اللغة العربية والثقافة الإسلامية في السنغال (1)

  • رقم الخبر 1841
  • المصدر: الموقع الصدى

المخلص دخل الإسلام في السنغال بصفة مبكرة وذلك منذ القرن الحادي عشر الميلادي او قبله عند بعض الباحثين والمؤرخين، وقد رافق الإسلام اللغة العربية في السنغال منذ بداية مسيرته.


المقدمة

دخل الإسلام في السنغال بصفة مبكرة وذلك منذ القرن الحادي عشر الميلادي او قبله عند بعض الباحثين والمؤرخين، وقد رافق الإسلام اللغة العربية في السنغال منذ بداية مسيرته. وقد أثرت اللغة العربية والثقافة الإسلامية في السنغاليين تأثيرا بليغا، فكانا كصنوين لا يفترقان في الشعب السنغالي، ظهر ذلك في كل مظاهر الحياة الروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكان للاحتكاك بين العرب وخاصة الموريتانيين والمغاربة في شمال إفريقيا دور كبير في ذلك وكذلك التجار والشيوخ، وقد أدى هذا أيضا إلى بروز عدد كبير من الكلمات العربية في اللغات المحلية الإفريقية، وخاصة السنغالية. مثل اللغة الولوفية و الفولانية.

وفي هذا العرض نركز على اللغة العربية والثقافة الإسلامية ومدى تأثيرهما في الشعب السنغالي.

 

- ظهور الإسلام في غرب أفريقيا:

تميز عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق بقتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فتوطدت أركان الدولة الإسلامية بعد أن كادت تتمزق إثر وفاة النبي، أما في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فقد توسعت دار الإسلام، وامتدت الفتوح إلى مناطق من أفريقيا، ففتح عمرو بن العاص مصر سنة 20 هـ والإسكندرية والرقة سنة 21هـ وطرابلس الغرب سنة 22هـ.

ويروى أن عمرا لما فتح طرابلس كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب يقول: “إن الله فتح علينا طرابلس ….وليس بينه وبين أفريقية (تونس) إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فعل”.

ولكن عمر بن الخطاب لم يأذن له، ولما جاء الخليفة عثمان بن عفان عزل عمرو بن العاص عن مصر، وولى عليها عبد اله بن أبي سرح، وأذن له في فتح إفريقية، وفي سنة 50هـ/ 760م، دخل عتبة بن نافع الفهري إفريقية، واختط مدينة القيروان، وكانت له ولاية ثانية على إفريقية (62 – 64هـ / 681- 683م)، تابع فيها فتوحه(1).

وذكر ابن عذارى أن عقبة بن نافع نزل من درعة إلى بلاد صنهاجة، ثم إلى بلاد هسكورة، ثم نزل أعمات ورويكة، ثم نزل منها على وادي نفيس، وسار حتى نزل ريجلى بالسوس (2).

وفي بعض الروايات أن عقبة تابع سيره حتى وصل مدينة ولاتة بشرق موريتانيا اليوم، وتدعى يومئذ بـ “بيرو”، وخلف ابنه العات.

وعلى كل فقد تواترت روايات المؤرخين عن حملة سيرها عبيد الله بن الحبحاب والي هشام بن عبد الملك على إفريقية والمغرب لنشر الإسلام وحفر الآبار تمهيدا للطرق في السوس الأقصى وبلاد سوقة.

وقد قاد تلك الحملة سنة 114هـ أو 116هـ حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، هذه الحملة التي شقّت إلى تخوم السودان.

وعلى مدى قرون من بعده كان الإسلام والثقافة الإسلامية المنساب في أرجاء القارة الإفريقية دون أن تعضدها في كثير من الحالات قوة أو سلطان، كان كذلك اللغة العربية تنتشر بانتشار الناس، وتسلك مسالكهم، وتحل أينما حلو، فيتلقاها الأفارقة بالقبول، وبعثت قوتها بإيمان وإقناع.

وفي القرن الثالث الهجري بدأت قبائل صنهاجة تنظم شأنها، وتحكم أمرها، فاجتمعت حول الأمير تميم اللمتوني، وتحت راية الإسلام، داعية إلى تثبيت أركانه فيما بينها، وإلى نشره فيمن حولها من القبائل البربرية بالصحراء (3).

وفي القرن الرابع الهجري حج الأمير اللمتوني يحيى بن إبراهيم الكدالي، فكان عاقبة حجه خيرا وبركة، فقد بحث عن شيخ فاضل يساعده على تعليم رجال جماعته مبادئ الدين واللغة، فمرّ بالقيروان سنة 426 هـ/ 1033م، فلقي بها الفقيه أبا عمران الفاسي، وشكا إليه حال قومه وجهلهم بأصول الدين وتعاليم الشريعة الإسلامية، فكتب له أبو عمران إلى أحد تلاميذه بالسوس، وهو وكاك بن زلو اللمطي، وكان عالما، فوافاه بمقره ……..فانتدب له عبد الله بن ياسين (ت 451 هـ / 1059م)، وهو فقيه، فرافقه إلى قومه، وقد تفرغ هذا الأخير لهداية هؤلاء الناس، لكن العنف الذي كان يستخدمه معهم حولهم عنه، وشعر أنه أخفق في رسالته، وقرر أن يهجر هذ الشعب، ويقصر جهوده على هداية شعوب السودان الإسلامي (4).

 

- تاريخ وصول الإسلام إلى السنغال

لم يتفق الباحثون عن تاريخ دخول الإسلام والثقافة الإسلامية في السنغال بالتحديد، فيرى البعض أن الإسلام دخل السنغال بفضل عبد الله بن ياسين الذي رابط في شبه جزيرة قرب ضفاف نهر السنغال في القرن الحادي عشر الميلادي.

بينما تخبرنا الرواية المتداولة بين السنغاليين أن الإسلام وصل السنغال من تيار جيش عقبة بن نافع، وذلك بدليل أن صحراء لمتونة التي وصلها عقبة مع جيشه أثناء مطاردته للبربر، هي الصحراء المشتركة الآن بين أهالي السنغال وأعراب المغاربة الذين يعيشون كثبان تلك الصحراء قرب ضفاف نهر السنغال.

أما ما يتعلق باللغة العربية فيرى بعض الرواة أنها دخلت السنغال بصفى مبكرة، وذلك بفضل حركة التجار العرب الذين كانوا يرتادون المنطقة، والرواية المشهورة عند المؤرخين أنها تغلغلت تماما في السنغال منذ بداية النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي قبل بداية حركة المرابطين بقليل، وأن أول حاكم مسلم عمل على نشر الإسلام فيما جاور البلاد السنغالية من البلدان، هو وار ديابي (ت 1041م) (5).

ولكن مهما تناقضت الروايات فمن المؤكد أن المرابطين رسخوا جذور الإسلام وثقافته في السنغال، وذلك منذ أن اتخذ عبد الله بن ياسين رباطه في شبه جزيرة بضفاف نهر السنغال، وقضى فيها هو وأصحابه عدة سنوات كاملة (1013 – 1053)، يعلم الأفارقة الدين والثقافة الإسلامية (6).

وقد أثر المرابطون في شعوب السنغال تأثيرا كبيرا، وامتزجوا بهم إلى حد التزاوج والتصاهر، ويذهب بير لابات pére labat إلى أن المرابطين هم الذين نقلوا المحمدية إلى الزنوج، ولهذا كان لهم أثر قوي في هذه الشعوب التي تنظر إليهم كأساتذة وكدين، وتستشيرهم في غالب شأنها (7).

ويرى بول مارتي )أن للصنهاجيين دورا كبيرا وقوى عظيمة في الأراضي السنغالية منذ وصولهم إليها، ويضيف قائلا: وحتى كلمة السنغال التي كنا نطلق عليها على سكان ضفاف النهر قد أخذناها من صنهاجة، أما الاسم الولوفي للمنطقة فهو جولوف )(8).

ويقول فينسان مونتاي أن السنغال أتت من بربرة زناغة Zanaga الذين كانوا يقطنون ضفتها الشمالية (9).

وبذلك فإن المرابطين كان لهم فضل كبير على شعوب السنغال، وبفضلهم أصبح سكان هذه المنطقة مسلمين، وكلن حاكم هذه البلاد وهو وار ديابي أول حاكم زنجي اعتنق الإسلام، وبذلك أصبح الدين الإسلامي رسميا لدى المجتمعات الإفريقية (10).

يقول البكري: “إن أول من حكم هذا الإقليم (يعني: إقليم تكرور)، وأسلم، وعمل على نشر الإسلام فيما حوله من البلدان هو وارجابي توفي حوالي 1041 – 1042م” (11).

وقد تابع أبناء هذا الملك حركة أبيهم في نشر الدعوة الإسلامية، وعندما انقسمت حركة المرابطين إلى قسمين: شمالي وجنوبي، كان التتار صوب الجناح الجنوبي الذي قاده أبو بكر بن عمر، وغزا به غرب أفريقيا، وكان لبي Labé ابن وار جابي وجنوده الركيزة الأساسية في الانتصار على دولة غانا الوثنية وأسلمتها.

 

- دراسة طرق وصول اللغة العربية والثقافة الإسلامية إلى السنغال

إن الطرق التي شقها اللغة العربية للوصول إلى السنغال لم يرتبط بخطوط رسمية مضبوطة، بل اندفعت إلى الناس في القرى والمدن والأرياف هنا وهناك، إلا أنه يمكن القول إن هناك بعض الطرق وروافد عربها الإسلام.

وقد كانت من أهم تلك القنوات:

قناة القيروان:

فقد كانت القيروان منذ القرن الأول الهجري مركزا ثقافيا دينيا، وقد مزدحما بطلبة العلم والدعاة، ومما يدل على أهمية القيروان هو أن يحيى بن إبراهيم زعيم قبيلة حبالة، ومنشئ دولة المرابطين عندما أحس بالتزامه بخدمة الإسلام، وإنقاذ الزنوج والبربر من ظلام الوثنية والجهل، ذهب إلى القيروان حيث قابل أحد علمائها، وهو أبو عمران الفاسي، وتلقة عنه ألوانا من الفكر والفقه، ثم ذكر له أنه يريد أن ينقل إلى قومه في الجنوب ثقافة القيروان الدينية، وقد أحاله أبو عمران إلى تلميذه، فقيه سوس، وحاج اللمتوني، فاختار له وحاج تاميذه عبد الله بن ياسين الذي قام بدور كبير لإنشاء دولة المرابطين، وهكذا انبعث من القيروان شعاع إلى الجنوب وصولا إلى السنغال، وفي بعد التحق كثير من الأفارقة لتلقي اللغة العربية والعلوم الإسلامية في القيروان، ثم تخرجوا هناك وأصبحوا كوادر في بلادهم الأصلية.

 

قناة تلمسان بالجزائر:

وبالتحديد من مدينة توات tawat حيث عبرت عنها إلى ما وراء الصحراء عن يد مهاجرين منذ القرن الخامس الميلادي، وهذه المنطقة (توات) واحة في النصف الغربي من الصحراء الجزائرية، وقد اتحدد من ولاية ولاتة أهل مركز الطريقتين، ولكن إحضارهم فيما بعد لجأوا لإلى تمبكتو التي كانت مركزا ثقافيا علميا دينيا، يجتمع بها العلماء والمثقفون.

 

قناة فاس:

قد لعبت هذه القناة دورا كبيرا في نشر الثقافة الإسلامية في السنغال، وقد مر بها التصوف وخاصة التجانية التي أشعل فعبر الأحبار فإن هناك عناصر من علماء فاس ومراكش الذين كانوا يترددون كثيرا إلى موريتانيا، ويعملون هم وتلاميذهم وسطا القرى لنقل اللغة العربية والقيم الإسلامية إلى سكان الجنوب.

ومن قيمة هذا العطاء أن هؤلاء العلماء كانوا يجمعون بين العلم والحماس لنشر الإسلام في أقطار الوثنيين.

 

قناة شنقيط:

وقد ساهمت هذه القناة مساهمة كبيرة في وصول اللغة العربية والثقافة الإسلامية إلى السنغال، كما ساهمت في تكوين ملامح الثقافة العربية الإسلامية، إذ كان جل اعتماد المدارس والكتاتيب والمحاضر في بث المعارف والعلوم العربية على أكتاف العلماء والدعاة الشناقطة.

وتاريخيا ربطت شنقيط وبلاد السنغال رابطة عميقة الجذور قبل الإسلام، وذلك بحكم الجوار، ولما جاء الإسلام توطدت أواصر العلاقة بينهما، وكان العلماء الشناقطة يجوبون بلادالسنغال ويستوطنونها عبر العصور والأزمان.

فقد كان لعلماء الصحراء ومشائخها في كل العهود القديمة والحديثة دور متميز في نقل اللغة العربية والإشعاع الثقافي والفكر الإسلامي إلى شعوب السنغال، وشرب علماء سنغاليون في المدارس الشنقيطية، فقد تلقى عبد القادر كان زعيم أئمة فوتا العلم لدى مرابطة شنقيطية، هي الشيخة خديجة بنت العاقل، ومن الواضح أن تأثير جماعة أدوعل الشنقيطية، كان أكثر وضوحا وبروزا على شعوب السنغال، إذ هاجرت هذه الحاجة إلى البلاد السنغالية، واستوطنت فيها، فعن أدوعلي أخذ أكثر علماء السنغال، فقد أخذ الحاج عمر الفوتي العلم والتجانية عن سيدي مولود فال، كما قام الحاج مالك سي بدراساته العليا عن هذه الجماعة، وكان يرسل أتباعه لإتمام دراساتهم إليها(12).

فقد كان الاتصال المباشر بين السنغاليين والموريتانيين واختلاطهم لأجل الدين والعلم والتجارة سببا في تغلغل اللغة العربية والثقافة الإسلامية.

 

الهوامش:

1- ابن عبد الحكم، فتوح إفريقية والأندلس، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1964م، ص: 61.

2- ابن عذرى، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، بيروت، دار الثقافة، ج1، ص 848.

3- النحوي الخليل، المنارة والرباط، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص 30.

4- البكري، أبو عبيد، المسالك والممالك، الدار العربية للكتاب، 1992، ج2، ص: 885 – 889.

5- اندسوس عبد اللطيف، دور المرابطين في نشر الإسلام في غرب أفريقيا، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988، ط1.

6- باه أبو بكر خالد، فوتا السنغالية ومجاري الدعوة الإسلامية في أفريقيا …….. مضيع الرسالة، 1956، ط1، ص9.

7- باه أبو بكر خالد، مرجع سابق، ص10.

8- Paul Marty, L’islam au senegal , T1, P69

9- مونتاي فيسان، ص 108.

10- البكري أبو عبيد، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص 472.

11- البكري أبو عبيد، المسالك والممالك، ج2، ص 862.

12- Paul Marty, L’islam au senegal , T1, P56

استمر هذة المناقشة ...

 

بقلم: الدكتور محمد المختار جيي/ رئيس مركز البحوث والدراسات الإفريقية بالسنغال – ورئيس التجمع الوطني للثقافة الإسلامية في السنغال

المصدر: الموقع الصدى/ www.essada.info