تاريخ المغرب (5)

  • رقم الخبر 2159
  • المصدر: تاريخ المغرب والأندلس/ الدكتورة سعاد العمري

المخلص سميت الدولة بالأدارسة نسبة إلى مؤسسها إدريس بن عبد الله بن حسن بن ‏الحسن بن علي بن أبي طالب. ‏قامت بالمغرب الأقصى، ومذهبها هو الزيدية أقرب مذاهب الشيعة إلى أهل ‏السنة.


دولة الأغالبة:‏ 

تُنسب دولة الأغالبة إلى الأغلب بن سالم التميمى وكان واليًا لأفريقيا سنة 148 هـ ‏من قبل أبى جعفر المنصور. أما مؤسس دولة الأغالبة فهو إبراهيم بن الأغلب الذى ولى إفريقيا فى عهد هارون الرشيد عام 184 هـ / 800م. ويعد هذا التاريخ ‏هو بدء استقلال الأغالبة عن الدولة العباسية، وقد عمل الرشيد على دعم إبراهيم ‏حتى لا يستقل نهائيًا كباقى الإمارات. وقد واجه إبراهيم بن الأغلب عدة ثورات ‏قامت ضده، تمكن من إخمادها وتثبيت أركان دولته الناشئة، وكان من أهمها ثورة ‏حمديس الكندى فى المغرب الأدنى، وثورة أهل طرابلس سنة 189 هـ. ومات ‏إبراهيم بن الأغلب سنة 196هـ بعد أن ترك إمارة قوية خلفه فى حكمها ابنه عبد ‏الله أبو العباس وكان سئ السيرة فقد اشتد مع الناس وزاد فى الضرائب. وفى عام ‏‏201 مات عبد الله أبو العباس واستراح الناس من حكمه وولى الإمارة زيادة الله ‏ابن الأغلب، وقد شهدت دولة الأغالبة فى عهده أزهى أيامها، رغم أنه ظل لفترة ‏منشغلاً بإخماد ثورة منصور بن نصير الذى حاصر القيروان وهدد وجود الدولة، ‏إلا أن زيادة الله تمكن من الانتصار عليه.

ويعد فتح «صقلية» أهم إنجاز حققه زيادة الله ابن الأغلب فقد جهز جيشًا كبيرًا بإمرة قاضى القيروان أسد بن الفرات سنة212هـ. ففتح الله لهم جزءًا كبيرًا من الجزيرة، ولم يتوغلوا فيها بسبب وفاة القائد أسد بن الفرات ومساعدة الروم، فجاءت للمسلمين نجدات من القيروان ‏والأندلس وتوغل المسلمون فى الجزيرة بقيادة محمد بن أبى الجوارى. وفى عام ‏‏221 هـ توفى زيادة الله ابن الأغلب وخلفه أخوه أبو عفان الأغلب بن إبراهيم ‏الذى قام بعدة إصلاحات فقد أزال المظالم ومنع الخمر، وحقق بعض ا لإنجازات ‏العسكرية بفتح بعض حصون «صقلية» وهزيمة أسطول رومى جاء لمحاصرة ‏الجزيرة، وتوفى أبو عفان سنة 226هـ وخلفه ابنه أبو العباس محمد الأول. وظلت ‏دولة الأغالبة قائمة يتعاقب عليها أمراء البيت الأغلبى حتى قضى عليها الفاطميون ‏سنة 296هـ / 909م.

المدن التي تحت سلطة دولة الأغالبة في عصر الدولة العباسية

مدينة القيروان:

الموقع الجغرافى:

تقع مدينة القيروان فى الجمهورية العربية التونسية وهى تبدو كالسراب، وسط ‏الصحراء بعيدًا عن الساحل، وعن طرق المواصلات.

تاريخ القيروان:

ـ تعتبر مدينة القيروان أول مدينة إسلامية فى المغرب العربى، حيث فتحها الفاتح ‏المسلم عقبة بن نافع سنة (49هـ ‏669‏ م) حينما كان يغزو أفريقيا.

ـ والواقع أن القيروان عاشت قرونًا عدة متقلبة بين الأمجاد والمآسى فقد شهدت ‏أشهر قادة العرب يأتون من الشرق على رأس جحافل جيوش فى طريقهم إلى ‏المغرب، والأندلس، وشهدت الأهوال من كثرة الحروب والحصار.

ـ وفى عهد دولة الأغالبة شهدت القيروان عصرها الذهبى من سنة (184هـ) إلى ‏سنة (296هـ) فذاع صيتها، وكثرت مبانيها وازدهرت أسواقها، وامتد اشعاعها إلى ‏جميع الأركان.

ـ وفى سنة (‏308هـ) جاء الفاطميون وأسسوا مدينة على شاطىء البحر وأسموها ‏المهدية وجعلوها عاصمة لهم بدلا من القيروان التى كانت تقاوم حكمهم.

ـ وفى سنة (‏439هـ) خرج المعز بن باديس الصنهاجى عن طاعة الخليفة ‏المستنصر، فاتفق الخليفة مع القبائل العربية وزودهم بالمال والذخيرة، والتحموا ‏مع المعز بن باديس فى معارك هائلة انتهت بتسليم مدينة القيروان وعاثوا فيها ‏فسادًا وتخريبًا فهدموا وخربوا أسواقها، وقوضوا قصورها.

ـ وانتقلت منها العاصمة نهائيًا لتستقر فى مدينة تونس، العاصمة الجديدة.

ـ ولكن القيروان ظلت رغم ما أصابها تحتفظ بجلال ماضيها، وباشعاعها الروحى ‏والثقافى لشرق المغرب.

ـ وقد نالت مدينة القيروان استقلالها ضمن دولة تونس بعد احتلال فرنسى دام ‏‏(75) عامًا‏.

أهم آثار ومعالم القيروان:

ـ مسجد القيروان: الذى بناه القائد عقبة بن نافع، وهو أول جامع فى شمال ‏إفريقية، وكان بناؤه سنة (670م).

ـ والساعة الحجرية: التى بُنيت مع بناء الجامع، وتوجد على سطحها رسوم تدل ‏على الجهات الأربع.

ـ وجامع الحجَّام: الذى دُفن فيه الصحابى أبوزمعة البلوى أحد أصحاب رسول ‏الله صلى الله عليه‏ وسلم.

ـ بئر بروطة: الذى نزل عنده عقبة بن نافع، وشرب منه.

صقلية:

الموقع الجغرافى:

هى جزيرة فى البحر المتوسط تقع فى جنوب إيطاليا وتعد صقلية بعد الأندلس ‏المصدر الثانى من مصادر الإشعاع الحضارى الذى انتقلت منه الحضارة الإسلامية ‏إلى الغرب. ولقد ساهمت صقلية فى تحضير أوروبا وتنويرها؛ بنصيب يكاد ‏يضاهى نصيب الأندلس غير أنه يقل عنه؛ لأن رقعة صقلية، كانت أضيق بكثير من ‏رقعة الأندلس؛ بيد أن هذا لا ينقص من قيمة الدور الذى قامت به صقلية فى ‏إمداد أوربا بكل مظاهر الحضارة، سواء أكانت هذه الحضارة من صنع العرب ‏الذين استوطنوها، أو مما نقلوه عن غيرهم من الدول الإسلامية الأخرى.

تاريخ صقلية:

فتح المسلمون صقلية (828م) سنة (‏213هـ)، على يد القائد الفقيه أسد بن الفرات ‏الذى أوفده زيادة الله التغلبى حاكم القيروان، وهو من حكام الأغالبة الذين كانوا ‏سادة إفريقيا فى القرن التاسع الميلادى. ولم يكن فتح صقلية سهلاً؛ فقد استغرق ‏إخضاع مدنها للحكم الإسلامى نصف قرن. وامتد حكم الأغالبة عليها أكثر من ‏ثمانين عامًا حتى تلاشت دولتهم فى تونس، وقامت الدولة المهدية فى ظل ‏الفاطميين الذين جاءوا بعد العباسيين، وحكم الفاطميون الجزيرة أربعين سنة. ‏وفى سنة (948م) ولّى المنصور بأمر الله على صقلية الحسن بن على الكلبى ‏الذى أسس دولة الكلبيين فى الجزيرة ودامت قرنًا كاملاً، وهو بحق أزهى ‏العصور الثلاثة، وهو ما نسميه بالعصر الذهبى لصقلية. بذر المسلمون فيها بذور ‏الثقافة الإسلامية، وأخذت تنمو وتزدهر على مر الأيام، حتى أنشأوا بها عدة معاهد ‏علمية عامرة يؤمها الأساتذة المسلمين؛ بل أقاموا فى مدينة بالرمو أول مدرسة ‏للطب فى أوربا، وعن طريقها انتقلت علوم المسلمين فى الطب إلى إيطاليا ‏وغيرها من البلدان. ولم يتدخل العرب فى الشئون الداخلية لأهل هذه الجزيرة بل ‏تركوا لهم الحرية التامة فى مزاولة عاداتهم وتقاليدهم، وفى آداء شعائرهم الدينية، ‏واكتفوا بأخذ الجزية ممن لم يعتنق الإسلام، وأعفوا منها الرهبان والفقراء والنساء ‏والأطفال والشيوخ، وكانت أقل بكثير من الضرائب التى كان الرومان يفرضونها ‏عليهم.

ويؤكد هذا ما ذكره المؤرخ ألبرتوفيتورا فى كتابه عن تاريخ صقلية: إن ‏العرب كانوا أشد الناس سماحة فى حكمهم للجزيرة حتى فى الأمور الدينية، فلم ‏يعانِ أى مواطن تعسفًا، أو اضطهادًا، أو ضرائب زائدة، أو مصادرة للأراضى، كما ‏كان يحدث مع كل غزاة جدد، كان العرب غزاة من نوع مختلف!. ولم يكتفِ ‏المسلمون بنشر الأمن والحرية والسماحة فيها بل اهتموا بوسائل الزراعة؛ فحفروا ‏الترع والقنوات، وأنشأوا المجارى المحنية التى لم تكن معروفة من قبل، كما ‏أدخلوا زراعة القطن، وقصب السكر، وكثيراً من النباتات، وأشجار الفاكهة التى لم ‏تكن موجودة بها، وقد ساعد على نمو الزراعة بها خصب تربتها؛ فتوفرت الحاصلات، وكثرت الفواكه.

ولم يقتصر اهتمام المسلمين على الزراعة فحسب، ‏بل استغلوا ثروات الجزيرة الطبيعية فاستخرجوا منها: الفضة، والحديد والرصاص ‏والنحاس والكبريت والنوشادر. وأنشأوا مصانع النسيج، كما برعوا فى صناعة ‏الكتان والحرير وصباغة الأقمشة، ومن مفاخر الصناعة فى ذلك الوقت، صناعة ‏الورق من الخرق القطنية، ولم تكن تعرف به أوربا؛ فكانت تستورد الورق من ‏صقلية؛ ليحل محل الرقائق الجلدية المرتفعة الثمن. وأما التجارة، فقد اتسع نطاقها ‏فى فترة حكم المسلمين الذى استمر قرنيين وربع من الزمان. وفى سنة (450هـ) ‏دخل النورمان الجزيرة واستولوا عليها بقيادة راجار الأول الذى لم يترك ‏للمسلمين أى شئ.

وفى سنة (643 هـ) احتل الجرمان الجزيرة بقيادة الأمبراطور ‏فردريك الثانى وفى أواخر عهده نكل بالمسلمين وعذبهم بكل أنواع التعذيب التى بلغت حد الإحراق والصلب. وفى عام (647هـ) طُرد المسلمون عن آخرهم ‏من صقلية؛ وبذلك اختفى الإسلام والمسلمون تمامًا من صقلية، ومع اختفائهم ‏هُدِّمت كل مساجدهم.

آثار ومعالم:

وعلى الرغم من ذلك فقد ترك العرب المسلمون فى (صقلية) الكثير من عاداتهم ‏وتقاليدهم، التى لا تزال باقية حتى الآن، كما تركوا ألفاظًا عربية كثيرة فى اللغتين: ‏الصقلية، والإيطالية؛ بل لا تزال للآن مدن فى الجزيرة تحمل أسماء عربية، وفى ‏مدينة بالرمو العاصمة مبنيان عظيمان من مبانى العرب: أحدهما قلعة الجزيرة، ‏والآخر قصر القبة الذى بُنى فى القرن 12 الميلادى وفى داخله قاعة فسيحة ‏جدرانها مغطاة بالفسيفساء البديعة التنسيق وبها أيضًا:

- القصر الكبير: وهوقصر واسع -كبير البيوت، باهر الزينة والآثاث.

- شارع السماط: الذى يمتد بطول المدينة كلها ويقسمها نصفين.

- حى الخالصة: الذى بناه خليل بن إسحاق والى ص

دولة الأدارسة.. أول دولة علوية هاشمية

سميت الدولة بالأدارسة نسبة إلى مؤسسها إدريس بن عبد الله بن حسن بن ‏الحسن بن علي بن أبي طالب. ‏قامت بالمغرب الأقصى، ومذهبها هو الزيدية أقرب مذاهب الشيعة إلى أهل ‏السنة(1‏).‏

أما الدكتور/ حسين مؤنس فيرى أنها دولة سنية حيث يقول: "من الأخطاء الشائعة ‏القول بأن دولة الأدارسة دولة شيعية؛ لأن مؤسسيها وأمراءها كانوا من آل البيت، ‏والحقيقة أن الأدارسة رغم علويتهم لم يكونوا شيعيين، بل لم يكن أحد من رجال ‏دولة الأدارسة أو أتباعهم شيعيًا فقد كانوا سنيين، لا يعرفون الآراء الشيعية التي ‏شاعت على أيام الفاطميين، ولم يعرفوا في بلادهم غير الفقه السني المالكي، ‏ومن البديهي أن آل البيت لا يمكن أن يكونوا شيعة لأحد، أما الشيعة فهم ‏أنصارهم، والوصف الصحيح لهذه الدولة هو أنها كانت دولة علوية هاشمية، وهي ‏أول تجربة نجح فيها أهل البيت في إقامة دولة لأنفسهم"‏(2‏).   ‏

فلم تنقطع ثورات العلويين بعد تولي أبناء عمومتهم العباسيين الخلافة، وإعلانهم ‏أنهم أحق بها منهم، وقابل العباسيون ثورات أبناء العمومة بكل شدة وقسوة، ‏ونجح أبو جعفر المنصور في القضاء على ثورة "محمد النفس الزكية"، ‏واستشهاده سنة (145هـ = 762م)، ولم تكن ثورة أخيه إبراهيم أفضل حالاً من ‏ثورته، فلقي مصرعه في السنة نفسها، واطمأن أبو جعفر المنصور على سلطانه، ‏واستتب له الأمر(3‏).  ‏

معركة فخ بالقرب من مكة

وبعد فشل هاتين الثورتين قامت حركات لبعض العلويين في اليمن وخراسان، ‏لكنها لم تلقَ نجاحًا، وأصابها ما أصاب سالفاتها، وعاش من بقي من آل البيت ‏العلوي في هدوء، وربما استخفوا حتى يتمكنوا من إعداد العُدَّة للخروج وهم ‏مكتملو القوة والعدد، وظلت الأمور على هذا النحو من التربص والانتظار حتى ‏حدث نزاع صغير بين والي المدينة المنورة وبعض رجال من آل البيت أساء ‏التعامل معهم، وأهانهم وأغلظ القول لهم، فحرك ذلك مكامن الثورة في نفوسهم، ‏وأشعل الحمية في قلوبهم، فثار العلويون في المدينة بقيادة الحسين بن علي بن ‏الحسن، وانتقلت الثورة إلى مكة بعد أن أعلن الحسين البيعة لنفسه، وأقبل الناس ‏عليه يبايعونه.‏

ولما انتهى خبر هذه الثورة إلى الخليفة العباسي موسى الهادي، أرسل جيشًا على ‏وجه السرعة للقضاء على الثورة، قبل أن يمتد لهيبها إلى مناطق أخرى؛ فيعجز ‏عن إيقافها، فتحرك الجيش العباسي إلى مكة، والتقى بالثائرين في (8 من ذي ‏الحجة 169هـ =11 من يونيو 786م) في معركة عند مكان يسمى "فخ" يبعد عن ‏مكة بثلاثة أميال، وانتهت المعركة بهزيمة جيش الحسين، ومقتله هو وجماعة من ‏أصحابه.‏

نجاة إدريس بن عبد الله:‏

وكان ممن نجا من قادة الثائرين في هذه المعركة "إدريس بن عبد الله بن ‏الحسن"، الذي اتجه إلى مصر ومعه خادمه راشد، وظل أمرهما مجهولاً حتى بلغا ‏مصر مستخفيْن في موكب الحجيج، ولم يكن اختفاؤهما أمرًا سهلاً؛ فعيون ‏الخلافة العباسية تتبعهما وتقتفي أثرهما، ولم تكن لتهدأ وتطمئن قبل أن تعثر ‏على إدريس بن عبد الله حيًا أو ميتًا، لكنهما نجحا في التحرك والتخفي؛ لا ‏لمهارتهما في ذلك، ولكن لحب الناس آل البيت، وتقديم يد العون والمساعدة ‏لهما.‏

ومن مصر خرج إدريس وخادمه "راشد" إلى بلاد المغرب، ويقال: إن هذا ‏الخادم كان بربريَّ الأصل، وساعدهما على الخروج من مصر عامل البريد بها؛ فقد ‏كان متشيعًا لآل البيت، فلما علم بوجودهما في مصر قدم إليهما في الموضع الذي ‏يستخفيان به، وحملهما على البريد المتجه إلى المغرب. وتذهب روايات تاريخية ‏إلى أن الذي أعان إدريس على الفرار من مصر هو "علي بن سليمان الهاشمي" ‏والي مصر، وأيًا ما كان الأمر فإن إدريس لقي دعمًا ومساعدة لتمكينه من الخروج ‏من مصر، سواءً كان ذلك بعون من والي مصر أو من عامل البريد.‏

وبعد أن وصل إدريس بن عبد الله إلى برقة تخفى في زي خشن، يظهر فيه ‏بمظهر غلام يخدم سيده "راشد"، ثم سلكا طريقًا بعيدًا عن طريق إفريقية إمعانًا ‏في التخفِّي، وخوفًا من أن يلتقي بهما أحد من عيون الدولة العباسية التي اشتدت ‏في طلبهما، حتى وصلا إلى تلمسان سنة (170هـ= 786م)، وأقاما بها عدة أيام ‏طلبًا للراحة، ثم استأنفا سيرهما نحو الغرب، فعبرا "وادي ملوية"، ودخلا بلاد ‏السوس الأدنى، حيث أقاما بعض الوقت في "طنجة" التي كانت يومئذ أعظم ‏مدن المغرب الأقصى، ثم واصلا سيرهما إلى مدينة "وليلي"، وهي بالقرب من ‏مدينة مكناس المغربية، واستقرا بها بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي عامين.‏

وبعد أن استقر إدريس في وليلي (قصر فرعون حاليًا) اتصل بإسحاق بن محمد ‏بن عبد الحميد زعيم قبيلة "أوربة" البربرية، صاحبة النفوذ والسيطرة في ‏‏"وليلي"؛ فلمَّا اطمأنَّ إليه إدريس عرَّفه بنسبه، وأعلمه بفراره من موطنه؛ نجاةً ‏بنفسه من بطش العباسيين، وقد رحَّب إسحاق بضيفه الكبير، وأنزله معه داره، ‏وتولَّى خدمته والقيام بشأنه شهورًا عديدة، حتى إذا حلَّ شهر رمضان من السنة ‏نفسها جمع إسحاق بن محمد إخوته وزعماء قبيلة أوربة، وعرَّفهم بنسب إدريس ‏وبفضله وقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه وأخلاقه وعلمه؛ فرحبوا ‏جميعًا به، وأعربوا عن تقديرهم له، وبايعوه بالخلافة في (14 من رمضان ‏‏172هـ=15 من فبراير 788م)، وبعد ذلك خلع "إسحاق بن عبد الحميد" طاعة ‏بني العباس حيث كان من ولاتهم، وتنازل لإدريس عن الحكم.‏

وتبع ذلك الدعوة لإدريس بين القبائل المحيطة؛ فدخلت في دعوته قبائل: زناتة، ‏وزواغة، وزوارة، ولماية، وسراته، وغياشة، ومكناسة، وغمارة، وبايعته على السمع ‏والطاعة، واعترفت بسلطانه، وقصده الناس من كل مكان.‏

استقرت الأمور لإدريس بن عبدالله، ورَسُخَت أقدامه بانضمام كل هذه القبائل إلى ‏دعوته، ودانت له معظم قبائل البربر، وبدأ يطمح إلى مدِّ نفوذه وسلطانه إلى ‏القبائل التي تعترف بحكمه، ونشر الإسلام بين القبائل التي لا تزال على المجوسية ‏أو اليهودية أو المسيحية، فأعدَّ جيشًا كبيرًا زحف به نحو مدينة "شالة" قبالة مدينة ‏الرباط، ففتحها، ثم تحول إلى كل بلاد "تامسنا" فأخضعها، وأتبع ذلك بإخضاع ‏إقليم "تاولا"، وفتح حصونه وقلاعه، ودخل كثيرٌ من أهل هذه البلاد الإسلام، ثم ‏عاد إلى "وليلي" للراحة والاستجمام في (آخر ذي الحجة 172هـ= مايو 789م)، ‏ثم عاود حملته الظافرة عازمًا على دعوة من بقي من قبائل البربر إلى الإسلام، ‏ونجح في إخضاع قبائل: قندلاوة ومديونة وبهلولة وغيرها من القبائل البربرية التي ‏كانت متحصنة بالجبال والحصون المنيعة، ثم رجع إلى وليلي في (15 من ‏جمادى الآخرة 173هـ=10 من أكتوبر 789م).‏

 

فتح تلمسان.. وبناء مسجدها ‏

أقام إدريس بن عبد الله شهرًا في وليلى، ثم عاود الفتح، واتجه ناحية الشرق هذه ‏المرة، عازمًا على توسيع ملكه في المغرب الأوسط على حساب الدولة العباسية، ‏فخرج في منتصف رجب 173هـ= نوفمبر 789م متجهًا نحو تلمسان، وفي أثناء ‏زحفه استولى على مدينة "سبتة"، ولم يكد يصل إلى "تلمسان" حتى خرج إليه ‏صاحبها "محمد بن خرز"، وأعلن خضوعه له دون قتال، وبايع إدريس بن عبد ‏الله، وتبعته قبائل: مغراوة وبني يفرده.‏

ولما دخل الإمام إدريس تلمسان أقام بها مسجدًا جامعًا للمدينة، وصنع منبرًا ‏جميلاً كان يحمل نقشًا يحدِّد تاريخ إنشائه، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ‏ما أمر به إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، ‏وذلك في شهر صفر 174هـ، وهذا يعني أن إدريس أقام في تلمسان حتى هذا ‏التاريخ، ثم كرَّ راجعًا إلى عاصمة ملكه.‏

نهاية الإمام إدريس

ولم تكد تصل هذه الفتوحات إلى عاصمة الخلافة العباسية حتى فزع الخليفة ‏هارون الرشيد، وشعر بالقلق والذعر من النجاح الذي يحققه إدريس بن عبد الله، ‏الذي نجح فيما فشل فيه غيره من أبناء البيت العلوي؛ فلأول مرة ينجحون في ‏إقامة دولة لهم بعد إخفاقات عديدة ومآسٍ دامية، ثم اشتد خوف الخليفة العباسي ‏حين جاءته الأخبار بعزم إدريس بن عبد الله على غزو إفريقية (تونس)، ففكَّر في ‏إرسال جيش لمحاربة هذا العلوي المظفر، وبينما الرشيد على هذه الحال من ‏القلق والاضطراب تدخَّلت الأقدار، وأراحته مما كان يفكر فيه، فتوفي إدريس بن ‏عبد الله في (سنة 177هـ= 793م) على أرجح الروايات، بعد أن نجح في تحدي ‏الصعوبات، وأقام دولة عُرفت باسمه "دولة الأدارسة" بعيدًا عن وطنه بين قبائل ‏متطاحنة تعتز بعنصريتها، وتتخذ من قوتها وسيلة لفرض سيطرتها على من ‏حولها، وهذه تُحسَب له، وتجعله واحدًا من كبار رجال التاريخ. ويضاف إليه أن ‏المغرب مدين له بنشر الإسلام في أماكن لم يكن قد وصل إليها من قبل(4‏).‏

إدريس الثاني (177 – 213 هـ= 793 – 828م)‏

استمر إدريس الأول في حكمه حتى توفي عام 177هـ= 793 م؛ حيث مات ‏مسمومًا فخلفه ابنه إدريس الثاني الذي كان جنينًا في بطن أمه عندما مات أبوه، ‏وقام بشئون البربر مولى أبيه (راشد)، فلما قُتِلَ راشد كفل إدريسَ أبو خالد يزيد ‏بن إلياس العبدي - أحد شيوخ البربر - حتى كَبُر إدريس فتولَّى الأمر بوصاية أبي ‏خالد عام 188هـ= 804م(5‏).  ‏

وفي سنة 192هـ= 808م بدأ إدريس الثاني يحكم مستقلاً بنفسه.‏

وعقب ذلك مباشرة نجد كثيرين من مهاجرة العرب يفدون على إدريس من ‏القيروان خاصة ويدخلون في خدمته، ويتجه نظره إلى الخروج من وليلي، ربما ‏لأنه كان يريد التحلُّل من سلطان قبيلة أوربة، فدلَّه أتباعه على وادٍ يصلح لمدينة ‏على أحد فروع نهر (سبو) بين جبلين، يُسَمَّى وادي فاس فأنشأ فيه بلدة صغيرة، ‏سميت "عدوة ربض القرويين"، ثم وفدت جماعة من مهاجرة قرطبة وأنشأوا ‏قرية مجاورة عرفت باسم "عدوة الأندلسيين"، ومن العدوتين تكونت مدينة ‏فاس، وابتنى إدريس لنفسه دارًا في عدوة القرويين وشرع في إنشاء مسجد فاس ‏الجامع، وانتقل إلى فاس وأصبحت عاصمة دولة الأدارسة من سنة 196هـ= 811م ‏، ودخلت دولة الأدارسة في الدور الحاسم من تاريخها.‏

وابتداءً من سنة 197هـ= 812م بدأ إدريس سلسلة حملات ثبَّتت سلطان الدولة ‏من تلمسان إلى ساحل المحيط الأطلسي، ونشط لحرب الخوارج في جبال ‏أطلس، ودارت حروب طويلة بينه وبين البرغواطيين، وفي هذا الدور من تاريخ ‏الأدارسة حمل العبء رجال قبيلتي أوربة وغمارة بشكل خاص.    ‏

ثم توفي إدريس الثاني عام 213هـ= 828م بعد أن ثبَّت دعائم الدولة بعد حروب ‏طويلة ومؤمرات خطيرة من جانب منافسيه من بني الأغلب خاصة(6‏).     ‏

وبعد وفاته نجد ابنه وخليفته محمد بن إدريس الثاني يتصرف تصرفًا غريبًا وغير ‏معقول، فيقوم بناءً على نصيحة جدته (كنزة) بتقسيم الدولة بين إخوته الكثيرين، ‏وكان المعقول أن يقيمهم عمالاً أو ممثلين للدولة، ولكنه أعطاهم نواحي الدولة ‏إقطاعات ينفرد كل منهم بناحية منها؛ فكان هذا سببًا في ضعف الدولة وهي بعدُ ‏لم يكتمل نموها، ومع أن محمد بن إدريس احتفظ لنفسه بالرياسة واعتبر إخوته ‏أتباعًا له، إلا أن بعض الإخوة اتجه إلى الاستقلال بناحيته ناسيًا أن قوة الدولة ‏الإدريسية تكمن في ترابط رؤسائها من أفراد البيت الإدريسي العلوي، الذي كان ‏يتمتع في قلوب الناس بمكانة جليلة(7‏).‏

توفي محمد بن إدريس الثاني عام 221هـ= 836م فخلفه ابنه علي بن محمد، ‏وكان عمره تسع سنوات عندما تولَّى الحكم، ولقب باسم حيدرة، وحيدرة لقب ‏كان يطلق على الإمام علي بن أبي طالب > ومعناه الأسد، واستمر في الحكم ‏ثلاث عشرة سنة، ولم يحدث في أيامه ما يستحق الذكر، فقد حكم تحت وصاية ‏أقاربه ورجال الدولة حتى توفي سنة 234هـ=848م(8‏).‏

وبعد وفاة علي بن محمد خَلَفَه أخوه يحيى الأول، وفي عهد يحيى هذا بلغت ‏فاس أوجها أيام الأدارسة، فقامت فيها المنشأت الكثيرة وامتدت على سفوح ‏الجبال، وأُنشِئ جامع القرويين(9‏).   ‏

ولما مات خَلَفَه ابن أخيه يحيى الثاني بن علي بن محمد وكان سيء السيرة ‏فثارت عليه العامة، فاختفى بعُدوة الأندلس ريثما تخمد الفتنة، ومات من ليلته، ‏واستولى عبد الرحمن بن أبي سهل - الذي تزعم الثورة على يحيى بن علي - ‏على مدينة فاس؛ فأرسلت زوجة يحيى إلى أبيها والي بلاد الريف علي بن عمر ‏بن إدريس، وطلبت منه الحضور لإخماد هذه الثورة فجاء وأخمدها، وسيطر على ‏البلاد(10‏).‏

وبذلك انقطع الملك من عقب علي بن محمد بن إدريس الثاني، وأصبح في ‏عقب عمر بن إدريس صاحب الريف تارة، وفي عقب القاسم بن إدريس الزاهد ‏تارة أخرى.‏

ولم يلبث أن دخل أهل فاس في طاعة علي بن عمر، وخُطِبَ له على منابر ‏المغرب، واستقرت قدمه في هذه البلاد فترة من الزمن(11‏).‏

وكانت إمارة الأدارسة تعيش خلافات شديدة؛ إذ كانت تخضع تارةً لحكم ‏صاحب الريف علي بن عمر بن إدريس، وتارة لحكم أولاد القاسم بن إدريس ‏إضافة إلى ثورة عبد الرازق الفهري أحد زعماء الخوارج الصفرية الذي أجبر علي ‏بن عمر بن إدريس على الفرار إلى قبيلة أوربة، ولكن أهل فاس استدعوا ابن ‏أخيه وهو يحيى الثالث بن القاسم بن إدريس وبايعوه، وبقي طيلة وقته يقاتل ‏الخوارج حتى قتله الربيع بن سليمان عام 292هـ= 905م(12‏).‏

وعاشت دولة الأدارسة في فوضى واضطراب بسبب القتال بين أبناء إدريس ‏والخوارج الصفرية، وبسبب هذه الحروب ساءت الحالة الاقتصادية والاجتماعية ‏للدولة(13‏).      ‏

وبعد أن اغتيل يحيى الثالث بن القاسم تولى أمر الأدارسة يحيى الرابع بن إدريس ‏بن عمر بن إدريس وامتد سلطانه على بلاد المغرب الأقصى كلها، وكان عظيم ‏القدر، عادلاً في رعيته، كثير الفضل، بطلاً شجاعًا، ذا بيان وفصاحة، حافظًا ‏للحديث، فقيهًا، صاحب دين وورع(14‏).‏

 

شجرة الحكام

‏1ـ إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (إدريس ‏الأول)...        (172 – 177هـ) ‏

‏2 ـ إدريس الثاني........................................ (177 – 213 هـ) ‏

‏3 ـ محمد بن إدريس الثاني..............................  (213 – 221هـ) ‏

‏4 ـ علي بن محمد بن إدريس............................  (221- 234 هـ) ‏

‏5 ـ يحيى الأول بن محمد بن إدريس....................... (234 – 250هـ) ‏

‏6 ـ يحيى الثاني بن علي بن محمد بن إدريس الثاني............ (250– 250 هـ)‏

‏7 ـ علي الثاني بن عمر بن إدريس الثاني................. (250 – 265هـ) ‏

‏8 ـ يحيى الثالث بن القاسم بن إدريس الثاني............ (265 – 292هـ) ‏

‏9 ـ يحيى الرابع بن إدريس بن عمر بن إدريس الثاني ......... (292 – 310هـ) ‏

‏10 ـ الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الثاني............ (310 – 312هـ) ‏

 

مراجع:

‏(1‏) الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي، تقديم د/ راغب السرجاني1/ 344. ‏

‏(2‏) د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص123. ‏

‏(3‏) أحمد تمام: مقال بموقع إسلام أون لاين.

(4‏) د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص125 – 127. أحمد

(5‏) محمود شاكر: الدولة العباسية 5/ 163. د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب ‏والأندلس ص 128.   ‏

(6‏) محمود شاكر: الدولة العباسية 5/ 163. د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب ‏والأندلس ص 128، 129.   ‏

(7‏) ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب1/91. د/ حسين ‏مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص 129. محمود شاكر: الدولة العباسية ‏‏5/196.  ‏

(8‏) د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص 130. محمود شاكر: ‏الدولة العباسية 5/ 208. ‏

(9‏) د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس ص130، 131. محمود ‏شاكر: الدولة العباسية 5/222. ‏

(10‏) ابن عذاري: البيان المغرب 1/91. محمود شاكر: الدولة العباسية 5/222. د/ ‏حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام 3/ 170. ‏

(11‏) د/ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام 3/ 170. د/ حسين مؤنس: معالم ‏تاريخ المغرب والأندلس ص131. ‏

(12‏) محمود شاكر: الدولة العباسية 6/ 51. ‏

(13‏) محمود شاكر: الدولة العباسية 6/ 94. ‏

(14‏) محمود شاكر: الدولة العباسية 6/ 112.