تنزانيا، بلاد المسلمين المنسيين (الجزء الثانی)

  • رقم الخبر 1803
  • المصدر: مجلة نور الاسلام

المخلص في مركز (بلال مسلم مشن Bilal Muslim Mission) في دار السلام، أطلعنا سماحة السيد سعيد رضوي على نشاطات هذا المركز في تنزانيا. وكان معه هذا الحوار.


لقاء الأحبة

وأنت تنظر إلى وجوه الناس الطيبة في تنزانيا، تتحسس رابطة الأخوة بينك وبين أبناء الدين الواحد مهما اختلفت الألوان وتعددت الأعراق وتباعدت البلدان.

ها نحن في العاصمة دار السلام والموعد قد اقترب مع سماحة السيد سعيد أختر رضوي المؤسس والراعي لكثير من الأنشطة التبليغية والاجتماعية في تنزانيا، حيث كان لزاماً علينا مقابلته للاطلاع عن قرب على هذه الأعمال الرائدة. توجهنا إلى مؤسسة (بلال مسلم مشن) من أجل لقاء سماحة السيد سعيد ذلك الرجل الذي قدم من الهند إلى تنجنيقا في العام 1959، فهاله ما يعانيه الشعب التنزاني من جهل وتخلف وفقر وسوء حال...

فقرر إحياء سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) بين ظهرانيهم، وتأسيس ما أمكن من مدارس أو معاهد لمساعدة هذا الشعب الطيّب، ولا سيما أنه رأى بأم عينيه كيف يأتي المسلمون من البلاد الإسلامية المختلفة إلى هذه القارة وهمهم التجارة وكسب المال غير عابئين بمعاناة إخوانهم الأفارقة إن على مستوى الانحراف عن الإسلام أو على مستوى معيشتهم.... فكثير من القرى والمدن تختلط فيها تعاليم الإسلام بتعاليم الوثنية وبتعاليم مسيحية.

فكان سماحة السيد سعيد رضوي (أمة في رجل)، إذ جال في طول البلاد وعرضها وعاين أحوال المسلمين فيها وأعد تقريراً مفصلاً عن أهمية التبليغ الإسلامي وأرسله في العام 1967 إلى رئيس اللجنة العليا لجماعات (الخوجة الاثنا عشرية)، واستمرت المراسلات بينهما إلى أواخر العام 1964، وفي أثناء ذلك ذهب بعض الإخوان الغيارى على الدين إلى النجف الأشرف والتقوا بالمرجع آية الله السيِّد محسن الحكيم (رحمه الله) الذي حثّهم على إنشاء مشاريع أو لجان للتبليغ في هذه القارة.

وفي أواخر عام 1964، عُقد مؤتمر (فدراسبون) (للخوجة الاثنا عشر)، فوافق المؤتمرون على اقتراح السيد سعيد أختر رضوي بخصوص نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وكان السيد سعيد آنذاك إمام جمعة في مدينة دار السلام، وكان قد تعلّم اللغة السواحلية من أجل التواصل مع إخوانهم الأفارقة.

ثم قام بمجهود كبير لتأسيس مركز (بلال مسلم مشن) وتسجيله في الإدارات الحكومية في تنزانيا في العام 1968، وبعد سنتين أقام الحاج محسن علي محمد جعفر فرعاً آخر في كينيا، ولهذا المركز اليوم فروع عدة في غانا ونيجيريا (غرب أفريقيا) وفي موزمبيق (شرق أفريقيا) وفي غويانا (أميركا الجنوبية) وفي جزر توباغو وترنيراد، وفي السويد وفي أميركا.

ولا ننس الفرعين في بوروندى ومدغشقر.

وفي مركز (بلال مسلم مشن Bilal Muslim Mission) في دار السلام، أطلعنا سماحة السيد سعيد رضوي على نشاطات هذا المركز في تنزانيا.

وكان معه هذا الحوار

* سماحة السيد، ما هي الميادين التي يهتم بها مركز بلال ويعمل في سبيلها؟

** يرتكز نشاط (مركز بلال مسلم مشن) على تبليغ الإسلام ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) من خلال التعليم الحوزوي ونشر الكتب وتوزيعها وكذلك من خلال المراسلات والكتابة في المجلات وغير ذلك.

* هل أقام المركز حوزة علمية على النحو المعروف في مدينة قم والنجف الأشرف؟

** إلى الآن لا توجد حوزة تستطيع مضاهاة تلك الموجودة في قم أو النجف الأشرف ومن خلالهما نستمد المعونة والتواصل الفكري والديني، وفي الواقع، لقد أسسنا مدرسة (أهل البيت (عليهم السلام) للعلوم الإسلامية قبل 37 عاماً في كوخ مصنوع من سعف النار جبل (جوز الهند)، وكان يجري فيها تعليم مبادئ الإسلام والعقائد الإسلامية وعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، وفي أواخر التسعينيات، انتقلت هذه المدرسة إلى مركز السيد الخوئي في دار السلام، وهو بناء يتألف من ثلاثة طوابق، يضم الحسينية الحيدرية (في الطابق الأرضي) ومكاتب الإدارة وغرف التعليم.

* ما هي المنهجية التي تتبعها هذه المدرسة في التعليم الديني؟

** في العام 1997 الحقنا المدرسة بـ (المنظمة العليا للحوزات والمدارس العلمية خارج حوزة قم)، فأرسلت إلينا هذه المنظمة مديراً ومدرّساً، وبدأنا من أوائل العام 1998 بتدريس المواد على أسس المنهج المعيّن من قبل المنظمة.

* ما هو عدد الطلاب في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للعلوم الإسلامية؟

** عدد الطلاب يقارب الستين، وهذا العدد يزداد سنة بعد سنة، وجلّهم من تنزانيا.

* أين يقيم هؤلاء الطلاب؟

** في العام 1410 هـ 1989م، بنينا (بيت الغدير السكني) وهذا البناء يتسع لأكثر من مئة طالب واستطعنا إنجاز هذا المشروع الضخم بعد أن أجاز المرجع الراحل آية الله السيد الخوئي (رحمه الله) صرف سهم الإمام من أموال الخمس بكامله.

ونؤمن للطلاب فيه المأكل والملبس والطبابة وغير ذلك من حاجاتهم الضرورية.

ثم قمنا بجولة إلى بيت الغدير وإلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للعلوم الإسلامية، وفي هذه المدرسة، مكتبة (الثقلين) التي تحتوي كتباً إسلامية قيمة يرجع إليها الطلاب في أبحاثهم ومطالعاتهم.

وتضم هذه المدرسة أيضاً أربعة صفوف للبنات، وفيها 80 طالبة، بالإضافة إلى صف خاص لتعليم الفتيات الخياطة.

* سماحة السيد هل الدروس محصورة بالعلوم الدينية أم أنها تتضمن علوماً أخرى؟

** يجري تعليم طلاب مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الرياضيات واللغة الإنكليزية، وهناك صفوف لتعليم الطباعة على الآلة الكاتبة واستخدام الحاسوب، كما يوجد صف خاص للطلاب الذين يفدون إلى تنزانيا ولا يجيدون العربية ولا السواحلية يجري تعليم هؤلاء باللغة الإنكليزية.

* إلى جانب مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هل لمركز بلال مدارس عصرية؟

 

** على الرغم من قلة الإمكانيات المادية أسس المركز روضة للأطفال ومدرسة ابتدائية في دار السلام، كما أقام المركز 14 فرعاً له في دار السلام وفي مدن وقرى مختلفة وفي كل هذه الفروع صفوف لتعليم الطلاب الذين يبلغ عددهم 1300 طالب وطالبة ويشرف عليهم 35 معلماً ومعلمة.

بالإضافة إلى ذلك، يقوم هؤلاء المعلمون والمعلمات بتدريس التربية الدينية في المدارس الحكومية، الابتدائية منها والثانوية.

* قلتم في بداية اللقاء إن التبليغ يجري عن طريق المراسلة أيضاً، كيف يتم ذلك؟

** يتعاون مركز بلال مع مجمع أهل البيت (عليهم السلام) في تنزانيا في القضايا الثقافية التي تساعد إخواننا الأفارقة وغيرهم على فهم عقائد الإسلام وأحكامه وإجلاء حقيقة أهل البيت (عليهم السلام) وعلومهم، إذ تصل إلينا الرسائل الكثيرة من داخل القارة، ومن الهند وباكستان وسنغافورة وماليزيا والفليبين واليابان، ومن دول عديدة في القارتين الأميركية والأوروبية وهذه الرسائل تتضمن أسئلة متعددة حول العقائد والأحكام وحول قضايا كلامية وتاريخية وغير ذلك.

* كيف يتم الرد على تلك الاسئلة، بمعنى ما هي الآلية المتبعة في الرد على الكم الهائل من الرسائل؟

** لقد رتبنا المسائل المهمة وطبعناها في ثمانية مجلدات تحت عنوان (نجيب على أسئلتكم Anwered your question) كما نوزّع مجاناً آلاف الكتب والرسائل باللغات: العربية والسواحلية والإنكليزية، إلى أولئك الأفراد الذين تصلنا رسائلهم وهم متعطشون للمعرفة الإسلامية، ونحن نتحمل ثمن الكتب وأجرة البريد، وهذا يكلفنا كل عام نصف مليون شلن تنزاني.

* سمعنا أنكم تقومون بتدريس الإسلام إلى السجناء؟

** لقد سمحت لنا حكومة تنزانيا بتدريس أصول الإسلام وفروعه وبتأديب السجناء بأخلاق الإسلام من خلال الدروس، إذ يزور مبلغونا السجناء في 15 سجناً في مناطق دار السلام والساحل وعروشا ونانجا وسنغيدا وتبورا، كما يزور أحد المبلغين سجن الأحداث في دار السلام ثلاث مرات أسبوعياً، حيث يعلمهم الأخلاق والعقائد والصلاة، ولهذه الدروس تأثير إيجابي في نفوس الأحداث المنحرفين.

وتصلنا أيضاً رسائل من سجناء في سجون كاليفورنيا ونيويورك وفلوريدا، تتضمن أسئلة عديدة عن الإسلام، فيجري مراسلتهم وإهداؤهم الكتب التي ترد على أسئلتهم واستفساراتهم.

* ماذا عن التدريس الديني بالمراسلة؟

** عندنا ثلاثة برامج لهذه الغاية:

أ ـ المرحلة الابتدائية باللغة السواحلية: جرى مراسلة أكثر من 60 ألف طالب في هذه المرحلة في تنزانيا وفي بلاد مجاورة، وكثير من هؤلاء اعتنق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ويستمر حالياً 18500 طالباً في الاستفادة من هذه الدروس بالمراسلة.

ب ـ المرحلة الابتدائية باللغة الإنكليزية.

يجري مراسلة ثلاثة آلاف طالب باللغة الإنكليزية في هذه المرحلة.

ج ـ الدروس العالية باللغة الإنكليزية:

هذه مرحلة مهمة نظراً للمستوى العلمي الذي قطعه الطلاب من قبل إذ استطاع كثيرون في أميركا الجنوبية وجزر الكاريبي وبلاد أخرى التعرف إلى تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) التي حُجبت عنهم، وفي الوقت الحالي لدينا في هذه المرحلة 365 طالباً نراسلهم على نحو منتظم.

الاحتفالات والشعائر الدينية

قال السيد سعيد رضوي: إن مركز بلال مسلم مشن أقام 13 مسجداً وحسينيتين في مدن تنزانيا وقراها، وهي مساجد متواضعة نظراً لقلة الموارد المادية.

وتقام مجالس العزاء عن روح سيد الشهداء (عليه السلام) كل ليلة جمعة وفي أيام عاشورا، في مركز بلال في دار السلام وفي بعض الفروع مثل أروشا وينغاني وسونفيا وزنجبار وغيرها، كما تقام الاحتفالات الدينية في مواليد المعصومين (عليهم السلام) ووفياتهم، وفي عيد الغدير والمباهلة وفي غيرها من المناسبات الإسلامية.

وفي شهر رمضان المبارك يتواجد المؤمنون بكثافة في المساجد وفي مركز بلال لقراءة الأدعية الرمضانية، وفي هذا المركز أيضاً يقرأ دعاء كميل وزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) كل ليلة جمعة، ودعاء الندبة صباح الجمعة.

* ماذا عن الصحف والمجلات؟

** ليس لدينا صحيفة، إذ يكتفي المركز بإصدار مجلتين الأولى باسم (النور The Iight) وهي تصدر باللغة الإنكليزية (ستة إصدارات في السنة) والثانية باسم (صوت بلال Sautiyu Bilal) باللغة السواحلية (ستة إصدارات في السنة).

 

النشاطات الإجتماعية

* سماحة السيد، هل للمركز نشاطات اجتماعية إلى جانب نشاطه الديني؟

** كما تعلمون، إن هدف مركز (بلال مسلم مشن) هو تبليغ الإسلام وجلاء حقيقة أهل البيت (عليهم السلام) ونشر علومهم، ومع ذلك، فإننا نقيم مخيمات في القرى البعيدة، وأهم تلك المخيمات مخيّم العين (كامب العين) الذي يقام ثلاث أو أربع مرات سنوياً، وفي خلاله نقدم الخدمات المجانية لمرضى العيون، ويتراوح عدد المرضى في كل مرّة حوالي 400 مريض.

وكنا نملك قطعة أرض بجانب مركز بلال في دار السلام وقررنا بناء مستشفى عليها، لكن قلة الأموال حالت دون المباشرة بالمشروع، فتكفلت به جمعية (الخوجة الاثنا عشرية) ونجحت في بناء المستشفى وذلك خدمة لأبناء تنزانيا، وهو الآن تحت إشرافها.

وقد استطاع مركز بلال بناء 34 شقة سكنية بالتعاون مع مؤسسة صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ـ في بريطانيا ـ والجمعية العالمية (للخوجة الاثنا عشرية) ـ في بريطانيا ـ بعد أن أجاز المرجع الراحل آية الله السيد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله) استعمال سهم الإمام من أموال الخمس في هذا المشروع.

وهذه الشقق تم توزيعها على عائلات أفريقية مسلمة.

كلمة أخيرة

** أتمنى من جميع المسلمين القادرين أن يهتموا بإحياء الاسلام في هذه القارة، وبنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، فسمؤولية التبليغ تقع على عاتقنا جميعاً، ولا سيما أن كثيراً من العادات والتقاليد الإسلامية تختلط بتلك الوثنية هنا، نظراً لقلّة المبلغين، ونظراً للجهل والتخلّف اللذين ترزح تحتهما هذه القارة.

وأتمنى لمجلة نور الإسلام النجاح الدائم، لأنها حملت على عاتقها نشر الإسلام وجلاء حقيقة أهل البيت (عليهم السلام) ونشر علومهم والتواصل مع أبناء العقيدة في أصقاع المعمورة.

ودعنا السيد بعد هذا اللقاء المثمر، وقمنا بجولة في المناطق التنزانية، فرأينا عدداً من المساجد التي بنتها لجنة مسلمي أفريقيا، إلى جانب مراكز الأيتام، فلدى هذه اللجنة العديد من دور الايتام التي تستوعب أكثر من 360 يتيماً، وتهتم أيضاً ببناء المستوصفات ولا سيما في المناطق النائية.

وتشرف اللجنة على تسع مدارس ثانوية في دار السلام ومونزوا وفي محافظات أخرى، وكل هذه المدارس مزودة بسكن داخلي للطلاب، كما أنشأت خمسة مراكز نسائية لتعليم الخياطة والطباعة وغيرها من المهن.

وقد حفرت لجنة مسلمي أفريقيا ما يقارب ألف بئر من أجل توفير المياه الصالحة للأهالي.

نغادر تنزانيا وفي القلب أسى على أحوال إخواننا الأفارقة، وعلى الشفاه ابتسامة يرسمها الأمل بعطاءات الخيّرين ونشاطات المبلغين في تلك الأصقاع المنسية.

 

الکاتب: جهاد يوسف وهدى كوراني

المصدر: مجلة نور الاسلام: 83-84