كيف تحولت مصر للإسلام؟ (الجزءالاول)

  • رقم الخبر 1963
  • المصدر: https://jawdablog.org

المخلص الحقيقه ان تحول مصر للإسلام كان عمليه معقده تمت عبر عده قرون و عبر عديد من الطرق. المسلمون مثلا يظنون ان التحول للإسلام كان بكامل أراده أقباط مصر دون ضغط. و المسيحيون كذلك يظنون ان تحول مصر للإسلام كان نتيجه هجرات من الجزيره العربيه و هذان ليس صحيحا في المجمل.


كيف تحولت مصر للإسلام و لماذا يخشي المسيحيون الشريعه الاسلاميه …؟

عرفنا في الحلقات السابقه (المصدر الاول) ان عمرو بن العاص لم يحرق مكتبه الاسكندريه بل حرقت خلال عصر الفتن المسيحيه بتأليب من الانبا كيرلس او سوريال و ان رمسيس الثاني لم ينتصر في قادش بل أنقذه اما افراد من الشعب او الفلسطيني كونوا فرقه غامضه تسمي نعاريم و رأينا ان عصر اخناتون تميز بحريات أدت لتطور تكنولوجي و ثقافي ضخم في مصر و رأينا ان استقبال المصريين للفاتحين العرب كان مقاربا لاستقبالهم للفرس قبلهم بسنوات.

نصل اليوم لصفحه تم إخفاؤها بنجاح من كتاب التاريخ المصري الحكومي و هي كيف تحولت مصر من دوله ذات أغلبيه مسيحيه لدوله ذات أغلبيه مسلمه. و نحن هنا سنزعج كلي من المسلمين و المسيحيين. و هذا الموضوع مثال علي احد عيوبنا كمصريين، و هو اخذ الجانب الذي يعجبنا او يمالي رغباتنا في اي موضوع و ترك كل الجوانب الأخري بالرغم انها تمثل الحقيقه. و للاسف فالكتاب الحكومي المصري ترك فراغا تملؤه الإشاعات و الاساطير.

الحقيقه ان تحول مصر للإسلام كان عمليه معقده تمت عبر عده قرون و عبر عديد من الطرق. المسلمون مثلا يظنون ان التحول للإسلام كان بكامل أراده أقباط مصر دون ضغط و هذا ليس صحيحا في المجمل. و المسيحيون كذلك يظنون ان تحول مصر للإسلام كان نتيجه هجرات من الجزيره العربيه و هذا ليس صحيحا في المجمل. الحقيقه ان كل هذه العوامل و اكثر فعلت فعلها في تحول مصر للإسلام. كما ان الحقيقه ان الاقباط قاموا لاحقا بعده ثورات ضد الحكام المسلمين و تم قمعها الا انها غيرت في منظور المسلمين لمصر و أدت لتسريع تحول مصر للإسلام، في مفارقه غريبه. و الاعجب ان كتاب التاريخ الحكومي الذي يدعي الوطنيه المصريه يأتي عند هذه الفتره و لا يدرس الا تاريخ الأمويين و العباسيين، و هو امر مهم لا شك كجزء من تاريخ الحضاره الاسلاميه و لكن كان يجب ان يفهم المصريون أيضاً التحولات الضخمه في بلادهم ذاتها و يناقشونها في اجواء من الصراحه و العلم و الاحترام.

 

اولا: نعم حدثت هجرات من الجزيره و الشام نحو مصر بعد الفتح و لكن من المستحيل ان تكون بأعداد كافيه لتحويل أقباط مصر لاقليه.

بعد الفتح العربي مباشره هاجر بعض العرب نحو مصر لإدارتها و الدفاع عنها و هكذا مثلا بنيت الفسطاط. كان هؤلاء يعتبرون الأرستقراطية و اتسموا بأنهم مقاتلون. و بنوا و عاشوا في الثغور و الحصون (المصدر الثاني). و الحقيقه انهم لم يكونوا شديدي الاهتمام بتحويل مصر للإسلام. كما رأينا في السابق حدث اتفاق بين عمرو بن العاص و المقوقس علي الجزيه و ان هذه الجزيه كانت مقاربه لما كان يدفعه المصريون للرومان و لكن مجمل الضرائب كانت اقل عن زمن الرومان لان الرومان لم يقتصروا علي ضريبه الفرد (٢ دينار علي كل فرد) بل حصلوا ضرائب اخري. و كان اهتمام العرب المسلمين في مصر منصبا علي تحصيل الجزيه و علي الدفاع عن مصر (المصدر الثالث). و الحقيقه ان المراجع تجمع علي ان أقباط مصر استمروا بذات نظام تجميع الجزيه حيث يقوم ذات الملتزم القبطي في كل قريه بتجميع الجزيه وفقا لما يقرره عمده القريه القبطي كذلك. كما أقر عمرو بن العاص و من لحقوه في البدايه علي الأقل بإعفاء الفقراء من الجزيه.

حتي المصادر المعاديه للإسلام مثل المصدر الثاني تجمع علي انه في البدايه لم يكن المسلمون مهتمون باسلمه مصر. و ان اعتمدوا علي نظام يسمي نظام الموالي و هو أشخاص يظن المسلمون بهم ظنا حسنا و يعملون علي تحويلهم للإسلام.

سنرصد بعد قليل كل حجم الهجرات العربيه لمصر. و لكن قبل ان نفعل ذلك يجب ان نطل علي الصوره بأكملها. وفقا للدراسه الجامعه التي أجراها ج راسيل في ١٩٥٨ (المصدر الرابع) و أكدها المصدران الخامس (دراسه د محمد صالح للدكتوراه في جامعه جنوب كاليفورنيا – الصفحه الثامنة) و السادس (دراسات جامعه شيكاجو الأمريكيه حول المماليك في مصر)، فان عدد سكان مصر وقت الفتح الاسلامي كان ٢,٥ مليون. و ان عدد سكان الجزيره العربيه كان مليون واحد. و ان تقديرات سكان الشام و العراق كانت حوالي ٤ مليون و ٩ مليون. و هذه التقديرات تعتبر دقيقه لان حمله نابليون في مصر في ١٧٩٨ قدرت عدد سكان مصر كذلك بحوالي ٢,٥ مليون. كما ان اعلي تقديرات سكان مصر وقت يوليوس قيصر وفقا لتلك المراجع هو ٤,٥ مليون (و هو الرقم الأقل دقه بسبب الزمن و تخلف وسائل الحصر). إذن حتي اذا هاجر كل سكان الجزيره و الشام و العراق الي مصر يستحيل ان تتحول مصر لدوله ذات ٩٢٪ مسلمين و ٦٪ أقباط كما كان الحال في تعدادات القرن التاسع عشر (انظر بحث جوده حول اسطوره أعداد المسيحين في مصر – المصدر السابع). حتي يحدث ذلك تحتاج مصر ان يهاجر لها علي الأقل ٢٥-٣٠ مليون عربي و هو رقم ببساطه غير موجود أساسا و لا حتي نصفه بفرض ان كل الجزيره العربيه و كل الشام و كل العراق برجالهم باطفالهم بنسائهم هاجروا لمصر و تركوا بلادهم خاويه تماماً.

كذلك هذه التعدادات بالمناسبه تدحض ما يردده المسيحيون في مصر ان أعداد من عاشوا في مصر قبل الفتح العربي و وقت الرومان كانت اكثر من تعداد مصر حاليا و ان مصر كانت وقتها قادره علي اطعامهم بينما هي غير قادره الان بسبب انحسار البركه. و هذا كلام تدحضه كل الدراسات العلميه فعدد سكان مصر عبر الفراعنه و حتي زمن نابليون تراوح بين ٢ و ٥ مليون علي افضل التقديرات .

إذن من المستحيل ان يكون أقباط مصر الحاليين هم سكان البلاد الأصليين فقط. و هذا ما توصلت اليه المصادر الخامس و السادس بشكل واضح.

و لكن هل حدثت هجرات؟ نعم حدثت هجرات من الجزيره العربيه و الشام بالذات و استمرت منذ الفتح و حتي القرن التاسع الميلادي تقريبا.

سجلات الديوان (و هو سجل حركه الجنود في الامبراطورية الاسلاميه) و تاريخ الكِندي يظهران بسهوله ان هناك هجرات و نورد بعض أمثلتها الاولي كالتالي (المصدر الثامن و التاسع):

– بعد الفتح مباشره تم ترحيل ثلث قبائل الاكلاب و قضاعه من الشام نحو مصر للدفاع عنها و لزياده عدد العرب في مصر و تقليل حده الاختلافات القبليه في الشام.

– أرسل معاويه بن ابي سفيان ٢٧ الف جندي الي مصر للاقامه في الفسطاط و تأمينها. و كان واضحا من سجلات الديوان انه سمح لهؤلاء و عائلاتهم بتربيه الخيول و الرعي. اي انهم لم يكونوا فقط جنودا بل استقروا في مصر.

– في عام ٧٢٥م قام المسيحيون بثوره احتجاج ضد تغيير نظام الجزيه الذي اقره الخليفه الأموي هشام. تم إحباط الثوره بفعل الجنود العرب في مصر و لكن بقيت تأثيراتها فبعدها بسنتين و في عام ٧٢٧ قام الخليفه هشام بنقل ٥٠٠٠ أسره من قبيله القيسيين الي مصر و سكنوا في شرق الدلتا (الشرقيه الان – و هو موقع استراتيجي يسمح بالتواصل مع الجزيره العربيه و في ذات الوقت يشرف علي مصر كلها) و احتكروا التجاره مع الجزيره العربيه عبر ميناء القلزم (السويس الحاليه). و لذا أصبحوا اغنياء. و الثابت في المصدرين التاسع و السادس ان هذا كان تحولا في اداره الأمويين لمصر. و ان انتفاضة الاقباط الاولي عام ٧٢٥ و التي تلتها اخري عام ٧٣٨ كانت نقطه تحول في نظره الخلفاء لمصر انتهت بها المرحله الاولي التي لم يهتم فيها العرب كثيراً بتحويل مصر للإسلام. اي ان هذه المرحله استمرت تقريبا مائه عام منذ ٦٤٠ حتي ٧٤٠ تقريبا.

استطراد مهم: يجب ان نلاحظ ان انتفاضة الاقباط ضد الجزيه كانت بقياده نخبه الاقباط المسئوله عن تجميع الجزيه. و السبب في ذلك ان حكام مصر عام ٧٢٠ أرادوا تركيز تجميع الجزيه في يد الدوله و ليس في يد العمده او الملتزم القبطي (و هم نخبه مصر في ذلك الوقت). لذلك ثارت تلك النخبه لان هذا التركيز يعني تهاوي تحكمهم في الفلاحين الاقباط. و كان من تأثير تلك الثورات هو اقرار الدوله لنظام المزاد لتجميع الجزيه حيث يحدث مزاد و من يربحه يقوم بتجميع الجزيه في المحافظة المسئول عنها. و استمر هذا النظام حتي إلغاء نظام الجزيه عام ١٨٥٥ (المصدر الخامس). إذن في رغبه نخبه الاقباط للسيطره علي تجميع الجزيه انتهي الحال بأنهم فتحوا الباب لتحويل مصر لدوله اسلاميه! و سيتكرر هذا لاحقا حتي الان و نري شواهده يوميا!

إذن لم تكن الهجرات هي العامل الوحيد إذن. و لكن ما هو تأثيرها الحقيقي؟ هل مثلت مثلا نصف المسئوليه عن تحول المصريين للإسلام ام ثلاثه أرباع ام اقل ام اكثر؟

قام د محمد صالح أستاذ الاقتصاد التاريخي في فرنسا بدراسه هي الاهم علي الإطلاق (صفحه ٤١ من المصدر الخامس) حيث درس كل الهجرات العربيه لمصر و مجموعها ٢٩٦ هجره من واقع تاريخ الكندي و سجلات الديوان. و درس موقع استقرار كل من ال ٢٩٦ هجره. و اكتشف ان هناك ٤٢٪ من مقاطعات مصر استقبلت علي الأقل موجه هجره عربيه واحده. معني ذلك ان ٥٨٪ من مقاطعات مصر لم تستقبل هجرات عربيه علي الإطلاق (محافظات الصعيد الأوسط مثل المنيا و أسيوط هي مثال). و مع ذلك فانه وفق تعداد ١٨٩٧ شكل المسيحيون ٢٠٪ فقط من سكان تلك المقاطعات (صفحه ٤٠ من المصدر الخامس).

لذلك توصل د محمد صالح و أجمعت المصادر الثاني و الخامس و السادس و هي دراسات كثيره و مهمه في جامعه لندن و جامعه شيكاجو و جامعه تولوز ان الهجرات العربيه كانت عامل مساعد حيث سهلت التحول للإسلام عن طريق الزواج او الاحتكاك او حتي عن طريق الترهيب كما سنري لاحقا. لكنها يستحيل ان تكون عدديا عامل كبير. و انها فقط عوضا ان تكون مصر ٢٠٪ أقباط كما في تلك المقاطعات التي لم تستقبل اي هجره عربيه، اصبحت مصر ٦٪ أقباط. اي ان الهجرات تفسر فقط ١٤٪ من تحول مصر للإسلام.

 

المصادر:

١- الحلقات السابقه: https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- بدايات العصر الاسلامي في مصر:

http://answering-islam.org/history/islamization_egypt.html

٣- اهتمامات العرب المسلمين الأوائل في مصر:

https://books.google.com/books?id=gJv8Zx2efjkC&pg=PA38&lpg=PA38&ots=fXsN1PpP0Q&focus=viewport&dq=economy+of+egypt+600+ad&output=html_text

٤- ج راسيل: “تعداد سكان الشرق الأوسط في العصور الوسطي و القديمه” فيلادلفيا. الجمعيه الفلسفية الأمريكيه. صفحه ٨٩.

٥- رساله د محمد صالح للدكتوراه في جامعه جنوب كاليفورنيا:

http://federation.ens.fr/ydepot/semin/texte1213/SAL2012ROA.pdf

٦- دراسه جامعه شيكاجو الأمريكيه: مصر في عهد المماليك. المجلد العاشر. البحث الثاني. صفحه ٢٠٠٦.

http://mamluk.uchicago.edu/MSR_X-2_2006-OSullivan.pdf

٧- اسطوره عدد المسيحيين في مصر:

https://jawdablog.org/2015/01/10/egypt_taboo_33_christians_numbers_in_egypt/

٨- تاريخ الكِندي و به محفوظات الديوان و حركه الجنود المسلمين في الامبراطورية الاسلاميه.

٩- الموسوعه الثمينة. توطين العرب في العصر المملوكي.

١٠- ابن سعد.

http://muslim-library.blogspot.com/2011/09/tabqaat-ibn-e-saad.html

١١- تاريخ بطريركية الاسكندريه.

http://www.tertullian.org/fathers/severus_hermopolis_hist_alex_patr_01_part1.htm

١٢- ابوكالبتوس سودو اثناسيوس.

http://www.academia.edu/2165029/The_Antichrist_is_coming…_The_making_of_an_apocalyptic_topos_in_Arabic_Ps.-Athanasius_Vat._Ar._158_Par._ar._153_32_

١٣- الانبا يوحنا من نيقيه: http://en.wikipedia.org/wiki/John_of_Nikiû

١٤- المقريزي: https://archive.org/details/histoiredessulta01maqr

١٥- كورباج و فارجوس: “المسيحيون و اليهود تحت حكم الاسلام” صفحه ١٥-١٦.

http://www.amazon.com/Christians-Under-Islam-Youssef-Courbage/dp/1860642853

استمر....