منطقة حوض بحيرة تشاد و نشر الثقافة الإسلامية(2)

  • رقم الخبر 2034
  • المصدر: قراءات إفریقیة

المخلص دخل الإسلام وانتشر في بلاد «كانم»، واعتنقه سلاطينها، وقامت دولتهم على أسّسه السليمة، ومن هنا اهتموا بالعلم والمعرفة، سواء في المجالات الدينية أو الدنيوية.


الثقافة العربية والتعليم الإسلامي:

دخل الإسلام وانتشر في بلاد «كانم»، واعتنقه سلاطينها، وقامت دولتهم على أسّسه السليمة، ومن هنا اهتموا بالعلم والمعرفة، سواء في المجالات الدينية أو الدنيوية، لأن الدين الإسلامي اهتم بكلّ ما يمكن أن يُسعد الإنسانية في حياتها الدنيا، ويضمن لها الفوز في حياة الآخرة، وكانت الدولة الكانمية الناشئة تشجّع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء والإمامة والتدريس في مساجد السلاطين وكتبة الدواوين (23)، فصار على كلّ من يتطلع إلى العلا أن يطلب العلم، وربما رحلوا إلى أماكن أخرى لطلب العلم، وخصوصاً إلى مصر التي تربطها أواصر الود والمحبة مع سلاطين «كانم».

وقد ازدادت هذه العلاقات بعد بناء مدرسة «الكانمية» في مصر في «الفسطاط»، والتي تُسمّى مدرسة «ابن رشيق» (24)، يقول المقريزي: «مدرسة ابن رشيق، هذه المدرسة للمالكية، وهي بخط حمام الريش من مدينة مصر، كان الكانم من طوائف «التكرور»، ولما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج دفعوا للقاضي علم الدين ابن رشيق مالاً وبناها به، وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال» (25).

وذكر القلقشندي أن أهل «كانم» «بنوا مدرسة للمالكية ينزل بها وفودهم» (26)، وتُسمّى هذه الدار بـ «رواق كانم»، وكان الطلاب في بادئ أمرهم في الأزهر يضمّهم رواق واحد، حين كان عددهم محدوداً – على ما يبدو –، فلمّا ارتفعت مكانة الأزهر، وسار حديث الناس في شهرة علمائه وسمعة خريجيه، كثر عدد الوافدين من بلاد «كانم»، فنظّم المسؤولون لهم داراً لسكن الطلاب والحجّاج، عُرف باسم «رواق كانم»، وقد ضمّ هذا الرواق العديد من طلاب وسط إفريقيا وغربها (27).

والجدير بالذكر أن مدرسة «ابن رشيق» في مصر ليست هي صرح التعليم الوحيد الذي  قام بتشييده أهل «كانم»  (تشاد)، فإن التجار القادمين من غرب إفريقيا وبلاد «كانم» قد ساهموا بنصيب كبير في إنشاء المدن الساحلية على شواطئ البحر الأحمر، مثل: «سواكن» و «مصوع»، وأصبحت هذه المدن الساحلية مراكز مهمة لنشر الإسلام، إذ قام أثرياء «كانم – برنو» على هذه المدن التجارية، وتشجيع الطلاب على دراسة العلوم الإسلامية (28).

وكلّ هذه المنشآت العلمية كانت في عصر السلطان «دونامة ديلامي»  (1221م – 1259م) (29).  

وقد عاد طلاب «كانم» إلى بلادهم مزودين بالعلوم الشرعية، وجعلوا مساجدهم مدارس محاكية للمؤسسات التي تعلّموا فيها من حيث أساليب التعليم والمناهج العلمية، وقد قام سلاطين «كانم» بمنحهم مكانة مرموقة في مجتمعهم، كما أحاطوا أنفسهم بعدد من هؤلاء العلماء يسترشدون بمشورتهم، ويكتبون لهم في دواوين رسائلهم (30).

ولا شك أن هذا التشجيع من سلاطين «كانم» لطلاب العلم، والارتفاق في رحلاتهم إلى الحج بالعلماء، والتزود عند عودتهم بما يستطيعون حمله من كتب العلم، له آثاره، ومنها التقاء هؤلاء العلماء والمرافقين بحكام مصر، ومشاهدة مجالسهم، والوقوف على اهتماماتهم.

كما أصبح المسلمون من أهل «كانم» حفظة للقرآن الكريم، يتلونه في صلواتهم، ويستمتعون بحلاوة تركيبه ووقع كلماته على القلب والعقل، وأصبح بذلك المسلمون أول من يتعلم اللغة العربية، وكان ذلك من أقوى أسباب القياس الحضاري الذي حدث من جانب السودان الأوسط  (كانم) مع العالم الإسلامي في شتى الوجوه، إذ أن اللغة العربية بدأت تأخذ مكانتها حتى أصبحت لغة جديدة لمجتمع جديد، وقد زادها الزمن رسوخاً بمروره، وزاد النشاط العلمي والفكري في بلاد «كانم».

ويُعَد السلطان «دونامة ديلامي» من أعظم سلاطين «كانم» الذين تقدّموا، والذي بلغت الدولة في عهده أقصى اتساع لها (31)، واكتسب كثيراً من مظاهر الرقي والتقدّم والثقافة والتعليم، والازدهار الحضاري؛ وقد كان سلاطين «كانم» يقيمون المساجد داخل قصورهم للصلاة والتعليم، ولا يدعون فرصة لاستقدام مشاهير العلماء إلا استغلوها حتى يستفيد القصر والحاشية والنساء اللاتي كنّ يحضرن تلك المجالس من وراء الحجاب (32)، وتكون العديد من المناظرات العلمية داخل صالات السلطان.

وقد زخر تاريخ الإسلام في بلاد «كانم»  (تشاد) بكوكبة من العلماء وصفوة الدعاة، ومن الذين اشتهروا بالعلم والصلاح الشيخ العالم: صبيح بن عبد الله التكروري الكلوتاتي الحراس، تلقّى العلوم على يد الشيخ النجيب، وعلى يد الشيخ شمس الدين ابن العماد، ثم ذهب إلى دمشق، ودرس بها العلوم اللغوية، وكان له نشاط علمي مشهود في مصر، توفي في القاهرة  (731 هـ / 1325م) (33).

ومنهم العالم الجليل عبد الملك بن علي الكانمي، درس على الشيخ النجيب، وقام بالتدريس في مصر سنة  (720 هـ / 1318م)، وكان له حلقة في بيته يحضرها تلاميذه ومحبّوه (34)، وكذلك من أبناء «كانم»  الذين برزوا في المجتمع المصري، وكان لهم أتباع وتلاميذ، الشيخ راشد بن عبد الله  المتوفى سنة  (796هـ / 1394م) (35)، كما تُوفّي التاجر: نور الدين علي بن عنان في شوال سنة 789هـ، وكان من أعيان تجار الكارم  (كانم) بمصر، خلّف مالاً كثيراً (36)، وكلّ هذا يدل على النشاط التعليمي والاقتصادي في «كانم».

ويبدوا لنا جلياً أن علماء «كانم» قد تفرقوا في مختلف البلاد، حيث استفادوا وأفادوا، وصارت لهم حلقات علمية عامرة، بل أنشؤوا مدارس ومعاهد في السودان بوادي النيل (37)، وهذا يكفي دليلاً على ما كانت تتمتع به «كانم» من ازدهار ثقافي وعلمي، يقول المستشرق «بوركهات» :  («إن جميع الحجّاج الذين يفدون إلى السودان من بلاد «كانم» على علم بالقراءة والكتابة» ) (38)؛ وهو ما يؤكد لنا انتشار الثقافة الإسلامية في بلاد «كانم» على نطاق واسع، ومن ثم فإن تأثيرها في المجتمع السوداني كان ظاهراً في حلقات العلماء الذين يجتمع الناس حولهم (39).

وقد استمر الوضع الثقافي والحضاري والتعليمي على هذا المنوال في بلاد «كانم» حتى فترة ضعفها، بل استمر الوضع على هذا النمط حتى القرن التاسع عشر، بل حتى القرن العشرين، وحظي بسمعة طيبة في مجال التعليم، يقول الرحالة «غير هارد رولفس»: «وقد حصلت بلاد السودان «كانم» على سمعة طيبة، وسمعة المدرسة العليا الممتازة، وكان عدد طلابها في ظل حكم الشيخ «محمد الأمين الكانمي» حوالي  (2000 - 3000) طالب من الشباب الذين يتراوح أعمارهم بين 20 - 25 سنة»، وذكر أن دراستهم متمثلة في حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة ودراسة اللغة العربية، وكان ذلك في عام 1814م (40)، وكان الطلاب يعيشون على الصدقات، وعلى هبات الأشراف الذين يتعلّم أبناؤهم فيها (41).

ويُعَدّ هذا الرقم رقماً قياسياً في تلك الفترة التاريخية، ولا يوجد هذا العدد من الطلاب إلا في الجامعات العريقة، كما يوضّح هذا العدد عناية سلاطين «كانم» بالعلم والعلماء وطلاب العلم.

وفي مطلع القرن العشرين ظهرت عدة مدارس وقفت سداً منيعاً أمام مسخ اللغة العربية وتشويه الحضارة العربية من قبل الاستعمار الفرنسي الذي هاجم المنطقة محاولاً ترسيخ ثقافته فيها، فارضاً لغته على المواطنين!

ويشرف على التعليم في هذه المدارس ويقوم به مجموعات من العلماء والمتخصصين؛ وهذه المدارس هي:

أ - مدرسة بئر العلالية: أسّسها الشيخ البراني المساعدي، وقد وقفت هذه المدرسة أو الزاوية بشيخها الوقور سداً منيعاً ضد القوات الفرنسية لمدة عام  (1900 – 1901م).

ب - مدرسة قورو في شمال تشاد: أسّسها محمد السني، ووقف يدافع عن المنطقة ضد الفرنسيين الذين لم يستطيعوا اقتحامها إلاّ في عام 1913م.

ج - مدرسة فايا: أشرف على إدارتها الشيخ المهدي السنّي، وفي هذه المدرسة جمع طلاباً من مختلف قبائل المنطقة، ووقف مجاهداً في سبيل الله ضد الغزاة الفرنسيين الذين استولوا على «فايا» في شهر 12/1913م (42).

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن هذه المدارس كانت عبارة عن زوايا أقامها السنوسيون في تشاد، وساهمت مساهمة فاعلة في تنشيط الدعوة خلال تلك الفترة من القرن العشرين، فأصبحت منطقة بحيرة تشاد مصدراً من مصادر الإشعاع للحضارة الإسلامية في السودان الأوسط.

وقد اعترف «محمد بيلو» بتمسك الكانميين بالشريعة، ومستوى حفظهم للقرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغة العربية، وظهور آثار الإسلام وانتشاره في بلاد «الكانم - برنو»، وذلك بقوله: «إن أهل كانم متمسكون بالقرآن وشريعة الإسلام، محافظون عليه، والإسلام منتشر في طول بلادهم وعرضها، حتى عمّ جميع الطبقات من الحكام والوزراء والرعايا، والواقع لا يوجد في بلادنا - أي بلاد الهوسا - حفظةً للقرآن ومتعلمون بقدر ما يوجد في بلاد كانم» (43).

 

خاتمة:

يمكن القول من خلال هذه الدراسة: بأن الثقافة الإسلامية في «كانم»  (تشاد) كان طابعها عربياً إسلامياً صرفاً، لم تداخله أية تأثيرات أخرى، وإن كان عامة الناس يستخدمون لهجاتهم ولغاتهم الخاصة، ثم يستخدمون اللغة العربية في تعبيرهم الثقافي، وفي صلواتهم، وفي المعاملات والإدارة والمراسلات، كما أن الإسلام وتعاليمه طوّر شعوب هذه المنطقة بالثقافة الإسلامية.

وبهذه الأسباب كسبت تشاد دوراً ومركزاً له أهميته وقيمته، بل أصبحت تؤدي دوراً ثقافياً ودينياً مهمّاً بعد دخول الإسلام فيها.

غير أن هذا الانتشار الحضاري والثقافي والتعليمي لم يستمر على هذا الوصف الذي وصفناه، وذلك بسبب الاستخراب الذي جسم على تشاد في مطلع القرن العشرين، وبخاصة الاستخراب الفرنسي، وما خلّفته فرنسا من تحدّيات وتوجّهات.

 

الإحالات والهوامش:

(23) الدكو، د. فضل كلود: الثقافة الإسلامية، ص 149.

(24) القاضي علم الدين، أبو عبد الله، محمد بن الشيخ أبي الحسن ابن الرشيق، شيخ المالكية في مصر، وُلد سنة 555هـ، وتوفي سنة 680هـ .

(25) المقريزي، تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي، سنة 845 هـ: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار؛ المعروف بالخطط المقريزية، مكتبة التعاون، بيروت – لبنان، (دون تاريخ)، ص 193.

(26) القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، ج 2، ص 271.

(27) العشري، د. بكري محمود محمد عطية: الجذور التاريخية للعلاقات التشادية المصرية، بحث مقدم إلى الندوة العلمية المقامة بجامعة الملك فيصل بتشاد، في الفترة 21 – 25 يناير 2001م، ص 68.

(28) المصدر السابق، ص 58.

(29) جوزيف، كي – زيربو: تاريخ إفريقيا السوداء / القسم الأول، ترجمة يوسف شلب الشام، منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق، ط 1994م، ص 256.

(30) المصدر السابق، ص 72.

(31) الد كو، د. فضل كلود: الثقافة الإسلامية في تشاد، مصدر سبق ذكره، ص 160.

(32) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(33) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت – لبنان، ط 1993م، ج 2، ص 205. 

(34) الدكو، د. فضل كلود: الثقافة الإسلامية في كانم، ص 249.

(35) المصدر السابق، ص 248.

(36) الأتابكي، جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (813 – 974هـ): النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة والترجمة والطباعة والنشر (دون تاريخ)، ج 11، ص 313.

(37) منهم العالم الفقيه محمد النجيب الذي أسّس معهد نيالا، والعالم الجليل عبد القرآن مؤسس معهد شاشينا الإسلامي في أرض الجزيرة، والعالم عبد الحق مؤسس معهد النهوض الديني، انظر: دكو، د, فضل كلود: الثقافة الإسلامية، نقلاً عن: رحلات بوركهات في بلاد النوبة والسودان. 

(38) المصدر السابق، ص 259.

(39) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(40) رولفس، غير هارد: عبر إفريقيا رحلة من البحر المتوسط إلى بحيرة تشاد وإلى خليج غينية، ترجمة وتقديم وتعليق، د. عماد الدين غانم، منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية - سبها ليبيا، (دون ت)، ج 1، ص 266.

(41) أحمد الشنتاوي وآخرون: دائرة المعارف الإسلامية، دار المعارف – بيروت – لبنان، (دون ت)، ج 3، ص 583.

(42) القشاط، د. محمد سعيد: صحراء العرب الكبرى، مؤسسة ذي قار - ليبيا، ط 1999م، ص 206.

(43) بيلو، محمد: إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، منشورات جامعة محمد الخامس، المملكة المغربية، الرباط، ط 1996م، ص 56.

 

الکاتب: د. محمد زين نور محمد (مدرس، وباحث في جامعة أنجمينا - قسم التاريخ.)‏