اللغة العربية والثقافة الإسلامية في السنغال (2)

  • رقم الخبر 1843
  • المصدر: الموقع الصدى

المخلص إن الحقيقة التاريخية التي لا يستطيع دارس تاريخ أفريقيا ان ينكرها هو دور الشيوخ في القارة الإفريقية وما قاموا به من أدوار بارزة في نشر اللغة والثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا بصفة خاصة وفي القارة الإفريقية بصفة عامة.


- دور الشيوخ في إرساء الإسلام والثقافة العربية

إن الحقيقة التاريخية التي لا يستطيع دارس تاريخ أفريقيا ان ينكرها هو دور الشيوخ في القارة الإفريقية وما قاموا به من أدوار بارزة في نشر اللغة والثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا بصفة خاصة وفي القارة الإفريقية بصفة عامة.

ويبدو انه لا يمكن فهم تاريخ أفريقيا وخصوصا في العصر الحديث دون التعرف للمتصوفين ومقاومة بعضهم للمستعمر، ونشر اللغة العربية، فقد كان للشيوخ دور جلي وواضح في نشر اللغة وبناء العديد من المدارس العربية والكتاتيب والمحاضر.

ويرى بعض الباحثين أن الثقافة الإسلامية ظهرت في مناطق كثيرة في القارة الإفريقية من خلال جهود زعماء التصوف والشيوخ الذين تصدوا للمجتمعات الوثنية، وقاموا بنشرها بين أقوام وثنيين جاهلين، وبين حكام متعنتين حاربوا هذه الثقافة.

وبفضل هؤلاء انتشرت الثقافة الإسلامية في مجتمعات الصحراء الكبرى وكان للزوايا القادرية الدور الأكبر في القارة الإفريقية، كما كانت للسنوسية والشاذلية مساهمات في ذلك.

ومنذ قيام دولة غانا ومالي وصنغاي فقد قام الشيوخ الأفارقة بنشر الإسلام وثقافته، فقد كان شيوخ تمبكتو من أكبر الشيوخ الذين نشروا اللغة العربية والثقافة الإسلامية في غرب أفريقيا.

كما أنه عند القرن التاسع عشر ظهر شيوخ آخرون قاموا بنشر الثقافة الإسلامية منهم عثمان دام فودي الذي نشر الإسلام في بلاد هاوسا، ……… وكان لجهوده خمسة عشر عاما من الكفاح والنضال دور لتأسيس دولة إسلامية قوية، مارست كل النظم الإسلامية في كل منحى من مناحي حياتها …….. وقد كانت تتعرض فيه الدولة العثمانية إلى ضربات الأمم المسيحية، فكانت خير عون لنشر الدين.

وقد ظهرت في بلاد تكرور شيوخ تحملوا أعباء الثقافة الإسلامية ثم نشرها، وكان منهم شيوخ فوتا، مثل: سليمان بال، وعبد القادر، والحاج عمر، وكان هؤلاء أول من طبق الحكومة الإسلامية في الدولة السنغالية، واستعمل اللغة العربية في إداراتهم.

وكذلك الحاج عمر تال ناشر الطريقة التجانية في غرب أفريقيا فقد كان للحاج عمر دور كبير في نشر اللغة والثقافة، فقد ترك العديد من المصنفال والمؤلفات باللغة العربية.

ولقد قامت الشيوخ المسلمون المتصوفون في القارة الإفريقية بدور ثقافي لا يمكن تجاهله أو إنكاره بالرغم من الكثير من الضغوطات  فقد قام الشيخ أحمد باه والحاج مالك وأحمد بامبا وإبراهيم نياس وغيرهم بدور كبير في نشر الإسلام في السنغال و الثقافة العربية في البلاد السنغالية وإلى جانب عثمان دام فوجو وأخيه عبد الله والحاج عمر الفوتي فقد تركوا مدونات عديدة في اللغة العربية وآدابها وكذلك الحاج مالك سي، والشيخ أحمد بامبا، والحاج إبراهيم نياس، والخليفة محمد نياس، وغيرهم من العلماء الذين أسهموا في إثراء المكتبة العربية الإسلامية بمؤلفاتهم ومدوناتهم.

 

- أهم مراكز اللغة العربية القديمة في السنغال

يبدو أنه بعد ظهور الإسلام في السنغال ظهرت مراكز تعليمية هامة لنشر الإسلام وثقافته، وكان من أهمها:

 

جامعة بير:

وكانت جامعة شعبية تقليدية دينية عريقة لعبت دورا رياديا في نشر شعاع اللغة والثقافة والعلم، ويرى أحد الباحثين أن تأسيس أول جامعة إسلامية بالمعنى الصحيح على التراب السنغالي هي جامعة بير الإسلامية التي تم تأسيسها من القاضي عمر فال (13).

ويرى الأستاذ محمد جوب أن الشيخ عمر فال قام بتأسيس جامعة بير، وذلك بعد عودته من شنقيط، وقد يعلم في هذه المنطقة القرآن ومبادئ اللغة وعلوم الرسم، وقد شاء القدر أن اشتهر هذا الشيخ وأصبح الناس يفدون إليه من نواح بعيدة لحضور جلساته العلمية، وخاصة مجلس تفسير القرآن الكريم، وكان عندما يسأل أحدهم: إلى أين أنت ذاهب؟ يجيب قائلا: إلى بِرِمَا، يعني: مجلس التفسير، من هنا جاءت تسمية منطقة بير ببير (14).

وقد ظلت هذه الجامعة مدة طويلة مركزا ثقافيا دينيا، ينير العقول والأذهان، وتعمل على نشر الثقافة العربية الإسلامية ……. الاستعمار الفرنسي، فقد عمد الجنرال فيدربه إلى إحراق الجامعة والمدينة في عهده سنة 1864م.

 

جامعة كوكي العريقة:

وهي أيضا جامعة إسلامية شعبية عريقة لعبت دورا في الإشعاع الديني والفكري، وقد تم تأسيسها على يد مختار اندومب جوب.

وإضافة إلى هذه المدرسة العلمية نجد أيضا في فوتا مدارس دينية وعلمية، لا تقل أهمية عن جامعتي بير وكوكي، مثل: مدرسة بوغي وغجلين (15).

والجدير بالذكر أن هذه المراكز والمدارس كانت أصيلة وذات صفة تقليدية.

 

- المعاهد والمدارس الحديثة في السنغال

منذ الخمسينات او قبلها بقليل ظهرت مدارس ومعاهد حديثة ذات مناهج معاصرة وذلك بعد ما رحل بعض المستعربين إلى العالم الإسلامي لتلقي العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها، وبعد عودتهم إلى بلدانهم الأصلية أسسوا معاهد ومدارس نظامية، على أن المدارس العربية القديمة كانت ذات صبغة أصيلة، فكانت مناهجها وطرق تدريسها تقليدية، وعند رجوع هؤلاء المستعربين الجدد من الجامعات الإسلامية كالأزهر والزيتونة والقرويين والمملكة العربية السعودية وليبيا أحدثوا تطورات جديدة في نظام التعليم العربي ومناهجه، وكان من أبرز هذه المؤسسات التعليمية ذات الصفة الحديثة: معهد الفلاح، مركز التعليم الإسلامي ابن تيمية، معهد الشيخ الحاج عبد الله انياس بكاولاخ، معهد الأزهر للشيخ مرتضى امباكي، ومنار الهدى وغيرها.

ويبدو أنه منذ السبعينات تزايد وتكثيف عدد المدارس باللغة العربية في السنغال في تزايد حملة الشهادات العالية، مثل: الإجازة (الليسانس)، والماجستير، والدكتوراه، كما أعطت لها الحكومة السنغالية أهمية لم تكن من قبل للغة العربية ودراستها، فأدمجت العربية في المدارس الفرنسية وفي بعض الإدارات الوطنية، ووظف مدرسين ومؤطرين ومكونين باللغة العربية، وأصبحت هذه اللغة تحتل المرتبة الثالثة في المؤسسات الحكومية الرسمية.

 

- الخاتمة:

رافقت اللغة العربية الإسلام فكانا كعملتين، فحيثما ظهر الإسلام كان بجانب اللغة العربية، وقد اعتنق الشعب السنغالي الإسلام واللغة العربية فأحبها وتأثر بها وذلك في كل مظاهر حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخاصة في حياته الروحية.

ويرى بعض المؤرخين أن انتشار اللغة العربية في غرب أفريقيا كان بسبب طلائع أصحاب عبد الله بن ياسين الذي استقر في فوتا السنغالية، وذلك حوالي القرن الحادي عشر، ومنذ ذلك الزمن ما زالت اللغة العربية تنتشر وازداد، وأصبحت اللغة المتداولة بين أهالي السنغال، فكانت الإدارة الاستعمارية تتعامل بها مع الشعب السنغالي (16).

أصبحت اللغة العربية جزء لا تتجزأ من التكوين العقلي للإنسان السنغالي وثقافته، ويرى بعض الباحثين ان جل اللغات السنغالية، مثل: ولوف، والتكرور، والماندينكي أخذت من اللغة العربية، وكان الشعب السنغالي يستعمل بالكتابة الحرف العربي، ولذلك كان كل المخطوطات في السنغال ذات أصل عربي، وكان الشيوخ السنغاليون يدونون ويؤلفون باللغة العربية، وذلك نثرا وشعرا، وهذا قد ساهم مساهمة كبيرة في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وجعلها من مكونات العقل السنغالي المسلم (17).

ويبدو أنه لا توجد منطقة في السنغال في هذا العصر إلا وفيها مدارس أو معاهد عربية او كتاتيب يعلمون فيها اللغة العربية و العلوم الإسلامية.

 

الهوامش:

13- سيسي جورتي، السنغال والثقافة الإسلامية، ص 26.

14- جوف محمد، تاريخ المدارس القرآنية في غرب أفريقيا، ص 11.

15- جي مختار، فوتا السنغالية ودورها في نشر الحضارة الإسلامية في غرب أفريقيا، رسالة ماجستير.

16- جي مختار، مرجع سابق.

17- عبد القادر سيلا، المسلمون في السنغال، ص 149.

 

بقلم: الدكتور محمد المختار جيي/ رئيس مركز البحوث والدراسات الإفريقية بالسنغال – ورئيس التجمع الوطني للثقافة الإسلامية في السنغال

المصدر: الموقع الصدى

www.essada.info