تاريخ المغرب (3)

  • رقم الخبر 2154
  • المصدر: تاريخ المغرب والأندلس/ الدكتورة سعاد العمري

المخلص عرف المغرب بداية عصر الولاة بدءًا من عام 98هـ، والذي كان عصر قلاقل واضطرابات، وقد بدأت ‏تلك الاضطرابات بعدما اختار سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم واليًا على إفريقية، وكان شديدًا ‏كالحجّاج، وأراد أن يسير فيهم سيرة الحجّاج في أهل العراق.


عصر الولاة

عرف المغرب بداية عصر الولاة بدءًا من عام 98هـ، والذي كان عصر قلاقل واضطرابات، وقد بدأت ‏تلك الاضطرابات بعدما اختار سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم واليًا على إفريقية، وكان شديدًا ‏كالحجّاج، وأراد أن يسير فيهم سيرة الحجّاج في أهل العراق؛ فكانت النتيجة أن قتلوه، ومن بعدها لم ‏يستقر أمر ولاة إفريقية في عصر بني أمية، وشهد المغرب الفتنة المغربية الكبرى التي تضخمت في ‏العصر العباسي، حتى وصلت إلى استقلال الولايات الإفريقية، وإقامة دول مستقلة فيها.‏

لقد سيطر الخوارج على المغرب في أواخر عهد الدولة الأموية، وسار إليهم محمد بن الأشعث فدخل ‏إفريقية وفيها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري يقاتل الخوارج(‏1‏).‏

‏ فقد برزت الخوارج الصفرية في المغرب الأقصى وسيطرت عليه، وظهرت الإباضية في المغرب الأدنى ‏والأوسط، وأخضعت أجزاءً واسعة لنفوذها، وكان عبد الرحمن بن حبيب يقاتل الخوارج عندما قامت ‏الدولة العباسية(‏2‏).‏

وفي عام 155هـ جاء يزيد بن أبي حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة واليًا على إفريقية فانتصر ‏على الخوارج الإباضية والصفرية، واستطاع أن يفرض نفوذ العباسيين في المغرب قبل نهاية حكم ‏المنصور، وبقي يزيد بن حاتم في المغرب حتى عام 170هـ(‏3‏).‏

ثم سادت الاضطرابات في إفريقية اعتبارًا من عام 171 هـ/ 787م بفعل خروج الخوارج وقادة الجند ‏والبربر؛ فأرسل الرشيد هرثمة بن أعين واليًا على إفريقية، وأمره بقمع الانتفاضات وتوطيد الأمن، فنجح ‏في مهمته ودخل القيروان وأمَّن الناس.‏

ويبدو أن الخلافات بين الفئات الإسلامية المتعددة كانت واسعة فتجددت القلاقل، ولم يتمكن هرثمة من ‏رأب الصدع، فعزله الخليفة بناءً على طلبه في عام 180 هـ/ 796م، كما لم يتمكن الولاة الذين جاءوا من ‏بعده من السيطرة على الموقف، فاستغل إبراهيم بن الأغلب عامل إقليم الزاب (في الجزائر اليوم) هذه ‏الأوضاع القلقة، وطلب من الخليفة توليته على إفريقية ووعده بتهدئة الوضع، استجاب الخليفة لطلبه، ‏وعهد إليه بالولاية على إفريقية في عام 184 هـ/ 800 م(‏4‏)، ونجح إبراهيم في تحقيق الاستقرار متبعًا في ‏ذلك سياسة معتدلة، وازدهرت إفريقية في عهده وشهدت حركة عمرانية واسعة ونشاطًا اقتصاديًّا كبيرًا، ‏وقد مهَّد إبراهيم بهذا لقيام دولة الأغالبة التي ما لبثت أن استقلت عن الإدارة المركزية في بغداد، ‏واتخذت القيروان حاضرة لها(‏5‏).‏

لقد شهد العصر العباسي تقلص سلطة الخلافة عن الولايات؛ مما مهَّد السبيل لكل ناقم على الدولة، أو ‏مخالف لها لأن يقيم دولته الوراثية الخاصة في أطراف الخلافة، وقد كان من هؤلاء إبرهيم بن الأغلب ‏الذي أقام دولة الأغالبة، ولكن بموافقة الخلافة العباسية. وهذه نماذج لبعض الدول المحلية:‏

قيام الدويلات العربية المستقلة في بلاد المغرب ‏

ما هي أسباب قيام الدويلات المستقلة في بلاد المغرب:- ‏

‏– يرجع أسباب قيام الدويلات المستقلة الى الحالة التي كانت عليها بلاد المغرب حيث:‏

‏1- الطبيعة الجغرافية الوعرة في بلاد المغرب ومقارنتها بالحالة السياسية من حيث بعدها عن مركز ‏الخلافة.‏

‏2- ظهور خطر الخوارج في بلاد المغرب.‏

‏3- انشغال الخلفاء العباسين بمشاكل المشرق.‏

‏4- السياسة الشديدة مع البربر من قبل الحكام.‏

‏5- فرض الجزية الكبيرة على البربر وخاصة في عهد يزيد بن عبد الملك.‏

‏6- أعجاب بعض الخلفاء الأمويين بناء البربر مما أثار البربر. ‏

‏– لذلك شهدت منطقه المغرب العربي منذ أواخر القرن الثاني الهجري قيام عدة دويلات مستقلة ‏في سائر أجزائه أهم هذه الدويلات: ‏

أ‌- دوله الأغالبة.‏

ب- دوله الأدارسة. ‏

ت- دوله بني مدرار. ‏

ج- دوله الفاطميه. ‏

‏– ولكن دوله الأغالبة كانت أهم هذه الدويلات جميعا نظرا للدور العظيم الذي لعبته سواء في الحياة ‏السياسية أو الحضارية ونلاحظ أن كل هذه الدول بإستثناء دوله الأدارسة قد مرت بداية من تكوينها ‏حتي سقوطها بدورين رئسين هما:‏

‏1- مرحله الدعوة أو دور الدعوة:(أين نشأة وكيف النشأة ) ‏

‏2- مرحلة الدور العسكري:أ- التوسع وقيام الدولة. ‏

ب- الضعف والسقوط. ‏

‏– أما بالنسبة لدولة الأغالبة فلم يتضح ذلك بقوه لتعلقها بالعباسين ويلاحظ أيضا أن كل هذه ‏الحكومات كان لابد من وجود شريعتين لها وهي الشرعية الدينية و الشرعية السياسية وكان لابد من ‏وجود هاتين الشريعتين من اجل قيام هذه الدويلات المستقلة. ‏

 

دولة بني مدرار في سجلماسة (140 ـ 349هـ/ 757 ـ 960م):‏

توفي أبو القاسم سمكو مؤسس دولة الخوارج الصفرية في سجلماسة (جنوب المغرب) عام 168هـ، ‏وخلفه ابنه إلياس بن أبي القاسم والذي عرف باسم "أبو الوزير"، واستمرت أيامه حتى عام 174هـ، ‏وخلفه أخوه اليسع بن أبي القاسم، وبقي في حكم هذه الدولة حتى عام 208هـ، وقد عرف باسم "أبو ‏المنصور"، وقد ثارت الإباضية في أيامه في وادي درعة، ولكنه قضى على ثورتهم وبطش بهم.‏

وكما هادن الإباضيون ولاة العباسيين في القيروان، كذلك هادنهم الصفرية الذين اتجهوا نحو أوضاعهم ‏الداخلية والاقتصادية حيث كانوا تجارًا بين الشمال والجنوب عبر الصحراء، وكذلك فقد جعلوا الحكم ‏وراثيًّا كالإباضيين(‏6‏).‏

كانت الصفرية والإباضية من أكثر المذاهب الخارجية المنتشرة بالمغرب، وإنهما من أكثر مذاهب ‏الخوارج تسامحًا واعتدالاً مع مخالفيهم في الرأي، إذا ما قورنوا بفرق الأزارقة والحرورية في المشرق؛ ‏لأن الصفرية والإباضية لم ترضيا إباحة دماء المسلمين، أو جواز سبي النساء والذرية، ولا يريان قتال أحد ‏من الناس سوى جيش السلطان(‏7‏)، فلم يكفروا القاعدين عن القتال، ولم يُسقطوا الرجم، ولم يحكموا ‏بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار، ومرتكب الكبيرة عندهم عاصٍ وليس كافرًا ‏مشركًا(‏8‏).‏

 

الدولة الرستمية في تاهرت (144 ـ 296 هـ / 761 ـ 908 م):‏

قامت دولة للخوارج الإباضية في تاهرت (غرب الجزائر) إذ أسسوا هذه المدينة عام 161هـ، وأصبح عبد ‏الرحمن بن رستم إمامًا لهذه الدولة، وقد هادن ولاة القيروان(‏9‏). وبعد وفاته عام 171هـ، خلفه ابنه عبد ‏الوهاب واستمر حكمه إلى ما بعد هارون الرشيد، وقد هادن ولاة إفريقية من قبل العباسيين، وقد لقي ‏عبد الوهاب حركات ضده بسبب مخالفته للمذهب الإباضي الذي لا يقبل بالحكم الوراثي، وإنما يكون ‏الرأي في اختيار الحاكم لأهل الحل والعقد، أما عبد الوهاب فقد تسلم الحكم من أبيه رغم وجود من هو ‏أفضل منه وأكثر علمًا؛ لذا فقد قامت حركة قادها يزيد بن فندين وعرفت بالنُكّار، أي الذين ينكرون ‏تصرف ولي الأمر بالحكم(‏10‏).‏

وعقيدة الإباضية تتفق مع أهل السنة في الكثير، وتختلف في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث ‏كمصدر للعلوم الدينية، ويقولون بالرأي، ويأخذون بالإجماع.‏

ولعل أهم خلاف بينهم وبين السنة قولهم بالتنزيه المطلق؛ ولذلك فإنهم يقولون: إن رؤية الله منفية في ‏الدنيا والآخرة. ويقولون أيضًا: إن الوعد والوعيد لا يتخلفان، بمعنى أن وعيد الله لا يتخلف، فمن دخل ‏النار فهو خالد فيها، والمذنب تطهره التوبة، ولا يدخل السعيد النار(‏11‏).‏

‏ ‏

دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى (مراكش) (172 ـ 375 هـ / 788 ـ 985م):‏

فرَّ إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب من الحجاز، وقد نجا من موقعة فخ ‏عام 169هـ / 785م، إلى المغرب الأقصى حيث استطاع أن يؤسس دولة مستقلة عن الخلافة العباسية عام ‏‏172هـ، وبنى في المكان المعروف باسم جراوة مدينة فاس، واتخذها عاصمة له، واستمر في حكمه حتى ‏توفي مسمومًا عام 177هـ، فخلفه ابنه إدريس الثاني الذي كان جنينًا في بطن أمه عندما مات أبوه، وقام ‏بشئون البربر مولى أبيه راشد، فلما قتل راشد كفل إدريس أبو خالد العبدي، حتى كبر فتولى الأمر عام ‏‏188هـ، وبنى مدينة العالية وهي مقابل مدينة فاس(‏12‏).‏

ومن أشهر أمراء الأدارسة إدريس الثاني (177 ـ 213 هـ)، علي بن عمر بن إدريس الثاني (221 ـ 234 ‏هـ)، ويحيى الرابع بن إدريس بن عمر (292 ـ 310 هـ)‏(‏13‏).‏

‏ ‏

دولة الأغالبة في المغرب الأدنى (تونس) (184 ـ 296 هـ / 800 ـ 909 م):‏

في عام 184 هـ ولَّى الخليفة هارون الرشيد إمارة إفريقية لإبراهيم بن الأغلب، ومنذ أن تولى إبراهيم ‏الإمارة بدأ يعمل على تأسيس دولة له ولأبنائه من بعده.‏

عرف الرشيد رغبة إبراهيم بن الأغلب، ومع ذلك فقد استبقاه في الإمارة بل ودعمه ما دام يعمل باسم ‏العباسيين، وخاصة أن الرشيد كان مشغولاً بحرب الروم، وهجوم الخزر، ومشكلات المشرق، وفي الوقت ‏نفسه يريد أن يحمي الأجزاء الغربية من الإمارات التي قامت في المغرب والأندلس من خوارج وأدارسة ‏وأمويين، ولم يكن لدى الرشيد أسطول يحمي أقاليم البحر المتوسط فاكتفى بالإشراف على دولة إبراهيم ‏بن الأغلب، ورأى ذلك خيرًا وأفضل من أن يخرجوا من إشرافه نهائيًّا كباقي الإمارات(‏14‏).‏

ومن أشهر أمراء دولة الأغالبة إبراهيم بن الأغلب (184 ـ 196هـ)، وعبد الله الأول (196 ـ 201 هـ)، ‏وزيادة الله الأول (201 ـ 223 هـ)، ومحمد الأول أبو العباس (226 ـ 242 هـ)‏(‏15‏).‏

 

مراجع:

(‏1‏) محمود شاكر: الدولة العباسية، ج5، ص84.‏

(‏2‏) محمود شاكر: الدولة العباسية، ج5، ص87.‏

(‏3‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص126.‏

(‏4‏) اليعقوبي: تاريخه، ج2، ص358. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص109. د/ طقوش: تاريخ ‏الدولة العباسية، ص95. ‏

(‏5‏) الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج8، ص314. د/ طقوش: تاريخ الدولة العباسية، ص95. ‏

(‏6‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص161.‏

(‏7‏) د/ إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري، ص163.‏

(‏8‏) د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص133.‏

(‏9‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص134.‏

(‏10‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص160، 161.‏

(‏11‏) د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص136.‏

(‏12‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص162.‏

(‏13‏) د/ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3، ص169، 171.‏

(‏14‏) محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص164.‏

(‏15‏) د/ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج2، ص172، 174، 175، 178.‏