى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة، القيادي الإخواني البارز، في منطقة زاوية الدّهماني في طرابلس، وكان هويسة من أسرة معروفة، لها مكانتها الاجتماعيّة ويعمل في التجارة والمقاولات، وانتمى إلى الإخوان منذ كان طالبًا في الثانوية، كان شديد الحماسة للجماعة، فلم يخفِ انتماءه إليها، خاصة عندما كان يدرس بجامعة بنغازي، وانتهت سلسلة الاجتماعات تلك، إلى الاتّفاق على تأسيس تنظيم للإخوان في طرابلس، تولى الشيخ فتح الله محمد أحواص "الذي كان يعرف بالشّيخ فاتح أحواص" رئاسة التنظيم، ومحمد رمضان هويسة مسئولًا للعلاقات الخارجيّة، ومحمود محمّد النّاكوع لشئون التّنظيم، وعمرو خليفة النّامي عن النّشاط الجامعيّ، ومختار ناصف للشّؤون المالية ولاقت المجموعة قبولًا كبيرًا من قبل الأعضاء، وبدأت ممارسة عملها وإصدار أي مواثيق أو بيانات أو اجتماعات في سرية تامة.

في الوقت نفسه كان إخوان بنغازي الذين انطلقت منهم جماعة الإخوان، لهم تنظيم مقابل لتنظيم طرابلس، ومن قيادات بنغازي: عبد الكريم الجهاني، إدريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول وآخرون. قام الطرفان بتبادل العلاقات فيما بينهما عن طريق أحد الأعضاء، ونقل الأخبار والأنشطة أيضا في سرية تامة، وذلك في إطار الحرية التامة التي تركها الملك إدريس لهم، حيث بدأوا في إلقاء الخطب ونشر أفكارهم، وكذا نشر الثقافة في صورة توعية عن التنظيم الإخواني.

ورغم كل هذه الأنشطة التي مارسها أعضاء التنظيم الإخواني في طرابلس وبنغازي في العهد الملكي، إلا أنه طوال الفترة من 1952 وحتى 1969 لم يتم اعتقال أحد منهم على وجه الإطلاق، ولكن كانوا تحت أعين الأجهزة الأمنية، إلى أن توقف النشاط مباشرة عقب قيام ثورة الفاتح عام 1969، وإعلان الجمهورية الليبية.

 

عوامل انتشار الإخوان في ليبيا

شكلت عدة عوامل دافعا رئيسا إلى أنتشار الإخوان في ليبيا يأتي على رأسها:

1- أن الخطاب السياسي الديني لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا لم يلق صعوبة لدى سكان ليبيا نظرا لطبيعته الوعظية الدينية.

 2- إن أكثر من 98% من سكان ليبيا مسلمون ويتبعون مذهب الإمام مالك.

3-  إن جماعة الإخوان لم تكن من أهدافهم آنذاك بناء تنظيم سياسي، له برنامجه السرّي للإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا.

4- الطبيعة الدعوية التي اتصفت بها الشخصيات الاجتماعية والرموز الوطنية المعروفة الذين انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين هناك، وكانوا يُوصفون بالصفوة الصالحة.

 

إخوان ليبيا والقذافي

عقب قيام ثورة الفاتح عام 1969، وخلع الملك إدريس السنوسي، وإعلان الجمهورية الليبية، تولى معمر القذافي الحكم، واتخذ موقفاً عدائيًا من "الإخوان" وقلب لهم تخطيطاتهم رأسًا على عقب، على الرغم من مشاركتهم في الوزارات المختلفة التي شُكلت حتى العام 1973، ولكن في العام نفسه، قبض على قادة الإخوان وسرعان ما ظهروا تليفزيونيا وأعلنوا عن حل الجماعة.

واستمرت حكومة القذافي في مراقبة جميع حركات الإسلام، لضمان خلو الحياة الدينية من أي بعد سياسي، من خلال مراقبة المساجد وانتشار ثقافة المراقبة الذاتية بشكل عام، مع بقاء كل من رجال الدين وأتباعهم في حدود الخطوط الآمنة من الممارسات المقبولة، إلى درجة أن المساجد الموقوفة من قبل أسر بارزة قد امتثلت بشكل عام لتفسير الإسلام الذي أقرته الحكومة.

وسرعان ما ارتد الإخوان إلى التنظيم السرى مرة أخرى وعانوا من التهميش والعزلة في عهد القذافي، وكان الخبر الوحيد الذي تم نشره عن الإخوان المسلمين في التليفزيون الرسمي الليبي في منتصف الثمانينيات، عندما عُلقت جثثهم في أعمدة الإضاءة، ووصفوا آنذاك بأنهم زنادقة منحرفون، وهي الواقعة التي هرب بعدها الكثيرون منهم إلى الولايات المتحدة، حيث أصدروا مجلة "المسلم" عام 1982، وحين حاول بعض الأعضاء العودة لليبيا لإعادة بناء الجماعة هناك، كان مصيرهم إما السجن أو الإعدام، وكان مصير عديد من قادتها السجن أو المنفى.

وفي عام 1980، عاد الطلاب الليبيون الذين كانوا يدرسون في الخارج ومعهم فكر الإخوان، وأعادوا بناء الجماعة، وظلوا يعملون سرا وأعادوا تشكيل وبناء التنظيم اعتمادا على رؤية سياسية محددة تقوم في جانب منها على أن التغيير لن يأتي إلا من داخل البلاد، لأن النظام ارتبط بحسابات من المصالح مع كثير من الدول الغربية، والتي لا يهمها إلا "استقرار البلد"، لتتمكن من ضمان ضخ البترول إليها، وتحقيق مصالحها الاقتصادية وعملوا على وضع المجتمع الدولي أمام استحقاقات يطالب بها الشعب وهي التخلص من الحكم القذافى وحماية حقوق الإنسان، وإقامة دولة القانون في ليبيا.

في عام 1991م أجريت انتخابات لاختيار مجلس للشورى، ومن بين أعضائه، يختار المجلس المراقب العام. وعمل الإخوان على جمع بعض الأموال لمساعدة الفقراء، وشنت السلطات الأمنية اعتقالات واسعة في عام 1995، شملت عدة تنظيمات، لكن التنظيم ظل يعمل سرا حتى اكتشف عام 1998 اذ اعتقل أكثر من مائة وخمسين من قياداتهم كان أغلبهم من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين فيما تمكن عشرات آخرون من الفرار خارج البلاد.

وفي 16 فبراير من العام 2002 أصدرت محكمة الشعب الخاصة التي شُكلت لمحاكمتهم حكمها بالإعدام على المراقب العام للإخوان المسلمين في ليبيا الدكتور عبد القادر عز الدين أستاذ الهندسة النووية في جامعة الفاتح ونائب المراقب العام الدكتور سالم أبو حنك رئيس قسم الكيمياء بكلية العلوم جامعة قار يونس في بني غازي فيما حُكم على ثلاثة وسبعين متهما منهم أعضاء من مجلس الشورى بالسجن المؤبد ولكنهم هربوا إلى الخارج.

وفي عام 2004 انتخب سليمان عبد القادر مراقبًا عامًّا للإخوان المسلمين في ليبيا وهو يعتبر بذلك أصغر مراقب عام عرفته جماعة الإخوان المسلمين وهو الآن معلن بعد أن ظل هذا المنصب سريا منذ 1998 وأُعيد انتخابه مرة ثانية بعد تغيير الصفة من مراقب عام إلى مسئول عام للإخوان المسلمين في ليبيا.

وظل عبد القادر يمارس نشاطه، منطلقا من مدينة زيوريخ في سويسرا كمسئول للإخوان وكداعية إسلامي ومحاضر أيضا أو خطيب مسجد وناشطا في العديد من المؤسسات الإسلامية وسط الجالية المسلمة في سويسرا التي يعيش بينها مع زوجته وأبنائه الأربعة منذ عام 1995.

واختير رئيس لرابطة مسلمي سويسرا خلفا للسيد محمد كرموص الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في سويسرا.

عاد إلى ليبيا في عام 2011 بعد غياب دام قرابة 16 سنة قضاها خارج البلاد بعد سيطرة الثوار في ليبيا على مدينة بنغازي بعد ثورة الشعب الليبي في 17 فبراير .

 الإخوان المسلمين في ليبيا تم اعتبارهم من قبل العديد من المصادر كحلفاء للنظام الليبي من خلال علاقتهم الطيبة بسيف الإسلام معمر القذافي وفي بداية عام 2000م تغير موقف الإخوان داخل ليبيا من العداء لنظام القذافي إلى المهادنة، حيث تعاونوا مع سيف القذافي حين طرح مشروعه الإصلاحي عام 2005.

وأعلن قادة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت تأييدهم لمشروع سيف الإسلام القذافي، المعروف بمشروع "ليبيا الغد"، ودعمهم له، مشددين في الوقت نفسه على أن الإصلاح الذي يقوده نجل قائد الثورة الليبية معمر القذافي، من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات، مهمة شاقة لا يمكن تحقيقها إلا بتضافر جميع القوى الإصلاحية الوطنية المخلصة.

وقال الكاتب والباحث الليبي في شئون الفكر الإسلامي، الدكتور محمد علي الصلابي، إن جميع قادة الإخوان السابقين داخل البلاد، ممن قابلهم، وعلى رأسهم المراقب العام السابق للإخوان الدكتور عبد الله عز الدين، والذي كان محكومًا عليه بالإعدام، والدكتور عبد الله شامية (محكومًا عليه بالمؤبد)، والدكتور عبد اللطيف كرموس (مؤبد) وغيرهم، يؤيدون مشروع "ليبيا الغد"، ويدعمونه بقوة، ويعلنون استعدادهم للمشاركة في إنجاحه مع بقية أبناء وطنهم.

وذكر أن قادة الإخوان أبلغوه بأنهم ممتنون لجهود الدكتور سيف الإسلام، التي بذلها لطي ملفهم، بدءا من إخراجهم من المعتقلات رغم الأحكام العالية التي تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد في حق أغلبهم، وانتهاء بجهوده في إرجاعهم للجامعات ووظائفهم وتعويضهم، كما قال.

ويقول سليمان عبد القادر المراقب العام للإخوان في ليبيا، آنذاك، إن العمل كان سريا داخل البلاد، لأن نظام القذافي وأجبر جميع القوى السياسية على العمل السري وتمكنا من تجميع صفوفنا بعد عام 1998 من جديد.

وبنظرة فاحصة لعلاقة الإخوان مع القذافي يتضح لنا التالي:

1- دخلت الجماعة في معارك سياسية متناقضة بين التحالف مع النظام وتعاونوا مع التنظيمات اليسارية والقومية المعارضة ضده لإسقاطه.

 2- انقسموا في مواجهة النظام، فمنهم من انخرط في سلك النظام لتحقيق التغيير من الداخل، ومنهم من انسحب خارج الأراضي الليبية ليناضل من بعيد، ومنهم من انخرط في العمل السلمي أو المسلح.

3- فشل إخوان ليبيا في اختراق مجتمع القبائل الذي تقوم عليه الدولة الليبية، مثل قبائل أولاد سليمان، رفلة، ومصراتة.

 

الإخوان وثورة 17 فبراير

عقب ثورة 17 فبراير عام 2011 ضد نظام معمر القذافي، بدأ الإخوان ينتعشون، وأظهروا أنفسهم أمام الجميع وعلى الملأ، واستفاد إخوان ليبيا من تجارب نُظرائهم بمصر، حيث شكلوا خلايا في كل من جربة وبنغازي والقاهرة، ثم دخلوا عبر بوابة المجلس الوطني الانتقالي، وسيطروا على الحكومة حتى بات مصطفى عبدالجليل يوصف بأنه إخواني صغير، ووفر لهم جناحهم العسكري "الجماعة المقاتلة"، حماية لظهورهم

ودعا المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان الليبية الحكومة الانتقالية المؤقتة أعْضَاءَ الجماعة وكافّة الليبيين إلى "الالتفاف حول الشرعية والديمقراطية، والتمسك بها، ورفض كل أشكال تجاوز الشرعية أو محاولة الاعتداء عليها، حفاظاً على أمن الوطن واستقراره".

و ذكر المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان الليبية أن هذه الدعوة تأتي بالرغم من"ارتباك الحكومة المؤقتة في أدائها، والحراك البطيء في قيامها بواجباتها وتحقيق متطلبات المرحلة ومُستلزمات العُبُور بالدَّولة إلى مرحلة الأمن والاستقرار.

وطالب جميع المسئولين في الحكومة المؤقتة والعلماء والدَّعاة وقيادات منظَّمات المجتمع المدني وأولياء الأمور كافةً،إلى تَحمُّل مسئولياتهم تجاه ما ماوصفها بـ"التهديدات المتتابعة التي تطال المجتمع وبخاصة فئة الشباب"، حيث قال إنها تهديدات "تَمسُّ الجوانب الأخلاقية والتربوية في الجامعات والمؤسَّسات التعليمية والمدارس".

وشدد على مواجهة "الهجمة الشَّرسة" التي ذكر أنها تتمثل في"تَرويج المُخدِّرات والخُمُور ونَشْرِ الدَّعوة إلى التَّفسُّخ والسُّفُور، وكل ما يُهدِّدُ قِيَمنا وأخلاقنا وأعرافنا الإسلامية"، ومعلنا عن أسفه "للضحايا الذين سقطوا في مدينة طرابلس بسبب تَعَاطي الخُمُور السَّامة "ومدينا" بكل شدّة انتشار ظاهرة تعاطي الخمور المحرّمة،وكافة صور انتهاك حرمات الله تعالى ومخالفة شرعه عز وجل".

كما أدان المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان الليبية، حَادثة الاعتداء الشَّنيعة التي تَعرَّضتْ لها العائلة الإنجليزية من أصول باكستانية بإحدى ضواحي مدينة بنغازي" ومعلنا أنه يحث "وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بالاضطلاع بدورها في توعية الرأي العام بخطر هذه القضايا وأثرها السيء على صورة الدولة الليبية لدى الشعوب الصديقة والشقيقة".

واستعرض المكتب التنفيذي للجماعة في اجتماعه تقرير المسئول العام وتقارير الأقسام والقطاعات للفترة الماضية،إلى جانب تنظيم العلاقة بين القطاعات والأقسام، واعتماد آليات واضحة للتواصل وتنفيذ البرامج الدعوية العامة،وتوسيع دائرة التواصل مع أعضاء الجماعة في القطاعات وتحفيزهم على المشاركة في العمل المجتمعي والتفاعل مع مؤسسات المجتمع المدني.

شكلت جماعة الإخوان في 5 مارس 2012، حزبًا سياسيًا باسم "العدالة والبناء"، وذلك بعد ستة عقود كانوا يعملون خلالها في سرية تامة، أثناء نظام معمر القذافي، وقد تم إنشاؤه في ظل غياب القوانين بطرح عملية رسمية لإنشاء الأحزاب السياسية، وقد مثّلت الجماعة في أكثر من 18 مدينة في جميع أنحاء البلاد.

واختاروا محمد صوان رئيسًا للحزب، وهو مواطن من مدينة مصراته التي شهدت بعضًا من أسوأ درجات القتال في الحرب الأهلية التي أسقطت القذافي، وشمل الحزب أنصارًا لرجال الأعمال الأثرياء الذين عادوا إلى البلاد بعد الحرب.

وكان الغطاء الخارجي لأهداف الحزب وقتها، إقامة مجتمع عادل ووضعت على أساس قيم ومبادئ الإسلام، وقال الحكام المدعومون من الغرب في ليبيا، إن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الرئيسي للتشريع".

ونجحت جماعة الإخوان بليبيا، في التمكين من المؤسسات السيادية في الدولة، بداية من الحكومة، ومرورًا بمصرف ليبيا المركزي، وباقي مراكز المال الأخرى.

 المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين الليبية أقتحم العمل العام في ليبيا حيث ناقش في أجتماعه الشهري بمدينة بنغازي في الفترة من الخميس إلى السبت 27-29 ديسمبر 2012، ما يدور من جدل حول مشروع قانون العزل السياسي، وطالب جميع الأحزاب والتيارات مناقشة المشروع بروح الحفاظ على أهداف ثورة 17 فبراير، والتخلص من أساليب ودسائس نظام القذافي، وأن رموزه يجب أن يبعدوا عن دوائر اتخاذ القرار، ولابد أن تنطلق مسيرة دولتنا بفكر ودماء جديدة لم تتلوث بأساليب النظام الدكتاتوري السابق .

وحثت المكتب الجماعة آنذاك على المصالحة الوطنية مع المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة، وضرورة تطهير جهاز القضاء من عناصر الإفساد التي شوهت صورته، وأن تفعيل القضاء سيسهم في تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة وأدانوا عمليات الاغتيالات لرجال الأمن السابقين، مطالبين باللجوء للقضاء، وفي الوقت نفسه طالبت أجهزة الأمن أن تعيد تنظيمها بالعناصر الوطنية، وقاموا بمهاجمة كل من يزج بالقيادات والرموز الإسلامية في السجون، خاصة مفتي الديار الليبية الدكتور الصادق عبد الرحمن الغرياني.

ودعوا للحفاظ على ثوابت ثورة 17 فبراير من بناء دولة المؤسسات مع الفصل بين السلطات وحرية الإعلام والصحافة وفق الضوابط الشرعية واستكمال مشروع الدستور بضوابط الشرع الحنيف، مع دور بارز وفعال لمؤسسات المجتمع المدني.

 ليرتد خالد المشري عضو حزب العدالة والبناء المنتمي لتيار"الإخوان المسلمين" عن الثورة إلى أعادتهم للحياة بالقول أن الجموع التي خرجت يوم 7 فبراير 2012 لمواجهة هيمنتهم على الحكم ما هم إلا أطفال مغرر بهم تم استغلالهم.

 

استمر هذه المناقشة ...