تاريخ المغرب (4)

  • رقم الخبر 2157
  • المصدر: تاريخ المغرب والأندلس/ الدكتورة سعاد العمري

المخلص تعتبر دوله الأغالبة على درجة كبيرة من الاختلاف بالنسبة للدويلات التي نشأت بالمغرب العربي ‏وذلك لأنها قامت على علم وموافقة الخلافة العباسية.


دوله الأغالبة ‏

‏– تعتبر دوله الأغالبة على درجة كبيرة من الاختلاف بالنسبة للدويلات التي نشأت بالمغرب العربي ‏وذلك لأنها قامت على علم وموافقة الخلافة العباسية. ‏

لدوله الأغالبة شرعيات قامت عليها ما هي: ‏

شرعيه السياسية: حيث وافق الخليفة العباسي هارون الرشيد على توليه إبراهيم بن الأغلب حكم ولاية ‏إفريقيا ‏

شرعية دينيه:فكان من المهم أن يتم ترشيحهم من قبل شخصيته دينية حيث أنهم لم يدعوا أنهم من أهل ‏البيت ونسبوا أنفسهم لداعي ديني يسمي هرثمه بن أعين وكان يلقب فقيه الأمة وهو الذي أعطي لأغالبه ‏شرعيه دينيه واقنع الخليفة هارون الرشيد أن يكون زيادة واليا على أفريقه وبالفعل وافق الخليفة. ‏

أسباب قيام دوله الأغالبة: ‏

‏1- الفتن والصراعات بين الخلفاء العباسيين. ‏

‏2- إقناع الخليفة هارون الرشيد بانفصال المغرب عن الخلافة العباسية. ‏

‏3- إقناع الخليفة هارون الرشيد بقوة الأغالبة وان لديهم دعوة دينية فقيه وهم غير قادرين على إظهارها ‏وأنهم سوف يكونوا قادرين على دفع الأموال المطلوبة. ‏

‏4- ضعف الأحوال الاقتصادية بسبب ثورات البربر الداخلية. ‏

علاقة الأغالبة بالدولة العباسية: ‏

‏– قامت سياسة الأغالبة مع العباسيين على مبدأ الاستقلال الذاتي مع الولاء للخلافة العباسية حيث ‏عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد لإبراهيم بن الأغلب أن يحكم ولاية افريقية وتكون وراثية لأبناء ‏من بعده حيث يدين بالولاء والطاعة للخلافة العباسية وان يدفع لهم مبلغ من المال كما يقوم بحماية ‏وتأمين حدود الدولة من الناحية الغربية والقضاء على الملك والدويلات الصغيرة المعادية للخلافة ‏العباسية. ‏

‏*قيام دوله الأغالبة والفترات التي مرت بها: ‏

‏– يعد إبراهيم بن الأغلب أول الأمراء بدوله الأغالبة وحكم من عام (84-196هـ) ويعتبر من أكثر ‏وأفضل الأمراء حيث كان يجمع الى جانب عمله وتفقه في الدين الى حسن الرأي والحزم وخبره ‏سياسيه وعسكريه كبيرة حيث قام: ‏

‏1- اتخذ من مدينه القيروان عاصمة لدولته. ‏

‏2- قام بإنشاء قوة هائلة مكنت من جاء بعده من الاستيلاء على صقليه. ‏

‏3- اهتم بالعمران فأنشأ القصر القديم في الجزء الجنوبي الغربي من القيروان. ‏

‏4- أقام جيشا كبيرا يتكون من عنصرين:- ‏

أ- البربر الشعرية:عملوا كجنود مرتزقة. ‏

ب- الصقالبه: من أصل أوروبي. ‏

جـ – العنصر الزنجي: مجلوب من إفريقيا. ‏

يمكن تقسيم تاريخ دوله الأغالبة الى ثلاث فترات: ‏

‏1- الفترة الأولي: ‏

‏– هي فتره تأسيس على يد إبراهيم بن الأغلب وولديه العباس وزيادة الله وهي فتره عمران وبناء. ‏

‏2- الفترة الثانية: ‏

‏– هي نهاية حكم زيادة الله حتي نهاية حكم عبد الله بن محمد وتمثل فتره ازدهار واستقرار سياسي ‏وانجازات. ‏

‏3- الفترة الثالثة: ‏

‏– هي فتره حكم زيادة الله بن عبد الله آخر أمراء دوله الأغالبة وتتسم بأنها فتره تدهور وانحدار ‏وفيها سقطت دوله الأغالبة علي الفاطمين. ‏

الدور العسكري لدوله الأغالبة: ‏

‏– تمثل الدور العسكري في ولاية زيادة بن الأغلب الذي وقع في مشكله مع والده وهي الحشود أو ‏الجموع الهائلة من الجنود والصراع حول السلطة والثورات من جانب البربر فأراد زيادة إشغالهم عن ‏هذه الثورات ففكر في الجهاد لحل مشكله وبدء يفتح صقليه. ‏

فتح صقليه ‏

عام (212 هـ) ‏

‏– العوامل التي أدت لفتح صقليه: ‏

‏– هناك عوامل ظاهريه وخفيه أو عوامل داخليه وخارجية لفتح صقليه وهي: ‏

‏1- العوامل الداخلية: ‏

‏1- عامل سياسي: ‏

‏– متمثل في ثورات البربر. ‏

‏– ضعف دوله الأغالبة. ‏

‏– القضاء على غارات الروم والعودة لسياسة الجهاد البحري التي دأبت عليها بني أميه. ‏

ب- عامل اقتصادي: ‏

‏– الخزائن كانت خاوية وبيت المال بسبب الثورات. ‏

‏– كانت صقليه بالنسبة للمسلمين بلاد غنية فعلموا أللاستيلاء عليها. ‏

جـ – عامل ديني: ‏

‏– وهو متمثل في الجهاد في سبيل الله مع الاستعانة بالبربر في الفنون القتالية العسكرية حيث أنهم ‏اسلموا. ‏

د- عامل استراتيجي: ‏

‏– تأمين حدود الدولة من الناحية الغربية. ‏

‏– صد غارات الروم. ‏

‏2- العوامل الخارجية:‏

السبب المباشر في فتح صقليه: ‏

‏– يتخلص السبب المباشر في أن رجل يدعي (فيمي) كان يعارض حكم بطريق صقليه (‏قسطنطين) وقام بشق عصا الطاعة وأعلن الثورة عليه في سرقوسه ولكنه فشل فأضطر في نهاية ‏الأمر بالاستنجاد بالعرب وعرض عليهم المساعدة في فتح صقليه. ‏

عرض فيمي وموقف المسلمين منه: ‏

‏– كان بين إفريقيه وصقليه هدنه ولكن باستنجاد فيمي بأمير إفريقيه شجع زيادة الله من نقض الهدنة ‏ورأي انه قد حان الوقت لتحقيق حلم المسلمين وضم صقليه لدوله الإسلام كما شجعه على ذلك وجود ‏اسري في صقليه ‏

يكسبه مكانه وتأييد في نظر المسلمين عامه والعباسيين خاصة كما أن سوف يؤمن حدوده بلاده من غزو ‏بيزنطيين عن طريق صقليه. ‏

‏– فانقسم المسلمين الى فريقين:- ‏

‏– فريق يري ضرورة الجهاد وضم صقليه الى الإسلام وعلى رأسهم أسد بن الفرات.‏

‏– فريق آخر يري التريث وعدم الاستعجال في قطع الهدنة.‏

أسد بن الفرات وخروجه لفتح صقليه:- ‏

‏– كان أسد بن الفرات تلميذ هرثمه بن أعين الذي أعطي لدوله الأغالبة شرعيه دينيه وكان أسد لا ‏يعرف عن الخبرة العسكرية إلا القليل وهذا يؤكد أن الشرعية السياسية ليس لها قدسيه مثل الشرعية ‏الدينية. ‏

‏– خرج الأسطول الأغالبي الإسلامي من مدينه سوسه في ربيع الأول (212هـ) في نحو 7 مراكب ‏وانضمت إليه مراكب فيمي ولكن الأسطول تعرض لمشقات وأهوال ومات الكثير من المسلمين من ‏الجوع والإمراض وتوفي ابن الفرات واتخذت الدولة البيزنطية سرقوسه. ‏

فتح بالرمو: ‏

‏– كان الأمير زيادة اله بن الأغلب مشغولا عن الأسطول الإسلامي بفتن داخليه ومتاعب خارجية ‏ولكنه عندما تخلص من هذه المشاكل أرسل امتدادات للمسلمين وتمكنوا من فتح برمو عاصمة ( ‏صقليه ) وقد كان فتح بالرمو خطوة هامه في فتح باقي بلدان صقليه حيث اتخذها المسلمين قاعدة ‏ليشنون منها الغارات ثم يعودون ومعهم غنائم فضلا عن أنها كانت ارض خصبه وغنية كان تمدهم ‏بالمؤن والغلال. ‏

الدور الحضاري: ‏

‏– نتائج الفتح الإسلامي لصقليه: ‏

أولا: اقتصادياً ‏

‏– ازدهرت الأحوال الإقتصادية في صقليه حيث سيادة المسلمين على حوض البحر المتوسط ‏والثغور الساحلية مثل سوسه وتونس فجمعوا منها ثورة هائلة فانتعشت الزراعة والتجارة مما أدي ‏الى زيادة الخراج. ‏من أهم الأعمال البنائية في عهد زيادة الله:- ‏

‏1- تحديد مسجد عقبه بالقيروان. ‏

‏2- بناء سور حصين لمدينه سوسه ورباط سوسة. ‏

‏3- بناء قنطرة أمام الربع على النهر” مجودة” بالإضافة لتشيد العديد من القصور. ‏

ثانيا: اجتماعيا ً ‏

‏– تغيرت الأحوال الإجتماعيه باختفاء العنصر البيزنطي صاحب السيادة وتحرير العبيد بدخولهم في ‏الإسلام فجمع العرب وحدة بشريه ودينيه ولغويه وحاول الأغالبة فك هذه الوحدة وإزابه الجند ‏العرب في المجتمع التونسي واختلطوا بالعنصر الأخر وظهر عنصر الزنوج الذين اتخذهم الأمراء ‏كعبيد وحراس.‏

ثالثاً: ثقافيا ‏

‏– ازدهرت الثقافة وأصبحت المساجد والمدارس لنشر المذهب المالكي وقد استقرت الحياة الدينية ‏بسبب تماسك المجتمع في عقيدة واحدة ومذهب أهل السنة. ‏

سقوط دوله الأغالبة: ‏

عوامل سقوط دوله الأغالبة:- ‏

عوامل داخليه: ‏

‏1- الاتجاهات الجديدة التي طهرت في بلاد المغرب. ‏

‏2- النزاعات الأخري بين الأجناس.‏

‏3- انشغال زيادة الله باللهو وإهماله لشؤون الدولة وما ترتب عليه تدهور أحوال البلاد. ‏

عوامل خارجية: ‏

‏1- ظهور الخطر الفاطمي الذي فرض أركان هذه الدولة. ‏

‏2- قيام النزاع بين أبناء الأسرة الحاكمة. ‏

‏3- كثرة الفتن والاضطرابات داخل البيت الأغلبي. ‏

‏4- فادي ذلك كله لسقوط دوله الأغالبة. ‏

‏– كان هناك محاولات لفتح صقليه قبل ذلك هما: ‏

‏1- حمله معاوية بن حديج. ‏

‏2- موسي بن نصير ولكنها كانت حملات استكشافيه. ‏

خصائص دوله الأغالبة: ‏

‏1- استطاعت دوله الأغالبة أن تكون مميزة محافظة على المذهب السني ولاية إفريقيا وتولت نشر ‏المذهب المالكي فصار المذهب المالكي هو السائد في بلاد المغرب وامتد تأثيره الى الأندلس. ‏

‏2- كما حافظت دوله الأغالبة على الهوية الحضارية لأفريقيا ودفعت بالعنصر البربري والذي يمثل أهل ‏البلاد الأصلين للمشاركة كجند أو إداريين في دوله الأغالبة. ‏

‏3- ويرجع الفضل لأغالبه أنهم أعادوا عمليات الجهاد الإسلامي ونشر الدين الإسلامي من جديد ففتحوا ‏صقليه وجزيرة مالطة في البحر المتوسط. ‏

o‏ علاقة دوله الأغالبة بحكومات المغرب الأخرى:- ‏

‏1- علاقة دوله الأغالبة بدوله الأدارسة: – ‏

‏– اتخذت علاقة الأغلبه والأدارسه طابع عدائي فلم يحافظ الأغالبه من جانبهم على علاقة حسن الجوار ‏مع جيرانهم العلويين وبادئوهم بالعدوان ‏

‏– أما الأدارسة فكفت بتشجيع الفاريين من أفريقه على الاستيطان بدولته بدولتهم مكايه في الأغالبة وفي ‏الحقيقة لم يقم أمراء الأغالبه بأي عمل حربي يهدف إسقاط دوله الأدارسة لكنهم تمكنوا عن طريق تدبير ‏المكائد من إثارة العراقيل في وجه حكامها. ‏

‏2- علاقة دوله الأغالبة بالدولة الرستمية:- ‏

علاقة دوله الأغالبة بالدولة الرستمية علاقة عدائية تماشيأ مع سياستهم في معاداته أعداء الخلافة العباسية ‏‏:- ‏الرستمية: ‏

‏1- قاموا بالاستيلاء على المناطق الأغلبية المجاور لطرابلس في عهد عبدا الوهاب. ‏

‏2- قام ابنه الإمام افلح بإحراق مدينه العباسية. ‏

‏3- إثارة أئمة تاهرت القلاقل في وجه أمراء القيروان. ‏

الأغالبة: ‏

‏1– حرصت الدولة الأغالبة على الكيد للدولة الرستمية وإثارة المتاعب في وجهها. ‏

‏2- الاعتداء المباشر على جبل ( نفوسه ) معقل الخوارج الاباضيه. ‏

‏3- مقاطعه الدولة الرستمية تجاريا وثقافيا ‏

‏3- علاقة دوله الأغالبة بدوله بني مدرار:- ‏

‏– كانت علاقة دوله الأغالبة بين مدرار لمتداد العلاقة بغداد سلجماسه حيث كانت الاغالبه تدين بالولاء ‏السياسي والتبعية الاسمية للخلافة العباسية على الرغم مما تمتعت به من استقلال ذاتي لذلك عادي ‏الاغالبه اعداء ألخلافه في المغرب ومنهم بني مدرار ولكن هذا الخلاف لم يبلغ حد الصراع بين الدولتين ‏حيث: ‏

‏1- انصرف الاغالبه عن مشاكل المغرب لتحقيق أهدافهم التوسعية في حوض البحر المتوسط. ‏

‏2- الدولة الرستمية كانت حائل بين دوله الأغالبة ودوله بني مدرار. ‏

‏– وكان هناك خلاف سياسي والمذهبي بين الإمارات الأغلبه والمدرار تحول أي تقارب بينهما فقد: ‏

‏– تهادن بين مدراريه جيرانهم الرستميين لكي يتفرغوا لمواجهه الأغالبة عدوهم المشترك.‏

‏– اتصلوا بالدولة الأموية في الأندلس ليقفوا أمام أطماع الأغالبة في المغرب.‏

‏– أهم مايبرز أسباب العداء بين بني مدار والأغالبة و ما تعرض له الخوارج الصفريه من بطش ‏واضطهاد في القيروان. ‏

‏4-علاقة دوله الأغالبة بالدولة الأموية بالأندلس: – ‏

‏– العلاقة بين الاغالبه والأمويين كانت تتسم بروح العداء ولكن المشاكل الكثير التي تعرض لها كل ‏منهما لم تمكن ايا منها من الخروج بهذا العداء السلبي لعمل ايجابي حيث أن: – ‏

الأمويين: – ‏

‏1- الإمارة الأمويه شغلت بتحقيق وحدة الأندلس. ‏

‏2- الاماره الأمويه شغلت بإخماد الفتن بين البربر والعرب. ‏

‏3- الامارة الأمويه شغلت بمواجهه الخطر النورمانيين على سواحل البلاد.‏

‏4- الإمارة الأمويه لم تستطيع إنشاء أسطول تستطيع به منافسه الاغالبه ‏

الأغالبة: ‏

‏1- الأغالبة شغلوا بفتن الجند في الداخل والخارج. ‏

‏2- شغلوا في الفتوحات في صقليه. ‏

‏3- شغلوا في الفتوحات في صقليه وجنوب ايطاليا وشغلوا أيضا بمنارته الرستميين وبين ‏مدرار. ‏

دولة المرابطين ومبادئهم

في صحراء موريتانيا البلد الإسلامي الكبير، وبالتحديد في الجنوب القاحل حيث الصحراء الممتدة، ‏والجدب المقفر، والحرّ الشديد، كانت تعيش بعض قبائل البربر، ومن قبائل البربر الكبيرة كانت قبيلة ‏‏"صنهاجة"، وكانت قبيلتا "جُدَالَة ولَمْتُونة" أكبر فرعين في "صنهاجة".‏

‏كانت "جُدَالة" تقطن جنوب موريتانيا، وكانت قد دخلت في الإسلام منذ قرون، وكان على ‏رأس جدالة رئيسهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، وكان لهذا الرجل فطرة سويّة وأخلاق حَسَنة.‏

‏نظر يحيى بن إبراهيم في قبيلته فوجد أمورًا عجيبة، فقد أدمنوا الخمور، وألِفوا الزنا، فقد فشا ‏الزنا بشكل مريع في جنوب موريتانيا في ذلك الزمن، وكثر الزواج من أكثر من أربعة، والناس ما زالوا ‏مسلمين ولا ينكر عليهم أحد ما يفعلونه، فالسلب والنهب هو العرف السائد، القبائل مشتتة ومفرقة، ‏القبيلة القوية تأكل الضعيفة(1).‏

‏كان يحيى بن إبراهيم الجُدالي صاحب الفطرة النقيّة يعلم أن كلّ ما يفعله قومه من المنكرات، ‏لكنه لم يكن بمقدوره التغيير؛ فالشعب كله في ضلال وعمى، وبعيد كل البعد عن الدين، كما أن الرجل ‏نفسه لا يملك من العلم ما يستطيع به أن يغيّر الناس.‏

‏وبعد حيْرة وتفكّر هداه ربُّه لأن يذهب إلى الحج، ثم وهو في طريق عودته يُعرّج على حاضرة ‏الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان (في تونس الآن)، فيكلّم علماءَها المشهورين بالعلم لعلّ واحدًا ‏منهم أن يأتي معه فيُعلّم قبيلته الإسلام.‏

‏وبالفعل أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالشيخ عبد الله بن ياسين (الزعيم الأول للمرابطين، وجامع شملهم، ‏وصاحب الدعوة الإصلاحية فيهم، ت 451هـ/ 1059م) من شيوخ المالكية الكبار، الذي جاء معه، وأخذ ‏يدعو الناس؛ فنفروا منه وضربوه، لكنه لم ييئس هو والأمير؛ فأقاما رباطًا يتعبدان فيه، فأخذ الناس يأتون ‏إليهما طلبًا للهداية.‏

تجمع من التائبين عدد كبير منهم يحيى بن عمر اللمتوني زعيم لمتونة، ثم خَلَفَه بعد وفاته أبو بكر بن ‏عمر، فانطلقوا بقيادة عبد الله بن ياسين الروحية، وقيادة يحيى بن عمر اللمتوني السياسية والعسكرية ‏يدعون قومهم، ثم القبائل الأخرى التي كانت وثنية، أو عادت إلى الوثنية بعد أن كانت مسلمة؛ فمن قَبِل ‏صار معهم، ومن عاند وعادى دعوة الحق حاربوه؛ حتى أقاموا دولة كبيرةً سُمِّيَت بالمرابطين؛ لأن ابن ‏ياسين وجماعته كانوا يرابطون على نهر السنغال في خيام متأهبين للجهاد في سبيل الله تعالى.‏

وقد قامت دولة المرابطين على عدد من المبادئ، من أهمها:‏

أولاً ـ العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية.‏

ثانيًا ـ توحيد المغرب تحت راية الخلافة الإسلامية.‏

ثالثًا ـ العمل على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين.‏

رابعًا ـ العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج.‏

خامسًا ـ حفظ ما وُضِعَت الشريعة لأجله.‏

سادسًا ـ إعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا.‏

سابعًا ـ القيام على تحصيل الصدقات وأموال الزكاة والخراج والفيء.‏

ثامنًا ـ تحري الأمانة في اختيار المناصب.‏

تاسعًا ـ الإشراف المباشر على شئون الدولة(2).‏

‏ ‏ومات عبد الله بن ياسين مجاهدًا، ثم انطلق يحيى بن عمر مجاهدًا في أواسط إفريقيا وغربها، وترك ابن ‏عمه يوسف بن تاشفين على قيادة دولة المرابطين؛ فوسعها، واتخذ الجهاد سبيلاً، حتى أقام دولةً عظيمةً ‏للمرابطين، صار لديها خمسمائة ألف مقاتل.‏

كان عهد يوسف بن تاشفين عهد قوة للمرابطين؛ حيث استنجد به أمراء الطوائف بالأندلس ضد عدوهم ‏الصليبي، فانتقل إليهم بسبعة آلاف مقاتل فقط، وتجمَّع لديه من المجاهدين المتطوعين بالأندلس ثلاثون ‏ألفًا، ومنحهم الله عزَّ وجلَّ النصر على عدوهم في موقعة الزَّلاَّقة العظيمة، التي أُبِيد فيها جيش الصليبيين ‏على بكرة أبيه، ثم بعد سنوات لما زاد تصارع أمراء الطوائف، ضم يوسف الأندلس إلى دولة المرابطين؛ ‏لكي يحفظ الإسلام والمسلمين فيها.‏

أسباب سقوط المرابطين

بعد عهد يوسف بن تاشفين دخلت دولة المرابطين في انحراف عن مبادئها؛ مما أدخلها في عهد ضعفٍ ‏انتهى بقيام دولة الموحدين على يد محمد بن تومرت، وكان فاسد العقيدة، فادَّعى أنه المهدي المنتظر، ‏واستباح دماء المرابطين، وكانت الدماء يسيرةً عليه، وقد كان من أهم أسباب سقوط دولة المرابطين:‏

أولاً- ظهور روح الدعة والانغماس في الملذات والشهوات عند حكام المرابطين وأمرائهم في أواخر ‏عصر علي بن يوسف.‏

ثانيًا- ظهور السفور والاختلاط بين النساء والرجال.‏

ثالثًا- انحراف نظام الحكم عن نظام الشورى إلى الوراثي.‏

رابعًا- الضيق الفكري الذي أصاب فقهاء المرابطين وحجرهم على أفكار الناس، ومحاولة إلزامهم بفروع ‏مذهب الإمام مالك وحده، وعملوا على منع بقية المذاهب السنية تعصبًا لمذهبهم.‏

خامسًا- فَقْد دولة المرابطين لكثير من قياداتها وعلمائها العظام أمثال سير بن أبي بكر، ومحمد بن ‏مزدلي، ومحمد بن الحاج، وأبي إسحاق بن دانية، وأبي بكر بن واسينو.‏

سادسًا- الأزمة الاقتصادية الحادة التي مرت بها دولة المرابطين نتيجة لانحباس المطر لعدة سنوات، ‏وحلول الجفاف والقحط بالأندلس والمغرب، وزاد من حدَّة الأزمة الاقتصادية أن أسراب الجراد هاجمت ‏ما بقي من الأخضر على وجه البلاد؛ مما هيأ الظروف لانتشار مختلف الأوبئة بين كثير من السكان، ‏ووقعت هذه الأزمة في الفترة الواقعة ما بين أعوام 524 - 530هـ.‏

سابعًا- الصدام المسلح بين دولة المرابطين وجيوش الموحدين(3).‏

بعد محمد بن تومرت تولى عدد من الحكام كان أبرزهم عبد المؤمن بن علي الذي كان عهده عهد قوة؛ ‏إذ قام بمضاعفة القوة العسكرية، كما قام بنهضة عمرانية كبيرة.‏

استمر عهد قوة الموحدين بعد تولي أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي (554 - 595هـ/ 1160 - ‏‏1199م)، ويمثل عهده الذي امتد خمس عشرة سنةً العصر الذهبي لدولة الموحدين.‏

‏تولَّى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، وكان عمره خمسًا وعشرين سنةً فقط، وقد قام ‏بالأمر أحسن ما يكون القيام، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والوعظ ‏والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن، واستطاع أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي ‏أن يغير كثيرًا من أسلوب السابقين له، فكان سمته الهدوء والسكينة والعدل والحلم، حتى إنه كان يقف ‏ليقضي حاجة المرأة وحاجة الضعيف في قارعة الطريق، وكان يؤمُّ الناس في الصلوات الخمس، وكان ‏زاهدًا يلبس الصوف الخشن من الثياب، وقد أقام الحدود حتى في أهله وعشيرته، فاستقامت الأحوال ‏في البلاد وعظمت الفتوحات.‏

‏بلغت أعمال أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الجليلة في دولته أوجها، حتى وصلت إلى ‏أن حارب الخمور، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات العقيمة التي كانت في أواخر عهد ‏المرابطين وأوائل عهد الموحدين، وقد أسقط الديون عن الأفراد، وزاد كثيرًا في العطاء للعلماء، ومال ‏إلى مذهب ابن حزم الظاهري لكنه لم يفرضه على الناس، ومن أجلِّ أعماله أنه تبرأ من أباطيل ابن ‏تومرت.‏

وفي سنة 591 هـ/ 1195م انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب والصحراء وعبرت مضيق جبل طارق ‏إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين الرابضة هناك في موقعة الأرك الخالدة التي انتصر فيها ‏المسلمون انتصارًا باهرًا.‏

وبعد وفاة المنصور الموحدي سنة 595 هـ/ 1199م بدأت النهاية لدولة الموحدين.‏

 

أسباب سقوط دولة الموحدين

أولاً: ظلمهم الفظيع للمرابطين، وسفكهم للدماء، واعتداؤهم على الأموال، وسبيهم للنساء بدون وجه حق.‏

ثانيًا: ثورة بني غانية، وهم من بقايا المرابطين.‏

ثالثًا: ثورات الأعراب المتتالية.‏

رابعًا: ثورات الأندلس ضد دولة الموحدين.‏

‏ خامسًا: النزاع على الخلافة بين الموحدين، ولم يستطيعوا أن يضعوا نظامًا ثابتًا لتولي الخلافة عندهم.‏

سادسًا: الانهيار العسكري الذي أصاب دولة الموحدين، وتغير أهداف الجيش الموحدي.‏

سابعًا: الترف والانغماس في الشهوات.‏

ثامنًا: تقلُّص أراضي الدولة في إفريقية والمغرب والأندلس.‏

 

المراجع:

(1) د/ الصلابي: الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ص227 ـ 229.‏

(2) د. الصلابي: الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ص11 ـ 16.‏

‏(3) د/ الصلابي: الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ص141 ـ 144.‏